Skip to content Skip to footer

قراءة النص القرآني.. بين المناهج الحديثة وجمود المؤسسات التقليدية مع د. رياض ميلادي

الدين كظاهرة ثقافية

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور رياض الميلادي من تونس، وهو باحث في الدراسات الإسلامية وأستاذ في جامعة..

رياض: صفاقس.

باسم: صفاقس.

رياض: نعم.

باسم: أهلًا وسهلًا بك دكتور.

رياض: شكرًا جزيلًا على الاستضافة دكتور باسم، شكرًا دكتور باسم.

باسم: أهلًا وسهلًا. أنت يعني من اهتماماتك هذه الدراسات، وحتى أنت يعني تربطها بالمقارنة ما بين دراسات الاستشراق، يعني الدراسات الإسلامية. وبين كيف يجب أن تكون.

رياض: من المسائل التي أعتبرها جوهرية في الدراسات الإسلامية اليوم، هو هذا التمييز الضروري بين الدراسات الإسلامية في الفضاء الغربي والدراسات الإسلامية في الفضاء العربي الإسلامي.

باسم: هل هناك فرق ما بين الدراستين مثلًا؟ الفرق مثلًا في النتيجة أم في آلية البحث؟

رياض: لا، هو الفرق من حيث المبدأ في آليات البحث وفي مناهج البحث. بمعنى أن الدراسات عندنا عمومًا هي دراسات من داخل النص، من داخل الفكر الإسلامي. ولذلك كأن الدارسين أو أغلب الدارسين يعتبرون أن النتائج محسومة، باعتبار أنها نتائج تنطلق من النص تأويلًا وتفسيرًا وتعود إليه.

وهذا موجود أيضًا حتى في الدراسات اللاهوتية الغربية. في اللاهوت المسيحي مثلًا هناك دراسات حول الكتب المقدسة من داخل المؤسسة الدينية، وكبار المصلحين الدينيين كارل بارت ورودولف بولتمان وغيرهما انطلقوا من دراسة النصوص الدينية من داخل المؤسسة، ولكنهم استطاعوا أن ينفتحوا على علوم الإنسان؛ من علم الاجتماع، وعلم اللسانيات، وعلم النفس، واستطاعوا أن يحققوا ما يُسمى عندهم بالإصلاح الديني. وهذا للأسف لا نجده عندنا في المؤسسات الدينية بالأزهر أو بالزيتونة أو بالقيروان. بقي العلم عندهم مسيجًا بالنص.

ولهذا السبب في الجامعة التونسية مثلًا دكتور باسم لدينا اختصاص الحضارة، الذي يدرس في كليات العلوم الإنسانية إلى جانب الفلسفة والتاريخ. وهو اختصاص لا ينظر في طريقة تعليم الدين وإنما هو يدعو إلى التفكير في الدين. نحن نفكر في الدين باعتباره كما يقول أركون باعتباره ظاهرة ثقافية. ولهذا السبب، فالميز -وهذا ما انطلقنا به- الميز هو في المنهج. نحن ندرس هذه القضايا الدينية ولكن من خلال مناهج علوم الإنسان الحديثة.

والأمر ذاته في الدراسات القرآنية عند الغربيين مثلًا. طبعا نحن تجاوزنا ما يسمى بالدراسات السجالية (Polemics)، أي تلك الدراسات التي كانت تقول إن النص الإسلامي يعني القرآن ليس سوى نسخة مشوهة من الأناجيل. طبعا هذه الدراسات تم تجاوزها عندما تأكد الدارسون الغربيون أن النص القرآني هو نص..

باسم: نص مختلف كليًا.

رياض: مختلف كليًا بالفعل، وهو نص يحمل رسالة جديدة. وحينئذ بدأت الدراسات تنظر فيه باعتباره نصًا استطاع أن يجمع حوله ملايين الأشخاص. إذن فهو نص مفيد، لا داخل العقيدة الإسلامية فقط وإنما داخل الأديان التوحيدية برمتها. من هنا بدأت الدراسات القرآنية التي تنظر في القرآن باعتباره نصًا أضاف للبشرية ولم يُضف للمسلمين فقط. إذن من هنا هذه الدراسات القرآنية حاولت أن تنظر في القرآن نظرًا مثلًا لدي عمل حول الدراسات أو حول ما يسمى بالتحري الفيلولوجي للنص القرآني.

باسم: التحري اللساني مثلًا؟

رياض: نعم، هو تحرٍ لساني وهو بحث عن تلك الصورة التي يعتبرها بعض الباحثين الغربيين أنها صورة مفقودة، يعني كيف انتقل القرآن من وضعه شفويًا عندما كان يُتناقل في صدور الصحابة إلى الوضع المكتوب المدون. وإذن هم اختاروا هذا المنهج بالتوازي -إن شئنا- أو بالمشابهة مع ما أنجزوه في الدراسات..

باسم: في الدراسات الإنجيلية مثلًا.

رياض: الإنجيلية بالفعل. ولكن..

 

كيف اكتشف الباحثون الغربيون أن القرآن نص أصيل؟

باسم: هذه النقطة دعنا نتوقف عندها قليلًا. هذه النقطة يعني القراءة الفيلولوجية أو اللسانية للقرآن. قبل ما أسأل هذا السؤال، قبل ما أستطرد بما أريد أن أقوله لك، أريد أن أرجع إلى كيف، أو ما هي النتيجة التي توصل إليها مثلًا الباحثون الأوروبيون لهذه النظرية؟ ما هي النتيجة التي خرجوا بها؟ أن القرآن كيف مثلًا؟

رياض: القرآن، اكتشفوا الآن في الدراسات الحديثة والراهنة، أستاذ باسم، اكتشفوا أن القرآن نص أصلي.

باسم: نص أصلي، نص أصلي لفظًا، صوتًا، أم نصًّا مكتوبًا؟

رياض: يعني المدة الزمنية التي تفصل بين تداول القرآن شفويًا وتدوينه لا تتجاوز الثلاثين سنة.

باسم: المقصود بها نسخة برمنجهام أم..؟

رياض: نسخة برمنجهام، وحتى فيه مصاحف صنعاء.

باسم: مصحف صنعاء.

رياض: مصحف صنعاء. إذن هذا الدليل على أننا أمام نص قرآني صحيح. إذن ما تم ترويجه في بدايات الدراسات الاستشراقية من أننا أمام نصوص مختلفة، وأن النص المكتوب..

باسم: هو كان من باب التعدي على النص.

رياض: بالفعل، هو من باب التعدي على النص بالفعل، ولكنهم الآن اكتشفوا أن النص القرآني هو أقرب النصوص إلى الحقيقة. حتى في تدويننا، حتى في تفكيرنا في ما يسمى بالإسلام المبكر، أو في السيرة النبوية، أكثر النصوص التي يمكن أن نعتمد عليها وأن نثق في ما فيها هي النص القرآني.

ولذلك اليوم في الجامعة الألمانية في الاستشراق الألماني، تأكدوا وأصبحوا يهتمون أساسًا بالنص القرآني لأنه أقرب النصوص إلى المرحلة النبوية، إلى ما يُسمى بالإسلام الأول المبكر.

باسم: يعني من وجهة نظر الباحثين الأوروبيين تم التثبت أن هذا النص ثابت وهو قريب لمرحلة النزول. وبالتالي الشكوك التي كانت تُثار حول هذا النص هي شكوك باطلة.

رياض: هي شكوك باطلة بالفعل.

 

رحلة العلم في إثبات النص القرآني

باسم: كيف تثبت الأوروبيون أن هذا النص ثابت؟ على أي أساس؟

رياض: هم مثلًا..

باسم: يعني أدوات البحث؟

رياض: أدوات البحث في نسخة برمنجهام مثلًا، أستاذ باسم، هم أنجزوا ما يُسمى بـ”Test Carbon” (اختبار الكربون)، يعني هم عادوا إلى الـ”Preachment”. وطبعًا هناك موقفان هنا. الموقف الأول هو الموقف المعتدل، وهو الموقف الذي اعتبر أن المكتوب على تلك المحامل يعود إلى خمسين للهجرة، إذن هو يعود إلى الإسلام الأول. هناك موقف ثانٍ، أنا سميتُه في بعض دراساتي بموقف السلفية الاستشراقية، يعني تلك المواقف التي لم تستطع أن تتخلص من مواقف الآباء المؤسسين للاستشراق الجدالي. فماذا قالوا؟ قالوا إن المحامل تعود إلى ذلك العصر ولكن الكتابة هي كتابة متأخرة، فإذن هي حيلة لاستمرار الشك أو استمرار الشكوك.

باسم: يعني ما كُتب عليه هو قديم.

رياض: لا، هو ما كُتب عليه هو جديد، ولكن المحامل.. المحمل يعني..

باسم: المحامل قديمة.

رياض: هي محامل قديمة.

باسم: يعني النص أقدم من ما كُتب على القرطاس.

رياض: إذن طبعًا هي حيلة، هي حيلة، وأغلب الدراسات هي دراسات.. عندما نعود إلى أهم الذين يدرسون السيرة النبوية مثلًا هارلد موتسكي وهو باحث مهم جدًا في الثقافة الغربية. إذن الآن أصبحوا يؤمنون بأن النص القرآني، بل إن الكثير حتى من الروايات ما يُسمى بـ”Narratives” (السرديات أو الروايات)، تلك الروايات التي تتحدث عن الإسلام المبكر، هي روايات تتطابق مع ما يوجد في العديد من الآيات القرآنية.

 

هل يكمن صدق القرآن في مادته أم في رسالته؟

باسم: ما هو الأهم بالنسبة للفرد العادي؟ أن يثبت أن الجلد الذي كُتب عليه النص صادق أم أن النص نفسه صادق؟

رياض: هو بالنسبة إلى القارئ، نحن طبعًا في المجتمع الإسلامي لدينا عقيدة، وهي أن القرآن كلام الله، وأنه كلام الله لفظًا ومعنىً. طبعًا هذه الفكرة التي نحن الآن كثيرًا ما نشعر بالحرج منها، بأنه هل الكلام هو كلام إلهي أم أن الفكرة إلهية وأن الرسول هو الذي عبر عن ذلك؟ هذه الأفكار التي نشعر الآن بالحرج، ذكرها مثلًا السيوطي في “الإتقان في علوم القرآن”، وقال: وقد تفرق العلماء إلى فريقين. بعضهم يقول إن القرآن إنما هو نص ومعنى من الله، وبعضهم يقول.. -هنا الاعتزال، المعتزلة- يقولون إن المعنى إلهي، وأن الكلام هو بشري. والدليل على ذلك أنه جاء باللسان الذي يفهمه العرب القرشيون آنذاك، يعني في القرن السابع على الميلاد. إذن فالإشكالية ليست جديدة، هي إشكالية قديمة.

ولكن لاحظ كيف أن المسلمين القدامى كانوا أكثر انفتاحًا، أكثر قابلية لاختلاف المواقف من المسلمين اليوم. وهذا مهم جدًا.

 

لماذا كان الأسبقون أوسع أفقًا في فهم الوحي؟

باسم: ما السبب؟ الأقدمون كانوا أكثر انفتاحًا وأكثر أريحية في التعامل فكريًا، في متابعة، اتباع صدقية النص؟

رياض: في اعتقادي أن السبب هو أنهم كانوا أولًا كانوا أقرب إلى اللحظة النبوية، وأساسًا أظن أن اليوم الناس يتحدثون من موقع الاعتقاد بأن المتكلم يملك الحقيقة المطلقة. أن الآن وأنا أحدثك أنا أظن أنني أملك شيئًا من الحقيقة، ولكنني أملك وعيًا عميقًا بأن الحقيقة قد أملك جزءًا منها، ولكن يملك الدكتور باسم جزءًا آخر منها، أو قد نشترك في موقف قد لا يكون الصواب عينه. ولهذا السبب فالآن كلما اتجهنا، كلما كانت المواقف -كما كنا نتحدث منذ حين- حولها إجماعًا اعتقد الناس أنها مواقف نهائية، وهذا ما حدث حتى في تاريخ القرآن. في تاريخ القرآن اليوم مثلًا في الدراسات الغربية الحديثة قالوا يجب أن نتوقف عن البحث في تاريخ القرآن، لأننا اطمأننا إلى تاريخه، وعلينا أن ننظر الآن في الدراسات القرآنية، اتجاهها جديد، وهو تأويل النص القرآني. يعني النص القرآني يعني هو ثابت، الآن نسعى إلى قراءته قراءة نصانية، من خلالها يمكن أن نحدث تجديدًا في فهمه..

 

قراءة المستشرقين للنص: مباشرة أم عبر وسيط؟

باسم: هل هناك مثلًا باحثون أوروبيون يقرأون النص القرآني مباشرة من النص أم مرورًا بالفقه أو ما كُتب عن النص؟

رياض: هناك قلة في الحقيقة، قلة قليلة ممن يملكون هذه القدرة على فهم النص القرآني..

باسم: مباشرة.

رياض: مباشرة، حتى كبار المترجمين. مثلًا هناك مترجم جاء منذ سنوات إلى تونس، هو ألماني هارتموت بوبزين، وهو ترجم القرآن إلى الألمانية، وهو حدثنا عن ترجمة يونانية حديثة لسورة الإخلاص: ” قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ” (الإخلاص: 1-2). والصمد من معانيها -هذا المترجم اليوناني- من معانيها أن الصمد هو الحجر الأملس، وترجمها إلى اليونانية على هذا الأساس، لأنه عاد لا إلى النص في معناه، وإنما عاد إلى اللفظة..

باسم: أسقط المعنى على شيء..

رياض: على شيء..

باسم: قصدية مختلفة.

رياض: نعم، هو أخذ الكلمة من لسان العرب، من معاني الصمد هي الحجارة، وهذا أوقع الفهم في أن القرآن، الذي هو نص توحيدي، أوقعه في وثنية، “الله الصمد” يعني هو..

باسم: الله حجر صلد يعني.

رياض: نعم.

 

كيف انتقل القرآن بين الثقافات واللغات؟

باسم: وهنا نأتي إلى قصة، يمكن إثارتها، لإمكانية ترجمة النص القرآني. هل فعلًا يُترجم النص أم يُترجم معنى النص وفق مستوى معرفي محدد ما؟

رياض: في اعتقادي أن ما أنجز إلى اليوم هي ترجمات لمعاني النص.

باسم: ترجمات للمعاني.

رياض: للمعاني. بمعنى، ولكن أية معانٍ؟ نعلم أن النص القرآني متعدد المعنى. إذن فالمثال دكتور باسم الذي ذكرته لك الآن في صورة الإخلاص، أنا اعتقدت عندما درست هذه الدراسة لبوبزين، اعتقدت أن هذا المترجم اليوناني قد ابتعد كثيرًا عن المعنى المعروف عندنا.

باسم: المعنى المتضمن في النص.

رياض: المتضمن، “الله الصمد” هو بالضبط في النصوص القديمة، الله هو الغني بنفسه عما سواه. “الله الصمد” يعني هو الذي ليس في حاجة إلى الآخرين، بينما الآخرون في حاجة إليه. عندما عدت إلى تفسير فخر الدين الرازي، تفسيره الكبير “مفاتيح الغيب”، قال في نفس السورة قال: وقد ذهب جهال مشبهة إلى أن الصمد هو جبل”. إذن، فالمعنى، قديم. هذا دليل على أن المترجمين كثيرًا ما يختارون ما يبدو لهم أقرب إلى فهمهم للنص. إذن، ترجمة النص إنما هي فهم تأويلي له بالضرورة.

 

إشكالية ضبط المعنى وتاريخ الترجمات

باسم: طب كيف يمكن ضبط فهم النص؟ أو كيف يمكن ضبط معانيه وفق مرحلة معرفية ما أو وفق مستوى معرفي ما؟

رياض: شكرًا على هذا السؤال دكتور، هو سؤال جيد للغاية، لأنه يعيدنا إلى فكرة مركزية، الباحثة الفرنسية جاكلين شابي، وهي باحثة من أصول عربية. إذن تقول لنا: نحن اليوم في حاجة إلى العودة إلى ترجمات القرآن منذ القرن الثاني عشر، وهذا انسجامًا مع ما يقال، إن النص الذي يُترجم مرة واحدة هو نص ليس جديرًا بالاحترام. يعني تاريخ النصوص هو تاريخ ترجماتها. وهي ليست فكرة يمكن أن يحققها شخص واحد، هي ربما فكرة يحققها مخبر بحث؛ أن نعود إلى ترجمات القرآن منذ قرون كثيرة، ستة أو سبع قرون، ولنرى كيف فهم المترجمون القرآن في تلك المراحل، فإن فعلنا ذلك وجدنا رسمًا بيانيًا، وجدنا كيف أن في كل مرحلة هناك أسئلة هي التي تطرح على القارئ، وتلك الأسئلة هي لتدعوه إلى فهم من الأفهام. إذن تقول لي كيف يمكن أن نضبط؟ لا أحد يستطيع أن يضبط، بما أننا دائما ندخل إلى النص نسعى إلى فهمه بما نملكه من..

باسم: من معارف.

رياض: ومن وضعيات يسميها بوديجور، من وضعيات تأويلية.

 

من يملك المعنى الحقيقي للقرآن؟ جدلية اللفظ والسياق

باسم: هناك قاعدة لسانية تقول: إن المعنى أسير اللفظ، بمعنى أن اللفظ يطابق معناه، يعني المعنى الدال يجب أن يطابق الدالة.

رياض: نعم.

باسم: فهذه قاعدة.

رياض: صحيح.

باسم: أنا لا يمكن أن أسلم نصًا لمترجم وأقول له ترجمه وفق ما فهمته.

رياض: صحيح.

باسم: دون أن أعطيه آلية تحدد مدال الألفاظ. فإذا لم يكن عندي ضابط لكيفية فهم اللفظ نفسه، وتوظيف هذا اللفظ في سياق، بالتأكيد سنخرج بترجمات مختلفة. يعني الذي ترجم “الصمد” بمعنى الحجر الصوان، هو لأنه صوان لأنه صلد، نعم، وأسقط نفس الصفة.

رياض: نعم، صحيح.

باسم: وهو لا يلام.

رياض: هو صحيح. ولكن هناك طبقات، أنت تعرف دكتور باسم، أن المعنى فيه طبقات، يعني هناك الحقيقة وهناك المجاز.

باسم: أنا لا أختلف معك، بدون الدخول في الحقيقة والمجاز. أنا لا أرى أن القرآن مجازي، القرآن حقائق. “وقوله الحق” على قاعدة “قَوْلُهُ الْحَقُّ” [الأنعام: 73]. أنا أقصد أن اللفظ القرآني هو لفظ مفهومي بعيد عن المعنى، ويأخذ معناه في سياق.

رياض: نعم.

باسم: بمعنى، وهذا السياق الذي يدخل فيه اللفظ يحدده مثلًا الأصوات، الصوت الذي يُنطق، هنا الصوت يكون مكونًا من معانٍ، يعني هناك علاقة ما بين الصوت والمعنى.

رياض: صحيح.

باسم: هذا الصوت بالتأكيد معناه يكون مطابقًا له. يعني اللفظ أو الدال يجب أن يُطابق مدلوله. كيف نضبط هذه القاعدة؟ يعني أي آلية يجب استخدامها لقراءة النص بشرط تحقق هذه المطالب؟

رياض: هي الآلية في اعتقادي اليوم هي الآلية التأويلية، بمعنى أننا لا يمكن أن نقرأ النص قراءة لسانية فقط، يعني لماذا؟ لأن الألفاظ عندما تدخل في تراكيب، وعندما نربطها بزمن نزولها، يدخل الخطاب في منوال تداولي. بمعنى أنني عندما أقول خطابًا أقول لشخص: شكرًا لك على ما ذكرت، فأنا قد يحتمل كلامي المعنى المباشر أنني أشكره، ولكن الخطاب قد يحمل معنى السخرية، عندما يجيبني شخص إجابة خاطئة أقول له: شكرًا لقد أبدعت، فالمعنى إذن هو معنى تداولي. ولذلك، هذه هي المشكلة، المشكلة هي أننا لا نُملك اليوم النص القرآني كيف نُطق.

باسم: ولهذا السبب أنا أطالب بآلية ضبط فهم المعنى.

رياض: هذه الآلية ربما التي تطالب بها دكتور باسم، هي التي يمكن أن تقتل نصًا، باعتبار أنه نص يجب أن يبقى قادرًا، وهذا -على الأقل في اعتقادي- هذا هو معنى أنه صالح لكل زمان ومكان. بمعنى أننا نطرح عليه الأسئلة ونجد فيه تلك الإجابات الممكنة عما طرحناه. ولذلك، لا أعتقد أنه هناك شخص واحد قادر على ترجمة القرآن، مثلما لا يدّعي مدعٍ أنه يملك مفاتيح الغيب ومفاتيح القرآن.

باسم: نحن متفقون على هذا الأساس، أنا متفق معك. لكن لا يمكن أن يكون هناك نص مطلق في معانيه، وفي نفس الوقت أن البشرية متطورة. لكن هناك دال للنص أو للفظ يجب أن ينضبط. لا يمكن أن يكون دال لفظ ما حاليًا يعني شيئًا، وبعد عشرين سنة شيئًا آخر.

رياض: صحيح.

باسم: لا يمكن.

رياض: لا يمكن هذا صحيح.

باسم: يمكن أن يتغير المعنى في ظل اللفظ، لكن المعنى لا يمكن أن ينزاح كليًا ويأخذ معنى شيئًا ما مختلفًا.

رياض: هو في الحقيقة، الدليل على ذلك هو أن القدامى، حتى القدامى، هل فهم الفقهاء المسلمون النص الفهم ذاته؟

باسم: هذا السؤال مهم. أنا أتفق معك، لكن دعني أسأل سؤالًا آخر. القرآن نزل بلسان عربي مبين.

رياض: بالفعل.

باسم: يعني حدد الآلية التي نزل فيها.

رياض: نعم.

باسم: هل حاول مثلًا العلماء سابقًا، أو قارئو النص سابقًا، حتى علماء اللغة، الاستنباط أن هناك شيئًا اسمه اللسان العربي المبين، ووضع قواعد له تمكننا من خلاله قراءة النص؟

رياض: هو الفقهاء القدامى وحتى علماء أصول الفقه اعتبروا أن من أهم شروط أن يكون الفقيه فقيهًا أن يكون عالمًا باللغة. ولذلك، حتى اختصاص الفقهاء عندما نفتح أي كتاب من كتب علم أصول الفقه، سنجد في بداية تلك الكتب مقدمات لُغوية، بمعنى أن الفقيه أول شرط من شروطه أن يكون كذلك هو أن يكون عالمًا بلسان العرب، يعني بلسان، ليس اللسان باعتباره جردًا من الألفاظ والمعاني، لا، اللسان باعتباره في مستوى جريانه بين ألسنة الناس وألسنة الشعراء والقدماء.

باسم: ممتاز، ممتاز. هذا الجريان، من يحدد هذا اللفظ؟ من يحدد مصداقية هذا الجريان وفق النص؟ لأن النص لكي لا يصبح حمّال -كما يقولون- حمّال أوجه في كل فترة زمنية، أو في كل مستوى معرفي ما، حتى لا يصل اتهام النص أنه حمّال أوجه، يجب ضبط علاقة المعنى باللفظ.

رياض: صحيح، صحيح، هذا ممتاز. ولكننا في واقع الحال نجد في القرآن، ما هو محكم وما هو متشابه، وربما أعطيك مثالًا فيما يُسمى بالدراسات الفيلولوجية في النص القرآني، حدثتك.. تحدثنا عنها منذ حين. مثلًا، هناك باحث مشهور كريستوف ريكسونبرغ، عنده كتاب مشهور له نشره منذ سنوات، يتحدث فيه عن الأصول الآرامية السريانية للقرآن.

باسم: يعني لا أحب أن استخدم كلمات، لكن… لأنه حتى الآرامية والسريانية عبارة عن لهجات مكونة من اثنين وعشرين صوتًا، كيف يمكن للهجة من 22 صوتًا أن تأتي للهجة فيها 29 صوتًا، يأخذ..

رياض: هم انطلقوا من أن الكتابة العربية في بدايتها لم تكن كتابة متقنة، لأنها لم تكن معجمة، لم تكن فيها نقاط، ولذلك قالوا لربما هناك أخطاء. مثلًا هناك كلمة “لا تسمع له ركزا”..

قالوا هناك خطأ هنا، هي “تسمع لهم ذكرًا”، كلمة “ركزًا”. عندما نعود، أعود إلى جريان، وهناك بعض الزملاء حتى في الجامعة التونسية من ذهب هذا المذهب، قالوا لأن هناك آيات أخرى في القرآن فيها اجتماع “لا تسمع له ذكرًا”. الآية الوحيدة هذه فيها “لا تسمع له ركزًا. إذن، عندما عدت..

باسم: “ركزًا” يعني بمعنى..

رياض: صوت.

باسم: ليس صوتًا، حتى مجرد الحركة. لماذا التغيير والمعنى موجود؟

رياض: والدليل لذلك أننا عدنا إلى الشعر الجاهلي ووجدنا أبياتًا فيها استعمال اللفظة. إذن، هذا الدليل على أن القرآن جاء بلسان العرب. والاقتراح الفيلولوجي في نهاية الأمر هل أضاف للنص شيئًا؟ لم يضف له شيئًا.

 

كيف يقرأ الغرب القرآن؟

باسم: يعني نوضح للناس ما المقصود بالفيلولوجيا؟

رياض: نعم.. الفيلولوجيا هي فقه اللغة، الفيلولوجيا هي محاولة فهم الثقافات من خلال ما تركته من نصوص مكتوبة.

باسم: لكن النص القرآني هو يعبر عن نفسه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ”، بمعنى: هذا اللسان هو بحد ذاته مبين، يعني: هو نفسه موضح نفسه.

رياض: نعم.. ولكن أستاذ باسم، أنت تعرف أن درجات البيان متفاوتة، وأن القرآن في ذاته يعترف بأن فيه المُحكم، وفيه المتشابه، “وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ” (سورة آل عمران: 7)،

باسم: الله لا يعلم تأويل الكتاب..

رياض: الكتاب.. إلا الله..

 باسم: وليس القرآن.

رياض: نعم.. أنت الآن تأتيني إلى الاختلاف بين الكتاب والذكر والقرآن.

باسم: الكتاب يؤول، والقرآن يتم تدبره تدبرًا، والكتاب أيضًا يُدبر من الدبر.

رياض: نعم.

باسم: والقرآن يتم تدبره ويرتل.

رياض: نعم.

باسم: هذه الآلية التي يشمل عليها اللسان العربي المبين التي تضبط علاقة النص بالمعنى والتي تضبط إمكانية كيف تفهم النص.

رياض: نعم.

باسم: أما أن نترك الأمور هكذا، وفق المستويات المعرفية للناس دون أن يكون لديهم آلية ضابطة لفهم النص، أكيد سنتوه كما تاهوا.. هناك تيه، موجود تيه..

رياض: نعم.

 

قراءة النص: بين القارئ المحايد والقارئ المحمّل بالأفكار المسبقة

باسم: وسؤالي كان، كيف قرأ المستشرقون أو الأوروبيون الباحثون في الدراسات القرآنية، كيف قرأوا النص؟ بأي آلية؟ هذه هي النقطة، لأن الكثير من الباحثين العرب استقوا هذه القراءة وطبقوها أو جلبوها أو أخذوا نفس الآليات في قراءة النص، يعني لم يقرأ القرآن من داخله وبنفس الآلية التي يجب أن تكون فيه. صححني إن أنا أخطأت.

رياض: لا، كلامك جيد ممتاز. إذن هناك اتجاهان، هناك اتجاه في الكتابات الاستشراقية الآن، يعتبر أن النص القرآني ما زال في حاجة إلى قراءة من الداخل، لذلك هناك حتى أطروحة لباحثة فرنسية عنوانها “القرآن من داخل القرآن”، إذن قراءة في القرآن من داخل النص القرآني.

باسم: جميل.

رياض: إذن.. وهي أطروحة بالفرنسية، وعنوانها “العنوان بالفرنسية”، يعني القرآن من داخل القرآن.

باسم: يقرأ القرآن من داخله بمنظومته..

رياض: اللغوية.

باسم: اللغوية أو اللسانية..كيف؟ هل استخدم مثلًا السياقات التي خارج النص، أو مدلولات اللفظ خارج النص، أو مصاديق اللفظ خارج النص؟ أم أن أستخدم اللفظ نفسه أول شيء، ومن ثم أنا من سياقه في النص أستخرج المعنى؟

رياض: بالفعل.. إذن القراءة السياقية هي الممكنة اليوم، مع التنبيه إلى شيء معين مهم جدًا. دكتور باسم، هو أننا عندما نقرأ النص.. أنت الآن دكتور باسم، عندما تقرأ النص القرآني تعتقد للحظة أنك تدخل وأنت خالي الوفاض من أفكار، والحقيقة أننا عندما نقرأ النصوص نقرأ ونحن نملك الكثير..

باسم: محملين. كلامك سليم.

رياض: محملين كثيرًا.. ولهذا السبب، حتى التمييز بين قراءة النص قراءة بالرأي أو بالحديث هو تمييز متأخر أحيانًا لا معنى له. نحن نقرأ النص بما نملكه من ثقافة ومن معرفة ومن إيديولوجيا أحيانًا.

 

هل النص القرآني مغلق أم منفتح على المعنى؟

باسم: حتى لا نقع بهذا الفخ، يجب أن يكون عندنا آلية واضحة تبعدنا عن قراءة النص بالرأي، أو بالفهم المسبق أو بالمستوى المعرفي المختلف.

رياض: نعم.

باسم: إذا لم تكن لدينا آلية واضحة؛ سنظل نفس الشيء، يعني سنظل نكرر نفس القراءات القديمة. نقرأ النص وفق معارفنا نحن، وهذه المعارف قد تكون قليلة، وقد تكون كثيرة، قد تكون عاجزة، وقد تكون غير قادرة على فهم النص.

رياض: نعم نعم.

باسم: لإخراج النص من هذه التبادلية ومن هذا التأثير.. أنا في رأيي، يجب أن تكون هناك آلية موحدة. وأنا أرى أن القرآن نفسه تحدث: أنه أُنزل بلسان عربي مبين، وأن هذا اللسان يمكن وضع قواعد واضحة له لقراءة النص، بحيث يكون في كل مرحلة ضبط المعنى باللفظ، أو ضبط معنى اللفظ، بما يتساوق مع المستوى المعرفي الموجود عليه الناس في تلك المرحلة.

رياض: صحيح.. إذن هذا ممكن. ولكن.. وهناك محاولة، أنت تعرف المحاولة التي أنجزها الراحل محمد شحرور، وهناك محاولات كثيرة التي حاولت أن تقرأ النص قراءة جديدة. وأنا في رأيي المتواضع، طبعًا النص القرآني قام بدوره، أعتقد أنه ضبط أحكام الشريعة في معناها العام، يعني ضبط مفاهيم الإيمان والإحسان كما يذكر ذلك الأستاذ فتحي تريكي.

يعني هذه -إن شئنا- هذه القيامة الكبرى، والنص في نهاية الأمر هو نص مغلق باعتبار أن.. مغلق بمعنى أنه..

باسم: نص مغلق، نص ثابت..

رياض: نص ثابت، ثابت.. وفي اعتقادي أن ما هو متناهٍ، النص هو متناهٍ، لا يمكن أن يحوي ما لا يتناهى.

نحن لماذا نعود دائمًا لقراءة النص القرآني؟ أظن أننا نعود دائمًا لتأويله لأننا نريد أن نبحث فيه عن أشياء تهمنا أحيانًا اليوم، ونريد أن نبحث في النص عما يؤكد تلك الاختيارات التي نحن نميل إليها في لحظة من اللحظات.

ولهذا السبب مثلًا عندما نعود إلى آيات تعدد الزوجات، نحن عندنا في تونس مثلًا الطاهر الحداد، رغم أن الآية هي صريحة: “مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً”، ولكنه قال إن تعدد الزوجات في تونس في الثلاثينات من القرن الماضي قد انتهى بالمجتمع إلى كوارث، إذن يمكن أن نتجاوز هذا النص. -وإن كان قطعية دلالته- إلى قوانين أخرى تمنع ذلك.

إذن معنى هذا أن الاجتهاد في نهاية الأمر يجب أن يمر إلى مرحلة جديدة.

باسم: لهذا السبب أنا أطالب بآلية، لماذا؟ لأنه لو تم تطبيق آلية اللسان في قراءة هذا النص بالذات: “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا” (النساء: 3). لو هذه قراءة لسانية ما كان يخرجنا بطريقة تقول: إن هناك تعددًا بالمطلق أو هناك منعًا بالتعدد.

رياض: بالفعل بالفعل. لأن الجملة هي جملة شرطية بالفعل، الجملة التي ذكرتها هي نص آية: “إن.. فواحدة”، إذن هناك..

باسم: “أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ”، هي المشكلة “إِنْ خِفْتُمْ” “أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ” ملك اليمين، هي زوجتك.

رياض: هي زوجتك، أو قد نفهمها أيضًا فهمًا موسعًا.

باسم: لا، الفهم الموسع هو دخيل على النص.

رياض: نعم نعم.

باسم: “مَلَكُ الْيَمِينِ” في القرآن الكريم لا تعني السبية.

رياض: لهذا كذلك هناك جدل، هناك جدل.

باسم: ما أدخل على النص هو نتيجة غياب الآلية التي قرئ فيها، قرئ بثقافات الناس.

من قال إن النص هذا يشجع على التعدد؟ ومن قال إنه لا يشجع على التعدد؟

رياض: نعم، ولكن هل يمكن أن نقرأ النص..

باسم: من قال إن ملك اليمين هي السبية؟

رياض: هو رأي من الآراء.

باسم: هو رأي طاغٍ.

رياض: هو رأي طاغٍ بالفعل.

باسم: لكن هذا الرأي ليس له علاقة بالنص.

رياض: غياب الآلية في اعتقادي هو نتيجة إلى أننا أمام نص، والنصوص تقرأ، وكلما قرآناها حملناها أحيانًا ما نشعر به أو ما نفكر فيه..

باسم: ثقافات الناس وثقافة المجتمعات..

رياض: بالفعل. وربما لهذا السبب سيبقى النص حمالًا متعددًا للمعنى (polysemic)، بمعنى أنه يتعدد المعنى فيه، لأننا أحيانًا.. ولهذا السبب فكّر ربما النص هو يأتينا من الماضي ونحن نعيش في هذه اللحظة، إما أننا نعود إليه بثقافتنا، أو أننا نجذبه إلينا. ولذلك الفيلسوف التأويلي “جدامار”، يقول: يجب أن نصهر الآفاق، يعني أن نصهر أفق النص. يعني زمن كتابته وملابسات تلك الكتابة وزمن القراءة. ربما يجب أن نلتقي مع النص في منطقة وسطى، هي المنطقة التي ربما يحدثنا النص عن نفسه، ونحدثه نحن عن أنفسنا.

ربما إذا حققنا هذا الصهر للآفاق، ربما نصل إلى نتيجة أو نصل إلى معنى ربما يكون مختلفًا، أو على الأقل يكون مرضيًا لكل الشرائح التي تنصت إلى هذا النص.

 

آلية الفهم كحصن ضد التطرف

باسم: أنا لست متعصبًا لهذا الرأي، بل أرى أن الوصول إلى آلية لقراءة النص تحمي النص وتحمي العقل الجمعي من التطرف، لأن الآلية ستدلّك على مقاصد النص الحقيقية.

رياض: صحيح.

باسم: وستقودك إلى أن ألفاظ النص، هي ألفاظ ولادة للمعاني وفق المستويات المعرفية للناس، يعني ليست مربوطة في مرحلة زمنية محددة.

رياض: صحيح. وبما أنك تتحدث عن التطرف بالفعل، إذن هو من الأسباب التي قام عليها التطرف: هو أنه يقحم النص في ما لا..

باسم: ما لا يحتمل.

رياض: ما لا يحتمل أحيانًا.

باسم: أو أنه هو فهم النص بطريقة مختلفة كليًا، هو بعيد عن النص بالفعل.

رياض: ولذلك هناك حتى من الفقهاء القدامى، الشاطبي، مثلًا، يقولون إنه علينا -وهي فكرة ممتازة- علينا أن نقرأ الآية القرآنية في علاقتها ببقية الآيات، يعني أن لا نقتطع، وهذا هو التفكير عند المتطرفين، يعني يأخذ آية ويحملها المعنى الذي أراد. والحال أننا في حاجة إلى أن نقرأ القرآن قراءة تأليفية، وإن فعلنا لرأينا أن القرآن إذن والإسلام هو دين المحبة والإخاء، ولا إكراه في الدين.

إذن كل هذا معناه يمكن أن نستقيه من مجمل المعاني، لا أن نكتفي.. إذن ربما الإجابة عما طرحته الآلية هي أن نقرأ النص قراءة كلية تأليفية، لا أن نكتفي ببعض الآيات دون سواها أو ببعض المعاني.

 

التدبر والترتيل: نحو آلية قرآنية داخلية للفهم

باسم: غياب آلية الفهم، يعني هناك فرق هناك آلية القراءة، ومن ثم تطبيق هذه الآلية، الآلية حتى يتم مثلًا تدبر القرآن، كيف يمكن تدبر القرآن واستنباط الأحكام؟ هذه الألفاظ الموجودة، أنا لا أحب أن استخدم لفظ الاجتهاد أو..

رياض: نعم.

 باسم: في لفظ التدبر، هناك ميكانيزم للتدبر في القرآن لاستنباط الأحكام..كيف يتم التدبر؟ التدبر يتم عبر الترتيل، وما هو الترتيل؟ هو تجميع المواضيع وفق نسق خاص، ومن ثم قراءتها. هذه هي..

رياض: نعم.

باسم: حتى تكمل هذه، يجب أن يكون عندك آلية واضحة ومبيّنة أو مبِينة لألفاظ المعاني، إذا لم يتم ضبط ألفاظ المعاني، لا يمكن.. سنقع في ما وقعنا فيه بالمحظور. يأتي أي شخص خارج ويحمّل لفظة الجهاد ما لا تحتمل، ويمارس بناء على هذا الفهم، لأنه هو فهمه الخاص، هو أسقط عليها هذا الفهم.

رياض: نعم.

باسم: حتى نبتعد عن هذا الخلل الذي ما زال قائمًا، أنا في رأيي هذه الآلية التي تضبط إمكانية فهم النص بمعزل عن التدخلات الثقافية، التي خارج طاقة المألوف في الفهم البشري.

رياض: نعم.. أظن أن هذه الآلية لم يكتشفها اليوم العقل البشري.

باسم: للأسف، للأسف، رغم أنه إذا ترى مثلًا ابن جني والجرجاني مثلًا، ذكرا ذكرا، وفي لسان ابن منظور هناك أيضًا موجود، حين تعود للمعاجم العربية، ستجد أنه هذه الآلية مفعلة، لكن لم…

رياض: نعم، هي مفعلة، مثلًا، عندما نعود إلى كبار المفسرين، مثلًا، فخر الدين الرازي في كتابه في “مفاتيح الغيب”، هو قال: إنني في تفسيري هذا للقرآن، إنني سأوظف كل علوم عصري من علم الفلك، ومن علم الفيزياء، ومن علم النحو وكذا، لأفهم النص.

إذن، هذا معناه أننا في حاجة في كل لحظة من لحظات التاريخ، في حاجة إلى توظيف المعارف المنتشرة في العصر، دون أن نقع في الإسقاط.

باسم: كلامك سليم، لأن النص القرآني يتطلب من الناس أن يكون هناك عندهم تراكم معرفي باستمرار حتى يتمكن من استنباط الفهم.

رياض: بالفعل.

 

لماذا يدرس الغربُ القرآنَ ولا يدرس العربُ الأناجيل؟

باسم: أريد سؤالًا آخر يعني للخروج من هذه الجدلَية.

رياض: نعم.

باسم: لماذا يهتم الأوروبيون أو الباحثون الأوروبيون، مثلًا، بقراءة النص، ولم يهتم الباحثون العرب، مثلًا، بقراءة الأناجيل، رغم أن الأناجيل عربية.

رياض: نعم.

باسم: ولا حتى الاهتمام بالدراسات التوراتية.. ما يسمى بالدراسات التوراتية أو دراسة الأسفار اليهودية، أو حتى التلمود اليهودي؟ لماذا العرب أو المكتبة العربية تخلو، أو فقيرة جدًا من هذه الدراسات؟ هم يهتمون بدراسة النص القرآني، ودراسة الإسلام، وتاريخ الإسلام والمسلمين، ونحن العرب، دراستنا للإسلام حتى بالكاد موفية للغرض.

رياض: صحيح. هناك سبب علمي موضوعي، كل ما كُتب حول الأناجيل وحول القرآن، هناك اختصاص في الجامعات الألمانية، وفي الجامعات الأوروبية، وفي كل سنة تُناقش عشرات الأطاريح، أطاريح الدكتوراة في الفقه الإسلامي، في الفقه الحنفي، في ما (مصطلح إنجليزي) ما يُسمى بعلم “أصول الفقه”.

وإذن، هم يهتمون بهذا باعتباره اختصاصًا بحثيًا قائمًا بذاته، طبعًا، نحن، لماذا؟ أولًا نحن في الدراسات العربية الإسلامية ما زالت، باستثناء بعض الشخصيات المعروفة، أو باستثناء بعض المدارس المعروفة في تونس، مثل، نصر حامد أبو زيد المرحوم في مصر، باستثناء هؤلاء، بقيت دراساتنا دراسات كلاسيكية تقليدية.

هناك مشاريع كبرى، مثل، عبد المجيد الشرفي، الأستاذ عبد المجيد الشرفي، الأستاذ نصر حامد أبو زيد، عابد الجابري، وهناك مجموعة طبعًا، ولكن بقيت دراساتنا دراسات تقليدية في أغلبها.

ناهيك أننا، وهذه نقطة من النقاط المهمة، أننا عندما نطلع على ما يكتبه، مثلًا، هيرالد موتسكي، أو يكتبه وائل حلاق، أو يكتبه غير هؤلاء، نورمان كالدر، فإنهم لا يعودون إلى ما يُكتب عن الثقافة الإسلامية إلا ما كتبه بعض المصريين في الثلاثينات. وهم يعتقدون أننا ما زلنا نكتب حول التاريخ الإسلامي، وحول المذاهب الفقهية، وحول علم أصول الفقه، نكتبه من داخل المنظومة التقليدية. فهم لا يعرفون لا كتابات الشرفي إلا كتابًا واحدًا “الإسلام بين الرسالة والتاريخ”، لأنه تُرجم إلى الفرنسية، بينما بقية الكتابات الأخرى، حتى ما كتبه الكثير من الأساتذة في الجامعة التونسية، فهم لا يعرفونه، ولو فعلوا ذلك لاستفادوا كثيرًا في دراسة الكثير من المواضيع في..

باسم: كيف يفعلون ذلك وليس لديهم كتب مُترجمة؟

رياض: هم مثلًا، أنا ترجمت كتابًا لكريستيان لونغ، عنوانه، وهو أطروحة دكتوراه عنوانها “العدالة والعقاب في المتخيل الإسلامي في العصر الوسيط”. وإذن، يقول في مقدمة الكتاب كريستيان لونغ، يقول: إنني قد اطلعت مع بعض زملائي، وذكروا لي أن المستشرقين في الثمانينات من القرن الماضي كانوا أكثر انفتاحًا وتواصلًا مع الكتّاب العرب المسلمين من الذين يكتبون من خارج آفاق المؤسسات الدينية.. ويبدو أن العقدين الأخيرين قد خفت هذا التواصل، لست أدري ما هو السبب، ربما السبب هو يكمن في اللغة، بالفعل..

 

عائق اللغة: حجر الزاوية في حوار الثقافات حول النص

باسم: أكيد اللغة عائق، لأن لغة النص… لهذا سألتك: هل من السهولة ترجمة لغة النص؟ بالتأكيد لا…

رياض: لا.. بالفعل لا، ولذلك هناك ترجمات تتواتر تقريبًا في كل سنة، لأنه ربما مع الذكاء الاصطناعي قد نجد أحيانًا حتى ترجمات…

باسم: حتى الذكاء يعني.. إذا أهل اللغة أنفسهم يجدون صعوبة في الاتفاق على معنى، فما بالك في الآخرين؟ ولهذا أنا.. نعود، لهذا الآلية تحدد آلية ضبط المعنى وعلاقته باللفظ. هي أنا في رأيي حجر الزاوية في فهم أي نص، لأنه لا يمكن أن تفهم لفظًا أنت بطريقة متحللة من أي ضابط، لأنه يتبع فهم النص فيه فكرة، والفكرة فيها صورة، فيها خيال، فيها إبداع.

فإذا هناك حلقة من الحلقات تم تفكيكها كل الحلقات ستُفكك.

رياض: سيضيع المعنى..

 باسم: فالذي ترجم “الصمد” إلى “حجر الصوان”، لا يلام.

رياض: لا يلام، لأنه اكتفى بالمعنى المعجمي، لأنه وجد في المعجم أنه..

باسم: مصداق واحد أخذه، وهذا أحد الإسقاطات.

رياض: هذه فيها إسقاط بالفعل، ولذلك فربما المراجعات التي يجب أن يقوم بها المسلمون على الأقل المستنيرون على الأقل، لأنه أبسط شيء دكتور باسم، هو، أن نقول إن كل ما يكتبه الآخر هو تافه ولا قيمة له.

باسم: صح صح.

رياض:هذا الموقف البسيط. الموقف الثاني، والذي أؤمن به، هو موقف النقاش، نحن علينا أن نناقشهم فيما يكتبون، وأن نصحح ما ذهبوا إليه، وأن نثمّن ما انتهوا إليه أحيانًا. ولذلك فنحن في حاجة إلى ترجمة ما نكتبه نحن بالعربية إلى اللغات الكونية، إلى الفرنسية والإنجليزية، لعل هذا الحوار يمكن أن يفيد الأطراف جميعًا.

 

دور المؤسسة الدينية: بين الحفاظ على التراث ومتطلبات الإصلاح

باسم: ما دور المؤسسة الدينية الرسمية بشكل عام؟ بدون تسمية أسماء..

 رياض: أسماء، نعم.

باسم: المؤسسات الدينية عند العرب، بشكل عام أو في المجتمعات الإسلامية، ما دورها مثلًا في تقديم قراءات مقارنة سواء تختلف أو تتوافق مع القراءات الأوروبية؟ لماذا نحن نستقي منهم دون أن نعطيهم؟ وهذه النقطة التي أنت أشرت إليها.

رياض: بالفعل.. أعتقد أن المؤسسة الدينية ما زال لها دور، ودورها يكمن في أنها توضح أو تقدم صورة معتدلة عن الإسلام، ولكن الشرط الأساسي الذي يجب أن تتضمنه هذه الرؤية أو هذا الدور، هو أن تؤمن المؤسسة الدينية بأن لا أحد يملك الحقيقة الكاملة. وهذا يصعب في الحقيقة على رجل الدين، على الشيخ أن يؤمن بذلك. ولهذا السبب الخلاف الآن بين.. الخلاف “السني الشيعي”، “الحنفي الحنبلي”، “المالكي الشافعي”، هو خلاف في الاعتقاد، بأن كل مذهب هو على صواب، وأن البقية بقية المذاهب هي بدع، وأصحابها في النار.. هذا القول..

باسم: إذن، المعنى أن المؤسسة القائمة غير قادرة على تقديمه؟

رياض: بآلياتها التقليدية، غير قادرة، رغم أن آليات الإصلاح في أوروبا مثلًا انطلقت من المؤسسة الدينية. ولذلك كبار المصلحين، مارتن لوثر، مثلًا، حتى في القرن السادس عشر، هو قس مسيحي، انطلق من المسيحية، ولكنه نقد المؤسسة المسيحية، وترجم، قال: (جملة بالفرنسية) قال إنني سأقدم ترجمة للإنجيل، ترجمة للألمان، لمن؟ للألمان، يعني لعامة الناس، حتى لا يحتكر رجال الدين تأويل النص.

باسم: هذا جذر ثورة مارتن لوثر، أنه طالب الكنيسة في روما بضرورة ترجمة الأناجيل أو الإنجيل إلى اللغات الأوروبية..

رياض: بالفعل.

باسم: وألا يبقى حبيس اللاتينية، وبالتالي تحت سيطرة رجال الدين.

رياض: بالفعل.

باسم: الإشكالية هنا أن هناك فرقًا ما بين الصياغة اللغوية للأناجيل، وبين الصياغة اللغوية للقرآن.

رياض: صحيح.

باسم: الصياغة اللغوية للأناجيل هي صياغات ذات مصادِيق محددة واضحة، حتى إن ترجمتها لا تختلف المعاني.

رياض: نعم..

باسم: أيضًا حتى بالنسبة للأسفار اليهودية. لكن ألفاظ النص القرآني مختلفة كليًا في صياغتها اللغوية عن صياغة الأناجيل والأسفار اليهودية.

رياض: صحيح..ومن هنا نأتي إلى مفهوم الإعجاز، فالقرآن هو معجز، ومن مظاهر إعجازه إعجازه في اللغة، يعني هو نص فيه من الشعر شيء، وفيه من الأسجاع، وفيه من القصص..

باسم: مسموح لي أعارضك بهذه الفكرة؟

رياض: تفضل طبعًا.

باسم: أنا ضد هذه الفكرة.

رياض: ضد هذه الفكرة تمامًا.

باسم: القرآن ليس معجزًا، القرآن معجز بالربط بما.. بربط المفهوم، بترابط المفاهيم التي فيه، ليس معجزًا باللغة، لأن هناك شعرًا يقال.. لا القرآن ليس معجزًا باللغة، باللسان. قد يكون، ولهذا القرآن تحدى: “فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ” (هود: 13)، قال لهم: ليس بآية، بعشر سور، بسور مثله مفتريات. لا يوجد ، لأن السورة مترابطة الموضوع.

رياض: صحيح.

باسم: فموضوع الترابط القرآني هو المعجز، وليس اللغة.

رياض: نعم.

باسم: حتى المجاز أنا لا أرى.. لماذا؟ لأن هناك قاعدة في القرآن تقول: “قَوْلُهُ الْحَقُّ” (الأنعام: 73)، يعني مطابقة الدالة بالمدلول.

رياض: نعم. هو على كل حال..

باسم: اسمح لي اختلف معك بهذا دكتور.

رياض: نعم.. طبعًا، هو على كل حال، حتى عند المعتزلة، عند كبار المعتزلة، يعتبرون أن النص ليس معجزًا في ذاته، كما كنت تقول كأنك تستقي هذه الفكرة من هؤلاء. بل إن بعضهم يقول بمفهوم الصرفة، يعني أن الله صرفنا عن أن نكتب نصًا مثل القرآن، بمعنى أنه لو أردنا ذلك لفعلنا.

ولذلك هم يقارنون يقولون ، مثلما كانت قصائد امرئ القيس هي قصائد في نظمها معجزة، هذا مفهوم النظم، وهو المفهوم الذي سيتحدث عنه الجرجاني، إذن هو في نظم النص، في علاقة..

باسم: القصد في استخدام لفظ معجزة هو لم يشأ أن يعجزنا، أن نفهمه.

رياض: لا، هو لم يشأ ذلك.

باسم: هذا هو المقصود أن..

رياض: نعم هو لم يشأ ذلك.

باسم: القرآن يسّرناه للذكر (“وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ” سورة القمر: 17)، أي أنه سهل.

رياض: نعم، هو لم تكن غايته الإعجاز، ولكن النتيجة هي النتيجة النص عندما اكتمل العرب أيضًا زمن نزوله اقتنعوا بأن النص يختلف..

باسم: نعم لم يستطيعوا أن يقدموا نصًا متماسكًا مثله، ولهذا التحدي..

رياض: تحدي النص.

باسم: “قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ..” (الإسراء: 88)..

رياض: هذا هو المعنى بالفعل.

باسم: هل يمكن أن يجتمع الإنس والجن؟

رياض: لا أدري.

باسم: إذن التحدي قائم إلى يوم الدين.

رياض: وهو سيبقى كذلك بالفعل.

باسم: دكتور، أنا سعدت بالحوار معك، شكرًا كثيرًا لك.

رياض: السعادة متبادلة.. شكرًا لك على الاستضافة، شكرًا، بارك الله فيك.

باسم: إن شاء الله يكون هناك فرصة أخرى نلتقي بك.

رياض: شكرًا جزيلًا، شكرًا لكم.

باسم: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. إلى اللقاء