تحدث الدكتور محمد نور الدين أفاية، المفكر المغربي وأستاذ التعليم العالي في تخصص الجماليات وفلسفة التواصل، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن دور المشاعر في صنع الحضارات، وأنه باستحضار مقولة فرنان بروديل (المستقبل لا يعود إلا لمَن يعرف كيف يحقد)، وبأي معنى يصير انتصارُ الحضارات مشروطاً بتفوقها في كراهية الآخر؟
انتصار الحضارات وكراهية الآخر
قال الدكتور محمد نور الدين أفاية، المفكر المغربي وأستاذ التعليم العالي في تخصص الجماليات وفلسفة التواصل: “جرت العادة أن نفهم التاريخ أنه نتاج أعمال عقلية وتخطيطات عقلانية وإرادات يحملها أشخاص لهم مشاريع كبرى.. إلى آخره، وفي كثير من الأحيان ما ننسى أن للمشاعر والأحاسيس أدواراً كبرى في صناعة التاريخ.. أيضاً هذه المشاعر قد يتولد عنها، وتتولد عنها باستمرار، صور وأحكام نحو الذات ونحو الآخر.. إلى آخره، في غالب الأحيان، حسب موازين القوى وحسب مكر التاريخ ما تعمل الذات على تمجيد نفسها وذاتها وحضارتها ومرجعيتها وثقافتها، وبالمقابل تستخف وتحتقر ثقافة الآخر وتنتقص منه؛ ولذلك فإن مقولة بروديل ليست مفصولة على تاريخ الثقافة الفرنسية بالخصوص والثقافة الأوروبية في النظر إلى حوض البحر الأبيض المتوسط والحضارات التي صنعت تاريخ البشرية فيها؛ الحوض الغني الثري العميق الذي شهد تاريخ الإنسانية منذ بدايته من أديان واعتقادات ومذاهب وفلسفات وثقافات.. إلى آخره، سبقه ناس آخرون لتأكيد هذا البُعد المهم جداً في صناعة الحضارة، من نيتشه إلى فرويد وآخرين”.
قياس الحضارات لا يمكن اختزاله في الصناعات والعمران
وأضاف الدكتور محمد نور الدين أفاية: “كما أن بروديل باعتباره مؤرخاً لحوض البحر الأبيض المتوسط والثقافات التي سيطرت وفرضت ذاتها داخل هذا الحوض، تصارحت وتعايشت واختلفت وتنافرت.. إلى آخره. للمسألة جدليات تاريخية متشابكة وغنية ومعقدة، لم يكن يستبعد في ذهنه موقفه المؤرخ الكبير الذي أيضاً لا تقل معرفته عن الحضارات التي تعاقبت على حوض البحر الأبيض المتوسط؛ ولذلك فإنه يعتبر بأنه قياس الحضارات لا يمكن اختزاله في الصناعات، والعمران والمدن، وكل المظاهر، وتجاوز الذات وصناعة التقدم.. إلى آخره، بقدر ما أيضاً يعطي أهمية خاصة للبعد الانفعالي، وأحياناً لمشاعر الحقد التي تفرض ذاتها على التاريخ. ولا شك أننا نعيش في هذا السياق مظاهر جلية لتعبيرات الحقد الذي وصل إلى درجة الإجرام ومحو الآخر من الوجود بطريقة غير مسبوقة في تاريخ الحروب؛ ولذلك علينا أن ننتبه بقدر ما ندعو إلى فهم التاريخ والأحداث بطريقة عقلانية وهادئة، بقدر ما علينا أن نعطي أيضاً لهذا البعد الانفعالي أدواراً في فهم صناعة الأحداث وصناعة التاريخ”.
وتحدث المفكر المغربي وأستاذ التعليم العالي في تخصص الجماليات وفلسفة التواصل، عن كتابه “الغرب المتخيل” وتوقفه عند التفجر الكبير لعناصر المتخيل في ما يخص إدراك الآخر في تاريخ العلاقات الإسلامية- المسيحية، وسر هذا التفجر وكيفية تفسيره، قائلاً: “أولاً علينا أن ننتبه إلى أهمية الألفاظ والكلمات.. حينما الكلمات إدراك؛ فإننا نعبئ حواسنا؛ ولكن هذه الحواس ليست مفصولة أيضاً عن الثقافة التي انبثقت منها وفيها، وحينما نتحدث أيضاً عن الصورة؛ في كثير من الأحيان ما نستعملها بطريقة تبسيطها وأحياناً تفقيرية؛ ولكن ما يهم المؤرخ وما يهم مؤرخ الأفكار أن يهتم بمضمونات الصورة، في شكل وقائع أيضاً.. فالصور حينما تتجمع وتتراكم وتصبح جزءاً ومكوناً من مكونات متخيل جمعي؛ فهذا المتخيل لا يبقى منحصراً على مستوى الخيال والأحلام والأوهام، وإنما هذا المتخيل يتحول إلى فعل يفعل فعله في التاريخ؛ أي أن المتخيل ليس لواقع وإنما هو واقع يفعل في الواقع ومن خلاله ينتج المعنى، وبالتالي إذا تعلق الأمر بالإدراك وبالخصوص إذا كان هذا الإدراك أيضاً مرتبطاً باعتقاد ديني؛ فإن الأمر يزيد لأهمية المتخيل أدواراً كبرى؛ طالما أننا ننظر إلى اعتقاداتنا بأنها هي الصحيحة واعتقادات الآخرين إما مزيفة وإما خاطئة وإما منقوصة، وبالتالي فإن هذا الإدراك يصبح ملفوفاً مشفوعاً متأثراً بهذا الخزان الرمزي الذي يحتويه هذا المتخيل، ويمكن أن تتفجر حسب اللحظات التاريخية، حسب السياقات.. هذه اللحظات التاريخية حسب درجة الحرارة، دائرة الصراع التي تصنع هذا التاريخ، وأيضاً حسب موازين القوى التي تحكم هذه النظرة، وهذا الموقف أو هذا الحكم أو ذاك”.
الثقافة العربية الإسلامية والخطاب القرآني والتصورات حول الآخر
وقال الدكتور محمد نور الدين أفاية، بشأن “النمط الذي أنتجته ثقافتنا العربية الإسلامية وتراثنا العربي الإسلامي ونصوصنا المؤسسة إلى نصوص كثيرة، التي اشتغل عليها في كتابه، وما ملامح وعناصر هذا النمط التي تعاملت مع الآخر؛ سواء أكان اختلافاً دينياً أم اعتُبر هذا الآخر خصماً تاريخياً؟”: “النمط الذي تمت بلورته ضمن الخطاب القرآني كان حاسماً في ما سيأتي من تصورات حول الآخر طيلة الـ١٥ قرناً الأخيرة، والظاهر وإذا رجعت إلى الكتاب؛ لا شك أنك اطَّلعت على هذا الأمر، أن القرآن نزل باعتباره يحمل وجهَين؛ الوجه الأول هو أنه امتداد للسلالة الإبراهيمية العقائدية الواحدة، ولهذا نجد في النص القرآني حديثاً عن الفرقان وعن القرآن وعن الكتاب، إذن القرآن هو التتويج الاسمي للكتاب الإبراهيمي التوحيدي؛ بمعنى أن هناك نوعاً من أنواع التقارب والتشابه في ما يتعلق بالاعتقاد التكويني، إذا صح التعبير. ثم أيضاً بالإضافة إلى ذلك هناك وجه آخر؛ هو أن القرآن يقدم نفسه باعتباره البديلَ عن هذه الاعتقادات السابقة، وأيضاً مختلفاً عنها بدرجات مختلفة؛ بمعنى آخر أنه حينما جاءت الرسالة النبوية جاءت أولاً كمشروع تاريخي كبير، ووعت أنها أمام خلافات وفروق ونزاعات واتجاهات ومذاهب واعتقادات؛ فوجدت على الأقل مجموعة من الديانات، على رأسها النصرانية واليهودية، وأيضاً ما يسميه القرآن بالمشركين والكفار إذا حاول ما أمكن أن يعارضها انطلاقاً من السور؛ حسب أسباب نزول هذه السور إلى آخره، بطرق متفاوتة، حسب أيضاً كما قلت قبل قليل.. درجات الصراع ودرجات التساكن في سياق بناء هذا الشغف النبوي الذي تمثل في مشروع تاريخي كبير للذات الإسلامية وللإنسان الجديد الذي دعا إلى تكوينه وتشكيله.. إلى آخره، اختلافات أمامه عليه أن ينتبه إليها، أن ينظر إليها، أن ينظم علاقاته بها، وأن يضطر أحياناً إلى نوع من أنواع التشريع لهذه العلاقات مع هذا الآخر”.
كيف دبَّرَ القرآن مسألةَ الاختلاف الديني وكيف أقر مبدأ المغايرة؟
وأجاب المفكر المغربي، أستاذ التعليم العالي في تخصص الجماليات وفلسفة التواصل، عن سؤال كيف دبَّرَ القرآن مسألةَ الاختلاف الديني وكيف أقر مبدأ المغايرة؟، قائلاً: “بحكم الضرورة المجتمعية؛ لأن هناك اجتماعاً جديداً أقامه الإسلام؛ سواء في مرحلته الجنينية في المرحلة المكية أو بالخصوص في المرحلة المدينية، إذا كان الأمر يتعلق في إطار الدولة المحمدية أن يرتب شؤون التأسيس الأولي للاجتماع الإسلامي الأول.. بمعنى أنه أمامه نصارى وأمامه يهود وأمامه مَن يشرك بالله ومَن يكفر بوجود الله.. إلى آخره، وكان عليه حسب طبعاً كما قُلت قبل قليل في السياق، وحسب درجة حرارة الصراع، وحجم الخطر الذي كان يهدد الرسالة النبوية.. إلى آخره. كان من المفترض موضوعياً وتاريخياً أن يضع قواعد مرجعية لترتيب تدبير الاختلافات الموجودة داخل المجتمع؛ لأنه لم يكن الأمر يتعلق بمجتمع واحد، لأنه شعاره ومبدأه الأكبر هو صناعة مجتمع واحد انطلاقاً من مبدأ التوحيد؛ ولكن داخل المجتمع الواحد تعبره اختلافات وقبائل.. وإلى آخره، ولهذا دعا إلى التعارف ما بين هذه الاختلافات، وإلى وضع قواعد، إن صحَّ التعبير، سلمية ضمن منطق جديد الذي تفرضه الدعوة وضمن التصور الجديد الذي أقام عليه هذا الاجتماع المغاير المختلف.. إلى آخره”.
وأضاف الدكتور محمد نور الدين أفاية: “وبالتالي فإنه من الصعب أن نتحدث عن مصطلح المغايرة بالمعنى الفلسفي للكلمة. وإنما كان في ذلك الوقت نوع من أنواع الوعي الأوَّلي.. الجنيني؛ ولكن المهم في أن حقيقتي أنا المطلقة لا يمكن أن أفرضها باعتبارها حقيقةً مطلقةً على الجميع؛ لأن هناك اختلافات عليَّ أن أراعيها، وبالتالي فإن هذه المراعاة كانت تفترض كما هو وارد في التاريخية والاجتماعية والتشريعية أن نضع قواعد للتعايش، للتعارف والتبادل والتعاون؛ ولكن ضمن كما قُلت المشروع التاريخي الجديد، وهذا الاجتماع”.
مصطلح التعايش ودستور ووثيقة المدينة
وأضاف المفكر المغربي بشأن التعايش والصراع الذي دار بين اليهود في المدينة والرسالة الجديدة: “هذا التعايش جاء بعد كبيرة جداً مع اليهود (وتلته حرب مع اليهود أيضاً كانت قصيرة)؛ مع ذلك ولهذا الآيات التي وردت في سور القرآن كانت بارزة وغنية وكثيفة، وتعبر عن شراسة الصراع الذي دار بين اليهود في المدينة وبين الرسالة الجديدة؛ وبالتالي فإن هذا التعايش جاء كنتيجة للحظات صراع وتوتر ومواجهات تبلور عنها (ميثاق المدينة) الذي يؤسس لهذا الاجتماع”.
الإسلام والمسيحية ديانتان كونيتان.. عكس اليهودية
وأجاب الدكتور محمد نور الدين أفاية، عن سؤال “كيف قنَّنَ الفقهاء وضعية أهل الذمة بما يجعلهم جزءاً من أهل دار الإسلام (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، حسب منطوق الحديث النبوي”، قائلاً: “كما قُلت الرسالة الجديدة لم تكن لها حدود؛ لا حدود عقائدية ولا حدود جغرافية ولا حدود بشرية. المشروع الإسلامي كان مشروعاً عالمياً، وكما هو الشأن بالنسبة إلى المسيحية.. الديانتان الكونيتان هما المسيحية والإسلام، واليهودية ليست ديانة كونية؛ لماذا؟ لأنها أقلية، لأنها لكي تكون يهودياً يجب أن تكون أُمك يهودية. إذن محصورة جداً؛ بدليل أنه عدد اليهود في العالم اليوم لا يتجاوز ١٥ مليون نسمة.. النسمة؛ أي أنها ديانة شعب الله المختار. ما يترتب عن هذا التصور من أشياء لا داعي للدخول في تفاصيلها؛ ولكن الإسلام جاء للناس كافة، باعتبارها ديانة كونية، ومن هذا المنطلق لم يكن يعترف الإسلام بشيء اسمه الحدود؛ الحدود لم تكن موجودة، بل حتى إن الكلمات المستعملة في العربية لتسمية الحدود لها معنى حربي من ثغور وتخوم.. إلى آخره، أكثر مما لها معنى الحد الجغرافي الفضائي لمجال المحمدية، فمن هذا المنطلق توسع معنى نطاق واسع في شرقه وغربه في شماله وجنوبه.. إلى آخره، وفي هذه العملية حيال التوسع كان يلتقي شعوباً وثقافات وحضارات وجماعات لها عقائد مختلفة ولها ثقافات مختلفة، حتى ولو تكون قد اعتنقت الإسلام فإنها في العمق تبقى محتفظة بذاكرتها ومتخيلها الجمعي وعاداتها وطقوسها وممارستها.. إلى آخره، التي بقيت. وخُذ ما شئت من الأمثلة؛ سواء تعلق الأمر بشمال شرق القوقاز أو في آسيا البعيدة أو في إفريقيا أو في المغرب العربي أو شمال إفريقيا.. إلى آخره، رغم توسع الظاهرة الإسلامية في شمال إفريقيا وفي كثير من المناطق في هذه البقعة من الجغرافيا، لم يؤثر فيها الإسلام في طقوسها، وفي عادتها وتقاليدها، وفي أنماطها الأنثروبولوجية إذا صح التعبير، وبالتالي حتى ولو أننا كنا نجد جماعات اعتنقت الإسلام وآمنت بالتوحيد الإسلامي، تبقى مع ذلك حاملةً لتلك الثقافة المترسخة في ذهنها، وفي ذاكرتها.. إلى آخره”.
وأضاف المفكر المغربي: “وبالتالي فإنه في هذه الحركية الواسعة، النخب المواكبة لهذه الحركية كانت في حاجة إلى أن تقترح إجابات عملية لتدبير هذه الاختلافات التي يلتقون بها كيفما كانت هذه الاختلافات؛ نظراً أيضاً للسمة الواقعية التي يتميز بها الفقيه. نحن في كثير من الأحيان ما نستعمل لفظة الفقه والفقيه بنوع من أنواع النقد.. إلى آخره؛ ولكن النخب الفقهية كانت تمتلك اقتداراً ذهنياً وفكرياً كبيراً جداً في اجتراح الحلول وفي وضع آفاق جديدة من أجل ترتيب شؤون الاجتماع، وهذا ما حصل في كل المناطق التي دخل إليها الإسلام”.
مرحلة الجدل والتناظر والسجال مع النصرانية
وأجاب الدكتور محمد نور الدين أفاية، عن سؤال “كيف أسهمت الردود على النصارى في بناء تصورنا عنهم أكثر تعقيداً من التصور القرآني الأول؟”، قائلاً: “علينا أن لا ننسى أن الجدل الكلامي هو أولاً في الأصل بدأ جدلاً إسلامياً إسلامياً حول قضايا كبرى انبثقت في سياق الصراع على السلطة والخلافة ومَن له الأحقية لكي يكون خليفةً وما تولد عن ذلك من صراع ما بين بني أُمية وبني هاشم في البداية، ثم ما بين الأمويين وما بين الهاشميين، ثم أيضاً ما بين الشيعة وما بين السُّنة، ثم أيضاً داخل الفرق الإسلامية التي تأسست؛ وعلى رأسها بالدرجة الأولى الأشاعرة والمعتزلة، وأنا أعتبر أن هذه اللحظة لحظة الجدل الكلامي، لحظة فكرية راقية جداً؛ انتقل فيها العقل الإسلامي، إذا جاز لنا أن نستعمل هذه الصيغة (العقل الإسلامي)، إلى مستوى أكثر تجريدية في طرح أسئلة كبرى وقضايا مفهومية؛ مثل مفهوم العدل، مفهوم الحرية، وما زالت هذه الأمور في حاجة إلى أن نعود إليها بطرق مختلفة. طبعاً التاريخ تجاوزَ الكثيرَ من الأشياء؛ ولكن الفكر البشري يبقى فكراً في حاجة إلى استرجاع بعض القيم الكبرى، فالجدل الإسلامي كان جدلاً إسلامياً إسلامياً، ثم هذا الجدل الإسلامي لا ننسى أن الجغرافية العربية كانت تتميز بوجود طوائف نصرانية كثيرة وعديدة، ولها تاريخ ولها ثقافة ولها مراكز بحث؛ فاضطر المسلمون في جدالاتهم إلى أن يناقشوا هؤلاء النصارى، سواء أكانوا عرباً أم غير عرب. بالتالي فإن هذا الجدل ولد تفكيراً جديداً حول طريقة تدبير الاختلاف العقائدي، والسجال العقائدي.. كانوا في حاجة إلى تعبئة كل المؤهلات النظرية والفكرية؛ سواء استمدوها من الفلسفة الإغريقية أو غير الفلسفة الإغريقية، من أجل الدفاع عن الأطروحات المتنازعة ما بين المسلمين وبين النصارى داخل أحياناً الثقافة الواحدة والتي هي الثقافة العربية”.
الحملات الصليبية.. والشغف الجهادي في الصراع مع المسيحية اللاتينية
تابع المفكر المغربي: “علينا أن ننتبه إلى أن التصور الرئيسي الذي حكمَ موقفَ المسلم نحو الآخر، استمده من القرآن. القرآن وضع تصوراً أولياً حول الآخر؛ سواء أكان نصرانياً أم يهودياً أم مشركاً أم كافراً، ثم تبلورت فكرة هذا الآخر، كما قُلنا قبل قليل، حول مسألة الذمي التي عمل القرآن في سورة (التوبة) على التشريع لها بطريقة من الطرق، ولكن مسألة الذمي لم تعد مقتصرة عليها بحكم التوسع وبحكم الحركية العالمية التي انطلق فيها الإسلام، واضطر أن يواجه المسيحية التي هي بطرق مختلفة في إطار الصراع على الأمكنة وعلى الجغرافيا وأيضاً على السلطة وعلى حكم الآخرين، لذلك تبلور نوع من أنواع، إذا صح التعبير، الشغف الجهادي في الصراع مع المسيحية اللاتينية، وهذا الشغف الجهادي كان ينتعش حسب كما هو معروف الحملات الصليبية ضد الإسلام، وردود الأفعال الجهادية الإسلامية ضد الصليبيين”.
واستكمل الدكتور محمد نور الدين أفاية: “لا ننسى أن الصليبيين استوطنوا الشام والشرق العربي قروناً على الأقل ليس أقل من قرنَين، وكتاب أسامة بن منقذ، يفيدنا، وإن كان يبدو أنه مذكرة شخصية؛ ولكنه يكشف لنا عن التصور الإسلامي للآخر، التصور الإسلامي للإفرنج؛ فهذا الآخر كان نصرانياً يهودياً ذمياً ثم في ما بعد تحول إلى آخر بيزنطي رومي. أما مع الصليبيين فأصبح هذا الآخر إفرنجياً. معنى أن المسلم أصبح يمنح لهذا الآخر المختلف بُعداً إكنولوجياً، إذا صح التعبير، وبالتالي فإنه إذا عُدنا إلى كتاب الاعتبار، وهو كتاب مفيد جداً، يعكس إدراكات هذا الرجل الذي كان شاعراً، وكان أميراً وكان محارباً في نفس الوقت، وعاش معارك كثيرة، كما عاش أيضاً لحظات التفاوض مع الإفرنجيين؛ لأنه كان مفاوضاً كبيراً ويتحدث عن الإفرنج وكيف يصفهم، منهاً مثلاً أن هذا الإفرنجي الذي يأتي بشكل طارئ على الأرض العربية الإسلامية يتميز بنوع من الجفاء؛ بل يستعمل كلمة أجلف، أما الإفرنجي الذي عاش في الأرض العربية وترعرع في الأرض العربية؛ فإنه يقول يتبلد؛ بمعنى أنه يتأثر بالحضارة العربية الإسلامية، ويصبح أكثر تمدناً من ذلك الإفرنجي الذي يأتي بعقلية، والذي يحركه ذلك الحقد الذي أشرنا إليه من أجل أن ينتصر الصليب على الإسلام؛ لذلك فإن تطور هذه النظرة الإسلامية إلى الآخر انبثقت من القرآن، وتطورت مع حركة الانتشار الإسلامي عبر الجغرافيا وتطورات، حسب كما قُلنا، درجة الصراع وموازين القوى بالدرجة الأولى في العصر الوسيط، ما بين حركة الجهاد الإسلامي والحركة الصليبية بمراحلها وحملاتها المختلفة، وضمن هذا الصراع بطبيعة الحال، كل معسكر يبني لنفسه استراتيجية وخطاباً ودعايةً وإعلاماً”.
بناء الاستراتيجية الإعلامية ومنظومة الدعاية
وقال المفكر المغربي: “شعار المسيحية اللاتينية كان الصليب واستعادة الأراضي المقدسة في نظر المسيحية اللاتينية، وإرادة القوة الإسلامية كانت تتمثل في الجهاد، ومن ذلك كان، كما قُلت قبل قليل، كل طرف في حاجة إلى أدوات يستثمرها ضمن هذا الصراع الوجودي تقريباً ما بين الإسلام والمسيحية اللاتينية.. فإذا نظرت إلى ما أنتجته الكنيسة في العصر الوسيط من صور عن الإسلام وعن شخصية النبي، عليه السلام، ثلاث صور كبرى بلورتها الكنيسة لتعبئة المسيحيين لمحاربة الإسلام والمسلمين؛ أولاً أن هذا الإسلام دين مزيف وشوَّه حقيقة التوحيد، وثانياً أن هذا الإسلام يدعو إلى الشبقية والانحلال الخلقي، وثالثاً أن الإسلام يتميز بدرجة كبيرة من العنف”.
المتخيل المسيحي و3 صور كبرى دفينة عن الإسلام
وأضاف الدكتور محمد نور الدين أفاية: “ثلاث صور كبرى أسَّست لهذا المتخيل المسيحي في ذلك الوقت؛ في العصر الوسيط، والظاهر أنه في كل لحظة اصطدام إلى اليوم ما بين الإسلام وما بين ما نسميه بالغرب، تتفجر هذه الصور مرة أخرى إلى صور كاريكاتيرية، التي نشرتها بعض الصحف في النرويج وغيرها إلى اليوم. إذن في كل مرحلة يتفجر فيها الصراع ونحن نعيش هذا الصراع اليوم أيضاً بطرق مختلفة؛ فإن هذه الصور الدفينة في هذا المتخيل العميق للأوروبي والغربي تتفجر مرة أخرى، ولا شك أنك تتابع كيف أن اليمين المتطرف الصاعد في أوروبا الآن يستثمر هذه الصور الثلاث، ولا سيما فيها الصورة الثالثة المرتبط بالعنف؛ ولذلك في كثير من الأحيان ما يماهون بين الإسلام والإرهاب وبين الإسلام والعنف.. إلى آخره. إذن هذه الصور عملت الكنيسة منذ العصر الوسيط على تأسيسها، وما زالت مستمرة، ويتم التعبير عنها، كما قُلت قبل قليل، بطرق متنوعة وضمن أدوات مختلفة”.
الإفرنجي.. والنزعة المركزية الإسلامية
وتابع المفكر المغربي: “أما الإسلام ففي الغالب الأعم صورة الآخر لديه باستثناء هذه الإشارات التي أتينا على ذكرها، لم يعمل المسلمون على بلورة تصور حقيقي للآخر؛ سواء اعتمدنا على الرحلات السفرية أو على المؤرخين أو على الجغرافيين أو على الدبلوماسيين أو على غيرهم من الناس الذين احتكوا بهذا الآخر كيفما كان نوع هذا الآخر وانتماؤه الثقافي والحضاري، في كثير من الأحيان ما نجد توصيفات وأحكام عابرة وأحياناً صور لا تعكس ذلك التصور الشمولي الذي كان من المفترض أن نبنيه نحو آخرين نعتبره بأنه لنا معه علاقة ضدية إن لم تكن علاقة عدائية، وإنما كانت هناك صور مشتتة متفرقة في كثير من الأحيان، إذا أخذنا مثلاً كتاب (الاعتبار) لأسامة بن منقذ، وحتى كتاب (المقدمة) لابن خلدون. حينما تجد ابن منقذ يتحدث عن الإفرنج، مجرد ما يستعمل كلمة الإفرنجي يستعيد كلمة تفيد الشتيمة والانتقاص؛ يقول الإفرنجي لعنه الله، قبحه الله.. إلى آخره. إذن في كل مرة هذا الإفرنجي، هذا الآخر، حتى ولو اعترف داخل مثلاً كتابه ببعض الفضائل لهذا الإفرنجي؛ مثل الشجاعة، مثل الحكمة، مثل القدرة على التدبير العادي في القضاء أو أحياناً في نوع من أنواع تعبيرات الصداقة.. إنه من الممكن أن يتحدث عن هذه الأمور، عن الصداقة؛ ولكن داخلها دائماً الصراع، فمع ذلك فإن الخلفية العميقة في ذهنه أنه هذا الإفرنجي مهما كانت له من فضائل يبقى ناقصاً ويبقى مستخفاً به؛ لذلك فإن هناك نوعاً من أنواع النزعة المركزية الإسلامية حول ذاتها، تعتبر أنها متفوقة باستمرار حتى ولو على سبيل الوهم عن الآخرين”.
الجاحظ في كتابته عن الآخرين.. لم يكتفِ بالإفرنجي
وأضاف الدكتور محمد نور الدين أفاية: “ولربما أكثر الناس الذين انتقلوا من هذا الشعور بالتفوق في الثقافة العربية الإسلامية إلى الوعي بالتفوق، هو مفكر وكاتب كبير؛ هو الجاحظ. الجاحظ في كتابته عن الآخرين لم يكتفِ فقط في الحديث عن الإفرنجي؛ بل تحدث عن الهنود والفرس وكثير من الحضارات.. إلى آخره. وحاول أن ينظر إلى هذا الآخر؛ ليس فقط باعتباره اختلافاً وإنما أيضاً نظر إليه من زاويته الأنثروبولوجية؛ أي نظر إليه في لباسه وطعامه وفي أسلوب حديثه.. إلى آخره، وكان يصدر أحكاماً عن هذه الشعوب وعن هذه الحضارة”.
وأجاب المفكر المغربي عن سؤال “كيف أنتجنا نحن أبناء الشرق نوعَين من الاستشراق العربي الوسيط؛ بتعبير عزيز العظمة، وأنتجنا خطاباً يكاد يكون استشراقياً، هل يمكن اعتباره كذلك أولاً؟”، قائلاً: “لا أدري إلى أي حد يمكن أن نستعمل لفظة الاستشراق في هذا السياق؛ لا أدري استعملها الدكتور عزيز العظمة وغيره حسن حنفي اشتغل على هذا الموضوع، وعلي أومليل في كتابه (في شرعية الاختلاف)، وعزيز العظمة في (العرب والبرابرة)، ومجموعة أخرى من الدراسات والكتابات، ولكن يبدو لي أن الكتابات الإسلامية عن الشرق الأقصى، عن الهند وعن الصين.. إلى آخره؛ تندرج ضمن نوع من أنواع الفضول المعرفي والخروج عن دائرة الفهم الإسلامي الخاص المخصوص إلى توسيع دائرة الوعي بأن ليس الإسلام وحده هو الموجود؛ وإنما هناك حضارات أخرى يمكن أن ننتبه إلى عطاءاتها العلمية والأدبية والفكرية والثقافية من هذه الزاوية قد نسميه استشراقاً إسلامياً، وقد نسميه ما شئنا؛ ولكن بالنسبة إليَّ الأمر يدخل ضمن نوع من أنواع إرادة المعرفة، معرفة الآخر والإنصات إليه، وفهم هذه الثقافة أكثر مما يمكن أن نلصق عليها لفظاً من قبيل الاستشراق”.
الفضول المعرفي بين الشرق والإفرنج
وأضاف المفكر المغربي بشأن أنه لم يكن انفتاحنا على الإفرنج معرفياً بذات الفضول الذي انفتحنا به على الهند والصين: “يبدو لي أن هذا نقص كبير كان في الماضي وتم استئنافه داخل النقص؛ ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر والتاسع عشر مع فكر النهضة، ولم يعمل العرب والمسلمون على استدراكه في ظنِّي إلا في أواسط الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. ابتداء من هذه الفترة، الغرب كغرب وإن كان هذا المصطلح تعميمياً جداً؛ لأنه الغرب لا يتلاءم، لا يتوافق مع ذاته أصلاً؛ لأنه إذا نظرنا إلى الغرب من الزاوية الجغرافية لا يمكن حدّه من الناحية الثقافية، ويمكن أن نتحدث عن المقومات الكبرى التي أسَّست لهذا الذي نسميه بأرض الغرب. أصبح لدى النخب العربية الإسلامية منذ أواسط القرن العشرين، فهم أكثر تقدماً بالآخر. أما ما قبل القرن العشرين فكانت هناك إدراكات، كانت هناك أوصاف، كانت هناك أحكام. إذا أخذنا مثلاً الرحلات السفرية من رفاعة الطهطاوي وغيره من الرحالة والدبلوماسيين؛ وقبلهم الأتراك والعثمانيون في علاقتهم بأوروبا.. إلى آخره، سنجد كثيراً من التوصيفات التي لا تدخل في العمق إلى فهم البنيات الذهنية والفكرية التي قام عليها هذا الذي يُسمى بأوروبا والغرب في ما بعد، وهذا نقص يتبيَّن من خلال المنتوج المكتوب، وليس فقط بناءً على حكم متسرع لا نجد إنتاجاً معرفياً فكرياً يحيط بالتاريخ الفكري والنظري والعلمي والحضاري لهذا الذي سُمي بأوروبا في ما بعد؛ مثل ما نجد بالمقارنة بما أنتجه الأوروبيون عن العرب، وربما هذا هو السبب الرئيسي الذي دفعني لأشتغل على هذا الموضوع، وأن أقف عند تجليات الآخر في الخطاب العربي الإسلامي، كما قُلت، من القرآن إلى ابن خلدون في هذا الكتاب، وأيضاً من رفاعة الطهطاوي إلى عبد الله العروي في كتابه (الغرب الإسلامي)”.
الغرب الإسلامي والشرق الإسلامي
قال الدكتور محمد نور الدين أفاية: “قصة الغرب الإسلام لها خصوصية؛ ويبدو لي أنها وكثيراً من الباحثين اشتغلوا على ما يميز الغرب الإسلامي عن الشرق الإسلامي، من بين عناصر هذا التميز أن الإسلام دخل إلى الغرب الإسلامي. الغرب الإسلامي بمعنى شمال إفريقيا والأندلس؛ دخل إليه كدين، استقر واستمر كحضارة، وهناك فارق كبير جداً دون أن يعني ذلك أن الدين لم يكن حاضراً دائماً داخل هذه الحضارة؛ بدليل أن أيضاً من الأسباب الكبرى للصراعات والحروب التي كانت في الأندلس حول السلطة وحول الحكم وأيضاً ما تمخض عن هذه الحروب على صعيد شمال إفريقيا، وفي المغرب بما فيها معركة وادي المخازن في شمال المغرب كلها، كانت تتم ضمن هذا التقاطب الديني؛ ما بين الجهادية الإسلامية وبين الصليبية المسيحية اللاتينية، ولكن ثمانية قرون في الأندلس ليست سهلة على مستوى التاريخ الطويل.. ثمانية قرون خرجنا، شئنا أم أبينا، من النظرة الدينية المحدودة المحصورة بالنسبة إلى الحكم على الذمي وعلى الآخر؛ بل أكثر من هذا، المسلم أصبح ذمياً في الأندلس لمّا انتصر المسيحيون على المسلمين، أي بعد ١٤٩٢، وما بعد هذه السنوات؛ المسلمون في الأندلس كما يشير إلى ذلك الأستاذ علي أومليل في كتابه (في شرعية الاختلاف)، أصبحوا ذميين ضمن حكم نصراني وضمن حكم المسيحي. وبالتالي فالأندلس يبدو لي أنها تحتاج إلى مقتضيات نظرية ومنهجية مغايرة للتاريخ الإسلامي، به الأحوال في المشرق العربي، ومن هذا المنظور بحكم هذه المدة الطويلة من الحضور الحضاري العربي الإسلامي في الأندلس وشمال إفريقيا، كان هناك فهم مغاير للآخر؛ لأنه حضارةً تمت صناعة اجتماع بشري وثقافي وعقائدي جديد.. طبعاً تتفاوت عصوره من عصر إلى آخر، حسب التوترات ومنطق الغلاء الصالح.. وإلى آخره، ولكن استطاع الإسلام والمسلمون، ضمن هذه البقعة الجغرافية، إنتاج نموذج إنساني، إذا صح التعبير، يتجاوز في كثير من الأحيان تلك التقاطبات والصراعات الحدية والضدية التي ميزت تاريخ الجهادية الإسلامية والمسيحية اللاتينية”.
طوفان غزة.. العقل الإجرامي الأمريكي في تحالفه مع الحركة الصهيونية
وقال المفكر المغربي بشأن “الصراع الحالي بعد طوفان غزة وما إليه، نحس أنه لا الحداثة صمدت ولا فكر الأنوار ولا ثقافة الاختلاف، يعني عُدنا لإعادة إنتاج نفس النظرة القديمة.. وأن الحداثة كانت بالنهاية لحظة معرفية؛ لحظة تحول، ولكنها لم تلغِ ذلك العمق مع الأسف الذي ما زال يحكمنا”: “الحداثة مراحل منذ عصر النهضة إلى القرن السابع عشر إلى القرن الثامن عشر؛ الذي هو عصر الأنوار، الذي صنع المفاهيم الكبرى للحداثة إلى القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية، إلى القرن العشرين؛ الغرب كما يقول جون بول شارنيه، هو أربع تحولات: الغرب الإغريقي الروماني، والغرب المسيحي الإقطاعي، والغرب دول الأمم والإمبراطوريات البحرية، ثم الغرب الأطلسي الصناعي التقني. وربما نحن الآن مقبلون على تحول جديد في ما يتعلق بالتطور التاريخي للغرب، ربما وإن كان الغرب الأطلسي ما زال مهيمناً؛ بدليل ما نعيش من تورط العقل الإجرامي الأمريكي في تحالفه مع الحركة الصهيونية، ضد فلسطين والفلسطينيين والعرب والمسلمين؛ معناه أنه قد تكون هناك مؤشرات بأن هناك صعود دول كبرى جديدة، وربما بعض علامات إلى صحة، بل تعبير التراجع لهذا الذي يُسمى بالغرب الأطلسي، وإن كان ما زال جبروته يفرض منطقه على الآخرين وعلى العالم، والعالم يشهد كيف يفرض قوانينه وقراراته ومواقفه على الجميع، هذه الحداثة حدثات لا يمكن اختزالها في نمط واحد وتجربة واحدة، والغرب في كل مرة، آه يعيش تجربة الخصومة أو العداء مع الآخر، ينسى قيامه ويتغاضى عنها ويغض النظر عنها ما دام الأمر يتعلق بالنسبة إليه بمصلحته وموقعه كقوة داخل التوازن الدولي.. منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم ما زلنا نعيش هذا الأمر”.
طوفان الأقصى.. نسيان مطلق لحقوق الإنسان والحرية وكرامة الإنسان
وأضاف الدكتور محمد نور الدين أفاية: “وها أنت تلاحظ كيف أنه مع طوفان الأقصى؛ أوروبا وأمريكا أصبحت عمياء، ونسيت هذه القيم التي هي عملت على تأسيسها من أجل التحالف الأعمى مع مشروع عنصري استيطاني احتلالي استعماري؛ له استراتيجية وحيدة، هي العمل على محو هذا الذي يُسمى بالوجود الفلسطيني، ولربما محو مناطق أخرى في الجغرافيا العربية، ومع ذلك هناك نوع من التحالف الذي نسميه ما شئنا؛ ولكن فيه نسيان مطلق لهذا الذي يمكن نعته بحقوق الإنسان أو الحرية أو كرامة الإنسان أو المساواة أو العدالة.. كل هذه المبادئ تم نسيانها وتركوها جانباً؛ من أجل فرض إرادة قوة إجرامية عنيفة”.
العدوان الإسرائيلي على غزة وثقافة هابرماس الجرمانية
وأجاب المفكر المغربي عن سؤال “كيف تتلقى بيانَ هابرماس الأخير المساند بشكل أعمى للعدوان الإسرائيلي؟”، قائلاً: “هرباماس أولاً علينا أن ننتبه إلى أنه ينتمي إلى الثقافة الجرمانية، وينظر إلى تاريخ الأفكار الفلسفية وغير الفلسفية وحتى السياسية من زاوية نوع من أنواع المركزية الأوروبية، ولم يخرج عنها هابرماس؛ لا يعرف سوى الثقافة الجرمانية وشيء من الثقافة الفلسفية الفرنسية وبعض النظريات والمذاهب الأنجلو ساكسونية، وبالخصوص في أمر خارج هذا المجال المعرفي الفكري لا يعرف شيئاً، سبق له أن زار الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة ١٩٩٨، وزار أيضاً طهران سنة ٢٠٠؛ ولكنه لا يعرف شيئاً، لا عن العرب ولا عن الإسلام ولم يكتب شيئاً عن هذا الموضوع.. هذا واحد، ثانياً: هابرماس سجين وجدان ألماني، نتاج الحرب العالمية الثانية، الذي يقضي هذا الوجدان بالقول إن ما قامت به النازية مع اليهود بالدرجة الأولى عمل غير مسبوق في التاريخ، وصل إلى درجات لا يمكن وصفها من الوحشية، وبالتالي تولد لدى النخب السياسية والثقافية الألمانية نوع من أنواع ما يسمونه هم أنفسهم (مبدأ التضامن مع اليهود)، وإذا خرجت عن هذا المبدأ تُنعت بأنك مضاد للسامية، وشخص مثل هابرماس لا يمتلك الوجدان المناسب لمواجهة مثل هذه الاتهامات؛ بل غير قادر نظرياً وفكرياً أن يتبرم من هذا الوجدان؛ من أجل أن ينتج فهماً واقعياً لنوع الصراع الموجود داخل الأرض الفلسطينية، وبالتالي فإنه يعيد تكرار وتكريس المواقف الرسمية الألمانية.. لا تنسَ أن المستشارة أنجيلا ميركل سنة ٢٠٠٨ ذهبت إلى فلسطين المحتلة، لتقول كلمة ورسالة واحدة؛ وهي أن إسرائيل تحتاج إلى حماية نوعية خصوصية كيفما كانت سياستها”.
وأضاف الدكتور محمد نور الدين أفاية: “وهذا الموقف نفسه كرره المستشار الحالي شولدز، بالأمس، للقول إنه لا يمكن أن نقبل أن يموت يهودي، فتخيل كيف أنه يدعي أنه لا يقبل؛ فليس له الاستعداد السيكولوجي لكي يقبل موت يهودي، وعلى استعداد لكي تقوم إسرائيل بما لا يتخيل من جرم ومن محو ومن إجرام ومن قتل ومن خراب ومن دمار.. إلى آخره، وهذا ما ينطبق أيضاً على فيلسوف قد نعتبره فيلسوفاً كبيراً؛ ولكنه ينطبق عليه، بمعنى أن هذا الرجل نسي كما قُلت كل المبادئ التي عمل من أجل بلورتها من الصياغة الإجماعية للحقيقة من مفهوم المجال العمومي من الديمقراطية التداولية من مفهوم العدالة، في نقاشه مع مجموعة كبيرة من الفلاسفة.. كل هذه المفاهيم أمام اليهود وأمام إسرائيل ينساها وينحاز بشكل جنوني أعمى نحو السياسة الإسرائيلية؛ سواء أكانت هذه الإسرائيل يسيرها اشتراكيون أو ديمقراطيون أو يسيرها فريق من المجانين ومن القتلة، يرفعون شعار التلمود من أجل إنهاء القضية الفلسطينية بطريقة لا يمكن تحمل قساوتها وجرمها إزاء ما يجري اليوم، وهذا الأمر الذي ينطبق على هابرماس ليس جديداً في الثقافة الأوروبية. لا شك أنها تذكر بأن عبد الكبير الخطيبي، كتب كتاباً من أعمق ما كتب حول هذا الموضوع بعنوان (الصهيونية والوعي الشقي)، المثقف الأوروبي يعاني وعياً شقياً حقيقياً إزاء المسألة الصهيونية حقيقةً؛ ولهذا ناقش جون بول سارتر، وناقش ألبير ممي، وناقش مجموعة كبيرة من الناس، وكل مَن يختلف من المفكرين والفلاسفة الأوروبيين مع الاتجاه العام المساند للصهيونية؛ فإنه ينعت بمعادة السامية بدءاً بالفيلسوف روجيه غارودي، الذي كتب كتاب الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل، جرّوه إلى المحاكم، إدغار موران.. وآخرهم باسكال بونيفاس“.
الوعي الأوروبي حول مسألة الصهيونية.. بعض الاستثناءات
وتابع المفكر المغربي: “ولكن من حسن الحظ أيضاً داخل هذا الحقل قد نجد بعض الاستثناءات، مثلاً داخل فرنسا فيلسوف مثل جولدنيوز، دافع على الفلسطينيين، وكتب كتابات لصالح الفلسطينيين؛ بل وكتب مقالاً من أعمق ما كُتب حول الزعامة الفلسطينية في شخصية ياسر عرفات وغيره، ولم يمسه الآخر، ولم يتجرأ على نفسه واتهامه، فهناك وعي شقي داخل الوعي الأوروبي حول مسألة الصهيونية، ولا ننسى.. فكثير من الناس ينسون أن الصهيونية كان العالم كله في إطار هيئة الأمم المتحدة؛ كان يعتبرها حركة عنصرية إلى أن أتى كلينتون سنة ١٩٩٥، بضغط من اللوبي الصهيوني، من أجل سحب هذه الصفة داخل مقررات الأمم المتحدة. وها نحن نلاحظ كيف تعبأ العقل الصهيوني بتحالف مع مجموعة من القوى؛ لأنه عنده أيضاً يمتلك الكثير من المقدرات؛ سواء أكانت مالية أم إعلامية أم اقتصادية أم تجارية، من أجل صناعة هذا الرأي العام؛ لدعمه وتبرير جرائمه. وهابرماس بالنسبة إليَّ يجتر في دواخله هذا الإحساس بالذنب إزاء اليهودي في تاريخ الألمان، ويسقطه على ما يجري الآن، وينسى أن هناك شعباً له حقوق وله كرامة، وهو من المنظرين لمبدأ الكرامة، نسيها بشكل مطلق إزاء هذا الصراع؛ بحكم الأعمى نحو الصهيونية”.
المثقف العربي وطوفان الأقصى
وقال الدكتور محمد نور الدين أفاية، بشأن المثقف العربي وموقفه من طوفان الأقصى: “من الصعب التعميم في ميدان تسمية المثقف؛ هناك مثقفون عرب، كل له رؤيته ومنهجه وأيضاً طريقته في الكتابة وفي اتخاذ المواقف؛ لأنه نحن بصدد حدث كبير يفترض اتخاذ موقف، هذا واحد. ثانياً؛ حينما نقرأ الفكر العالمي وحينما ندرس الفلسفة الأوروبية أو الغربية بهذا المعنى العام.. إلى آخره، نحن لا ندرسها باعتبارها ديناً نؤمن به، نحن ندرسها من أجل توسيع دائرة معارفنا، من أجل أن نفهم ذواتنا، وأن نفهم حقائقنا التاريخية والسياسية والفكرية، وبالتالي حينما نستلهم بعض المفاهيم ذات البعد الكوني، إذا صحّ التعبير؛ مثل الحرية، هل أنا مستعد لأن هابرماس تنازل عنها بالضرورة؛ لأنني درست هابرماس. أنا أتنازل عنها أو عن مفهوم العدالة أو الكرامة، إذن أنا في ظني يجب أن نتريث وأن نحتاط قليلاً في إصدار أحكام حول المأزق وحول التورط وحول الاستلاب..”.
وتابع المفكر المغربي: “أنا لا أتصور أن دراستي لهابرماس أو لدويلج أو لديريدار أو لغيرهم من المفكرين أنها تعني أن هناك نوعاً من الاستلاب نحو ما يقولونه أبداً، وإنما أنا أستلهم بعض النصوص كما أستلهم نصوص مفكرين عرب كبار معاصرين، نحن في العالم العربي أنتجنا مفكرين حقيقيين، استطاعوا أولاً، وهذه من الحالات الاستثنائية في تاريخ الثقافة العالمية، المثقف العربي مطالب بأن يتحرك على أكثر من جبهة، وأن يكون له فيها رأي؛ أولا أن يثبت ذاته كمثقف داخل وسط يعاند الإبداع ويعاند الاختلاف. ثانياً؛ عليه أن يعرف تاريخ ثقافته الخاصة. بحكم انتمائه إلى المغرب أو الجزائر أو مصر أو سوريا أو العراق أو إلى أي بلد آخر. ثالثاً؛ عليه أن يطلع على التراث العربي الإسلامي الغزير والواسع جداً، وأن يكون له وعي وفهم لهذه الأمور. رابعاً؛ عليه أن يتزود بالمعارف العصرية الجديدة.. إلى آخره، بالإضافة إلى أنه أحياناً يجد نفسه مضطراً إلى أن يكون مترجماً، فهذه جبهات كثيرة جداً على كل مثقف عربي أن يواجهها، وبالتالي فإننا نطلب منه مهامّ أكبر من قدرته على القيام بها، ولذلك أنا مرة أخرى حينما يُطرح عليَّ سؤال المأزق، لا أشعر بالحرج شخصياً، وحينما يُطرح عليَّ سؤال أنه بحكم أنك اشتغلت على هابرماس؛ فإنك مستلب، بالضرورة هذه تهمة لا أساس لها من الصحة، بالنسبة إليَّ يمكن أن أقرأ هؤلاء، أن أستفيد من هذه المتون؛ لفهم ذاتي وتاريخي وهويتي الثقافية، وأيضاً واقعي الخاص، انطلاقاً أيضاً من تعزيزه بمصادر فكرية ومعرفية أخرى دون أي شعور بالحرج”.
الاستشراق والاستغراب.. قراءة الآخر الغربي وفهمه والانفتاح عليه
وقال المفكر المغربي بشأن الاستشراق والاستغراب، ومحاولة الذات الشرقية العربية الإسلامية قراءةَ الآخر الغربي وفهمه والانفتاح عليه: “هو مشروع حسن حنفي حول الاستغراب؛ مشروع دقيق لا يمكن فهمه باعتباره رد فعل ضد الاستشراق، وإنما كان هدفه وطموحه، لأن الأمر كان يتعلق بطموح كبير جداً؛ هو أن يقف عند المصادر التي أسست للوعي الأوروبي والغربي، ضمن مساره الطويل، وعند كيفيات تشكل الوعي الأوروبي بذاته والغربي بذاته وبالآخرين، وبالدرجة أيضاً الثالثة؛ أن يكشف عن المصادر غير الأوروبية التي أسست لهذا الوعي الأوروبي والغربي، للوقوف عندها واستجلائها ومناقشتها وعرضها على النظر الجماعي، هذا مشروع كبير ولكن حسن حنفي كان وحده، وكان غير قادر على أن ينجز هذا، أن يرفع سقف الطموح إلى مستوى أكبر؛ لأن هذا مشروع، كما تعلم، الاستشراق، منذ أن بدأ يتأسس ارتبط بالسلطة منذ القرن السابع عشر؛ ارتبط بالدولة، وأيضاً تحول في القرن الثامن عشر والتاسع عشر إلى معاهد وإلى جامعات وإلى مشروعات وإلى استثمارات كبرى؛ من أجل فهم الآخر، حينما ننظر إلى ذواتنا يجب أن نكون واقعيين، لا تعمل الدول العربية على تأسيس مثل هذه البنيات وهذه الأطر من أجل أن يشتغل المفكر بالشروط المناسبة ليفكر حقاً سواء في ذاته أو في مجتمعه أو في الآخرين، ولذلك فإن مشروع حسن حنفي كان محكوماً عليه أن يبقى محدوداً، ويبقى عبارة عن نيات ورغبة بقيت معلقةً إلى حد ما، وهذا لا يمنع من القول إننا نعيش في عالمَين..”.
واختتم الدكتور محمد نور الدين أفاية: “يوجد في الجامعات العالمية آلاف الباحثين العرب؛ لهم قدرة على فهم البلدان التي يدرسون فيها، في أمريكا وفي أوروبا وفي غير أوروبا، ولهم كفاءة علمية وفكرية؛ بدؤوا منذ أكثر من ٤٠ سنة على إنتاج هذا الفهم الجديد الذي يمكن أن نسميه جديداً لهذا الذي يُسمى الغرب، بغض النظر عن الصفة الإطلاقية التي نسمِّي بها هذا الغرب، وبالتالي علينا أن ننتبه إلى أن الثقافة العربية لم تعد محصورةً في الجغرافية العربية، وإنما امتدت إلى مؤسسات أخرى، التي هي أيضاً توفر لهذا المثقف العربي وهذا الباحث العربي شروط البحث، ظاهرة؛ مثل إدوارد سعيد، وقبله هشام شرابي وغيرهما الذين فكروا في العالم العربي؛ فكروا فيه من داخل المؤسسة الغربية، وليس من داخل المؤسسات العربية الإسلامية؛ لأن الغرب تمكن واستطاع وبنى لنفسه منطقاً يقضي بأن الفكر له كلفة، نحن في العالم العربي لم نفهم بعد بعضَ الاستثناءات القليلة بأن الفكر والإنتاج الفكري يتطلبان أُطراً ومؤسسات ومعاهد وتشجيعاً وتكوينَ نخب وإعادة إنتاج هذه النخب؛ من أجل توسيع دائرة المعرفة وإنتاج المعرفة”.