Skip to content Skip to footer

بين الدين والدولة والعلم والحداثة: ما أسباب أزماتنا المعاصرة؟ د. أشرف منصور

 هل نحن شعوب تقبل الاستبداد بطبيعتها؟ كيف قاطعنا العلم وتخاصمنا مع قوانين الطبيعة؟ من أين تستمد سلطة الفقيه قوتها في تفاصيل حياتنا؟ ولماذا تفشل مدننا في استيعاب التغيرات؟ أسئلة مهمة تبحث في جذور أزماتنا الثقافية والسياسية، يجيب عنها د. أشرف منصور، أستاذ الفلسفة المصري، في #بودكاست_سرديات، على #منصة_مجتمع

 

ما هي جذور سردية الاستبداد الشرقي؟

نور: أهلا بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سرديات”. سنناقش في هذه الحلقة سرديات قديمة وجديدة. ففي كل زمن وكل مرحلة تبرز سردية وتختفي أخرى. لا لأن السردية القديمة أصح وأصدق والجديدة مثلًا أسوأ أو أفضل، بل ببساطة لأن السرديات تظهر وتخفت بفعل السلطة والقوة والسياسة.

في العقود الأخيرة ظهرت لدينا سردية الاستعمار؛ قاومنا الاستعمار وناهضنا الاستعمار وما إلى ذلك. اليوم تبرز سردية جديدة تسمى بالاستبداد. هذه السردية ليست جديدة تمامًا، لكنها تعود إلى السطح اليوم بثوب جديد. تسمى هذه السردية بالاستبداد الشرقي. ماذا يعني هذا الكلام؟ هذا يعني أن هذه المنطقة من العالم محكومة دائمًا بالاستبداد، محكومة دائمًا بأن تعاني من أشكال مختلفة من القمع.

فهل فعلًا أصبحنا اليوم شعوبًا قابلة للاستبداد؟ أو كما يقول مالك بن نبي في كتابه أصبحنا شعوبًا قابلة للاستعمار؟ هل أصبحنا اليوم شعوبًا قابلة للاستبداد والاستغلال والاستعمار؟ هل أصبح المستبد في داخلنا؟

سنحاول أن نفهم في هذه الحلقة أبعاد هذا السؤال، ونحاول أن ننقد السرديات المرتبطة به. لكن أيضًا سنتطرق إلى سرديات أخرى، سرديات الشرق والإسلام، الغرب والاستعمار، سرديات صدام الحضارات، والأهم اليوم مع بروز اليمين المتطرف والشعبوي عالميًا. سنقرأ هذه السرديات أيضًا من وجهة النظر هذه. في حلقتنا اليوم أستضيف الدكتور أشرف منصور، وهو أستاذ الفلسفة في جامعة الإسكندرية، وهو باحث وكاتب ومترجم. أهلا بك دكتور. سعيدة جدًا بوجودك معي في هذه الحلقة.

أشرف: أهلا بك يا نور. أنا أسعد والله. أهلا وسهلًا.

نور: شرفتنا يا دكتور.

أشرف: أشكرك جدًا.

نور: دكتور لدينا كثير من المواضيع لنتحدث عنها. دعنا نبدأ بالحديث عن فترة الحداثة. يعود موضوع الحداثة ونقاش الحداثة فترة بعد فترة للطرح. واليوم نعود إلى مواضيع الدولة الحديثة وما علاقة أفكار الحداثة بالدولة، وكيف نؤسس دولة حديثة ونحن في تحولات سياسية وثقافية كثيرة نعيشها اليوم. لكن حين نتحدث نحن أبناء المنطقة العربية والإسلامية بصورة خاصة عن الحداثة. نعود إلى فترة ما قبل الحداثة، يعني فترة الإسلام، الفلسفة الإسلامية. وهناك دائمًا نظرة تقول إنه إذا نحن أردنا أن ندرس الحداثة يجب أن نعود إلى فترة المسلمين الذين أسسوا للحداثة الغربية بشكل أو بآخر.

هل تجد فعلًا أن العودة إلى اللحظة الإسلامية التي تُسمى بلحظة ما قبل الحداثة، لكن الإسلامية والمرتبطة بالحداثة، ضرورية لنا لكي نفهم الحداثة؟ أم أن هذه العودة نوع من العودة التعويضية، نحن نذهب إلى الوراء لكي نبحث عن دورنا الخاص في التاريخ لا عن ما يمكننا أن نفعله اليوم؟

أشرف: حقيقة طبعًا، من الضروري للغاية العودة إلى التراث الفلسفي الإسلامي. وإذا قلنا إن للحداثة جذورًا إسلامية، فهذه الجذور ليست دينية أو فقهية، ولكنها جذور فلسفية مرتبطة بتراث فلاسفة الإسلام بالتحديد، من الكندي إلى الفارابي إلى ابن سينا، وإلى حد ما الغزالي، ابن رشد، فخر الدين الرازي، انتهاء بصدر الدين الشيرازي. فالتراث الفلسفي الإسلامي هو الجزء الأبرز في التراث الإسلامي الذي يمكن أن يُربط بالحداثة، أو الذي يمكن أن نقول عنه إنه كان مدخلنا إلى الحداثة. وإلى حد ما بعض الاتجاهات العقلانية التنويرية في التراث الفكري الإسلامي من غير التراث الفلسفي مثل المعتزلة، فهذا التراث الذي كان يركز على العقلانية، استخدام العقل في فهم النصوص الدينية وفي التأويل بمختلف أنواعه، التأويل المجازي للنص الديني. ولماذا نعتبر أن التأويل انفتاح للنص الديني على العقل؟ لأنه يفتح النص الديني على إمكانيات كثيرة للفهم، وعلى فهمه فهمًا عقلانيًا وليس فهمًا أسطوريًا غيبيًا أو تراثيًا وما إلى ذلك.

ومن جهة أخرى، فكرة الطبيعة واستقلال الطبيعة بقوانينها الخاصة، احترام قانون الطبيعة، والاعتراف بأن هناك قانونًا للطبيعة، وأن إرادة الإله تتجلّى في قوانين الطبيعة ولا تتجلّى دائمًا في تجاوز هذه القوانين بمعجزة مثلًا أو ما إلى ذلك. فأنا أعتقد أن هناك تنويرًا راديكاليًا فلسفيًا في تراث فلاسفة الإسلام، وهذا هو الذي استفادت منه أوروبا بعد ذلك في أواخر العصور الوسطى وعصر النهضة. وعندما نقول دائمًا إن فلاسفة المسلمين أثّروا في أوروبا، فهذا التأثير هو من هاتين الجهتين؛ العقلانية والنزعة الطبيعية. طبعًا هاتان النزعتان، العقل والنزعة الطبيعية، كانتا مرتبطتين بفلسفة أرسطو تحديدًا. وإحياء فلسفة أرسطو في أواخر العصور الوسطى الأوروبية وعصر النهضة هو كان الباب الذي دخل منه تأثير فلاسفة الإسلام في أوروبا.

وعندما نقول إن هناك بابًا عربيًا إسلاميًا دخلت منه الحداثة إلى أوروبا، فنحن نقصد فلاسفة الإسلام تحديدًا. وطبعًا هذا الباب أُغلق لدينا نتيجة للانحطاط الحضاري والثقافي الذي مر بالعالم الإسلامي، يعني بعد القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، وبعد غزوات التتر، وبعد انهيار الحضارة الإسلامية في كل الاتجاهات، وليس في الاتجاه السياسي والدولي فقط. ودخلنا في عصور ظلام كثيرة عديدة وطويلة جدًا حتى عصر الحداثة في القرن التاسع عشر، فهذا هو المدخل إلى الحداثة. التراث العقلاني لفلاسفة الإسلام.

 

كيف انفصلنا عن قوانين الطبيعة وعالم الدنيا؟

نور: دكتور ما الذي يجعلنا اليوم لا نصدق بقوانين الطبيعة ولا نقبل التغير؟ وما الذي جعلنا اليوم نعتقد فعلًا أن الدين في مكان والعالم هذا في مكان آخر، لا نقبل لا التبدل فيه ولا التغير فيه ولا كل ما يمكن أن يفيد الدين بطريقة أخرى؟ أليست الدنيا أيضًا جزءًا من الدين وتغيرات الدنيا؟ وأثرت أنت فكرة الطبيعة بصورة خاصة، كيف تنظر إلى هذا الانفصال الذي أصبحنا نعيش فيه؟ انفصال بين عالم الدين وعالم الدنيا، بين الطبيعة وتغيرات الطبيعة وتبدلاتها وعالمنا النفسي والروحي.

أشرف: هو للأسف نحن لم نسهم في إنتاج الحداثة. الحداثة بدأت في الغرب، كانت إنتاجًا غربيًا أوروبيًا في البداية، ثم تبنتها الدول أو الأمم خارج أوروبا، ولكننا في العالم الإسلامي لم نسهم في إنتاج الحداثة. كانت لدينا إرهاصات حداثية وتنويرية لدى التراث الفكري الإسلامي كما قلت، العقلانية والطبيعة، النزعة الطبيعية التي هي بداية النزعة العلمية، ولكن لم نسهم في الحضارة الحديثة. لم نخترع شيئًا، الاختراعات كلها آتية من الغرب. لم ننجح في صناعة المحرك، لم ننجح في صناعة التكنولوجيا الحديثة، لم نؤسّس للعلم الحديث ولم ننتج علمًا حديثًا. وأنا أقصد مرحلة تأسيس العلم. نحن لدينا في الجامعات وفي المراكز البحثية الآن باحثون على مستوى عالمي ينتجون علمًا وينتجون أبحاثًا علمية تُنشر في الدوريات الأجنبية، وهم باحثون متميزون، ولكنني لا أقصد الحالات الفردية، ولكن أقصد الاتجاه الحضاري العام. الاتجاه الحضاري العام كان منحطاً، وكان في انحدار، وبالتالي فهذا هو السبب في الانفصال الذي حدث.

الحداثة نُظر إليها عندنا على أنها نتاج غربي لأننا لم نسهم فيها. وأسس الحداثة وأسس العصر الحديث لم نصنعها نحن، الأسس الفكرية، لم يكن لدينا عصر نهضة، عصر النهضة كان عصرًا أوروبيًا. لم يكن لدينا إصلاح ديني، لم يظهر لدينا مارتن لوثر أو كالفن على سبيل المثال. لم يكن لدينا عصر تنوير مثلما حدث في القرن الثامن عشر، أو عصر الوضعية والعلم في القرن التاسع عشر وهكذا.

 

ما سر الخصومة التاريخية بيننا وبين العلم؟

نور: ما الذي يجعلنا اليوم نرفض العلم؟ ما سبب هذا الرفض الذي يجعلنا نعتقد أن العلم للغرب وكأنه لا شأن لنا به؟ ونرفضه وكأنه يصطدم مع الدين، ما سبب الاعتقاد أن العلم في مكان والدين في مكان؟ أنا لا أعرف فعليًا. تجد دائمًا حين تتحدث مع كثير من الأشخاص، حين يقترب الأمر من العلم تشهد رجوعًا إلى الوراء أو نكوصًا إلى خرافة أو أسطورة أو إلى النص. حتى هذا النص طبعًا يكون الشخص غير مضطلع به لكنه يرفض، يشعر أن العلم كلمة أصبحت تشبه شيئًا ما ضد الدين.

أشرف: لأننا لم ننتج العلم، العلم مستورد، فنظرنا إليه على أنه نتاج غربي أو غزو ثقافي يأتي إلينا من الخارج، ولدينا نحن ما يغنينا عنه وهو تراثنا. وهذا هو الذي أدّى إلى صدام بين المجتمع التقليدي والحداثة. وقد تحدثت كثيرًا عن هذا الموضوع. والصدام طبيعي، العلم اصطدم بالمجتمع التقليدي داخل أوروبا عندما ظهر في القرن السادس عشر أيضًا، ثم القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر. لم يكن الصدام قاصرًا علينا، ولكن أوروبا والغرب عامةً تعلّم كيف يتفاعل مع العلم، وكيف يتم التوفيق بين الرؤية العلمية للعالم والرؤية الدينية. هذا التوفيق لم يحدث عندنا، كان يمكن أن يحدث إذا تناولنا التراث الديني لدينا بالتأويل العقلاني الذي كانت توفره الفلسفة الإسلامية والتراث الكلامي المعتزلي أساسًا وما إلى ذلك. ولكن حدث صدام، والصدام لا يزال موجودًا. والغريب أنه لا يزال موجودًا في الغرب بين الداروينية، أو نظرية داروين في تطور الكائنات والتكيف مع البيئة وما إلى ذلك، والتراث الديني. لا تزال نظرية التطور تواجه -لدينا بطبيعة الحال- ولكن في الغرب. وكان يمكن أن يحل هذا الصدام بطريقة عقلانية جدًا بتأويل النصوص الدينية التي يُعتقد أنها مصطدمة مع نظرية التطور على سبيل المثال. ولكن الذي حدث في العالم الإسلامي هو تراجع الفكر العقلاني وتراجع التأويل، تأويل النص الديني كي يتكيف ويناسب المستجدات الحديثة.

 

هل حققت مشاريع الإصلاح الديني أهدافها؟

نور: كان هناك كثير من محاولات الإصلاح الديني في مرحلة النهضة، وكانت لدينا بعض الأسماء التي حاولت أن تُصلح وأن تصحح، أو أن ترجعنا إلى الوراء، وبعضها حاولت أن تأخذ بنا إلى الأمام. ما رأيك في عصر الإصلاحات الدينية أو الإصلاحات النهضوية الأولى؟ هل كانت هناك إصلاحات جدية؟

أشرف: طبعًا، كانت هناك إصلاحات كثيرة، مشاريع إصلاحية في القرن التاسع عشر. ولكن الذين أقاموا هذه المشاريع كانت أعينهم على الدولة. فكانت الدولة الحديثة في بدايتها في القرن التاسع عشر مثل دولة محمد علي على سبيل المثال، ومثل التجارب العديدة في إنشاء الدولة الحديثة في مختلف العالم العربي، سواء في سوريا أو في لبنان أو في بلاد المغرب العربي بوجه عام. المشاريع الإصلاحية كانت تتوجّه إلى الدولة، لأن الدولة كانت هي التي ستنفذ هذه المشاريع. ولكن، مع الهجمة الاستعمارية التي تعرّضت لها الدول العربية الإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فشلت هذه المشاريع النهضوية.

نور: هل كان في رأيك هناك تسرع مثلًا في التوجه نحو الدولة دون الخوض في الدين والخوض في أمور العلم والثقافة والعقلانية؟ ألم يكن مثلًا لو كنّا توجهنا في البداية إلى الدين بكل ما فيه ومن ثم تحوّلنا نحو الدولة، كان ليكون الأمر مختلفًا؟

أشرف: الدين كان في حوزة المؤسسة الدينية الرسمية، ولم تكن لتسمح بأي فهم جديد للدين وللنصوص الدينية، وبالتالي تم اللجوء إلى الدولة باعتبارها قوة حداثية، باعتبارها دولة حديثة بوجه خاص. فالمؤسسة تواجه بمؤسسة مثلها، مؤسسة السلطة الدينية تواجه بالسلطة السياسية الأعلى منها. فكان هذا هو المقصود دائمًا من كل مشاريع الإصلاح؛ كيف أنفذ مشروعي في الإصلاح؟ أن أعرضه على الدولة وتتبناه الدولة. كان هذا هو مشروع رفاعة الطهطاوي في التعليم وفي مشروع الترجمة وما إلى ذلك، وفي الإصلاح الديني أيضًا، وكان يتوجه به إلى دولة محمد علي وخلفاء محمد علي. فلم يكن من الممكن التوجه إلى العامة مباشرة أو إلى المؤسسات الدينية الرسمية، لأن المؤسسات الدينية الرسمية قيمة على الدين وحافظة للدين حسب النسخة التي لديها من الدين والمتوارثة منذ القديم.

ولم يكن لدينا أيضًا طبقة، طبقة وسطى واسعة كي تتثقف وتتعلم وتتولى هي بنفسها عملية إصلاح ديني أو عملية تنوير أو ما إلى ذلك، مثل الطبقة البرجوازية التي ظهرت في أوروبا منذ القرن السادس عشر والسابع عشر. ففي غياب طبقة تتولّى التحديث وتتولى التنوير والنهضة، يتم اللجوء دائمًا إلى الدولة باعتبارها السلطة العليا، وباعتبارها القادرة على القيام بدور طبقة لم تكن موجودة أصلًا.

 

لماذا أخفقت محاولات التحديث الفوقية في مجتمعاتنا؟

نور: دكتور هناك عودة اليوم، عودة ثقافية إلى مشاريع النهضة الأولى، كمحاولة لفهم من أين جاءت كل هذه الأخطاء، أو من أين جاءت كل هذه الهزائم. هناك من يعتقد أن مشاريع النهضة كان فيها بعض المشكلات، لكن وجدتُ من خلال ما قلتَه الآن أنك أقرب ربما إلى فهم تلك المرحلة بطريقة أنه ما كان ليكون أفضل مما كان، لأن هناك كثيرًا من الضغوطات الخارجية والواقعية المتعلقة ربما بالسياسة، بالاقتصاد، بالمؤسسة الدينية. إذن كيف تقرأ ككل، ربما -إن سمحت لي أن أسأل سؤالًا عامًا عن تلك المرحلة- هل كان ليكون أفضل مما كان، أم كان هذا هو الواقع الوحيد الذي تورطنا فيه وأنتجنا فيه ما استطعنا؟

أشرف: هو طبعًا نتيجة لأن التحديث كان تحديثًا للدولة فقط، للجهاز الإداري للدولة وللجيش أيضًا، ولم يكن تحديثًا للمجتمع، وظل المجتمع محتفظًا ببنائه التقليدي. فحدثت ازدواجية بين دولة حديثة من حيث المؤسسات ومن حيث المظهر ومن حيث استيراد المعالم المدنية من الغرب…

نور: دستور وجامعة وعلوم وكذا.

أشرف: بالضبط، ومواصلات حديثة، قطار مثلًا، مسرح، دار أوبرا وما إلى ذلك. المظاهر الخارجية الحديثة، مع وجود مجتمع تقليدي لا يزال محتفظًا بعقلياته القديمة وبنائه الاجتماعي التقليدي. فحدثت ازدواجية بين بناء فوقي حديث وبناء تحتي هو الأساس؛ بناء تقليدي. فظل المجتمع كما هو على حاله. وحاولت السلطات المختلفة تحديث المجتمع، ولكنه كان تحديثًا فوقيًا سلطويًا، ووُوجه بالرفض من قبل المجتمع؛ من قبل تيارات كثيرة، أغلبها دينية. الرجعية والنزعة المحافظة كانت دائمًا ما تُرجع المجتمع إلى الوراء، دائمًا. والسلطة نفسها -أنا لا أتكلم عن عصر معين أو عن أشخاص معينين، ولكن أتكلم عن مسار تاريخي طويل- كانت السلطة تحاول أن تُحدث شيئًا من التوازن كي لا يتهمها أحد بالكفر أو بالعلمانية، وتتنازل قليلًا للرجعية المجتمعية، وتتقرب وتزايد على التيارات الدينية كي تظهر هي أيضًا بمظهر مناسب للعامة، المظهر الديني.

وبالتالي طبعًا مشروع الحداثة والتحديث في العالم العربي تراجع كثيرًا، خاصة في القرن العشرين، بعد أن كان واعدًا وبعد أن كانت حركة الإصلاح واعدة جدًا في القرن التاسع عشر.

 

أين يكمن الخلل في بنيتنا الثقافية أم السلطوية؟

نور: دكتور، فكرة التحديث يقال إنها دائمًا تأتي من فوق، كل تحديث يجب أن يأتي من فوق، لكن التحديث لماذا يصطدم -هنا السؤال- حضرتك ذكرت أنه هو أقرب إلى الاصطدام بما هو تحتي، بما هو بنيوي وتقليدي، يعني ثقافي وبنيوي وتقليدي، فهنا نجد انقسامًا، هناك من يعتقد فعلًا أن المشكلة تأتي من تحت، أن الممانعة، المقاومة، أتت من تحت؛ من بنى ثقافية تقليدية وقديمة، وهناك من يرى: لا، أن الضغوطات الخارجية؛ ما يسمى بالاستعمار والاستبداد، وأيضًا الأنظمة العربية التي استغلت هذه المشكلات لترسخ نفسها في السلطة ساهمت. إلى أي توجه أنت أقرب؟ كيف ترى، هل فعلًا مشكلة ثقافية أكثر، كانت لدينا مشكلة بنى ثقافية متوارثة وتحتاج التجديد، أم نجد لدينا الاستبداد هو الوسيط الذي يقع في المنتصف تمامًا، الدول المستبدة القمعية، الأيديولوجيات التي ظهرت في المنطقة؟ هل أنت أقرب إلى هذا التيار أم ذلك؟

أشرف: الحقيقة، العامل الثقافي الموروث والعامل السلطوي، الاثنان ساهما في سوء الأحوال وفي رجوع المجتمع إلى الوراء. على سبيل المثال، بعض الأنظمة السياسية في العالم العربي طوال القرن العشرين حاولت تحديث المجتمع وحاولت إقامة مشاريع تحديثية أو تنوير، وكانت تُقاوَم. وفي بعض الأحيان السلطة كانت تساير الشارع وتساير الرجعية المجتمعية. وبالتالي المجتمعات العربية متعددة ومختلفة للغاية، كل دولة وكل منطقة أو كل إقليم عربي لديه تاريخه ولديه طباعه ولديه طبيعة السلطة القائمة فيه. وبالتالي فالموضوع متشابك، الموضوع قادم من الثقافة المتوارثة ومن السلطة السياسية في نفس الوقت.

 

كيف تأسست سلطة الفقيه الموازية؟

نور: في الحديث عن السلطة السياسية والسلطة السياسية الدينية، أعرف أن لديك عملًا سيصدر قريبًا حول هذا الموضوع وعلاقة السلطة بالإسلام، وتناقش في هذا الكتاب سلطة الفقيه التي أُسست في مرحلة معينة من الإسلام. لو ممكن تعطينا فكرة عامة عن علاقة السلطة بالإسلام وهذا التأسيس الذي له خصوصية جدًا، سلطة الفقيه في الإسلام.

أشرف: الحقيقة هو طبعًا الكتاب الذي هو قيد النشر حاليًا عنوانه “السلطة في الإسلام: مقاربات فكرية تاريخية نقدية”، ويحتوي على العديد من الدراسات، دراسة عن الفتنة الكبرى وكيفية تأسيس سلطة الأمويين أثناء الصراع في الفتنة الكبرى، ومن خلال طبعًا كتاب طه حسين “الفتنة الكبرى”. وأتعرض في دراسة هامة إلى الفقيه والأصولي أبي المعالي الجويني. والجويني له كتاب هام جدًا يسمى “غياث الأمم في التياث الظلم”. وبالتالي هذا الكتاب أنا أتناوله باعتباره مؤسسًا لسلطة الفقيه في الإسلام.

نور: ما هي سلطة الفقيه في الإسلام لو تشرح لنا بالبداية؟

أشرف: سلطة الفقيه في الإسلام تعادل السلطة السياسية وهي بديل عن السلطة السياسية. لماذا؟ لأن الخلافة العباسية في عصرها الثاني، في عصر الانحطاط، عندما ضعفت ظهر الجويني وحاول تأسيس سلطة سياسية للفقيه. ولذلك فأنا أقول إنها ولاية فقيه سُنية موازية ومعادلة لنظرية ولاية الفقيه في الفكر الشيعي. لدينا أيضًا في الفكر السني ولاية فقيه، ولاية فقيه سنية ولكن لا أحد ينتبه إليها كثيرًا. الجويني حاول تأسيس هذه السلطة في مرحلة ضعف الخلافة العباسية، وأشعر أنه كان على شيء من الوعي أو الإحساس بأن المستقبل لن يشهد استمرارًا لمؤسسة الخلافة أو للإمام. وبالتالي هو كان يضع فروضًا ويحاول الإجابة عليها. في غيبة الإمام، من الذي سيقود المجتمع؟ يجيب: الفقيه، الفقيه هو الذي سيقود المجتمع في حالة غياب الإمام، قبل غيابه في حالة ضعف الإمام، أو ضعف منصب الإمامة، أو في حالة غياب الإمام. وهي موازية لفكرة الغيبة عند الشيعة.

وليس هذا فقط، ولكن الفقيه أو الفقهاء باعتبارهم العلماء هم أهل الحل والعقد، وهم الذين ينصّبون الخليفة أصلًا، وهم الذين يحكمون على الخليفة فيما إذا كان صالحًا أو فاسدًا، ومن حقهم أن يعزلوه، ومن حقهم أن يولّوا خليفة آخر وهكذا. فالسلطة، أو الموازية للسيادة السياسية لدى الجويني هي سلطة الفقهاء.

نور: ما خطورة هذا الأمر؟ ما خطورة سلطة الفقهاء والتعامل معها على أنها سلطة مطلقة لا يمكن الطعن فيها إطلاقًا؟

أشرف: الخطورة أنهم يحكمون المجتمع. السلطة السياسية تحكم جهاز الدولة فقط، ولكن المجتمع يحكمه الفقهاء. وإذا أردنا أن نفهم هذه السلطة بالمصطلحات السياسية الحديثة، وإذا أردنا أن نترجمها إلى فكر ميشيل فوكو مثلًا، سوف نقول إنها الفيزياء الصغرى للسلطة أو السياسات الصغرى للسلطة أو السياسات الصغرى (micro power) أو (micro politics) (Micro-physics of power)، التعاملات اليومية الحيوية بين الناس.

نور: الحيوية، السلطة الحيوية التي تتعامل مع الحياة، تتحكم في حياة الناس.

أشرف: تتحكم في حياة الناس، وهي سلطة مطاعة، الناس تسأل الفقيه أو العالم في كل شيء فيما يخص حياتها اليومية وتسمع كلامه.

نور: كدنيا يعني، الحياة التي يفترض أن تكون ملكًا للشخص نفسه، حق شخصي ونفسي ليعيشه الشخص…

أشرف: فهذه سلطة موجودة في المجتمع، وبالتالي الخطورة هي ازدواجية السلطة. السلطة السياسية تحكم جهاز الدولة، وهناك سلطة دينية أقوى منها تحكم الناس مباشرة في حياتهم اليومية.

نور: وهنا صدام وهنا لا يمكن أن يتحرك فعليًا المجتمع…

أشرف: والطاعة أساسًا هي للفقيه.

نور: هذا في نموذج الدولة الإسلامية التي بدأت في -ذكرت- مع الأموية، أيضًا ذكرت أنه كان هناك تأسيس مشابه…

أشرف: مع ضعف الخلافة العباسية ومع ضعف منصب الإمام أو منصب الخليفة بوجه خاص ظهرت نظرية الجويني. وأنا أشعر أن نظرية الجويني في ولاية الفقيه، أنا أسميها ولاية الفقيه لأنها سلطة سياسية في يد الفقيه، لأن الفقيه لديه سلطات عديدة سواء في الفقه الشيعي أو في الفقه السني أيضًا. نكتشف مع كتاب الجويني أن الفقيه يمكن أن يجمع الزكاة، يجمعها ويوزعها، في يده الميزانية، وسلطة الإنفاق خطيرة جدًا. فطبعًا ظهر في مرحلة الاضمحلال.

الذي حدث في عصر الحداثة، أن المجتمع عندما ظل على البنية التقليدية المحافظة والرجعية، وعندما لم تنجح السلطة السياسية في تحديث المجتمع تحديثًا كاملًا، ظلت هذه السلطة كما هي، سلطة الفقيه في المجتمعات الإسلامية بوجه خاص. في المجتمعات الغربية لن نجد لهذه السلطة شيئًا يوازيها. رجل الدين في المسيحية وفي اليهودية ليست له كل هذه السلطات، ولا ينازع السلطة السياسية في صلاحياتها، لأن المسيحية واليهودية كما أعتقد دخلتا في إطار الحداثة. تم تكييف هذه الأديان مع الحداثة ومع السلطة الحديثة للدولة، ولكن هذا لم يحدث في عالمنا الإسلامي.

 

ما خطورة التوظيف السياسي للجماعات الدينية؟

نور: دكتور، تتحدث أيضًا في كتابك عن خطورة ربما تحول الجماعة الدينية بصورة عامة إلى حزب سياسي، أو إلى أن تمثل تمثيلًا سياسيًا. هل لك أن تشرح هذه الفكرة؟

أشرف: أنا أتساءل هل من حق الجماعات الدينية تمثيل نفسها سياسيًا؟ يعني إذا ظهرت جماعة دينية في المجتمع، أسست نفسها بطريقة أو بأخرى، ولكنها ظهرت وموجودة، هل من حقها أن تُمثل نفسها في تمثيل سياسي وأن تكون لها حقوق سياسية؟ هذا الأمر خطير للغاية. لماذا؟ لأن الدساتير الحديثة كلها الدساتير الحداثية، ومبدأ الديمقراطية نفسه ينص على تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات وعلى مبدأ المواطنة. وبالتالي فعندما نعطي حقوقًا سياسية لجماعات دينية فنحن نصنع مجتمعًا طائفيًا. وبعد ذلك سوف تظهر جماعات من كل دين ومن كل طائفة دينية تدّعي لنفسها حقوقًا سياسية، بما أنني جماعة دينية فمن حقي تمثيل سياسي في البرلمان أو في جهاز الدولة وما إلى ذلك. وبالتالي المسلمون ينشئون أحزابًا إسلامية، والمسيحيون ينشئون أحزابًا مسيحية، واليهود ينشئون -إذا كان هناك يهود-. وكل دين أو كل طائفة دينية تنشئ حزبًا، وبالتالي نتحول إلى مجتمع طائفي، هذه هي المشكلة.

نور: ممكن يتساءل شخص عند هذه النقطة: طيب ما الفرق بين هذا التمثيل أو خطورة هذا التمثيل والتمثيل الذي نجده في الدولة الغربية مثلًا؟ هناك أحزاب تنطلق من الدين ولها مسميات دينية واضحة وتعمل في ظل الدولة وتمارس ربما شعائرها الدينية وتقاليدها الدينية ضمن الدولة، ما الذي يختلف هنا؟

أشرف: الاختلاف هو الأحزاب الغربية التي تقصدينها هي أحزاب مدنية ملتزمة بدستور علماني وديمقراطي وبتعددية سياسية وتعمل في إطاره، ولكن لها توجهات قيمية وأخلاقية دينية. هي تُسمي نفسها أسماء دينية من باب الأخلاق ومن باب القيم والمبادئ فقط، ولكنها لا تدعو إلى دولة دينية مثلًا، ولا تدعو إلى الانقلاب على التعددية وعلى الديمقراطية وعلى دولة المواطنة وما إلى ذلك. وهذا هو الخوف من الأحزاب الدينية عندنا في العالم العربي، أو الجماعات الدينية التي تنشئ لنفسها أحزابًا، أو التي تدعي حقوقًا أو تطالب بحقوق سياسية لها. ليست مجرد تأخذ الدين باعتباره قيمًا وأخلاقًا ومبادئ، ولكنها تقول إنه دين ودولة، تريد أن تصل إلى السلطة كي تغير من نظام التعددية ومن النظام الديمقراطي كله.

 

كيف تضمن العلمانية حياد الدولة تجاه الأديان؟

نور: دكتور اسمح لي أن آخذ صوت شخص يعتقد أن الدولة الدينية هي النموذج الأفضل، ويعتقد أيضًا بسبب كلام شائع كثير أن الدولة العلمانية هي فصل الدين وإقصاء الدين والتخلص منه، ومنع الناس من ممارسة طقوسهم الدينية وحقهم في الإيمان والعبادة وما إلى ذلك. كيف ترد على هذا النوع من الأقاويل؟

أشرف: العلمانية لا تعني استبعاد الدين وإقصاءه ولا تعني حرمان المتدينين من ممارسة شعائرهم الدينية، بالعكس، العلمانية تعني حياد الدولة تجاه الأديان وتعني أن الدولة هي فوق الأديان، وتكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية لكل الأديان والطوائف الدينية، وتعامل كل الأديان بالتساوي وبمنتهى الحيادية والموضوعية. الدولة العلمانية أو دولة المواطنة أو الدولة الديمقراطية هي فوق الأديان ومحايدة، لا تناصر دينًا على حساب دين آخر أو ضد الأديان. المشكلة في الأديان الإبراهيمية الثلاثة أنها كلها ضد بعض، الإسلام يرفض المسيحية واليهودية، واليهودية ترفض المسيحية والإسلام، والمسيحية ترفض الإسلام واليهودية، الثلاثة يكرهون بعضًا والثلاثة يستبعدون بعضًا. لو هناك دولة ستناصر، لو هناك دولة ستعلن أنها دولة تتبنى أحد هذه الأديان الإبراهيمية الثلاثة، ستضطهد الدينين الآخرين. ستقول أنا دولة مسيحية للمسيحيين، وأنا ليس لي دعوة بالمسلمين واليهود. أنا دولة يهودية، وسأستبعد، ليس لي دعوة بالمسيحيين والمسلمين وهكذا. أنا دولة إسلامية للمسلمين، المسيحيون واليهود درجة ثانية أو مواطنون درجة ثانية. فسيكون فيه تمييز وسيكون هناك اختلاف في المعاملة وما إلى ذلك. فهذه خطورة الدولة الدينية.

الدولة الديمقراطية، الدولة الحديثة محايدة تجاه الأديان، وهذا هو معنى العلمانية. لماذا نقول إن العلمانية هي الفصل بين الدين والدولة؟ على فكرة، هناك معنى للفصل لا أوافق عليه، شائع بين الناس، وهو أن يقول هناك فصل بين الدين والدولة، أي أن هناك دينًا وهناك دولة، وللدين سلطة وللدولة سلطة. وهذا شيء خاطئ تمامًا، ليست هذه العلمانية التي نقصدها. إذا فصلنا بين الدين والدولة فقد صنعنا سلطتين تتنازعان داخل المجتمع الواحد، سلطة الدين وسلطة الدولة. طيب أنا أسمع كلام من؟ جيد، أنا سيبقى عندي سلطتان في المجتمع. أنا لا أريد أن يبقى عندي سلطتان في المجتمع، لا أريد أن أحير الناس بين هاتين السلطتين، بين الفقيه ورجل السياسة. لا، السلطة واحدة تعبر عن الشعب وعن السيادة الشعبية، والدين جزء… لا أتكلم عن الدين في هذا السياق لكن أتكلم عن المؤسسة الدينية. المؤسسة الدينية تكون إحدى مؤسسات الدولة والدولة محايدة تجاه الأديان.

فهذه هي العلمانية. العلمانية لا تفصل بين الدين والدولة، العلمانية تجعل الدولة مسيطرة على الدين، وهي لها اليد العليا فوق المؤسسات. لا نقصد مؤسسة دينية بعينها ولكن نقصد كل المؤسسات الدينية. هي فكرة السيادة، السيادة لمن؟ السيادة للإرادة العامة والشعب، الإرادة الشعبية، وهذه هي سيادة الدولة. كل المؤسسات الدينية تحتها ويجب أن تطيع الإرادة العامة للشعب في أي نظام ديمقراطي.

 

كيف نفهم الجذور الاقتصادية والسياسية للإسلاموفوبيا؟

نور: اسمح لي أن ننتقل الآن لموضوع ثانٍ، موضوع آخر يثير الجدل ويثير الحساسيات ويتم تداوله بكثرة اليوم في الإعلام والنقاشات العامة. مصطلح جديد، ليس جديدًا تمامًا لكنه برز من جديد، فلنقل، إلى السطح. مصطلح الإسلاموفوبيا، عداء الإسلام، رهاب الإسلام، هناك الكثير من الترجمات. كيف تقارب هذه الظاهرة اليوم؟

أشرف: أولًا يجب أن نعرف الجذور التاريخية لما يُسمى بالإسلاموفوبيا. حتى أوائل القرن العشرين لم تكن نسبة المسلمين في أوروبا كثيرة. طه حسين في مذكراته في كتاب “الأيام”، كان يتحدث عن ذكرياته في أثناء الدراسة في السوربون، وكان يتحدث عن أستاذه دوركايم، ويقول عن باريس إنه لم يرَ كثيرًا من المسلمين هناك. رفاعة الطهطاوي في عشرينيات القرن التاسع عشر كان في باريس أيضًا تقريبًا قبل بمائة عام تقريبًا، وكان يقول إن باريس ليس بها مسلمون أصلًا في أوائل القرن التاسع عشر. ما الذي حدث؟ ما الذي أدى بأوروبا إلى هذه النسبة الكبيرة الضخمة من المسلمين؟ كيف أتوا إلى هناك؟

الذي حدث أنه بعد الحرب العالمية الثانية، التي كان ضحاياها بعشرات الملايين، حدث نقص شديد في القوى العاملة الأوروبية نتيجة الحروب ونتيجة المجازر التي حدثت. أوروبا كانت تنهض وكانت تعيد تأسيس الصناعة مرة أخرى، وتعيد بناء المصانع وبناء المدن المدمرة، فكانت في حاجة إلى أيدٍ عاملة كثيرة، ففتحت باب الهجرة من الدول القريبة. الدول القريبة هي الدول الإسلامية، بلاد المغرب العربي أساسًا. وألمانيا فتحت باب الهجرة أيضًا للدول المجاورة، والدول المجاورة دول إسلامية مثل تركيا. ففي خمسينيات القرن العشرين بالذات استقبلت أوروبا أعدادًا غفيرة من المسلمين ومن العرب أيضًا، وألمانيا استقبلت كميات كثيرة من الأتراك. زاد المسلمون في أوروبا نتيجة فتح أوروبا باب الهجرة واحتياجها لقوة عاملة بشرية. هذا هو العامل الأول.

العامل الثاني هو أن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية كانت بها توجهات وحركات اشتراكية وأحزاب اشتراكية ونقابات عمالية قوية جدًا. هذه النقابات العمالية كانت تفاوض الدولة على حقوق العمال. وبالتالي اتجه رأس المال الأوروبي إلى توظيف عمالة غير أوروبية مهاجرة، لأن هذه العمالة لم تكن منتظمة في نقابات ولا في أحزاب اشتراكية ولم يكن لديها حقوق. فاتجه رأس المال الأوروبي إلى توظيف هذه الفئة بالذات، لأنها لم تكن نقابية ولم تكن حزبية ولم تكن من مواطني الدولة. فاستطاع رأس المال الأوروبي توظيف عمالة رخيصة من هذه الهجرات، وشجّع على الهجرات كي يستطيع الإقلال من الأجور وزيادة ساعات العمل. هو ما أسماه ماركس القيمة الزائدة المطلقة، عادت مرة أخرى في عصر القرن العشرين.

وبطبيعة الحال، عندما يزداد عدد المسلمين في أي مجتمع وفي أي دولة، تظهر الاحتكاكات بين الدينين، بين الدولة المسيحية أو المجتمع المسيحي والأقلية الإسلامية التي لم تعد أقلية بل زادت وصارت نسبة من السكان. والمهاجرون الأوائل استقروا وأصبح هناك جيل ثانٍ، وأصبح هناك جيل ثالث أيضًا. على سبيل المثال هناك مسلمون في أوروبا آباؤهم مسلمون مولودون في أوروبا، الجدّ هو الذي كان مهاجرًا وهكذا، فهناك جيل ثالث. فالإسلام أصبح مستقرًا وجزءًا من البنية الاجتماعية الأوروبية. وبالتالي وبطبيعة الحال يحدث احتكاك ويحدث صدام، هذا طبيعي.

بالإضافة إلى هجرات كثيرة جدًا في التسعينيات وما بعدها نتيجة لحروب الشرق الأوسط وللصراعات وانهيار الأنظمة السياسية وسوء الأحوال الاقتصادية في الدول الإسلامية، دفعت الكثيرين إما إلى البحث عن فرص عمل أفضل، أو إلى الهروب من الأوضاع السيئة أو من الأنظمة السياسية القمعية في الشرق الأوسط وفي العالم الإسلامي بوجه عام. فذهب المسلمون إلى أوروبا بحثًا عن فرصة أفضل.

المسلمون في أوروبا يجب أن يتكيفوا مع المناخ الأوروبي التعددي ومع العلمانية الأوروبية والثقافة الغربية بوجه خاص. من الضروري أن يتكيفوا، ومن الضروري أن يكونوا جزءًا من النسيج الأوروبي، ومن الضروري أن يتخلّوا عن الاستعلاء، نزعة الاستعلاء التي كانت لديهم في مجتمعاتهم الإسلامية قبل الهجرة، والأفضلية وخير أمة… طيب أنت كيف ستقول “أنا خير أمة أخرجت للناس” وأنت في المجتمع الأوروبي الذي هو خير منك أصلًا؟ لا أنت في أوروبا لست خير أمة، أنت تعيش في خير أمة أصلًا، في المجتمع الأوروبي الذي عمل العلم الحديث والصناعة الحديثة. أنت لم تعد، أنت كنت، لذلك الآية تقول “كنت” ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]. لكن أنتم الآن لستم خير أمة أخرجت للناس ولا شيء، بالعكس أنتم في أدنى السلم الحضاري والثقافي على مستوى العالم، أنتم آخر أمة.

فالآن عندما تجد نفسك في أوروبا تكيّف مع النظام الغربي، تكيّف مع المجتمع، يجب أن تقبل التعددية مثلما هو يقبلك. هو قبلك، هو أعاشك عنده ويعطيك إعانة ويعطيك حماية، ويفتح لك مدارس ومستشفيات علاج وهكذا، جيد؟ فتكيف معه، لا تحاول أن تنفصل. لا تحاول أن تنشئ مجتمعًا طائفيًا مغلقًا هناك.

طبعًا أنا أعلم جيدًا أن هناك بعض المضايقات التي يواجهها المسلمون في أوروبا، وبعض العنصرية التي يواجهونها والنظرة الاستعلائية ليس من المسلمين فقط ولكن من المجتمعات الأوروبية، كل هذا يعانون منه، والمحجبات يعانين من التمييز، يعانين من النظرة الدونية وما إلى ذلك.

وأنا أعلم جيدًا أن المغربي والتونسي والجزائري والمصري والسوري والأردني واللبناني والعراقي عندما يجدون أنفسهم في أوروبا، فالذي يجمعهم في أوروبا هو الدين، هو الإسلام. فيشعرون وسط المجتمع الأوروبي بالحنين، ويتجهون إلى التدين أكثر على الرغم من أنهم يمكن ألا يكونوا متدينين في مجتمعاتهم الإسلامية، ولكن يسافرون إلى الغرب ويتدينون هناك، ويصنعون مجتمعات (Communities)، مجتمعات طائفية هناك. هذا رد فعل على ما يعانونه هناك -أو البعض- الذي يعانونه من تمييز ديني وعرقي وما إلى ذلك.

الإسلاموفوبيا ظاهرة ثقافية وسياسية معقدة جدًا، هي موجودة. الخوف ليس الخوف من الإسلام نفسه. لماذا كلمة إسلاموفوبيا؟ أنا لا أوافق على هذه الكلمة أصلًا. الإسلاموفوبيا معناها الخوف من الإسلام، لا، هو الخوف من المسلمين أساسًا ومن النزعات الطائفية المتطرفة وما إلى ذلك، لكن الإسلام شيء مجرد. المشكلة أن المسلمين يتوحدون مع دينهم، وينظرون إلى أنفسهم على أنهم يمثلون الإسلام. لا أحد يستطيع أن يمثل الإسلام، ولا أحد يستطيع أن يتحدث باسم الإسلام. الوحيد الذي كان يستطيع أن يتحدث باسم الإسلام مات من 1400 سنة، النبي محمد، كان هو الوحيد الذي يمكن أن يتحدث باسم الإسلام. لكن أنا لا أستطيع أن أتحدث باسم الإسلام، الإسلام هو كيان فوقي يعلو على الممارسات، يعلو على التاريخ والممارسات الفردية أو حتى السياسية للمسلمين. هو (Transcendent)، مثلما نقول، لا يمكن أن يمتلكه أحد، أو يتوحد معه، أو يقدم نفسه على أنه يتحدث باسم الإسلام.

الإسلاموفوبيا تُستخدم سياسيًا في الغرب من قبل بعض الاتجاهات اليمينية المحافظة والرجعية الأوروبية لعداء المسلمين، العداء ضد المسلمين أو التضييق عليهم، أو لتنفيذ أجندات سياسية معينة موجودة في الغرب وما إلى ذلك. وهذه قضية يجب أن نعالجها على حدة، الاستغلال السياسي والإعلامي للإسلاموفوبيا في الغرب، هذا يجب أن نفصله عن مشاكل المسلمين في أوروبا وهي مشاكل حقيقية، يجب أن تعالج.

المسلمون في أوروبا مشكلتهم نعالجها كيف؟، في تعليم المسلمين في أوروبا، يجب أن نُدخل الفلسفة. يجب أن يتعلموا فلسفة إسلامية وفكرًا إسلاميًا، ليس فقهًا فقط، ليس فقهًا وحديثًا وتجويدًا وقراءات وهذا الكلام وشريعة، لا. المسلمون في أوروبا محتاجون أن يدرسوا علم الكلام، يعرفون من هم المعتزلة والأشاعرة، يدرسون تصوفًا، يدرسون الفارابي وابن سينا وابن رشد، جيد؟ يدرسون التراث الفكري الإسلامي العقلاني الذي نحن قلنا عليه من قبل هكذا. تريدون أن تخففوا من حدة التطرف الإسلامي في أوروبا؟ علموا الأجيال الجديدة من المسلمين، علموهم الفكر العقلاني الإسلامي الذي كان موجودًا أصلًا، الذي هو كان نتاج الحضارة الإسلامية. بالطريقة هذه تواجه الأصولية، تريد أن تواجه الأصولية والتطرف الديني؟ واجهها بالمعتزلة وابن رشد. وهؤلاء من التراث الإسلامي، هؤلاء نحن لن نستورد فكرًا غربيًا، لا لا، هذا هو تراثنا، سنعمل له تفعيلًا فقط. ويصبح عندنا جيل من المسلمين في أوروبا متعلم جيدًا، ليس متعلم تراثًا دينيًّا إسلاميًّا، فقه وشريعة وأصول الدين ولغة وحديث، لا لا لا، متعلم اتجاهات عقلانية مستنيرة جدًا في الفكر الإسلامي.

 

لماذا نغض الطرف عن عنصريتنا وأزماتنا الداخلية؟

نور: دكتور في المرحلة السابقة، في العقود الأخيرة، ظهرت دراسات ما يُسمى بما بعد الاستعمار، يعني هي دراسات نقدية نقدت ما يسمى بالمركزية الغربية، المركزية الأوروبية، أشكال من الاستشراق، التمييز، العنصرية الغربية ضد من هم غير غربيين. لكن من جهتنا غابت كل الدراسات النقدية، غابت الدراسات التي تنظر ربما في التمييز داخل البلدان العربية، العنصرية داخل البلدان العربية مثلًا. طيب، نعرف أن الاستعمار جاء إلينا، طيب ماذا حدث بعد هذا الاستعمار؟ ما هي الميكانيزمات النفسية، أو ربما السياسات، أو ربما ردود الأفعال الثقافية؟ يعني نعرف دائمًا وندرس دائمًا أن هناك شعورًا بالتفوق يأتي من الغرب، طيب ماذا عن الشعور بالدونية الذي خُلق أو ربما نما في هذه الفترة؟ كيف تنظر لغياب تمامًا كل دراسات نقدية تنظر في الداخل، وأننا دائمًا نتوجه إلى الغرب دون أن نسائل أنفسنا ولو قليلًا عما فعلنا؟ وتحديدًا أن لدينا أيضًا عنصريات، لدينا أيضًا في تاريخنا ربما هناك مراحل عبودية واستعباد ومراحل من التمييز، واليوم نشهد حتى هذه اللحظة أشكالنا المختلفة من التمييز الداخلي.

أشرف: نحن نعاني من الاثنين: من الكولونيالية وتراثها الذي لا تزال له آثار موجودة لدينا حتى الآن من جهة، والسلطوية العربية، السلطوية على مستوى السياسة وعلى مستوى الدين والمؤسسات الدينية والحركات الدينية. الحركات الدينية سلطوية والبناءات السياسية سلطوية هي الأخرى. فالدين والدولة الاثنان سلطة، جيد؟ والتراث الكولونيالي أحيانًا ما أشعر أن الإمبريالية الجديدة والتدخلات الأجنبية المستمرة في العالم العربي كانت مسؤولة بالجزء أو نسبيًا عن استمرار السلطوية العربية، لماذا؟ وكانت دائمًا يكون هناك ذريعة لهذه الأنظمة لممارسة نوع من السلطوية كحماية من الهجمات الغربية وحماية من التدخلات وهكذا. فهناك دائمًا ذريعة للأنظمة العربية تعطيها شرعية لممارسة المزيد من السلطوية لحماية المجتمع أو الدولة من التدخلات وما إلى ذلك.

فطبعًا أنا لا أعفي تراث الكولونيالية في خلق الأنظمة العربية. كانت لدينا تجربة في مصر ديمقراطية قبل 1952، وكانت تجربة رائدة ومزدهرة في التعددية السياسية والحزبية وتداول السلطة بين الأحزاب على الأقل، وأفشلتها التدخلات البريطانية أثناء الاحتلال. فأنا لا أعفي بريطانيا والاحتلال البريطاني من المسؤولية عن تدهور التجربة الديمقراطية المصرية قبل 1952.

وإذا كنا نعاني من أنظمة سلطوية حاليًا، فالاستعمار يتحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية إفشال الأنظمة السابقة في النصف الأول من القرن التاسع عشر. لو أردنا أن نوسع دائرة الكولونيالية، فالكولونيالية هي التي أنتجت السلطوية والديكتاتوريات التي نعاني منها الآن. فطبعًا لا نزال نتحمل الآثار البعيدة طبعًا والتاريخية البعيدة للعصر الكولونيالي. طبعًا، صعب على الباحثين العرب أن يتهموا أنظمة سياسية معينة وهم يعيشون فيها.

نور: صحيح طبعًا، هناك خطورات أمنية كثيرة.

أشرف: طبعًا صحيح، وهناك محاذير. لكن من منهم يعمل في الغرب، في المؤسسات البحثية والجامعات الغربية، يكون أكثر حرية. لكن هذه الظواهر تدرس من قبل باحثين عرب، ولكن ليسوا في العالم العربي، يأخذون حرياتهم أكثر في الخارج، ولكن تدرس على المستوى الأكاديمي. وهناك أبحاث متخصصة وتنشر في دوريات أكاديمية وفي رسائل جامعية لا تصل إلى الثقافة العامة ولا نعرف عنها الكثير، وإن كان بعض هؤلاء بدأ في إحداث بعض الأصوات نتيجة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، اليوتيوب وما إلى ذلك.

 

هل الاستبداد الشرقي قدر جغرافي حتمي؟

نور: دكتور، حضرتك تجمع بين المشكلات الثقافية والمشكلات السياسية، وما يسمى بالمشكلات الداخلية والمشكلات الخارجية، على عكس كثير من التوجهات الجديدة التي بعد أن ملّت ربما من الكولونيالية ودراسة الكولونيالية تتوجه اليوم إلى مشكلات الثقافة وحسب، ما يسمى بالتيار الثقافوي. فتقول إن مشكلاتنا جميعها مشكلات ثقافة وبنى تقليدية قديمة، وأن ما تستند إليه في بناء حجتها هو ما يسمى بالاستبداد الشرقي، أي أن هناك استبدادًا حتميًا شرقيًا متوارثًا نتوارثه نحن أبناء هذه المنطقة بالأنظمة التي لدينا وهو ينتج نفسه باستمرار. كيف تنظر إلى هذه الفكرة؟

أشرف: هو طبعًا هناك الكثير من التوجهات التي ألمحتِ إليها سائرة في هذا الاتجاه. والأكثر من ذلك، لدينا في مصر بالذات تأصيل تاريخي لتراث الاستبداد يربطه بالجغرافيا ويربطه بالمجتمعات النهرية التي يتم فيها الزراعة بالغمر…

نور: نعم الري والهيدروليكية، هناك نظرية الاستبداد الشرقي، نعم صحيح.

أشرف: نعم، مثل نظرية الاستبداد الشرقي لكارل أوغست فيتفوجل.

نور: صحيح.

أشرف: وتأثر به جمال حمدان في شخصية مصر وقال إن مصر هي دولة مركزية منذ ميلادها، لأن الدولة في مصر هي التي تتولى عملية الزراعة وتنظيم الري. ولتنظيم الري في هذه المساحة الضخمة وللسيطرة على النهر، يجب أن تكون هناك دولة مسيطرة، لأن السيطرة على النهر تتطلب السيطرة على المجتمع الذي سوف يسيطر على النهر.

نور: صحيح، جيوبوليتكس؛ يعني ربط الجغرافيا بالسياسة. ولدينا نظريات أخرى تربطها بالثقافة، يقولون: هذا مجتمع قبلي لديه كثير من المشاكل العشائرية والقبلية، يعني نحن نتأرجح بين البيئة، المؤثرات الخارجية، والمؤثرات الداخلية.

أشرف: فهذه هي المشكلة، هل هناك حتمية جغرافية وبيئية تكرس للاستبداد والسلطوية في مجتمعاتنا، سواء كانت مجتمعات نهرية هيدروليكية مثلما قال فيتفوجل، أو مجتمعات قبلية صحراوية؟ العالم العربي على فكرة يشهد تناقضًا حادًا بين مجتمعات نهرية مستقرة منذ آلاف السنين ومجتمعات بدوية قبلية صحراوية. الصحراء ملاصقة للنهر، والنهر ينتج سلطوية خاصة به والصحراء تنتج السلطوية الخاصة بها أيضًا. هذه هي المشكلة.

ولكن دعيني أذكرك ببلد تعرفينها جيدًا وهي ألمانيا. كان لها تراث قديم من الاستبداد وليس الاستبداد الشرقي، ولكن الاستبداد الخاص بالتاريخ الألماني. ودُرس، ومدرسة فرانكفورت عملت مشروعًا بحثيًا ضخمًا وظهر في كتاب الذي هو “الشخصية السلطوية” (The Authoritarian Personality)، أشرف عليه ثيودور أدورنو، وشارك فيه هوركهايمر وماركيوز وعدد كبير جدًا من أعضاء المدرسة ومن خارج المدرسة أيضًا. وأرجعوا نشأة النازية أو نشأة السلطوية الألمانية إلى جذور قديمة ربما ترجع إلى عصر الإصلاح الديني وإلى الشخصية وإلى طبيعة الأسرة الألمانية. ودرسوا كيفية نشأة الرجعية المجتمعية والفاشية، كيف كانت الفاشية نتاجًا وإفرازًا من وجهة نظرهم طبيعيًا لبنية المجتمع الألماني.

هل المجتمع الألماني حاليًا بنفس هذه البنية؟ هل دراسة مدرسة فرانكفورت، لما أسمته (The Authoritarian Personality)، لا تزال صالحة للتطبيق على المجتمع الألماني؟ المجتمع الألماني تغير، ترك هذه المرحلة العسكرية البروسية، المعاداة التي كانوا يسمونها المعاداة للسامية. هل هناك معاداة للسامية الآن؟ هل هناك عسكرية بروسية؟ خلاص، فيه نازية؟ فيه بعض الاتجاهات التي موجودة طبعًا في كل مكان في النهاية طبعًا موجودة. لكن هل ألمانيا التي نعيش فيها اليوم ونعرفها جيدًا هي ألمانيا التي تحدثت عنها مدرسة فرانكفورت؟ لا، اختلفت.

فممكن أن يكون لدينا بناء اجتماعي وتاريخي قديم وثقافي يساعد على السلطوية وينتجها ويخلقها خلقًا، ولكن يتغير المجتمع كله بعد ذلك. وهذا هو الأمل في المستقبل أن لا تكون الأجيال الجديدة نسخة مكررة من الأجيال القديمة. وأنا ألاحظ في الأجيال الجديدة اختلافًا، الأجيال الجديدة أكثر انفتاحًا ولديها الكثير من الحريات والجرأة. والأمل فيها أن تغير من البنية السلطوية السائدة. طبعًا ومن جهة أخرى، ألاحظ التعصب الديني سائدًا في جيل العشرينيات وجيل الثلاثينيات أيضًا، في حين أن جيل الخمسينيات والستينيات، الذي هو جيلي أنا، جيل الخمسينيات، أنا عندي ثلاثة وخمسون سنة الآن.

نور: العمر كله.

أشرف: أشكرك. فيعني الأجيال الكبيرة في السن، فوق الخمسين، فوق الستين، فوق السبعين، فوق الثمانين، أكثر استنارة وأكثر عقلانية من الأجيال الجديدة. ليس كل الأجيال الجديدة عندها تطرف ديني وعندها تعصب ديني، ولكن هناك تغير يحدث في جيل ماذا؟.  زي (Gen Z)…

نور: (generation Z).

أشرف: بالضبط، (generation Z) هذا. وطبعًا مازال يتكون ويجب أن يتثقف ويجب أن نعطيه فلسفة، جرعة فلسفية كثيفة.

فممكن البناء الاجتماعي يتغير، يتغير في لحظة. ذكرتِني بزيارة أنا كنت في براغ سنة 2016. أنا كنت جالسًا في براغ، كان يوجد الجد والجدة مع الأحفاد، جيل الوسط ليسوا موجودين، الأب والأم ليسوا موجودين، لكن الجد والجدة كبار في السن، فوق السبعين فوق الثمانين. عاشوا في العصر الشيوعي وتحت الهيمنة السوفيتية لسنوات طويلة، يمكن من أول ما ولدوا. الجيل الجديد مولود بعد الألفين، جيل صغير، الأحفاد. الجد والجدة ينظرون إلى الأحفاد بنظرة غريبة، من هؤلاء الناس؟ نحن لا نعرفهم. وجيل الأحفاد ينظر إلى جيل عصر الشيوعية بنظرة غريبة، لا يزالون يلبسون المعاطف السميكة الصوف التي يلبسونها منذ أيام الشيوعية، وينظرون إلى الأحفاد بنظرة فيها استغراب وانبهار. جيل مختلف تمامًا.

نور: صحيح.

أشرف: طبعًا النقلة التي حدثت من العصر الشيوعي إلى العصر الديمقراطي والليبرالي الحديث حدثت في جيل الوسط الذي هو الآباء، الذين لم يكونوا موجودين معنا في الجلسة، لم يكونوا موجودين. التحول هم الذين رأوه، لكن الجيل الجديد جيل الأحفاد لم يرَ العصر الشيوعي، لم يرَ الدولة البوليسية والانغلاق والسلطوية التي كانت موجودة.

نور: صحيح.

أشرف: ولد في عصر ثانٍ. فالبلد تغيرت تمامًا. فهذا هو الأمل الذي أنا أفكر فيه في جيل المستقبل.

 

لماذا فشلت المدينة في تمدين قاطنيها؟ وما دور الهجرات الريفية؟

نور: تحدثت عن التعصب، وهذه الكلمة تأخذني إلى العصبية عند ابن خلدون. دائمًا في مجتمعاتنا كلما يحصل تحول ثقافي أو سياسي أو مشكلات، يقولون عصبية، شعوب عصبية، مبتلاة بالعصبية. هل في رأيك فعلًا أن مصطلح أو مفهوم ابن خلدون للعصبية صالح لكل زمان ومكان، وصالح لتفسير مشكلاتنا اليوم؟ أم أن لدينا مشكلات أخرى تحتاج إلى ربما مفاهيم نفسية أو غير نفسية أو غير ذلك تصلح أكثر لتفسير المشكلات، حتى لو كانت جماعاتية بين الناس؟

أشرف: طبعًا مفهوم العصبية عند ابن خلدون، العصبية القبلية، لا يزال صالحًا لتفسير ظواهر كثيرة جدًا. سيطرة العائلات الكبيرة في الريف وفي الصعيد المصري، والدور السياسي الهام الذي تقوم به، الدور السياسي والاقتصادي الذي تقوم به بعض الأسر والعائلات ليس في مصر فقط ولكن في العالم العربي كله. البنية الاجتماعية لا تزال تقليدية، المدينة لم تفعل فعلها في انصهار، ليس الطبقات، انصهار البنية التقليدية والقبائل كلها فيها. وهذا بسبب مشكلة في بنية المدينة العربية نفسها.

المدينة العربية تعاني من مشكلات كثيرة، ليست هي المدينة الحديثة التي تُمدّن وتحدث قاطنيها. هناك طائفية في داخل المدينة الواحدة ما بين الأحياء. فالنزعة القبلية لا تزال موجودة، وتتجلى في صور وأشكال كثيرة جدًا. حتى في غياب القبيلة وفي غياب البنية القبلية، نحن نصنع قبيلة، التي هي الشللية، الشلة، نصنع قبيلة من مواطنين عاديين.

جزء كبير من كيفية تكون الحركات الإسلامية الحديثة هو الهجرات الريفية الكثيفة إلى المدن. المدن العربية في منتصف القرن العشرين وفي النصف الثاني من القرن العشرين تلقت هجرات كثيفة من الريف. هذه الهجرات لم تستطع التكيف مع حياة المدينة، ولم تستطع التمدن والتحديث، فصنعت لنفسها مجتمعات بديلة ومجتمعات ظلت داخل المدينة. ونشأت من هنا التيارات الدينية.

التيارات الدينية جزء من أسباب ظهورها هو عدم قدرة المدينة على هضم الهجرات الريفية. فهؤلاء الريفيون صنعوا داخل المدن حركات دينية أو طوائف، صنعوا مجتمعًا طائفيًّا وصنعوا قبائل خاصة بهم. مثل المجتمعات التي أتوا منها، هي مجتمعات محافظة ورجعية أصلًا ومجتمعات مغلقة. فصنعوا لأنفسهم المجتمع البديل أو الفرعي المغلق الخاص بهم داخل المدن. فنشأت التيارات الدينية داخل المدن نتيجة لعدم قدرة المدينة على هضم واستيعاب الهجرات من الريف.

نور: ما سبب ذلك دكتور؟ لماذا تفشل المدينة العربية في استيعاب هذه القبائل ودمجها فيها بحيث تتمدن أيضًا؟

أشرف: أسباب طبعًا كثيرة جدًا جدًا، منها أن تخطيط المدن العربية نفسه -أنا أتحدث عن المدن المصرية طبعًا لدي خبرة فيها- لم يعطِ فرصة متكافئة للجميع، يعني التمييز، هناك تمييز في الأوضاع الاجتماعية داخل المدينة، تمييز في الأماكن وفي السكن وما إلى ذلك.

نور: والتعليم طبعًا وما إلى ذلك.

أشرف: والتعليم وفرص التعليم والطبقية. هناك طبقية شديدة، فطبعًا المهاجرون الجدد من الريف يشغلون أسفل السلم الاجتماعي في المدن، ولا يستطيعون التمتع بالثمار الحديثة وثمار التعليم الحديث والثقافة الحديثة، ويتم عزلهم، أو يتم تكوين -من قبلهم- يتم تكوين المجتمعات الخاصة بهم داخل المدينة. فهو طبعًا تراتب أو تمييز طبقي أساسًا في المدينة العربية.

 

هل ورثنا القابلية للاستعمار والاستبداد؟

نور: دكتور هناك توجه نفسي جديد يعود الآن إلى السطح لدراسة المجتمعات العربية، دراسات نفسية أيضًا، نفسية وثقافية معًا، خصوصًا المجتمعات التي تعاني من القهر والقمع الشديد والطويل. فيعود اليوم مفهوم جاء به مالك بن نبي قبل سنوات طويلة، هو مفهوم “قابلية الاستعمار”. طبعًا المقصود به ليس الاستعمار بصورة دقيقة، ويُطرح السؤال، هناك بعض الأشخاص يطرحون السؤال: بعد سنوات طويلة وعقود طويلة من القهر ألا يستدخل الإنسان هذا القهر إلى داخله نفسيًا، ويصبح ربما، كما يعبرون عن الفكرة، هم أنفسهم قابلة للاستعمار قابلة للاستبداد؟ هل تصبح الشعوب -وأتحدث طبعًا عن شعوبنا بصورة خاصة- أصبحت قابلة اليوم تطلب المستعمر، تطلب المستبد، تطلب من يتحكم بها من يستغلها؟ بين من يطلب طبعًا عودة المستعمر وبين من يطلب بقاء المستبد أو بقاء السلطوي وما إلى ذلك. كيف تنظر إلى هذه المقاربة النفسية الحديثة للأمر؟

أشرف: طبعًا هذا أثر نفسي أساسًا من العصر الكولونيالي، ومن ذيول هذا العصر، ومن البنية السلطوية للدولة في العالم العربي، ومن حالة الفوضى التي يشهدها العالم العربي ويشهدها كل مجتمع على حدة. فوضى في كل شيء في المجتمع، في التعليم، في الثقافة، في الصحة، في الحقوق العامة، وفي الواجبات، واجبات الدولة وما إلى ذلك. فكل هذه الأشياء تدفع الناس ليس إلى القابلية، يعني هو تجدين، بعض الناس يقولون ماذا؟ نحن كنا جيدين الأول؟ الأول هذا الذي هو عصر الاستعمار. انظروا البلد كانت عاملة كيف من خمسين سنة، لم يكن فيه هذا الحجاب، لم يكن موجودًا إطلاقًا، والنساء كن يلبسن براحتهن، وكن يلبسن شيك (أنيق) جدًا. والناس كانت راقية، ولم يكن فيه تحرش، وكان هناك حريات وحقوق. هذا في عصر الاستعمار، جيد؟ فيصبح فيه حنين، الله، طيب نحن كنا في الأول كنا أحسن من الآن.

نور: حتى عندنا في سوريا اليوم هناك بعض الأشخاص بسبب صعوبة الوضع يقولون لك كنا جيدين، متى؟ في عصر الاستبداد. طبعًا لكن هذه إشارة أيضًا إلى أننا لم نكن نخضع بالطريقة نفسها للنظم نفسها. يعني أيضًا حين نقول استعمار أو استبداد، فاستعمار الريف غير استعمار المدينة، واستبداد الريف غير استبداد المدينة، واستبداد هذه المنطقة وهذه الدولة يختلف، أيضًا هذا يؤخذ في الحسبان.

أشرف: طبعًا. هناك شيء مهم جدًا أيضًا يجب أن أقوله. الغرب يستطيع أن يتعامل مع الإسلام السياسي ويوظفه، ويستطيع أن يقبل نظمًا عربية يحكمها الإسلام السياسي، ولكنه لا يطيق القومية العربية. الغرب كان يعاني من القومية العربية والأنظمة التي كانت تنادي بمبدأ القومية العربية.

نور: لماذا؟

أشرف: لأن القومية العربية تجمع العرب معًا، تجعلهم وحدة، وتجمع كل هذه الدول معًا التي يعني قسمتها معاهدة سايكس-بيكو، جيد؟ فأيديولوجيا القومية العربية خطرة على مصالح الغرب، لكن الإسلام السياسي يصنع طائفية ويصنع شيعة وسنة. عندما تقولين إسلام ستقولين شيعة وسنة، والسنة مختلفون وستجدينهم طوائف مع بعض، والشيعة مختلفون وستجدينهم طوائف مع بعض. وكل هذا سيكون موجهًا ضد مثلًا أقليات دينية أخرى. لما ستقولين مسلمين سيكون عندك مسيحيون. لكن لو قلتِ عرب يبقى كل هؤلاء عربًا.

القومية العربية تجمع وتصهر الجميع داخلها، لكن الانتماءات الدينية تميّز وتفرق وتصنع صراعات. فبالنسبة للغرب، هو يستطيع أن يتعامل مع الإسلام السياسي الذي يفرّق ويميّز ويصنع صراعات، يستطيع هو أن يتعامل معها، لكن القومية العربية خطر بالنسبة له على مصالحه.

نور: صحيح. شكرًا لك دكتور، كان لي شرف أن ألتقي بك وأن أتحدث معك في مواضيع كثيرة. سعيدة جدًا بإجاباتك، وحتى أضفت إلي الكثير.

أشرف: أشكرك، أشكرك يا نور، أشكرك جدًا.

نور: آمل أن نكون قد قدمنا لكم في هذه الحلقة ما هو جديد ومفيد. انتظرونا في حلقة مقبلة، وإلى اللقاء.