تحتوي السرديات الوطنية على عنصرٍ إشكاليٍّ دائم؛ فمسألة الهوية فيها تنطوي عادةً على تشويه لجوانب معينة من الماضي. في حالة شبه الجزيرة الإيبيرية، يشكِّل الوجود العربي الإسلامي في فترة العصور الوسطى، إشكالاً لا يزال حاضراً في النقاشات الثقافية والتاريخية الحاصلة في إسبانيا.
فوجود المكوِّن العربي الإسلامي فيها يُضيف نوعاً من التعقيد والجدل على هذه النقاشات. وهنا يكمن أحد مفاتيح النقاش الأبدي حول الهوية الوطنية الإسبانية. فبعض المؤرخين الإسبان يسألون: ما وضع الأندلس؟ وكيف يمكن أن ندمج هذه القطعة “النافرة” في تاريخنا؟ هذه الأسئلة وغيرها ناقشها مؤخراً أكثر من عشرين مؤرِّخاً وأكاديمياً ومختصاً بالأندلس والدارسات العربية والإسلامية في إسبانيا؛ في محاولة منهم لتحديد معنى ودور فترة العصور الوسطى -الأندلس- في بناء السردية الوطنية الإسبانية المتعلقة بالهوية. من الأفكار التي طُرحت في النقاش أن الهوية الإسبانية تقوم على ركيزة أساسية تُدعى حروب الاسترداد. تقوم هذه الفكرة، بشكل جوهري في مواجهة وجود ما يسمونه “ضد إسبانيا”، في إشارة إلى الأندلس. وهذا جزءٌ من الرواية التقليدية التي سادت السردية الوطنية منذ القرن التاسع عشر، وهي سردية وجدت بيئة حاضنة لها مع انتصار القوى الفاشية في إسبانيا وسيطرة الكنيسة، بشكل أو بآخر على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. لا تزال هذه السردية حاضرةً إلى الآن، وهي جزء من سردية قوى اليمين المتطرفة وأحزاب مثل “فوكس”. ضمن هذه السردية، عانت الفترةُ الأندلسيةُ الطويلةُ النفيَ والقطيعةَ. كأنها عنصرٌ أجنبيٌّ عن الجوهر التاريخي الإسباني. وبالفعل، بمراجعة سريعة لكتب التاريخ الإسبانية، سنرى أن حقبة امتدت على مدى ثمانية قرون بالكاد تُلخص في صفحة أو صفحتَين، وتحت عنوان الغزو الإسلامي لإسبانيا، أو تُلحق بفصل طويل عنوانه “حروب الاسترداد”. هكذا بُنيت الهوية الإسبانية، على أساس تدمير أو إنكار فترة الوجود العربي الإسلامي الطويل فيها. وقد بُرِّرَ ذلك استناداً إلى عددٍ من الأفكار؛ ألخِّصها على الشكل الآتي:
استناداً إلى كتب التاريخ الإسبانية والمناهج المدرسية، إن قوات الخلافة الأموية، في عام 711، عبرت مضيقَ جبل طارق وبدأت غزواً عسكريّاً لشبه الجزيرة الإيبيرية كان نتيجة الحملة العسكرية التي انطلقت من شبه الجزيرة العربية مع بداية القرن السابع عشر؛ بهدف نشر الدين الإسلامي.
غزت القوات المسلمة شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال) كجزءٍ من حرب مقدَّسة سعت فيها إلى نشر الدين الإسلامي وفرضه على سكان المنطقة الذين كانوا يعتنقون الدين المسيحي.
هزمت القواتُ الأمويّةُ المملكةَ القوطية، وبسطت سيطرتها على جزء كبير من إسبانيا، مقلصةً وجود الممالك المسيحية إلى شريط يمتد شمالاً على مساحة ضيقة في الجبال الأسترية.
جذع الهوية الإسبانية الذي يبرر اندماجها الكامل في الحضارة الأوروبية رومانيّ ومسيحيٌّ. وهذا “الطُّعم” الأندلسي تعايشَ داخل الثقافة الإسبانية دون “أن يفاجئ أحداً”.
مع تغيُّر الوضع التاريخي والجغرافي والسياسي، لا معنى لهذا “التوكيد الضحية” للفترة الأندلسية، لأنه يتناقض مع فكرة إسبانيا وتاريخها.
الركائز الكبرى للهوية الوطنية الإسبانية هي العالم الكلاسيكي الأوروبي والمسيحي. وهذا لا يعني أنها ضد الإسلام. فلا يمكن بناء ثقافة ذات عالمية إذا كانت ضد ثقافة أخرى. لكن السؤال: هل يمكن إدراج الإسلام ضمن هذا التقليد الأوروبي الكلاسيكي والمسيحي، وهل يحترمه حقّاً؟
تُبنى الهويات على التباين والإقصاء، وفي حالة إسبانيا، فإنَّ التأريخ الليبرالي، منذ القرن التاسع عشر، طوَّر سرديته عن الهوية على أساس إنكار الفترة الإسلامية.
صُحِّحت هذه السردية من خلال تسمية “إسبانيا المسلمة” من قبل التأريخ الرسمي. وهذا، بلا شك، يُعطي بعداً أكثر تكاملاً للهوية الإسبانية. لكن لا يزال غريباً داخل نموذج الرؤية القومية الإسبانية.
هناك صورة وهمية عن “إسبانيا المسلمة”، وهي مجرد أسطورة مبنية على “أحلام اليقظة” و”التزييف المقصود”.
الوجود العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية يعامل معاملة الأسطورة. موسى بن نصير وطارق بن زياد لم يكونا إلا قائدَين عسكريَّين دخلا الجنوب الإسباني وارتكبا الفظائع.
مقابل هذا الأفكار التي تُنكر، بغالبيتها، المكون الأندلسي كجزء من الهوية الإسبانية، طُرحت أفكارٌ أخرى من قِبل المختصين بالأندلس والدراسات العربية والإسلامية. يمكن تلخيصها في ما يلي:
كلّ من درس وقرأ التاريخ في إسبانيا، يعرف قصة “الغزو الإسلامي”. لكن الحقيقة هي أن المصادر التاريخية ليست واضحة. فالنصوص الإسلامية التي تتناول الغزو “إسبانيّاً”، والفتح “عربيّاً”، تأخرت مدة قرن ونصف القرن، والمصدر اللاتيني الوحيد، مجهول المؤلف، ويحمل عنوان “تأريخ عام 754”.
ما حدث في شبه الجزيرة العربية لم يكن غزواً ناتجاً عن حرب مقدسة؛ بل كان سلسلة من موجات الهجرة التي ولَّدت عملية تعريب للمنطقة.
لا يوجد تاريخ إسباني خارج الرؤية القومية الكاثوليكية. وهذا التاريخ قائم على فكرة أساسها الغزو العربي الإسلامي. وهذا من وجهة نظر تاريخية غير دقيق.
تحوَّل تاريخ إسبانيا إلى أداة لخدمة مصالح وتيارات سياسية محافظة. وقام هذا التيار باحتكار تاريخ إسبانيا وتقديم رواية واحدة لا غير.
تدعم هذه التيارات السياسية المحافظة فكرة أن المسيحية مثَّلت التحضر والتقدم. في حين جسَّد الإسلام التخلُّف. ولكن هذا، تاريخياً، ليس له أساس من الحقيقة.
كانت الكنيسة في إسبانيا، تاريخيّاً، العنصر الذي أعاقَ التطوّر والتقدّم.
ليست المسألة صراع هويات، بل كيف نخلق وعياً إزاء التاريخ وكيف نفهم الآخر الذي أسهم فيه عبر منجزات حضارية كانت الحجر الأساس، ليس للحضارة الإسبانية فحسب؛ بل للحضارة الأوروبية كلها.
لا يمكن فهم الحاضر والنظر إلى المستقبل دون فهم عميق للماضي. وهذا يقتضي الاعتراف بالأندلس كجزء من الهوية الإسبانية.
ثمّة خلط بين ما هو عربي وما هو إسلامي. وهذا خطأ كبير يرجع إلى إسقاط أيديولوجي. يظهر هذا واضحاً داخل السردية الكاثوليكية. فبعض المؤرخين المحافظين يتحدثون عن “غزو إسلامي”. أما البعض الآخر فيتحدث عن “غزوات عربية”. وهذا يعود إلى جذور غارقة في أيديولوجية ما يُسمى “الاسترداد”.
فترة ديكتاتورية فرانكو أسهمت بشكل كبير في هذه النظرة السلبية إلى الأندلس.
هناك فكر تعبوي وتحريضي هو الذي يفسِّر ظهور الأندلس بشكل مفاجئ عام 711، وهو ذات الفكر الذي يفسِّر الطريقة التي انتهت بها عام 1492.
لا أريد الدخولَ في تحليل هذه الأفكار، ما كان إيجابياً منها أو سلبياً. ما لفتني هو استمرار حضور الأندلس في صلب النقاشات الثقافية الإسبانية بوصفها مستقبلاً. لا ماضياً. وهذا يختلف عن الرؤية العربية للأندلس التي لا تنظر إليها إلا من نافذة الماضي، من نافذة الأسطورة، أو في أحسن الأحوال كفردوس مفقود نقف على أطلاله كي نبكيه. الرمز شيءٌ والأسطورةُ شيءٌ آخرٌ تماماً. الرّمز مستقل بطبيعته، لا يحتاج إلى الأسطورة. في حين تحتاج هذه الأخيرة إليه، وتستخدمه دائماً. عادةً ما يُخلط بين الرمز والأسطورة. قد يكون هذا الخلط، في كثير من الأحيان، ناتجاً عن سوء فهم، عن تحيُّز، أو عن نوايا سيئة أو طيبة. لا شك أن الامتداد الأسطوري للأندلس برز بشكل أكثر تواتراً من الطبيعة الرمزية. وقد تنامت تلك النزعة في العقود الأخيرة، سواء من الجانب العربي أو من الجانب الإسباني. في الأندلس، رمزاً أكثر منها أسطورةً، ما يتخطَّى كل حدود. ما يتخطى كل هوية وإرث. فيه تكون الأندلس عملاً مفتوحاً يتجدَّد في كل قراءة. في ما وراء الأيديولوجيات والسياسية. في ما وراء السرديات الوطنية. فيه تكون الأندلس مستقبلاً. وهذا العمل خُلق جمعاً لا فرداً. ليس عربياً، وليس إسبانياً. إنه أندلسي لا غير. من هنا، لا بد من إعادة النظر عربياً إلى الأندلس بعيداً عن السرديات الوطنية، أو سرديات الأسطورة. ربما في هذا يكمن سبب العجز عن خلق أن نموذج للحضارة الأندلسية في البلاد العربية؛ لأننا لم نستطع أن نخرجها من الرؤية التقليدية للماضي. في النظر إلى الأندلس بوصفها مستقبلاً مفاتيح لإعادة اكتشافها والبناء استناداً إلى نموذجها في التعدد والتنوُّع.