Skip to content Skip to footer

الحضارة المصرية القديمة وعلاقتها باللغة العربية.. أسرار قد تغيّر ما تعرفه عن التاريخ| د. علا العجيزي

باسم الجمل:-  أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مجتمع. في حلقة اليوم نلتقي بالدكتورة علا العجيزي، باحثة وعالِمة الآثار المصرية.

(علا العجيزي)  أهلاً بك، أهلاً بك.

(باسم الجمل)  أنا دائماً مفتون ويدفعني الفضول باستمرار لمعرفة المزيد عن الحضارة المصرية والثقافة المصرية القديمة، وبالذات اللغة. ما هي اللغة التي كان يتحدث بها المصريون القدماء؟

(علا العجيزي)  اللغة التي نسميها اللغة المصرية القديمة مكتوبة بثلاثة خطوط: الخط الهيروغليفي، وهو الخط الرسمي. والخط الهيراتيقي، وكلمة هيراتيقي كلمة يونانية بمعنى الكهنوتي، لأن اليونانيين حين دخلوا مصر وجدوا أن معظم النصوص الدينية مكتوبة على البردي بهذا الخط فاعتبروه خطاً خاصاً بالكهنة. لكنه في الواقع كان يُستخدم أيضاً من قِبَل عامة الشعب والمثقفين، فكانوا يكتبون به قصصاً وأدباً وحتى المعاملات الإدارية كالضرائب، سواء على البردي أو على ما يُعرف بالشقافة، وهي كسر الفخار التي كانت تُستخدم للكتابة السريعة. وعند نهاية الفترة التاريخية، ابتداءً من الأسرة السادسة والعشرين، ظهر خط جديد هو الديموطيقي.

(باسم الجمل)  بالضبط، متى كانت نهاية الأسرات؟

(علا العجيزي)  الأسرة السادسة والعشرون امتدت حتى عام 525 قبل الميلاد تقريباً، والفترة من الأسرة السادسة والعشرين حتى الحادية والثلاثين تُعدّ نهاية الأسرات المصرية.

(باسم الجمل)  الحادية والثلاثون ميلادياً؟

(علا العجيزي)  لا، قبل الميلاد. الأسرات الحاكمة هي التي نؤرّخ بها الفترات التاريخية. فمثلاً الدولة القديمة من الأسرة الثالثة إلى السابعة أو الثامنة، والدولة الوسطى من الأسرة الحادية عشرة إلى الثانية عشرة. وتتغير الأسرة حين يحدث تغيير في الحكم أو حين ينعدم الوريث الشرعي للملك. ثم تأتي الدولة الحديثة من الأسرة السابعة عشرة والثامنة عشرة حتى التاسعة عشرة، فعصر الأسرة العشرين في الفترة المتأخرة وهكذا. ونحن حين نتحدث عن اللغة نتبع تقريباً نفس النظام.

(باسم الجمل)  فمتى انتهت الأسرات في مجال اللغة؟

(علا العجيزي)  الأسرة الثلاثون. وأحياناً تُطرح آراء جديدة تقول إن الأسرة الحادية والثلاثين كانت قبيل دخول الإسكندر مباشرةً، أي نحو عام 330 قبل الميلاد، والإسكندر دخل عام 332. فهو الذي أنهى الأسرات المصرية. ونحن نقول الفترة الفرعونية، لكننا لا نفضّل هذه التسمية لأنها تخص الملك وحده، والأدق أن نقول الأسرات المصرية القديمة.

(باسم الجمل)  اللغة التي كانت محكيةً طوال الحضارة المصرية من الأسرة الأولى حتى الثلاثين، تحدثتِ عن دخول التأثير اليوناني في القرن الثالث قبل الميلاد في عهد البطالمة. فما قبل ذلك التاريخ كان هناك ما يزيد على سبعة أو ثمانية آلاف عام من الثقافة والحضارة المصرية المتراكمة، وكانت هناك لغة راقية.

(علا العجيزي)  طبعاً.

(باسم الجمل)  هل توجد معلومات عن شكل تلك اللغة مثلاً؟

(علا العجيزي)  اللغة المصرية كانت تُكتب بعلامات لا بحروف، غير أن فيها ما يشبه الأبجدية وهي الحروف أحادية الصوت كالألف والباء والواو. وثمة علامات أخرى تُنطق بحرفين أو بثلاثة حروف لتكوين الكلمة المنطوقة. وكان لديهم أسلوب تصويري في الكتابة؛ فحين أرادوا التعبير عن الشمس رسموا قرصها، وحين أرادوا التعبير عن مركب…

(باسم الجمل)  يعني حرف تصويري.

(علا العجيزي)  نعم، تصويري. فرسموا المركب، ثم أضافوا النطق الصوتي للكلمة. فالمركب مثلاً تُنطق «ديبت»، لكننا لا نملك حروف الحركة، فاتفق العلماء على أن نُقرأ الكلمات بحروف الساكنة وحدها. فنقول «ديبت» لكننا لسنا متأكدين أن هذا هو النطق الصحيح. وقد أضيفت حروف الحركة في آخر مرحلة وهي اللغة القبطية، فأصبح بإمكاننا التحقق من النطق الحقيقي.

(باسم الجمل)  إذاً درسنا اللغة من خلال ما خلّفه لنا الأقدمون من رسومات وعلامات، لكن ما اللغة التي كانت محكيةً؟

(علا العجيزي)  إن المكتوبة تعبّر عن المحكية. فأنا حين أكتب شيئاً أنطقه أيضاً. فإن تحدثتُ عن مركب تبحر في النيل لا بد أن أصوغ جملةً وفق قواعد اللغة المصرية، وقد كانت لها قواعد راسخة.

(باسم الجمل)  لا أختلف معكِ في موضوع القواعد، أنا أتحدث عن المراحل الأولى حين تواصل الناس، يعني نتكلم عن عشرة آلاف عام قبل الميلاد مثلاً.

(علا العجيزي)  منذ ما قبل التاريخ بدأنا نرى الناس يكتبون علامات أو يرسمون.

(باسم الجمل)  متى ظهرت علامات الكتابة في تلك العصور؟

(علا العجيزي)  من فترة ما قبل التاريخ ظهرت بعض العلامات.

(باسم الجمل)  في أي أسرة مثلاً؟

(علا العجيزي)  نحن نقول إن بداية التاريخ تزامنت مع بداية الكتابة. أما ما قبل التاريخ فكانت هناك بعض العلامات ذات الطابع التصويري، فيها حيوانات ومراكب، وكان من المحتمل أن تحمل معنىً لأصحابها.

(باسم الجمل)  يعني بداية التاريخ المصري هي بداية التاريخ البشري؟

(علا العجيزي)  التاريخ المصري.

(باسم الجمل)  التاريخ المصري. إذاً فإن تلك الأسرات القديمة كانت تتحدث وتتقن توصيل المعلومة عبر الأصوات، لكن الكتابة تأخرت.

(علا العجيزي)  الكتابة بدأت حوالي ثلاثة آلاف وثلاثمائة قبل الميلاد.

(باسم الجمل)  يعني مرّ نحو أربعة أو خمسة آلاف عام على الأسرات التي كانت تتحدث ولا تكتب.

(علا العجيزي)  تتحدث ولا تكتب، لكننا لا نملك أي دلائل على كيفية حديثهم. إنها نفس اللغة؛ كأن أتكلم لكنني لا أعرف الكتابة بعد. وحين بدأوا الكتابة كتبوا بعض العلامات التي احتاجوها إدارياً، كأن يضعوا قمحاً في جرة ويكتبوا عليها ما تحتوي. وكانت هناك تجارة وانتقال للبضائع من منطقة إلى أخرى، فكان لا بد من التواصل والإفهام.

(باسم الجمل)  ما نسميه بالخط الهيروغليفي، متى بدأ؟ في أي أسرة ظهر؟

(علا العجيزي)  الأسرة الأولى، التي نتحدث فيها عن الملك نعرمر أو ما يُعرف بـ«مينس» الذي وحّد القطرين. فبدأ التاريخ يُدوَّن، وبدأت العلامات تعبّر عن أفكار الملك وحاشيته وعامة الناس.

(باسم الجمل)  يعني ثمة منقوشات مثبتة تسبق ذلك؟

(علا العجيزي)  بلا شك. وبعد ذلك أصبح كل حدث تاريخي يُسجَّل على الألواح وجدران المعابد، ولا شيء يخص التاريخ المصري إلا وسُجِّل.

(باسم الجمل)  متى بدأ هذا التسجيل للأحداث والثقافة؟ في أي أسرة؟

(علا العجيزي)  الدولة القديمة من الأسرة الثانية.

(باسم الجمل)  يعني ثمة شيء مثبت يسبق ذلك؟

(علا العجيزي)  نعم، فهناك كتب فيها الألقاب الملكية؛ كان الملك يحمل ألقاباً تُشير إلى أنه ملك مصر العليا والسفلى، المحمي من السيدتين النسر والكوبرا.

(باسم الجمل)  يعني يمكن القول إن الكتابة بدأت مع الأسرة الأولى؟

(علا العجيزي)  بالضبط، بالضبط.

(باسم الجمل)  هدفي من السؤال هو تتبّع: هل الكتابة في مصر نتاج جهد حضاري مصري محلي أم استُورِدت من مجتمعات أخرى؟ هل ظهرت في المجتمع المصري وحده أم كانت ظاهرة أيضاً في مجتمعات معاصرة له؟

(علا العجيزي)  من حيث الشكل، ثمة كتابات أخرى موجودة في المنطقة، لكن الكتابة المصرية منبثقة من البيئة المصرية. فأنا ألاحظ أن لديّ النيل وفيضانه الذي يتجدد كل عام، ولديّ الأرض الزراعية، فأرسم ما أراه أمامي وأستخدم العلامات التي أعيش فيها. من أراد التعبير عن البيت رسم شكل بيت، ومن أراد التعبير عن فعل كالتنبؤ يختار علامةً تعبّر عنه.

(باسم الجمل)  أي تصل للأفعال والأسماء المعنوية.

(علا العجيزي)  فعل التنبؤ مثلاً يستخدم شكل الزرافة لأن رقبتها الطويلة تمكّنها من رؤية الأشياء من بعيد. وطائر الأيبيس كان دائماً يدفن منقاره في الأرض بحثاً، فأصبح رمزاً لفعل البحث والإيجاد. ثمة علاقة وثيقة بين معنى الكلمة والعلامة المستخدمة لها.

(باسم الجمل)  إذاً يمكن القول إن المجتمع المصري القديم ابتكر آلية كتابة خاصة به ولم ينقلها عن الآخرين.

(علا العجيزي)  فعلاً، مستقاة من البيئة المحلية.

(باسم الجمل)  الحاجة إلى التسجيل الثقافي والفعل الحضاري هي التي فرضت على المجتمع المصري القديم ابتكار كتابة خاصة به.

(علا العجيزي)  بالضبط، وأنشأها وفق البيئة التي كان يعيش فيها. فأساس البيئة عندنا الأراضي الزراعية المحيطة بالنيل، والنيل هو مصدر كل الخير، فكانوا ينتظرون الفيضان السنوي لتُروى الأراضي وتُزرع. وكانوا يعبّرون عن القنوات والسدود والحقول بعلامات مستمدة من بيئتهم. وكانوا يتنبأون بموعد الفيضان كل عام.

(باسم الجمل)  وفق التجربة المتوارثة مع النيل.

(علا العجيزي)  وكانوا يرصدون النجوم أيضاً لمعرفة ذلك.

(باسم الجمل)  استخدموا كل المعرفة والدلالة المتاحة.

(علا العجيزي)  أهم ما يميّز اللغة المصرية القديمة أن اختيار علاماتها مرتبط بمعنى الكلمة. وكانوا يستعينون بأجزاء جسم الإنسان في التعبير؛ فكلمة «على» مأخوذة من الرأس لأنه يعلو الجسم. وتعبير «في وشّي» له نفس الجذر الحرفي القديم. والذراع الممدود يعبّر عن الإعطاء أو الأخذ أو تقديم المساعدة.

(باسم الجمل)  يعني اللفظ المستخدم قبل ظهور الكتابة كان واضحاً والناس كانوا يتواصلون بلغة قد تشكّلت، وهذه اللغة استمرت حتى اليوم.

(علا العجيزي)  مستمرة، لكننا لا ندرك أننا نتحدث بهذه اللغة.

(باسم الجمل)  بمعنى أن الناس كانوا يتحدثون نفس اللغة التي نتحدثها اليوم؟

(علا العجيزي)  ثمة كلمات بالطبع دخلت علينا من بلاد أخرى، من عربية الجزيرة العربية وبلاد الشام، حتى في فترة مصر القديمة حين حدث اتصال مع سوريا وفلسطين.

(باسم الجمل)  انتقلت.

(علا العجيزي)  جاءتنا كلمات منهم وكانوا يستخدمون حروف الحركة، وهي من نفس الأسرة اللغوية السامية. فكلمة «مركب» حين جاءتنا كانت مكتوبةً «مركبوتي» بحروف حركة، أما نحن فننطقها «مركبت» بدونها. وحين تأتينا كلمة من بلاد تستخدم حروف الحركة تُكتب بشكل يُبيّن أنها كلمة دخيلة.

(باسم الجمل)  ما نسميه حروف العلّة.

(علا العجيزي)  حروف الحركة. نعم، تُضاف لكل حرف ساكن. وهذا حدث في عصر الدولة الحديثة، من بعد الملك أحمس مباشرةً.

(باسم الجمل)  كيف تمكّنتِ كباحثة من الجزم بأن اللغة المصرية قبل التبادل الثقافي مع الآخرين كانت لغة الحروف الساكنة؟

(علا العجيزي)  لأن النصوص التي بين أيدينا من الفترات القديمة، سواء الدينية أو التاريخية أو الأدبية، مكتوبة بجمل فعلية من فعل وفاعل ومفعول، أو جمل اسمية بمبتدأ وخبر. وقد درستُ قواعد العربية من خلال دراسة اللغة المصرية القديمة، لأن فيها المبني للمجهول واسم الفاعل والحال.

(باسم الجمل)  يعني يمكن الاستنتاج بأن اللغة التي كانت تُحكى في مصر القديمة هي نفسها التي كانت في المحيط الجغرافي؟

(علا العجيزي)  نعم، إذا كانت من نفس الأسرة اللغوية.

(باسم الجمل)  يعني الأسرة اللغوية العربية، هي نفسها الموجودة في الجزيرة العربية وبلاد الشام؟

(علا العجيزي)  بالضبط؛ الأكادية والسومرية والعبرية والعربية كلها من نفس الأسرة اللغوية وتتشابه في تركيب الجمل وهياكل اللغة. غير أن علاماتنا الكتابية فريدة من نوعها.

(باسم الجمل)  يعني اللغة كانت واحدة لكن ربما اختلف اللفظ والتعبير.

(علا العجيزي)  فكلمة «إيب» عندنا تعني القلب، وهي بالعبرية «ليب»، أي اللُّب. ثمة تحولات صوتية وتطورات في النطق.

(باسم الجمل)  أحياناً يحدث انزياح في المعنى فيتغير شكل اللغة.

(علا العجيزي)  الإبدال بين الحروف والأصوات ظاهرة معروفة في كل اللغات. فمثلاً العبري يقول «شامش» ونحن نقول «شمس».

(باسم الجمل)  نفس اللغة.

(علا العجيزي)  ومن ناحية الكتابة لدينا اللغة الفصحى التي تُكتب بها النصوص الرسمية، ونسميها المصرية الكلاسيكية في فترة العصر الوسيط، وهي مطابقة للفصحى العربية في بنية الجملة من فاعل ومفعول واسم فاعل.

(باسم الجمل)  يعني نفس تركيب الجملة والقواعد والنحو والصرف.

(علا العجيزي)  فالضمير الذي يأتي بعد الاسم أو الفعل يكون فاعلاً، وهكذا، نفس الأسس تماماً.

(باسم الجمل)  يعني كانوا يتحدثون اللغة العربية؟

(علا العجيزي)  نحن نسميها العربية لأننا نتحدثها الآن بهذا الاسم، لكن ما نسميه اللغة المصرية القديمة أقرب في الواقع إلى العامية، لأننا حين نبحث عن التشابه نجده أكثر في العامية.

(باسم الجمل)  مثلاً كلمة «يا ولد»، من أين جاءت كلمة «ولد»؟

(علا العجيزي)  اسمي مثلاً «علا» بمعنى العلو، وهي نفس الكلمة المصرية القديمة «عرو» بالراء؛ والراء واللام يتبادلان، و«عرو» تعني يرتفع أيضاً. ولدينا كلمة «حزي» بمعنى ممدوح، وكلمة «ست» أي الأخت، و«سنو» أي الأخ، وغيرها كثير.

(باسم الجمل)  متشابهة في النطق.

(علا العجيزي)  متشابهة في النطق والمعنى.

(باسم الجمل)  بل متشابهة في الجوهر.

(علا العجيزي)  وفي المعنى. ولدينا «إصبع» ومثلها «صباع»، و«جناح» ومثلها «جنح». ويمكن ملاحظة تبادل الصاد والجيم. وثمة دراسات تتابع تطور الألفاظ من اللغة المصرية القديمة إلى اللفظ الحالي. فكلمة «الحُطمة» في الفصحى بمعنى ما يقضي على ويُهلك، هي نفسها «الحتمة» التي نعرفها اليوم. ثمة عمق هائل في اللغة المصرية القديمة.

(باسم الجمل)  كيف يجرؤ شخص على القول إننا مختلفون لغةً وثقافةً ولا علاقة لنا بالعربية؟

(علا العجيزي)  بالعربية.

(باسم الجمل)  هذا الرأي ما مبرره؟ يعني ثمة ادعاء بانفصال حتى على مستوى اللغة.

(علا العجيزي)  ثمة تبادلات تجارية بين المناطق ومن ثم تبادل في اللغة أيضاً.

(باسم الجمل)  بالتأكيد ثمة تبادل في الألفاظ.

(علا العجيزي)  ثمة أخذ وعطاء في اللغات، إنما الجوهر أننا لغة واحدة. حين ندرسها كلغة أفرو-آسيوية أو سامية-حامية نجد أننا أخذنا بعض الألفاظ من شمال أفريقيا، ومعظم اللغة سامية من منطقة سوريا وفلسطين وما حولها.

(باسم الجمل)  هناك آراء تصف اللغات بأنها منبثقة من لسان عربي مبين أو لسان أصلي، وأن اللهجات القائمة مشتقة منه.

(علا العجيزي)  ربما، بمعنى أنه الجامع الأساسي.

(باسم الجمل)  والنظام الصوتي الأصلي عند الإنسان هو الذي مكّنه من تسمية الأشياء وإعطائها تسمياتها. هذا هو اللسان. فالدال يطابق المدلول عند التسمية، والفعل لفظه يعكس فعله. ومن هذا اللسان اشتُقّت الكثير من اللهجات التي تلاءمت مع طبائعها الخاصة.

(علا العجيزي)  بالضبط. ومن اللافت أن كلمة «لسان» في المصرية القديمة هي «لس».

(باسم الجمل)  لس.

(علا العجيزي)  نعم، «لس»، والألف والنون مضافة من لغة الأكادي. وبعدها يمكن أن تتحول اللام إلى نون فتصبح «نس»، وهكذا. إنها نفس الكلمة. وثمة تداخل بين اللغات، لكن الكتابة المصرية في أساسها مستمدة من البيئة المصرية.

(باسم الجمل)  البيئة بالتأكيد كان لها شكل خاص، لكن أقصد مبنى الصوت ومعناه وتشكيل الحروف. فالعلامات التي أفضت إلى تشكيل الصوت هي نتاج مصري محلي بلا شك، لكن اللغة المستخدمة ومفاهيم الألفاظ ربما فيها تبادل بين مجموعات بشرية متجاورة.

(علا العجيزي)  بلا شك. ثمة تبادل منذ ما قبل التاريخ بين جميع البلاد العربية، اليمن والشام وغيرها.

(باسم الجمل)  وهذا يردّ على من يحاولون الانفصال ضمن جغرافية محددة وكأن كل مجموعة بشرية في معزل عن غيرها.

(علا العجيزي)  طبيعة البيئة تؤثر؛ فالبيئة الصحراوية قد تجعل مجموعاتها مختلفةً عن بيئتنا القائمة على الزراعة والنيل، فنحن عندنا استقرار بينما الصحراوي ينتقل من مكان إلى آخر. وهكذا تتشكّل اللغة.

(باسم الجمل)  اللغة التي تشكّلت تعبّر عن نمط الحياة الخاص، لكن جوهر اللغة وجوهر اختيار الألفاظ والمعاني وعلاقة اللفظ بالمعنى…

(علا العجيزي)  واحدة عند الجميع.

(باسم الجمل)  وهذا يعني رفض الرؤية التي تقول إنني مستقل في جغرافية محددة فلي لغتي وتاريخي الخاص.

(علا العجيزي)  قوة السيطرة السياسية تؤثر أيضاً، فمن هو الأقوى يؤثر في الآخرين.

(باسم الجمل)  بالضبط. فمصر كانت في تلك الحقبة دولة قوية، وحين تمددت شرقاً أو جنوباً فعلت ذلك بقوتها الخاصة.

(علا العجيزي)  وحين تتمدد تؤثر في البلاد الأخرى، ولو ضعفنا وجاؤوا إلينا تأثرنا بهم.

(باسم الجمل)  ثمة تبادل ثقافي واضح.

(علا العجيزي)  نتأثر بهم ونؤثر فيهم.

(باسم الجمل)  لكن اللغة كانت واحدة.

(علا العجيزي)  لغتنا مرتبطة باللغات في المنطقة، لكن لدينا خصوصية تتجلى في عاميتنا المصرية حتى اليوم.

(باسم الجمل)  أي أنها لا تزال فاعلة.

(علا العجيزي)  عندنا في القواعد المصرية من ضمن الأشياء المشتركة مع العربية، إضافة الميم للفعل لتكوين اسم المكان، فمن «وقف» نحصل على «موقف»، ومن «قام» نحصل على «مقام». وعندنا أفعال مساعدة كما في العربية. وكانوا يرمزون للفعل «أصبح» بالجعران لأنهم لاحظوا أنه يخرج من الأرض في الصباح الباكر، فأصبح رمزاً لميلاد الشمس.

(باسم الجمل)  رمز الشروق.

(علا العجيزي)  فالشمس تكون جعراناً في الفجر، وقرصاً في الظهر، ورجلاً مسنّاً في الليل. وهكذا صوّروا إله الشمس «رع». فهم يأخذون من البيئة؛ لاحظوا الجعران يجرّ كرة الروث فاعتبروا تلك الكرة رمزاً للشمس. ومن ملاحظاتهم للبيئة تكوّنت عقائدهم.

(باسم الجمل)  هذا كلام مهم وجميل؛ إن الواقع يؤثر في الإنسان بقدر ما يؤثر الإنسان في الواقع.

(علا العجيزي)  بالضبط.

(باسم الجمل)  وإن عقائد الناس ولغاتها وحتى شكل الحرف وشكل الثقافة مردّها الواقع، وهذا يثبت أن اللفظ دائماً مصداق لمدلوله.

(علا العجيزي)  بالضبط. فمثلاً الاعتقاد بالبعث جاء لأنهم لاحظوا أن الشمس تولد كل يوم وتموت ثم تولد مجدداً.

(باسم الجمل)  تطلع من مكانها وتغيب في مكان آخر.

(علا العجيزي)  فقالوا إذاً ثمة عالم آخر لسنا هنا وحدنا. وصوّروا السماء على هيئة سيدة تبتلع الشمس في الليل وتلدها في الصباح.

(باسم الجمل)  كيف يمكن الاستدلال على شكل اللفظ الذي كان قائماً قبل التأثير العربي الذي نتحدث عنه؟ هل ثمة كلمات في اللهجات المصرية المحلية يمكن اعتبارها بقايا من ألفاظ الأسرات القديمة؟

(علا العجيزي)  نعم، ثمة كلمات كذلك. فكلمة «اليد» هي حرف الدال في المصرية القديمة، وحين نقول «إيدي» فألف الأمر موجودة عندهم في كلمة «أعطِ»، التي ننطقها «إيدي». وحين نقول «إديني» أي «أعطني» فهو نفس التعبير الأصيل.

(باسم الجمل)  يعني اللهجة التي كانت سائدة لا تزال سائدة.

(علا العجيزي)  مشكلتنا في الآثار أن أول من اشتغل على الآثار والنصوص كانوا أجانب، فوضعوا نظاماً للدلالات الصوتية بالحروف اللاتينية ونحن نعمل عليه حتى اليوم. لكن لو عربناه لوجدناه أقرب كثيراً إلى لغتنا، وما زلنا لم نصل إلى هذه المرحلة.

(باسم الجمل)  يعني حتى الآن لم نتمكن من الخروج من عباءة ما وضعه الغير.

(علا العجيزي)  حتى الآن، مع أن كثيراً من علماء الآثار المصريين يعرفون العيوب في الدراسات الأجنبية وينتقدونها ويكتبون في الرد عليها. لكن في البداية كان كل من اشتغل على اللغة أجانب. والكتاب الذي تعلمتُ منه الهيروغليفية كان لمؤلف يُدعى جاردنر، وكان ممتازاً من الناحية التعليمية. وبدأ بعد ذلك علماء مصريون كالدكتور عبد الحليم نور الدين رحمه الله وغيره يؤلّفون كتباً بالعربية، لكن التأثير لا يزال قائماً. وثمة محاولات لإعادة قراءة ما كتبه علماء الآثار الأوروبيون ورصد الأخطاء. وعندي فكرة دائماً أطرحها وهي إعادة ترجمة النصوص بعقلية مصرية عربية بمعزل عن التأثيرات الخارجية.

(باسم الجمل)  يعني قراءة النقوش المصرية بعقل مصري عربي بعيداً عن تأثير الدراسات الأجنبية.

(علا العجيزي)  وبالأخص الأدب الذي يعبّر عن الشعب.

(باسم الجمل)  الأدب والمعتقدات الدينية وحتى…

(علا العجيزي)  عندنا نصوص أدبية فيها حكم وتعليم للمجتمع المصري؛ كيف تعامل والديك، وكيف تكون ابناً باراً لا عاقاً، وماذا يحدث لو كنت عاقاً. ومنها: لو اختتنت وجارك لم يختتن فلا تتفاخر أمامه، ولا تنسَ إعطاء الفقير حقه.

(باسم الجمل)  لأنه لا يمكن لهذه الحضارة الضخمة العظيمة التي لم يُبنَ مثلها على وجه الأرض حتى اليوم إلا أن تكون قائمةً على منظومة أخلاق وقيم.

(علا العجيزي)  وكيف لا تدخل بيتاً دون استئذان، وحين تدخله ابتعد عن النساء. مبادئ عظيمة.

(باسم الجمل)  بناءً على هذه الصورة الجميلة لهذه الحضارة، كيف يقبل البعض وصفها بالحضارة الفرعونية؟

(علا العجيزي)  نحن نرفض وصف «فرعونية» للحضارة المصرية.

(باسم الجمل)  لأن الوصف القرآني لفرعون وصف قبيح لشخص بعينه. كيف أقبل تعميم وصف سلوك شخص واحد على ثلاثين أسرة تمتد آلاف السنين؟

(علا العجيزي)  ولا نزال لا نعرف من هو فرعون الذي يُشير إليه القرآن. والله أراد ذلك مقصوداً، فلم يحدد عصراً أو فترة، وإنما أعطى مثلاً لشخص بعينه. فكل القصص القرآنية للعبرة. ولو أراد التحديد لحدّد. وفرعون موسى الذي طغى قد يكون ملكاً من ملوك البطالمة الذين كانوا يتسمّون بلقب فرعون.

(باسم الجمل)  وربما كان في جغرافيا مختلفة تماماً، لا في الجغرافيا المصرية.

(علا العجيزي)  الملوك البطالمة والرومان ظلوا يستخدمون لقب فرعون، فقد يكون أيٌّ منهم هو المقصود. فلماذا يُنسب الوصف إلى مصر القديمة؟

(باسم الجمل)  هذه الحضارة الغنية المبنية على تقنية هندسية وعلمية لم نصل إليها حتى اليوم، كيف يجوز وصفها بأنها فرعونية مذمومة؟

(علا العجيزي)  هذا الكلام غير معقول بالتأكيد. فرعون الذي طغى لو كان من بنى هذه الحضارة لكان بنى غير ذلك.

(باسم الجمل)  وأضف إلى ذلك أن اللغة الموجودة في البرديات ونقوش الجدران لغة فيها أدب وثقافة وسلوك راقٍ والحث على مكارم الأخلاق، وليست لغة عنف وقتل.

(علا العجيزي)  بالضبط. أنا دائماً أريد الفصل بين التاريخ والنص الديني، فأساتذتنا كانوا يقولون لنا دائماً: لا تخلطوا الدين بالتاريخ، لأن النصوص الدينية للعبرة ولا تعبّر بالضرورة عن حقبة بعينها، بينما التاريخ فيه وقائع مؤرّخة ومدوّنة. والمصري القديم لم يترك شيئاً إلا وكتبه.

(باسم الجمل)  بناءً على أن المصري القديم لم يترك شيئاً إلا وكتبه، هناك نظرية تقول إن النبي موسى وبني إسرائيل كانوا في مصر وخرجوا منها. وهناك من يقول إن هذا الحدث لا علاقة له بمصر الحالية جغرافياً. أنتِ كعالِمة آثار وباحثة في اللغة، هل وجدتِ في كل الأرشيف المصري أي ذكر لنص عبري أو يهودي أو لبني إسرائيل؟

(علا العجيزي)  لا، لا شيء على الإطلاق. لهذا لا يزال الموضوع محل نقاش دون التوصل إلى معلومة مؤكدة. عندنا في القصص المصري القديم قصص تشبه ما ورد في القصص الديني، كقصة شق البحر. لدينا قصة من عهد الملك خوفو تقول إنه أراد أن يتنزه في بركة قصره مع فتيات يتجدفن، ووقع حلي إحداهن في الماء فرفضت الاستمرار، فاستدعى ساحراً فطوى الماء وجعله جانبين وأخرج الحلي. هذا نوع من «شق البحر» كفكرة رمزية.

(باسم الجمل)  لكن سؤالي هو: هل وُجد في الأرشيف المصري أي نص يُشير إلى وجود النبي موسى أو بني إسرائيل أو خروج من مصر؟

(علا العجيزي)  الخروج الوحيد الموثّق هو خروج الهكسوس. وهناك لوحة تُعرف خطأً بـ«لوحة إسرائيل»، وهي لوحة مرنبتاح ابن رمسيس الثاني، فيها اسم قوم يُقرأ على أنه إسرائيل، لكن الأبحاث الحديثة تقول إن هذه قراءة خاطئة. وثمة حروب في عهد مرنبتاح طرد فيها أقواماً من مصر، لكن هذا غير مُثبَت بوصفه الحدث التوراتي.

(باسم الجمل)  القراءة الخاطئة في رأيي يمكن اتهام علماء الآثار الأوروبيين بها، لأنهم قرأوا الآثار المصرية بعيون الأسفار اليهودية لإثبات ادعاءاتهم. بينما في مصر لا يوجد أي إثبات.

(علا العجيزي)  الأجانب حين اهتموا بمصر وآثارها كانوا في الأساس يبحثون عن البيئة التي عاش فيها النبي موسى. وللأسف سُيِّس تاريخنا.

(باسم الجمل)  وسُيِّست الآثار.

(علا العجيزي)  لكننا الآن نتبيّن الموضوع ونغيّر كثيراً من الآراء.

(باسم الجمل)  أو نعيد قراءة ما قرأه الآثاريون الأوائل.

(علا العجيزي)  سواء في التاريخ أو النصوص الأدبية؛ وقد أصبح كل علماء الآثار المصريين يتجهون نحو هذه الدراسة.

(باسم الجمل)  فكرة مهمة جداً. لأنهم أحدثوا خللاً كبيراً، ربما بحسن نية وربما بسوء نية. وخاصة أن كثيراً منهم كانوا ذوي خلفية لاهوتية قديمة، وكانوا يبحثون فعلاً عن الجغرافيا التوراتية، بينما ثمة نظريات حديثة كثيرة تضعها في جغرافيا مختلفة كلياً عما ذكرته الأسفار اليهودية.

(علا العجيزي)  بلا شك. هذه المواضيع حساسة لكنها تحتاج فعلاً إلى إعادة دراسة.

(باسم الجمل)  لأنه من المعيب حقاً أن نبخس هذه الحضارة قيمتها العلمية والثقافية والحضارية ونصفها نسبةً إلى رجل اسمه فرعون.

(علا العجيزي)  بلا شك.

(باسم الجمل)  دعني أسأل عن الأثر الذي تركه من جاء بعد ذلك وشكّل نهاية عصر الأسرات، سواء الاستعمار الروماني أو الفارسي أو اليوناني. من الذي تسبب في انتهاء مسيرة الأسرات؟ هل بسبب الرومان أم اليونان أم الفرس؟

(علا العجيزي)  الإسكندر كان نتيجةً لظروف، إذ دائماً تظهر حضارة أقوى من السابقة. بعد الاحتلال الفارسي ضعف الملوك، لكن البيئة المصرية والشعب المصري ظلّا على حالهما بنفس الفكر والارتباط بالبيئة. وضعف الحكام أتاح للأجنبي أن يدخل ويسيطر. العصر البطلمي كان أفضل من الروماني؛ فالملوك البطالمة كانوا يحاولون التقرب من الآلهة المصرية، ويحملون أسماء مصرية مع أسماء آلهتهم اليونانية. وكان ثمة نوع من التفاعل والتمازج بين الشعبين المصري واليوناني إلى حدٍّ ما. فمثلاً في نص حجر رشيد، المعبد المصري الرسمي كان لا بد أن يُضمّن الألقاب البطلمية الرسمية، بينما المعابد في طيبة والبر الغربي ظلت بطابعها المصري القديم، والكهنة المصريون تمسّكوا بقيمهم ومبادئهم.

(باسم الجمل)  يعني لم يتأثروا بالاحتلال أو الغزو؟

(علا العجيزي)  لم يتأثروا بالآخرين في جوهرهم. حياة مصرية خالصة في مضمونها. أما الرسمي في الإسكندرية فكانت عاصمة اليونانيين، لكنهم امتدوا جنوباً للسيطرة الإدارية.

(باسم الجمل)  تواصل إداري.

(علا العجيزي)  وتواصل سيطرة. والمصري يتأقلم مع كل ما يواجهه، وهذه ميزة فيه.

(باسم الجمل)  هل يمكن القول إن الاحتلال اليوناني لمصر هو الذي تسبب في انقطاع مسيرة حكم الأسرات؟

(علا العجيزي)  نعم، بلا شك تغيّرت الأمور. ثم جاء الرومان الذين استنزفوا خيرات مصر لروما. لكن الفكرة أن اللغة المصرية ظلت هي اللغة المصرية. وميزة لغتنا أنها استمرت؛ فحين جاء اليونانيون بدأ المصريون يكتبون اللغة المصرية بالحروف اليونانية لتسهيل القراءة، فأصبحت ما نسميه اللغة القبطية.

(باسم الجمل)  اللفظ.

(علا العجيزي)  اللفظ مصري.

(باسم الجمل)  لكن الكتابة بحرف يوناني.

(علا العجيزي)  وميزة اللغة القبطية أنها أدخلت حروف الحركة في الكلمات. وكثير من كلماتها مصرية أصيلة دخلت عليها بعض الكلمات اليونانية.

(باسم الجمل)  يعني اللغة القبطية هي اللغة المصرية القديمة بحرف يوناني.

(علا العجيزي)  بالضبط. وحروف الحركة أضاءت لنا النطق القديم؛ فمثلاً كنا ننطق كلمة الإله «نيتر» أو «نيتشر»، وحين كتبها اليونانيون وجدناها «نوتر»، فعرفنا أننا كنا ننطق خطأً. وكلمة «نفر» بمعنى جميل أصبحت «نوفر»، فحروف الحركة ساعدتنا على فهم النطق القديم، وحافظت على استمرارية اللغة المصرية.

(باسم الجمل)  إذا أردنا أن تنقطع اللغة فينبغي أن ينقطع الوجود البشري أولاً.

(علا العجيزي)  بالضبط.

(باسم الجمل)  فطالما الوجود البشري مستمر من بداية الأسرات حتى بداية العصر البطلمي فاللغة مستمرة.

(علا العجيزي)  ونحن اليوم مرتبطون بالعادات المصرية القديمة في أشياء كثيرة؛ فحكاية الأربعين يوماً التي نتبعها في الحزن مأخوذة من التحنيط الذي يستغرق فترة طويلة بين الوفاة والدفن. وزيارة المقابر وتقديم الطعام مأخوذة من القرابين التي كانوا يقدمونها للمتوفى. وتعبير «يبوس وش إيدك» يشبه تماماً ما كانوا يقولون حين يقبّلون الأيدي أربع مرات. التشابه في العادات كبير جداً.

(باسم الجمل)  هذا الفهم غير موجود في المدارس وغير منعكس في المناهج التعليمية.

(علا العجيزي)  هذه هي النقطة الحساسة التي أبدأ بها دائماً. أنا عضوة في لجان كثيرة وأطالب باستمرار بأن تُعطي وزارة التربية والتعليم للطالب المصري معلومات عن اللغة المصرية القديمة، وأن يتعلم كتابة الهيروغليفية ولو بعلاماتها الأساسية، ويتعرف على الحكم والمبادئ التي كان المصريون القدماء يقولونها.

(باسم الجمل)  أسمع كثيراً من المصريين يقولون «الحضارة المصرية القديمة» وكأنها شيء مختلف عنهم. بينما ما تتحدثين عنه يثبت أن هذه الثقافة حيّة وموجودة بين الناس.

(علا العجيزي)  موجودة بلا شك. ولهذا في فترة من الزمن كان الناس يقولون إن التماثيل التي في الشارع أصنام، والهرم مجرد كومة حجارة. لا لا لا.

(باسم الجمل)  أيُعقل هذا الجهل؟

(علا العجيزي)  الآن الموضوع تغيّر نسبياً بعد افتتاح المتحف الكبير وكل ما رافقه من اهتمام بالآثار. وأرى الآن كثيراً من الناس على الفيسبوك يتبادلون دروساً في الهيروغليفية، وهذا شيء لم يكن موجوداً من قبل.

(باسم الجمل)  إذاً ثمة بعض العادات والتقاليد القديمة لا تزال قائمة في المنطقة كلها.

(علا العجيزي)  بالضبط، بالضبط.

(باسم الجمل)  زيارة المقابر والخبز والمسيد وفترة الحزن.

(علا العجيزي)  وتعبير «الغد في يد الله» يشبه تماماً «إن شاء الله»، يعني لا أعرف الغيب.

(باسم الجمل)  يعني هذا إيمان بالغيب.

(علا العجيزي)  وفي النصوص الأدبية المصرية نفس الفكرة؛ حين أزلت كلمة «الإله» واستبدلتها بكلمة «الله» في تلك النصوص وجدت نفس المبادئ الأخلاقية التي في الوصايا العشر. وهي أساس الديانات المبنية على المبادئ الأخلاقية.

(باسم الجمل)  الوصايا العشر هي أساس منظومة القيم الإنسانية النافعة.

(علا العجيزي)  الحضارة المصرية عميقة ونبيلة.

(باسم الجمل)  لم تنقطع عن الوجود، لكن لماذا هي مقطوعة عن وعي الناس وثقافتهم؟

(علا العجيزي)  بسبب وصف فرعون.

(باسم الجمل)  لنربط الفكرة: فرعون لا علاقة له بهذه البلاد. فقرآنياً لا يوجد إثبات أن هذه الحضارة أنتجها شخص اسمه فرعون. لا يمكن لشخص بهذا الوصف القرآني أن ينتج هذا النوع من الحضارة.

(علا العجيزي)  لا دين يُجيز ظلم الحضارة.

(باسم الجمل)  وخاصة أن دراسات كثيرة بدأت تُعيد قراءة الأسفار اليهودية وفق الجغرافيا الحقيقية وخلصت إلى أن مصر لا علاقة لها بالحدث التوراتي. وبالتالي الحضارة المصرية بكل أسراتها الثلاثين منفصلة عن شخص يُدعى فرعون.

(علا العجيزي)  نحن لا نملك ما يُثبت ذلك، فكما تفضلت كل شيء كان يُكتب في مصر القديمة، فأين فرعون الذي طغى؟ ومن الممكن أن بعض الملوك قد طغوا بالفعل.

(باسم الجمل)  ملك واحد طغى بس.

(علا العجيزي)  الملوك كانوا يُمجّدون أنفسهم، لكن هذه طبيعة البشر؛ الشخص الذي يعمل خيراً كبيراً نُمجّده ونعتبره دائماً على صواب. وهذا لا يعني كفراً أو إيماناً. فالمصري القديم كان مؤمناً بالله. وحين فكّروا في الخليقة لاحظوا الفيضان يغطي الأراضي الزراعية كلها، ثم تنحسر المياه، فتظهر الأرض كتلٍّ. فاعتبروا أن التلّ الأولاني هو أصل الخليقة، ووقف عليه الإله على شكل طائر وخلق نفسه بنفسه ثم خلق بقية العناصر. وهذه الآلهة هي رموز للشمس والسماء والأرض والهواء والرطوبة. والأرض والسماء كانتا ملتصقتين، ثم جاء إله الفضاء ورفع السماء عن الأرض. وهذه هي العقيدة المصرية الأولى المتعلقة بالشمس.

(باسم الجمل)  يعني كانت السماء والأرض عندهم شيئاً واحداً.

(علا العجيزي)  وكشعب أراد توصيل المعلومة بشكل يفهمه الناس، جعلوا الشمس إلهاً والأرض سيدةً، كأنهم كانوا يريدون الكتابة لكنه كان بالنسبة لهم مفهوماً بديهياً. فأعطوا الأشياء شخصيات وأشكالاً لتقريبها إلى الذهن.

(باسم الجمل)  لكي يفهمها الشخص العادي.

(علا العجيزي)  فأصبحت الآلهة متعددة؛ فأتوم ورع وآمون كلهم إله الشمس، ثم الآلهة الأخرى المرتبطة بالطبيعة كالتمساح والنيل وغيرها. وعندهم نظريات خلق عظيمة؛ ففي نظرية منها الإله فكّر في الخلق بعقله ونطق فكان الخلق، وهي نظرية فلسفية.

(باسم الجمل)  «كن فيكون». هذا تصوّر للإله لكن بأسماء مختلفة.

(علا العجيزي)  والنظرية الثالثة هي نظرية هيرموبوليس أو الأشمونين، وفيها ثمانية عناصر رمزية للظلام والأبدية تشكّلت من المياه حتى خرجت الشمس. وعودةً إلى اللغة، فهي لا تزال حيّة بيننا.

(باسم الجمل)  هل تعتقدين أنه حين جاء العرب ودخلوا مصر في صدر الإسلام كان من السهل عليهم التواصل مع الناس بحكم وحدة اللغة؟

(علا العجيزي)  نعم، اللغة كانت قريبة جداً. وأيضاً الإسلام وعقيدته كانت قريبة من معتقدات المصريين؛ فكذلك المسيحية قبله احتضنها المصريون بسرعة لأنها كانت قريبة من معتقداتهم؛ فصورة السيدة مريم مع السيد المسيح الرضيع تشبه إيزيس مع ابنها حورس. وأن الأم تحمي ابنها في أحراش البردي خوفاً عليه من عمّه الذي يريد قتله، هو نفس القصة. وأعتقد أن الله موجود منذ الخليقة في أذهان الناس، وهو يوصل رسالته لكل فترة بما يناسب مستوى الإدراك البشري؛ فوصلها للمصريين القدماء بلغتهم وبأسلوبهم، والتشابه في أسس المعتقد هو ما جعل قبول المعتقدات الجديدة أمراً يسيراً.

(باسم الجمل)  عقيدة المصريين القدماء سهّلت قبول المعتقدات اللاحقة بحكم تشابه الجذور.

(علا العجيزي)  تشابه في الأصول، نعم.

(باسم الجمل)  وأيضاً تماثل في اللغة.

(علا العجيزي)  اللغة بلا شك كانت قريبة جداً من العربية، فاتّبعوها بسهولة. وكانت هناك نصوص مصرية ونصوص عربية في نفس البردية، وهذا يدل على أن المجتمع كان متجانساً. ونحن نتأقلم مع الغريب بسرعة.

(باسم الجمل)  التأقلم مع الغريب يدل على ثقة بالذات وعدم الخوف على الهوية. السؤال الأخير: ما مدى السلبية التي أحدثها الاحتلال الروماني واليوناني على الثقافة المصرية؟ هل أضافا شيئاً إيجابياً؟

(علا العجيزي)  لا أظن أنهما أضافا شيئاً للأسف. هما الذان أفضيا إلى موت الخط المصري؛ فحين أُلزم الناس بكتابة العقود باليونانية فقط توقف استخدام الخط الديموطيقي تدريجياً وانتهى. وحدث هذا في القرنين الثالث والرابع الميلاديين.

(باسم الجمل)  هل أنقذ الوجود العربي مصر من الانسياق الكامل نحو الثقافة اليونانية؟

(علا العجيزي)  هو أعادها إلى شيء أقرب إليها. فالحضارة اليونانية والرومانية ضعفت وانسحبت، وجاء الإسلام بشكل جديد من الحضارة أكثر توافقاً مع المصريين ومع ثقافتهم القديمة.

(باسم الجمل)  أعاد الوصل بعد الانقطاع.

(علا العجيزي)  بالضبط. وهكذا استمر الإرث الحضاري المصري وإن تغيّرت أثوابه.

(باسم الجمل)  دكتورة علا، استمتعتُ بهذا الحوار كثيراً، وكان الوقت دائماً قصيراً. وقبل الختام أودّ الإشارة إلى نقطة مهمة: في الأرشيف الثقافي المصري القديم لا يرد أي ذكر لخروج النبي موسى أو بني إسرائيل. وهذا موضوع الحجر الرشيد الذي كان شامبليون أول من فكّ رموزه عام 1822، مع أن ابن وحشية كان قد سبقه في القرن العاشر الميلادي. لكن الجديد الذي أضافه شامبليون هو تتبّع أسماء الملوك في الخرطوش المصري ومقارنتها بالنص اليوناني.

(علا العجيزي)  بالضبط. فحجر رشيد نص على لوحة كاملة باليونانية والهيروغليفية والديموطيقية. وشامبليون تتبّع اسم الملك المكتوب في الخرطوش المصري مع ما يقابله باليوناني، لأن الكتابة في تلك الفترة كانت أبجدية؛ فـ«بطليموس» تُكتب بالحروف الصوتية المقطعية. وهو الأول الذي استوعب هذا المنهج وأعلن اكتشاف قراءة النص عام 1822. ولا أنكر أنه ألّف كتاباً رائعاً في قواعد اللغة المصرية القديمة، فيه الخطوط الثلاثة. وقد اشتغلتُ على مسودة هذا الكتاب الموجودة في المعهد الفرنسي للدراسات الشرقية وكتبتُ عنها مقالاً للمكتبة الوطنية الفرنسية. وفي كتابه عبقرية حقيقية في فهم اللغة وقواعدها.

(باسم الجمل)  يعني لا يوجد تحيّز مقصود في قراءة شامبليون؟

(علا العجيزي)  وهو كان يحب مصر كثيراً؛ يقول «أنا مصري بشاربي هذا»، وكانت رسائله لأخيه تفيض بعشق مصر. وقد قام برحلة على النيل من الإسكندرية إلى أسوان وحتى وادي حلفة، قرأ كل شيء وصوّر كل شيء. لكنه بالطبع أخذ معه آثاراً، فحين كان يقول لمحمد علي «احفظ آثار بلادك» كان في الوقت نفسه يُخرج المسلّة التي صارت مسلة الكونكورد وغيرها. كل الآثار الموجودة في أوروبا من مصر.

(باسم الجمل)  صحيح. دكتورة علا، شكراً جزيلاً لك، استمتعتُ بهذا الحوار، وأتمنى أن نلتقي في المستقبل في حلقة أخرى نتابع فيها الحديث عن اللغة وتطبيقاتها. شكراً لكم جميعاً وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مجتمع.

Leave a comment