كيف نقرأ واقعنا بعيدًا عن سطوة السرديات التاريخية المعلبة؟ هل الحداثة نتاج لاهوتي غربي أم دينامية مجتمعية موضوعية؟ أين تبدأ مسؤوليتنا الفكرية في مواجهة ظواهر التطرف، والطائفية، وتنميط الإسلام؟ هل تكفي المقولات الكبرى لتفسير عصبياتنا الحديثة أم نعلق أزماتنا على مشجب الاستعمار؟ أسئلة محورية يجيب عنها المفكر السوري د. عزيز العظمة في هذا الحوار مع د. نور حريري، في #بودكاست_سرديات، على #منصة_مجتمع.
كيف نقرأ ظاهرة عداء الإسلام اليوم؟
نور: سنتناول في هذا البودكاست عددًا من السرديات التاريخية. لا السرديات المتعلقة بالسياسة وحسب، لكن أيضًا السرديات المتعلقة بالثقافة وحياتنا الاجتماعية العادية. وفي هذه الحلقة سنفتح ملفًا حساسًا للغاية ما يسمى بظاهرة الإسلاموفوبيا أو عداء الإسلام. هذه الظاهرة ليست جديدة تمامًا، لكنها تعود اليوم إلى السطح. ولهذا الأمر أبعاد كثيرة. بعضنا يقرأ هذه الظاهرة على أنها تاريخية ولها جذور قديمة، تعود ربما إلى عداءات بين دين وآخر وبين ثقافة وأخرى. بعضنا الآخر يقرأها بطريقة سياسية فيعود إلى الاستعمار ويعود إلى عداءات عربية وغربية. وبعضنا الآخر يقرأها بطريقة حديثة ومعاصرة، فينظر في ملف الهجرة، هجرة المسلمين إلى الغرب. ويرى أن هذا الأمر يعقد المشكلة ويجعلها تظهر إلى السطح من جديد.
إذن لدينا أسئلة كثيرة. أين تبدأ السرديات النمطية الغربية وأين تنتهي؟ أين يبدأ دورنا نحن، مسؤوليتنا نحن، وأين تنتهي؟ وماذا عن العداءات الأخرى التي تخرج من قلب الإسلام وداخل الإسلام؟ عداءات ثقافية وطائفية مختلفة. إذن هو ملف معقد متعدد الأوجه. يجب أن يُقارب بحذر شديد وهذا ما سنحاول أن نفعله معًا في هذه الحلقة.
نستضيف في بداية هذه الحلقة الدكتور عزيز العظمة المؤرخ والكاتب والمفكر الذي كتب كثيرًا في قضايا الإسلام والتاريخ. دكتور عزيز أهلًا وسهلًا بحضرتك، نوّرت مصر.
عزيز: شكرًا، شكرًا على الاستضافة والدعوة.
نور: نحن سعداء جدًا بوجودك معنا وحضورك في هذا البودكاست الذي يتناول السرديات هو حضور أساسي. لك الكثير من الكتابات التي تنقض الكثير من السرديات التاريخية وسنتناولها تدريجيًا واحدة تلو الأخرى. نبدأ ربما اليوم بالحديث عن الحداثة. كلمة كبيرة تدل على مرحلة تاريخية لدى الغرب لكن أيضًا تدل على مرحلة لدينا. وفي كتابك “إسلامات وحداثات” إن كانت ترجمتي دقيقة طبعًا إلى العربية. تناولت هذا الأمر وشددت على فكرة أنه ليست هناك حداثة واحدة وليس هناك إسلام واحد.
دعنا نبدأ بهذه الفكرة ماذا تقصد تمامًا في هذا الكتاب؟ ولماذا فعلًا يعني اخترت هذا العنوان تحديدًا لهذا المؤلف؟
عزيز: الحداثة واحدة ومتعددة في آنٍ واحد. واحدة ومتعددة، واحدة بمعنى أن هناك مفهومًا جامعًا لها. ومتعددة بمعنى أن هناك ممارسات مختلفة تتناول… يعني ممارسات مختلفة في أماكن مختلفة وفي أزمنة مختلفة. المهم أساسًا هو أن الحداثة ليست وصفة وليست صيغة، الحداثة دينامية تاريخية وهذا هو المهم. وهذا هو الأمر الذي يغفله الناس في الحديث عن الحداثة، يعتقدون أن هناك لائحة من المتطلبات يمكن أن نضع عليها check (علامة). هذا غير صحيح.
الحداثة دينامية، دينامية تتناول الاقتصاد والمجتمع والسياسة وشكل الدولة وأشكال التعبير الفكري والأدبي إلى آخر ذلك. فبالتالي الكلام عن الحداثة بمجملها لا طائل منه لأنه لا يفيد. المهم أن نحدد الحداثة على أنها دينامية اجتماعية موضوعية يدخل فيها الناس عن وعي أو دون وعي. وأحيانًا في موقف فكري معادٍ للحداثة ولكنها قائمة وقاهرة بفعل هذه الديناميات الاجتماعية التي تنتجها.
نور: جزء من الحداثة تقصد أيضًا طبعًا. وهذا يعني طبعًا أننا دخلنا في الحداثة ولا نستطيع أن نتحدث عن نموذج واحد ربما، حتى نموذج واحد نعممه على البلدان العربية ربما هذا أمر غير صحيح. ما رأيك؟
عزيز: يعني ليس هناك نموذج. ليس هناك نموذج للحداثة. الحداثة عمليات تاريخية مترابطة. أحد العناصر الأساسية فيها شكل الدولة، يعني دولة تشرّع وتقنّن وتسيطر وتهندس، وهذا ليس على شاكلة الدول السابقة على الحداثة، هذه التي تسمى الدولة النابليونية. وهذه انتشرت عندنا وانتشرت في جميع أنحاء العالم. يعني الحداثة قد تكون ذات منشأ غربي ولكنها أصبحت عملية كونية يعاد إنتاجها في كل مكان.
نور: في كل مكان حسب السياقات وحسب كل شيء.
عزيز: في كل السياقات يعاد إنتاجها في كل مكان، فهي ليست شيئًا مستوردًا، بل هي عملية موضوعية تندرج فيها جميع المجتمعات، ولا فكاك منها. وهناك عناصر كثيرة مرتبطة بها، بعضها قد يراه الناس غير مرغوب فيه كالعلمانية على سبيل المثال. ولكن هذا أيضًا جزء من العمليات التاريخية الموضوعية التي تفرزها الحداثة عن وعي أو دون وعي، لأنها عملية موضوعية وليست تخطيطًا. هناك تخطيط حداثي ولكن التخطيط بحد ذاته غير كافٍ.
نور: صحيح، سنتناول العلمانية بالتفصيل بعد قليل.
هل الحداثة حقًّا نتاج لاهوتي مسيحي؟
نور: دعني أبدأ معك بسردية شائعة جدًا. أن الحداثة وبكل المفاهيم المرتبطة بها هي نتاج فكر لاهوتي مسيحي حصرًا. ما يعني أننا لا نستطيع حتى أن نقيس على هذا النموذج ولا أن يكون لدينا أي شيء آخر لأنه نتاج أفكار كثيرة، بدأت ربما في الصراعات بين البابوات والأباطرة بمرحلة معينة، وتم التنظير لكثير من الأفكار، وخرجنا في النهاية بهذا النموذج الحداثي. هل فعلًا الحداثة ابنة للتفكير اللاهوتي المسيحي؟
عزيز: هذا بديع جميل للكنيسة أن الحداثة نتاج نتاج للدين… لا لا أعتقد ذلك. الأديان كانت دائمًا مضطرة للحداثة، كل الأديان دون دون يعني دون تحفظ. تصالحت، هناك مصالحات بيانية، هناك مصالحات سياسية، ولكن الأديان بحد ذاتها والبنى الفكرية للأديان لا تريد أن تستوعب الحداثة. الحداثة ليست ناتجة عن الدين المسيحي على الإطلاق. والكلام الذي يقال عن صراع الكنيسة والدولة هذا صراع بين بين نظامين إمبراطوريين، أحدهما في روما والآخر في أماكن أخرى. هذه الصراعات كانت قائمة في كل مكان. ونرى في التاريخ الأوروبي مثلًا أن للملوك مسحة كنسية وللبابوات مسحة إمبراطورية. فالأمور يعني متداخلة مع بعضها البعض، ليس هناك يعني، لم يكن هناك مكانان يتصارعان من منطلقات مختلفة، المنطلق واحد، الواحد حاول أن يسيطر على الآخر. والمنطق الضمني لكل هذه الصراعات هو منطق السلطة، وهو منطق السيطرة ومنطق الغلبة، وليس منطق الدين مقابل الدولة، لأن للدولة كان لها طرف ديني، وللبابوية طرف إمبراطوري، فبالتالي الأمور مختلطة. ليس هناك ليست هناك ليست هناك هذه الفوارق التي يكثر الحديث عنها اليوم دون علم بالمناسبة. هذا فولكلور تاريخي، هذا ليس تاريخيًا، هذا فولكلور، معارف فولكلورية، معارف عامية قليلًا.
فبالتالي الحداثة لم تنشأ من الدين، وبرزت في فترة تاريخية معينة، برزت أوائلها الاقتصادية في القرن السادس عشر، ثم اتخذت منحًى فكريًا من القرن الثامن عشر، واستمرت. وهي موجودة في أوروبا، وهي موجودة عندنا. وفي أوروبا كما عندنا، هناك علاقات صراعية داخل كل المجتمعات، والاصطفافات على نفس الأسس في المكانين. فبالتالي نحن نتكلم عن عملية كونية، وليس عن عملية كانت في أوروبا ثم استوردت إلينا.
نور: نعم صحيح.
هل يمانع الإسلام حقًّا مفاهيم الحداثة؟
نور: إذن، اسمح لي أن أترجم هذا الكلام، وأسأل أيضًا السؤال، السؤال نفسه بطريقة مختلفة. إذن، من يقول اليوم إن المشكلة -مثلًا- لدينا، في الإسلام لدينا، وأن هناك، ربما، ممانعة من الإسلام في حد ذاته تقف في وجه الحداثة، النماذج الحداثية التي لدينا؛ كيف تنظر إلى هذا الأمر؟
عزيز: يعني على كل حال، المهم أن نعرف مَن… أي طرف من الإسلام؟ أي فئة من الحركات الإسلامية؟ وهل نتكلم عن الفكر؟ هل نتكلم عن الممارسة الاجتماعية؟ هل نتكلم عن الممارسة السياسية؟ يعني هناك ليست هناك أي موانع من الاستبقاء على الأسس الدولانية للحداثة، الدولة النابليونية، نراها في إيران بشكل بالغ التميز وبالغ الوضوح. ولكن، هناك ممانعة أيديولوجية، هناك ممانعة اجتماعية؛ يعني هناك نمط معين، أو تصور معين، للحياة الاجتماعية، والعلاقات بين الناس، والعلاقات بين الرجال والنساء وإلى آخره، التي لها تأويل ديني معين، يناقض ويعاند ما أنتجته الحداثة لدينا ولدى غيرنا. فبالتالي، عندما نتكلم عن هذا الموضوع: هل هناك ممانعة دينية؟ نعم، هناك ممانعة دينية. نرى أن في أوروبا -مثلًا- الكنيسة الكاثوليكية أو الكنيسة البروتستانتية لم تتصالح مع الفكر الحداثي.
مثلًا، لنأخذ مثالًا بالغ التعيين: الدراسة التاريخية للأناجيل وللعهد القديم، ودراسة كيف نتجت هذه النصوص من ظروف تاريخية معينة، هذا في القرن التاسع عشر؛ تبنّى تبنّى هذا النهج جملة من المفكرين البروتستانت، مع قدر كبير من الممانعة من الكنيسة. ثم انتشر، انتشرت يعني التشريع لدراسة النصوص الدينية بمنظور تاريخي، انتشرت، وسبب انتشارها لم يكن الرغبة داخل الكنيسة، ولكن إجبار المجتمع -الذي صار أكثر تقدمًا من الكنيسة- على أن تلتزم بما وصل إليه مستوى التطور الفكري في المجتمع. هذا الذي حصل.
لدينا مجتمعات مختلطة جدًا؛ هناك مواضع تقدم بيّنة، وأنا بالمناسبة لست من أصحاب الرأي بأن كل شيء فاشل في تاريخنا الحديث، هناك مواضع تقدم بيّنة، وهناك مواضع رجعية -أو بالأحرى مواضع نكوص وتراجع- أيضًا بيّنة.
نور: صحيح.
عزيز: لم تستقر لم تستقر معظم المجتمعات العربية على تطور معرفي كافٍ يجبر الدين على أن يلتزم بما وصل إليه المجتمع؛ لأن المجتمع لم يصل بعد إلى مستويات تسمح للدين بأن يتلحلح قليلًا.
نور: نحن في حاجة إلى أن يتلحلح قليلًا.
كيف أثرت الرأسمالية في حقوق الإنسان؟
نور: طيب، آخر سردية أود أن أتناولها قبل أن ندخل في الموضوع الآخر: الدين، ربما، والقانون، وأمور أخرى كثيرة متعلقة بحديثنا اليوم. استوقفني ما قلته الآن حول أن الواقع والسلطة هي التي فرضت انتشار، ربما، هذه الأفكار تدريجيًا. وقد أثرت هذه الفكرة في كتابك حين تطرقت، بصورة خاصة، إلى ما يسمى في حينه الرأسمالية الأوروبية، وتناولت، بصورة خاصة، فكرة الحق المدني، والذي منه تخرج فكرة حقوق الإنسان، والذي يُرد إلى فكرة الحق الطبيعي عند الإنسان. هذه الأفكار التي كانت تتداول، ربما، في الجامعات وداخل الأفكار الدينية والأوساط الدينية، لم يكن من الممكن أن تنتشر لولا أنها -فيما بعد- أصبحت هناك حاجة إليها؛ بمعنى العالم الرأسمالي الذي أتى فيما بعد، وأصبح في حاجة إلى، ربما، حقوق الملكية، وإلى حق الحرية، وحقوق التنقل، وكل ذلك، فيما بعد شرعت حقوق الإنسان. لا أعرف يعني، إن كانت الفكرة واضحة؟ أي أنه كانت هناك حاجة إلى منظومة إنسانية اجتماعية لتتوافق مع الحاجات الليبرالية في المجتمع الغربي لاحقًا.
عزيز: لندع الليبرالية جانبًا قليلًا، كثير مما يقال عنها هو غير صحيح. الليبرالية ليست ضرورية للحداثة؛ الحداثة ممكن أن تكون فوقية، يعني المجتمعات التي أعادت تنظيم نفسها، كالمجتمعات الشيوعية على سبيل المثال، هذه مجتمعات حداثية بكل معنى الكلمة، ولكنها حداثة أنتجتها الدولة عن طريق نوع من الهندسة الاجتماعية: الهندسة الاجتماعية والهندسة الثقافية.
فبالتالي، يعني ما يقال كثيرًا عن التلازم بين الليبرالية أو الديمقراطية وبين الحداثة غير صحيح، ولا مبرر له، ولا مبرر له. لأنه تاريخيًا، الليبرالية أيضًا، بحد ذاتها، توافقت مع أشكال كثيرة من النظم السياسية؛ إن كان في تاريخ بريطانيا، أو في تاريخ ألمانيا، أو غيرها. القضية بالغة التعقيد، ولا يعني لا يمكن أن نصل إلى أي نتائج مفيدة إن اختزلنا الأمور وبسطناها، وأنا ضد التبسيط.
يعني الذي تفضلتِ به في الأول، أنه هناك نشأت حاجات، تمثلت في الواقع في حركة =بالغة الأهمية تاريخيًا؛ وهي الثورة الفرنسية. لم يكن لها نظائر تامة، ولكن هناك حركات مشابهة، وديناميات مشابهة في أماكن في أماكن في أماكن أخرى. كان فعلًا، لأنه هناك كان صعودًا لفئات اجتماعية برجوازية جديدة من المدن، التي برزت على حساب الأرستقراطيات السابقة والنظم الملكية. طبعًا، الأرستقراطيات لم تنقرض، كانت هناك مصالحات؛ دائمًا التاريخ فيه مصالحات، في كل مكان هناك مصالحات. كانت مصالحات، تمت مصالحات في فرنسا، وتمت مصالحات في بريطانيا، وإلى آخره. ولكن، الأهم هو بروز هذه الفئة المدينية، القائمة على الرأسمالية، وعلى الثقافة التي أُنتجت في هذا السياق. ففعلًا، يعني كل الكلام حول حقوق الإنسان والحقوق الفردية، وإلى آخره، نشأت من هذه الظروف، وعلى امتداد قرون في الواقع.
نور: صحيح.
هل يتقاطع مسار الدين مع العلم؟
نور: دكتور، دائمًا حينما يعني يتداول حديث حول علاقة الدين بالعلم، أيضًا لدينا سرديتان شائعتان: إما أن الدين ضد العلم، وإما أن العلم نفس الدين تمامًا بهذه البساطة. لكن من خلال قراءتي لكتابك، هناك عبارة استوقفتني حقيقة، أنك تقول: “إنهما مجالان منفصلان تمامًا”؛ حيز الحركة داخل المجال العلمي هو يختلف عن حيز الحركة داخل المجال الديني. وهذا يعني أن فكرة الصدام أو الطلاق، يعني، غير منطقية أو غير دقيقة.
عزيز: لأقول لك الصدام من أين يأتي؛ الصدام يأتي عندما تقوم الأديان ضد التطور العلمي، عندما تقوم الأديان -أو بالأحرى المؤسسات الدينية-…
نور: المؤسسات الدينية نعم.
عزيز: المؤسسات الدينية ضد التطور العلمي، وهناك يحصل الصدام. ولكن، معروف أيضًا أنه -مثلًا- في تاريخ أوروبا في قرون الحداثة الأولى، كان هناك كثير من رجال الكنيسة الذين دخلوا في مجال العلم وأنتجوا علمًا مفيدًا، علمًا مفيدًا واستمر. ولكن عندما أصبح الصدام، مثلًا الصدام مع جاليليو؛ الصدام حول مركزية الأرض في الكون بدلًا من مركزية الشمس، بدلًا من دوران الأرض حول الشمس، وما إلى ذلك. كانت هناك أسس فلسفية، لا مجال للدخول فيها الآن، التي بعثت على الكنيسة لمعارضة أو معاندة هذه الأمور. على كل حال، هذه الأمور في نهاية الأمر فرضت نفسها؛ لأن العلم تطور والمجتمع تطور، وأصبحت لدى المجتمعات، خصوصًا في أوروبا الغربية، أقدار متفاوتة ولكنها أكيدة من العقلانية العلمية.
والعقلانية العلمية انتقلت من مجال العلم الطبيعي، أو الطبيعة، إلى مجال المجتمع. فبالتالي، أصبح يُنظر إلى النظم السياسية عن طريق مفاهيم النفع والتقدم، وإلى آخر ذلك، بدلًا من مقاصد كبرى تتعلق بالآخرة. فهذا تطور، باعتقادي، بالغ الأهمية، وأخذناه. وفي بعض الأحيان، يعني في القرن التاسع عشر، لا تعطى الدولة العثمانية المتأخرة ما أنتجته؛ لا يعترف لها بالفضل الكبير، وهو الفضل في إدخال أنماط معرفية، ومحاولة تعميم أنماط معرفية حديثة قائمة على العلم على امتداد الدولة. ابتدأت بمدارس الدولة، وبتشجيع الدولة وبتشجيع الدولة على هذا النحو من النظر إلى أمور المجتمع وإلى أمور العلم، فأصبحت برامج التعليم -على سبيل المثال- تدرس الجغرافيا بدلًا من أن تدرس موقع جبل قاف -على سبيل المثال- أو البحر المحيط، وإلى آخر ذلك من هذه المفاهيم، أو السماوات السبع وإلى آخر ذلك. هذه أصبحت انقرضت عمليًا، إلا في أُطر اجتماعية منعزلة، حتى لدينا، على الرغم من وجود الكثير من من ممن، يعني، ممن يحبذون النظر الحرفي في النص الديني.
أما الصراع الفكري بين الدين وبين العلم، فهو قائم على أساس بسيط: أن العلم يقوم على نسق معرفي معين، والدين يقوم على أساس إيماني يستند إلى الأساطير في كثير في كثير مما يقوله؛ فبالتالي هناك نقيضان. ولكن الصراع يتم عندما تحاول يحاول طرف أن يقمع الطرف الآخر.
فبالتالي، أنا باعتقادي، أن الطريق الأسلم أن يبقى التفكير الديني في إطار التفكير الديني، ولا يحاول أن يتكلم في أمور الطبيعة والمجتمع والدستور، وإلى آخره، وأن أصحاب التفكير العلمي لا يدخلون في القضايا الكلامية واللاهوتية وإلى آخره؛ بإمكانهم أن يدرسوا هذه الأمور دراسة موضوعية وعلمية وتاريخية دون أن يبدوا آراءهم فيها ويتخذوا مواقف.
نور: نعم صحيح.
كيف نفهم سياقات تطور الفقه الإسلامي؟
نور: وأحببت أنك جئت على ذكر، وقد ذكرت ذلك أيضًا في كتابك، أن جزءًا من محاكمته كان مؤامرة سياسية أيضًا؛ يعني هو أصلًا بعيد عن فكرة الدين والعلم تمامًا. هذه الفكرة مضللة، هناك ما كان يحدث وراء الكواليس. نعم هذه نقطة: أن صراعات الدين والعلم ليست بالضرورة هي صراعات علمية دينية، بقدر ما أيضًا هي يمكن أن تكون صراعات سياسية في العمق. نعم.
طيب، دكتور، دعنا ننتقل إلى فكرة الإصلاحات. يعني حين نتحدث عن الحداثة في الغرب، نتحدث أيضًا عن الإصلاح البروتستانتي والإصلاح الكاثوليكي، وحين نتحدث أيضًا عن الحداثات التي لدينا، بالتأكيد نتحدث أيضًا عن إصلاحات إسلامية. ما لفتني أيضًا في أفكارك في الكتاب وغيره طبعًا، أنك تحدثت عن أن فهم القانون الإسلامي ليس بالأمر السهل، وأن فهم علوم الدين هو شيء، وفهم القضاء وفكرة القانون شيء آخر. ومن يريد أن يقرأ في الإسلام كقانون إسلامي، يجب أن يكون مُطلعًا على القانون في سياقاته التاريخية المختلفة وفي فهمه وما إلى ذلك. كيف تنظر إلى القانون الإسلامي بصورته الخاصة؟ وأيضًا إلى قراء هذا القانون ومفسريه؟
عزيز: أول شيء، أذكر أن الكثير يعني الكثير من الناس يعتبر نفسه مفتيًا في كل الأمور، وبإمكانه أن يفتي في هذا الأمر وذاك؛ لندع ذلك جانبًا.
نور: صحيح.
عزيز: هذا كلام مستسهل جدًا، مستسهل جدًا وأساسًا سجالي. أما القانون الإسلامي أو الفقه… أنا لا أسميه الشريعة، أسميه الفقه؛ الشريعة عنوان عريض، عنوان أيديولوجي عريض، الفقه هو النصاب القانوني الفعلي والعملي للقانون الإسلامي. الفقه واحد من نظامين قانونيين تاريخيين كبيرين: الروماني والإسلامي، والفقه الإسلامي بكل تأكيد. الفقه الإسلامي مبني في بنيته الفكرية والمفهومية على اعتبارات مفهومية بالغة التعقيد وبالغة الأهمية. لا يمكن أن تُزاح جانبًا لاستسهال فتوى في هذا الأمر وفي ذاك. هناك تدريب طويل في اللغة، وفي التفسير، وفي البيان، وفي علوم أخرى، التي تسمح لإنسان معين أن يصبح قاضيًا أو فقيهًا بكل معنى الكلمة.
هناك تدريب مطلوب وأساسي، ودون هذا التدريب يُستسهل نقل عبارات من ابن تيمية أو غير ابن تيمية، ثم إطلاقها على الأمور دون تفكر. على الرغم من أن ابن تيمية كان بالغ العلم، كان رجلًا عبقريًا، وكانت كل الأمور التي كتبها مبنية على تفكير متسلسل بالغ الجدية وبالغ الاطلاع. على عكس الذين يستعملونه اليوم دون أن يفهمونه بالقدر الكافي؛ لأنه ليست لديهم التنشئة الفكرية والمفهومية التي كانت له أو لمجايليه لقرون طويلة، والتي ابتدأت عمليًا بالظهور في القرن التاسع عشر. قلة قليلة تفقه، الأكثرية من الفقهاء اليوم لا يفقهون ولكنهم يتكلمون.
كيف تطور مفهوم الردة سياسيًّا وتاريخيًّا؟
نور: نأتي على مثال، ربما في سياق هذا الحديث، مفهوم الردة الذي أشرت إليه أيضًا، والذي يتم تداوله الآن، ويتم التغافل أنه في مرحلة معينة تم إنكاره تمامًا، وأنه ظهر في مرحلة معينة أخرى في بدايات -ربما- المدينة الأولى في الإسلام. كيف تنظر إلى هذا المفهوم، وكيف يتم التعامل معه اليوم؟
عزيز: يعني هناك أشكال كثيرة من التعامل مع مفهوم الردة، يعني مفهوم الردة، الردة… أولًا، الردة صفة أطلقت على جملة حروب في الجزيرة العربية؛ بعد تلك الحروب، “الردة” عبارة أُنتجت في الفترة العباسية وفي التاريخ العباسي.
نور: لم تكن في المرحلة الأولى، يعني الحروب مع القبائل والذين ارتدوا عن الإسلام…
عزيز: أبدًا، أبدًا. يعني عبارة حروب الردة وردت بعد ذلك بكثير، فيما بعد بكثير. هذه كانت جملة حروب لفرض سلطة المدينة على بعض المناطق التي كانت موالية للنبي، ثم قطعت هذا الولاء مع وفاته. فاستُعيدت هذه المناطق، وتوسّعت… وتوسع مجال سيطرة المدينة في الجزيرة العربية، خصوصًا إلى إلى شرق خصوصًا إلى شرق الجزيرة؛ فهي كانت حروب استعادة وحروب توسع، وعلى إثرها قامت حركة الفتح المعروفة إلى الشام وإلى العراق، وإلى آخر ذلك، وهذه القضية معروفة جدًا.
فمفهوم الردة، عندما أنتج كمفهوم فقهي، كان يُطبق في بعض الأماكن، وفي بعض الأماكن الأخرى كان يعتبر غير وارد. وبالمناسبة، كل كل الأحكام التي صدرت بدعاوى الزندقة والإلحاد وإلى آخره كانت دائمًا مرتبطة بظروف سياسية. ليست هناك وتيرة ثابتة ليست هناك وتيرة ثابتة التي استمرت، ولا حتى في الفترة الأولى. وفي معظم الأحيان كانت الأمور تجري بالتي هي أحسن.
يجب التأكيد على أن الفقهاء في العصور الكلاسيكية كانوا عمليين، وكان زادهم الأيديولوجي ليس كثيفًا كما هو اليوم؛ كان زادهم الأيديولوجي أقل كثافة، فبالتالي كانوا جماعة عمليين جدًا ويستجيبون للظروف وإلى آخره. هذا كله انقرض.
المهم لنعود إلى الدولة العثمانية ألغت قوانين الردة في نفس الوقت الذي منحت فيه الجنسية العثمانية لكل المواطنين العثمانيين بغض النظر عن ديانتهم، وألغت التشريعات التمييزية على أساس أهل الذمة وإلى آخره. هذا كله أُلغي في سياق التنظيمات، وهذا هو التراث الذي وصل إلينا. وما زلنا، هناك الكثير من الممانعة، هذا واضح، ولكن هذا التراث الذي وصلنا. فنحن عندما نتكلم عن التراث، يجب أن نتكلم عن التراث كما أصبح بعد التحولات التي آلت من الحداثة، وليس التراث كمتخيل ماضٍ مستمر. هذا غير موجود هذا غير موجود إلا في بعض التصورات الأيديولوجية له، ولكن في واقع الأمر ما لدينا هو ما صرنا عليه، وليس ما كنا عليه.
نور: نعم صحيح.
كيف نقيم ونقرأ إرث مرحلة النهضة؟
نور: “من بدأ من الصفر ما انتهى إلا إلى الصفر”. هذه عبارة من كتابك، وتتحدث فيها عن مرحلة النهضة؛ أي أننا لدينا الكثير من المشكلات في هذه المرحلة، لكننا لا نستطيع أن ننسف هذه المرحلة بكل ما فيها، وأنها تستحق القراءة. دعنا، قبل أن ندخل في التفاصيل، كيف تقرأ هذه المرحلة؟
عزيز: هي مرحلة تحول معرفي بالغ الأهمية. والنقاط الأساسية ليست فقط كلام المثقفين، النقاط الأساسية البنى التعليمية والنظم التعليمية التي قامت على أساس ما وصل إليه العلم في ذلك العصر؛ العلوم الحديثة، العلوم الاجتماعية، والعلوم التاريخية، والعلوم الطبيعية، وإلى آخر ذلك. هذا الأساس. أما كلام المثقفين -على أهميته- فلم يكن العنصر الحاسم، مع أنه كان عنصرًا مؤثرًا وبالغ التأثير. وعلى العموم، الكثير من المثقفين كان يعني ما كان ماك كان يعطى لم يُعطَ إليهم الكثير من الاعتبار في ذلك التخطيط عن طريق الدولة. الدولة كانت تخطط تكنوقراطيًا، أحيانًا بمساعدة عناصر أجنبية استُجلبت لعمليات التحديث، كما يُستجلب المستشارون اليوم في الشركات وفي الدول وإلى آخره، نفس الـ.. في الدول حتى في الدول الإسلامية. فبالتالي، هذه الأمور ليست غريبة عن أي فترة تاريخية، دائمًا يُصار إلى الاستعانة بالخبراء وبالخبراء يعني الذين وصلوا… الخبير ماذا يجلب الخبير؟ ما ليس لدينا، فبالتالي نجلبه. هذا أبسط الأمور، هناك نوع من الشيطنة لهذا، ولكن باعتقادي هناك الكثير من المبالغة في هذا.
هل أخطأ رواد الإصلاح الإسلامي التوفيقية؟
نور: أنت تقول إن الأفكار، أو أن المثقفين، لا يتحملون كل المسؤولية. في مكان آخر أيضًا مما لفتني لديك، أنك تتحدث عن، ربما، المصلحين الإسلاميين الأوائل، ربما، والذين انقسموا بين تيار يتمسك بالأصل والأصالة -التي سنتحدث عنها فيما بعد- وتيار آخر يسعى إلى التوفيقية. “تعالوا نجلب قليلًا من العلم على قليل من الدين، نصنع خلطة، نحاول أن نساير، نحاول ضمن الظروف الصعبة التي نعيش فيها، نحاول أن نخرج بتوليفة بخلطة مناسبة لا نزعج فيها المؤسسات الدينية، وأيضًا نتقدم إلى الأمام”. لكن تتحدث تحديدًا عن هذه التوليفية التوفيقية، أنك تقول إنهم أزالوا الدين، أو نزعوا الدين من سياقاته التاريخية؛ بحيث تحول الدين إلى شيء مائع، إلى شيء سائل جدًا: لا تاريخ، لا أسباب موضوعية، لا يُقرأ بتاريخيته. فماذا حدث؟ أصبح هناك رد فعل، ربما، عند هؤلاء الذين يريدون العودة إلى السلف المتخيل، في اختيار لحظة تاريخية إسلامية معينة. حسنًا، كيف نريد أن نقرأ هؤلاء المثقفين الذين اهتموا بزعزعة الدين لكن بالطريقة السطحية؟ أليس لهذا أثر؟
عزيز: لنأخذ مثالًا على ذلك محمد عبده، وهو الأهم منهم، محمد عبده دخل في عملية “تربيع للدوائر”. عندما يقول محمد عبده إنه يمكن تأويل {حِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ} [الفيل: 4] على أنها جراثيم، على سبيل المثال. يعني طبيعي أنه من المستحيل أن نفسّر القرآن على هذا النحو؛ لأن فكرة الميكروبات لم تكن موجودة في ذلك الوقت. وتأويلها اليوم على هذه الصفة، أن نلوي عنق النص لإعطائه مضمونًا مساوقًا للعصر. أيضًا عملية توفيق خطابي، هذه عملية توفيق خطابي، وأنا أسميها كما قلت قبل قليل: تربيع للدوائر.
هذه عملية مستمرة. كل الكلام حول التفسير العلمي للقرآن، على سبيل المثال، من هذا الباب لا يستقيم تاريخيًا ولا يستقيم معرفيًا؛ فبالتالي العملية ليست عملية فكرية بقدر ما هي عملية سياسية واجتماعية.
استلفتني كلامك حول الإصلاح الكاثوليكي. لم يكن هناك إصلاح الكاثوليكي.
نور: يعني تجاوزًا، الإصلاح البروتستانتي هو الأساس.
عزيز: الإصلاح البروتستانتي حصل بكل معنى الكلمة.
نور: لكن هناك حركات…
عزيز: الكنيسة الكاثوليكية لم تخضع لعملية…
نور: إصلاح جذري.
عزيز: إصلاح جذري وإصلاح لاهوتي وإلى آخر ذلك. عملت عملية توافق ومساومات سياسية واجتماعية مع المجتمع المحيط ومع الدول المحيطة، ولكنها لم تدخل، كما أن الأرثوذكسية أيضًا لم تدخل في عملية إصلاح ديني من الداخل ينظر في قواعد العقيدة.
فبالتالي محمد عبده -لنعود إلى محمد عبده- قام بهذه العملية، وهذه أصبحت متداولة، كل الناس تستسهلها. يعني مثلًا علوم الرياضيات يقال إنها قرآنية لأن القرآن يتكلم عن الحساب، وإلى آخره، هذا الأمر لا يستقيم عقليًا ولا يستقيم تاريخيًا.
أما الناحية الثانية، أن هناك اتجاهًا آخر الذي تمسك بالأصول؛ أي بالتفسير الأكثر حرفية للنص القرآني وللحديث وإلى آخره. فهذه المدرسة التي تزعمها في بداية الأمر طبعًا، أو التي أطلقها بكل معنى الكلمة “رضا” (يقصد محمد رشيد رضا)، وفي فترة لاحقة في التحالف بين رضا وبين الحركة الوهابية في المملكة العربية السعودية الفتية -أو مملكة الحجاز ونجد كما كان كما كانت تسمى في ذلك الوقت-. والآن أصبحنا في فترة هذه الأمور أصبحت واضحة، والاتجاهان موجودان في كل مكان، وفي شيء من الصراع أحيانًا، شيء من التآلف. ولكن هذه التآلفات سياسية في نهاية المطاف. وعندما نتكلم عن تآلفات سياسية، نتكلم عن تآلفات اجتماعية؛ لأن السياسة أو الاتجاهات السياسية تمثل فئات اجتماعية في المجتمع، فبالتالي يجب أن ننظر إليها من هذا المنظور.
نور: من هذا المنظور نعم تمامًا.
لماذا نحتاج قراءات تاريخية لفهم الدين؟
نور: علي عبد الرازق اسم يتكرر كثيرًا في كتاباتك، لماذا؟
عزيز: علي عبد الرازق كان رجلًا كثير الانفتاح، كان أزهريًا واسع الأفق إلى درجة إلى درجة استثنائية. حاول في كتابه عن الخلافة أن ينظر إلى القرآن نظرة تاريخية، وأعتقد أنه وفق في ذلك. قليلة هي القراءات التاريخية فعليًا للقرآن، ولكن عبد الرازق، باعتقادي، في نظرته إلى علاقة الدين بالدولة في بدايات الدولة الإسلامية -الدولة المحمدية- كانت قراءته باعتقادي رائدة، ويمكن البناء عليها.
طبعًا، الآن لدينا أدوات مفهومية أخرى وأكثر تطورًا من ذلك، ولكن هذا يبقى عَلَمًا على هذا الاتجاه الذي نجده عند بعض الآخرين، ولكن قلائل مع شديد الأسف. أما التفكير الأكثر إحكامًا في هذه الشؤون فهو يأتي من خارج الدين، وليس من داخله، من الدراسات التاريخية…
نور: العلمية والتاريخية وما إلى ذلك.
كيف ساهمت السياسات بصعود الحركات الإسلامية؟
نور: حسنًا، سأستمد كتاب، عنوان كتاب جورج طرابيشي: “من النهضة إلى الردة” أو إلى الردة، الردة أفضل هنا، أين نحن اليوم؟ هل نكصنا إلى الوراء؟
عزيز: أنا أعتقد أننا في مرحلة نكوص معمم. وأنا أعتقد أن هناك ظروفًا سياسية أفضت إلى ذلك. أولًا، كل الحركات الفكرية لن تنتشر وتستمر إن لم يكن لها سياق لوجستي؛ مؤسسات، وهيئات، وتمويل، وإلى آخر ذلك ودول. يعني نجد أن حركة الردة ابتدأت لدينا خلال الحرب الباردة في الخمسينيات: فكرة محاربة الشيوعية في الوطن العربي، وفكرة أنه يجب الركون إلى تشجيع الحركات المحافظة اجتماعيًا، وإلى تشجيع الحركات الإسلامية تحديدًا في سبيل مقارعة الشيوعية في المنطقة. وهذا تم في بداية الأمر عن طريق المملكة الأردنية الهاشمية، ثم عن طريق المملكة العربية السعودية، واستمرت إلى فترة طويلة.
وكان لهذه الحرب -يعني تذكرين قضية الأحلاف وحلف بغداد وغير ذلك- كان هناك طرف ثقافي لهذا. والطرف الثقافي هو محاربة الشيوعية فكريًا ومحاربة العلمانية تحديدًا. هناك عدد يعني.. كان هناك إنتاج ثقافي ضخم جدًا، يعني مثلًا “سقوط العلمانية” للمنجد لصلاح الدين المنجد، وكتابات كثيرة صدرت في الستينيات لمحاربة الشيوعية، ولكن أساسًا لمحاربة الناصرية والبعث. استنادًا إلى هذا القوام اللوجستي من المؤسسات التعليمية والمؤسسات الإعلامية الذي أُقيم لهذا الهدف. فبالتالي هذا أعطى الحركات الإسلامية…
نور: زخمًا.
عزيز: زخمًا، وزخم مؤسساتي. دون مؤسسات ودون سياق لوجستي، لا يعني لا تستمر الأفكار بحالها. ثم حصلت نكسة 67، -حرب 67- وابتدأنا في فترة آلت فيها الغلبة إلى تلك القوى؛ أولًا القوى الدولانية، يعني تآلف السعودية والولايات المتحدة وإلى آخره في ذلك الوقت، ثم داخل داخل داخل المجتمعات العربية.
ثم في السبعينيات والثمانينيات، انتشرت هذه الحركة إلى ما أسميه أنا -يعني- “خيانة المثقفين لأنفسهم”. المثقفون الذين كانوا تقدميين، وبعضهم ماركسي، وبعضهم غير ماركسي…
نور: ركبوا الموجة الجديدة.
عزيز: ليس فقط ركبوا الموجة، ليس فقط ركوب الموجة، ولكنهم استبطنوا مسلمات الخطاب الإسلامي في المجتمع والتاريخ والدولة. ووصلوا إلى فكرة، هي غريبة جدًا: أن المجتمع، المجتمعات العربية، بما أن فيها أغلبية من المسلمين، هي ميّالة إلى الإسلام السياسي بالسليقة.
نور: الإسلام السياسي وبالسليقة، الكلمتان إشكاليتان هنا.
عزيز: هي بالسليقة، بالسليقة، بالسليقة. فاستبطنوا هذا الخطاب، وصار هناك حركات كثيرة في الثمانينيات للتوفيق بين القومية العربية والتيارات الإسلامية وإلى آخره. مؤتمرات مركز دراسات الوحدة العربية…
نور: حتى إنك تقول إنهم استخدموا الخطاب نفسه من الداخل فعليًا.
عزيز: استبطنوه. يعني بدلًا من أن يحاولوا أن يعدلوا في الخطاب الإسلامي، عدلوا في خطابهم لموالاة المسلمات الإسلامية في أقوالهم، في المجتمع، وفي التاريخ.
نور: من بين هذه الأقوال التي تذكرها: أننا متجانسون تمامًا.
عزيز: أن المجتمع متجانس، وأن أساس التجانس هو الدين.
نور: وأنه ما عندنا مشاكل إلا الغرب، يعني، صحيح؟ لا شيء آخر. وكأننا هنا لا مشكلات، لا اختلافات، لا تمايزات، لا حتى إسلامات، ربما. فهذه مشكلة.
ما خطورة استخدام لغة الصوفية السياسية؟
نور: هنا تذكر -أحب هذه الكلمة لديك- الصوفية السياسية؛ يعني استخدام كلمات من نوع: الرسالة، والبعث، والقدر، والمصير، وما إلى ذلك من كلمات نجدها في الخطابات الإسلامية السياسية وأيضًا القومية العربية. ما نوع الخطورة التي تترتب على هذه على هذا الخطاب؟
عزيز: يعني، أولًا خطورة كبيرة. يعني “إلى الأبد حافظ الأسد” أو “لنا إلى يوم القيامة” -الذي يقال في دمشق اليوم “لنا إلى يوم القيامة”- يعني هذا نفس الخطاب عمليًا، ولكن له تداعيات أخرى. تداعيات أكثر، أكثر دينية من “إلى الأبد حافظ الأسد”. هذا كلام خطير جدًا؛ لأنه فعلًا يدخلنا في نوع من الخيال، وكأنه خيال علمي هو في نهاية المطاف. لأنه فعلًا ليست هناك ترجمة فعلية لهذه الأقوال. لا يمكن أن تترجم إلى حركات، لا يمكن أن تترجم إلى أفكار، لا يمكن أن تترجم إلى مفاهيم؛ فهي تبقى عالقة ولكنها للبعض جذابة. وهي جذابة لأنها غير واضحة. فبالتالي الصوفية تأتي بمعنى الانجذاب إلى الشيء غير الواضح، غير واضح المعالم.
نور: بالضبط، وهنا نجد تذبذبًا، ربما، بين فكرة الأصل المتخيل، أو السلف المتخيل تمامًا الذي يُبتكر ابتكارًا مع الوقت، والتفاؤلية المستقبلية الزائفة، يعني تقريبًا: لا نرى ماضيًا ولا مستقبلًا. كيف تقرأ هذا النوع من التشبث بالـ…؟
عزيز: الحاضر يضيع.
نور: الحاضر كليًا يضيع في الاتجاهات الإسلامية السياسية.
عزيز: الحاضر، يعني مثلًا هنا، عمليًا لا نرى أو لا نسمع أو لا نقرأ أي شيء عن الحاضر غير في معرض الذم. فعلًا في معرض الذم، والذم على أسس خاصة بـ خاصة بأصحاب هذا الخطاب. الماضي متخيل، المستقبل وكأنه ماضٍ سيُنجز فيما بعد. وهذه نظرة، يعني، نظرة غير منطقية لطبائع الأمور. طبائع الأمور تسير بأشكال غير ذلك، ليست كذلك تسير. يعني لا يمكن الانتقال من ماضٍ انقضى وتم؛ لأننا نحن الآن، يعني، يجب أن نعترف، على الرغم من كل ما يقال، أننا في قطيعة مع الماضي. وهذا هو الذي يسبب هذه التقيحات الفكرية التي نراها في مجتمعاتنا. نحن في انقطاع مع الماضي وعدم القدرة على الاعتراف بهذا الانقطاع.
فبالتالي، يُصار إلى…
نور: استمراريات متخيلة، ربما.
عزيز: متخيلة، وأحيانًا مرضية إلى حد كبير. يعني مثلًا داعش، هذا مرض. هذا مرض فكري ومرض نفسي؛ يعني عند داعش وأمثالها وأمثالها. ثم تصور المستقبل على أنه نسخة مجددة عن الماضي. أيضًا نظرة غير موضوعية على الإطلاق؛ لأن الماضي انقطع. يكثر الكلام حول الحضارة الإسلامية، ولكن الحضارة الإسلامية ذاكرة كتبية ليس لها موضع في أي مجتمع أو في أي مكان. هي ذاكرة كتبية موضع التغني. الصوفي…
نور: حتى أنهم يختلفون على هذه الحضارة الإسلامية: هل هي في هذه النقطة أم في هذا الزمن؟ يعني ليس هناك اتفاق أيضًا على فكرة الحضارة…
عزيز: أو يمكن أن تُلخص مثلًا بالحديث على سبيل المثال.
نور: تمامًا، إذن، يعني، هناك انقطاع عن الماضي، وأيضًا اتصال بفكرة متخيلة عن الحضارة الذهبية والعصر الذهبي.
عزيز: يعني هناك أشياء بالغة الجمال في هذا الماضي، ولكنها ذاكرة كتبية. أنا أحيانًا أستمتع بهذه الذاكرة الكتبية وأحبها، ولكنها ذاكرة كتبية وليست واقعا.
نور: تُقرأ في سياقات وفي منطقة معينة وما إلى ذلك.
عزيز: ويُستمتع بها جماليًا.
كيف تطورت مساعي تحديث الفقه الإسلامي؟
نور: دكتور عزيز، كيف تنظر إلى تحديث الفقه الإسلامي اليوم؟
عزيز: يعني قضية تحديث الفقه حصلت بمراحل متعددة وأشكال مختلفة. أول ما حدث هو مجلة الأحكام العدلية العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، وهي في الواقع مدونة للفقه الحنفي للمعاملات، خصوصًا المعاملات التجارية، لتتوافق مع مع متطلبات العصر والواقع الذي كان يتطور في ذلك الوقت. ولكن الملفت فيها أنها كانت مدونة. الفقه الإسلامي ليس مدونات، الفقه الإسلامي سوابق، سوابق، كالنظام القانوني الإنجليزي، بالمناسبة، هو نظام أيضًا سوابق يسمى common law (القانون العام). أما المدونات، فهي أولًا هي كانت قائمة على أساس روماني، ثم تجددت في المدونة النابليونية، القانونية النابليونية التي أصبحت منتشرة في جميع أنحاء العالم. فهذه كانت أول مرحلة.
ثم كانت هناك محاكم مختلطة، عمومًا محاكم تجارية وبنكية ومالية، استمرت على، يعني، تتطور على امتداد ثلاثة أرباع قرن حتى إقرار القانون المدني التركي في تركيا، في تركيا الجمهورية. ثم إقرار القوانين المدنية العربية؛ أولها في سوريا، ثم في مصر، ثم في العراق، ثم في الكويت، ثم في ليبيا، ثم في الإمارات، وإلى آخر ذلك. فهذه مدونات قوانين حديثة.
أما الفقه بحد ذاته، فخضع لعمليتين؛ عملية التدوين الأولى هذه في مجلة الأحكام الشرعية، ثم محاولات التدوين التي لم تُنفّذ، التي جاءت خصوصًا عن طريق بعض مفكري الإخوان المسلمين في مصر، مدونات في أحكام العقوبات وإلى آخره ولكنها لم تُنفذ.
صارت هناك مدونة في السودان، وصارت هناك مدونة أيضًا في إيران، ولكن في الأماكن الأخرى الفقه الإسلامي له مجالات محدودة، وأساسًا محدودة في قوانين الأحوال الشخصية التي خضعت إلى تعديلات.
والمهم في ذلك الأمر الذي يجب أن نعيه، إن كان في سوريا أو في مصر أو في غيرها، أن هذه القوانين تُطبق من قبل قضاة وليس من قبل فقهاء، يعني أساسًا من قبل قضاة مدنيين وليس من المعممين إلا في بعض الأحوال. فبالتالي هذا الذي حصل، هي قضية بالغة التعقيد. أنا أعتقد أن الكثير منها متقادم، الكثير مما فيها. وهذا التقادم أُخذ بالاعتبار في تصميم مدونة الأحكام العدلية وغيرها.
أما القانون المدني، القانون المدني، القوانين المدنية العربية أساسها القانون الذي سنه السنهوري، الدكتور عبد الرزاق السنهوري، وهو أهم قانوني عربي في القرن العشرين. استند فيه إلى الفقه عندما حوّل بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالإيجار، خصوصًا في الأرياف، واتخذها أو أدخلها في القانون المدني على اعتبار أنها أعراف، فبالتالي نزع عنها الصفة الفقهية الإسلامية فأصبحت من قبيل الأعراف. الشريعة الإسلامية نُص عليها كمصدر ممكن في غياب نص تشريعي معين، فبالتالي المنطقة متأرجحة وغير واضحة المعالم.
ماذا يقصد الغرب بمفهوم الإسلاموفوبيا فعلًا؟
نور: دكتور، ينتشر اليوم خطاب جديد، هو ليس جديدًا تمامًا، لكنه يعود إلى السطح مجددًا: خطاب ما يسمى بالإسلاموفوبيا، أو كراهية الإسلام، عداء الإسلام، رهاب الإسلام. ولا شك أن هذا الخطاب، وأيضًا هذه الظاهرة، معقدة جدًا، ولا يمكن تناولها ببساطة دون أن نسأل أولًا: حين نقول عداء الإسلام، أي إسلام نقصد؟ خصوصًا وأنك دائمًا تشدد على وجود أشكال مختلفة من الإسلام. هذا الخطاب الذي ينتشر اليوم في الإعلام العالمي ربما، ويتناول الإسلام، أي إسلام يتناول؟
عزيز: هناك ناحيتان، هناك الناحية البالغة العموم. مفهوم شيء من… هناك مفهوم معين يُصار إلى تداوله في أوساط اليمين، ولكنها توسعت كثيرًا في أوروبا وفي الولايات المتحدة، التي قررت أن تتخذ لنفسها مفهوم “صدام الحضارات” كمفهوم ناظم للمجتمع، كمفهوم ناظم للمجتمع. فبالتالي، هذه المجتمعات يجب أن تلفظ النشاز، والنشاز هو الإسلامي، ولم يعد اليهودية…
نور: كما كان في السابق.
عزيز: كما كان في السابق. بل أصبح هناك الكلام دائمًا -وهذا مفهوم أسطوري بالمناسبة- التراث اليهودي المسيحي؛ ليس هناك تراث يهودي مسيحي، هذا اختراع بعد الحرب العالمية الثانية في الواقع في واقع الأمر.
نور: تشرح لنا الفكرة أكثر إذا أمكن؟
عزيز: يعني يقال إن هناك استمرارية بين المسيحية واليهودية، وأنه في نهاية المطاف هذه حضارة واحدة. هذه فكرة سياسية برزت بعد الحرب العالمية الثانية لأغراض سياسية ممكن الدخول فيها إن شئتِ. وأغراض سياسية، ولكنها استجمعت نفسها وأصبحت تقريبًا مسيطرة على المجال؛ يعني ليست مسيطرة ولكنها أساسية في المجال العام في المجتمعات الأوروبية وفي أمريكا الشمالية. هذا شيء.
قضية الإسلام، على الرغم من الأمور التي تقال عن استمرار في علاقات حربية بين دار الإسلام ودار الحرب وإلى آخر ذلك، والحروب الصليبية…
نور: على مدار التاريخ.
عزيز: والحروب الصليبية وغير ذلك. ولكن كانت هناك عمومًا، وهذه أنا أعرفها من تجربة شخصية في المجتمعات الأوروبية وغيرها، أنه كان هناك مسلمون أولًا، كان المسلمون الذين يأتون إلى تلك البلدان يتأقلمون، بعضهم، وكان هناك نوع من الاستخفاف بالمسلمين هؤلاء: يعني قوم قليلو التمدن وإلى آخر ذلك ودين غريب، ولكن دون عداء فعلي. كل المجتمعات فيها هذه النظرات إلى مجتمعات أخرى.
نور: غريب، شخص آخر.
عزيز: حتى داخل المجتمع السوري، يعني، هناك بعض المدن التي لها سمعة معينة.
نور: طباع وما إلى ذلك.
عزيز: طباع، يعني كان من هذا الباب وليس من باب العداء الفعلي، شيء من الاستبعاد الاجتماعي، ولكن أكثر من ذلك لم يكن. ثم جاءت علينا، جاء علينا تضافر عنصرين؛ العنصر الأول هو صعود كلام صدام الحضارات، وهذا كان قرين الامتداد الإرهابي للحركات الإسلامية في أوروبا وفي أمريكا.
نور: صحيح.
عزيز: يعني يجب عدم التقليل من هذا الأمر.
نور: إذن هو خطاب حديث جدًا.
عزيز: جدًا. واقترن ذلك أيضًا بابتكار نوع جديد ومتزمت جدًا للإسلام، الذي كان يصر على التعبير عن نفسه علانية بأشكال مختلفة، ومنها أنا ما أدعوه -يعني ما أطلق عليه- عبارة “تنميط الذات”، تنميط الذات ووصم الذات. يعني بعض أنواع اللباس الغريب والكلام الغريب والصراخ وإلى آخره، في مجتمعات ليست معتادة على هذا الأمر أو بهذه الصورة. فبالتالي أصبح هناك انتقال من الاستبعاد الاجتماعي القليل، وهذا طبعًا بالمناسبة، هذه علاقة طبقية…
نور: أيضًا يدخل فيها هذا العامل طبعًا.
عزيز: كثير من المسلمين، أو من البلدان الإسلامية الذين ينتمون إلى الطبقات المتعلمة اندمجوا في المجتمع بشكل دون مشاكل دون مشاكل تذكر. فهذه السلوكيات التي كانت آيلة عن تمدد إسلام متزمت جديد نشرته باكستان وفي فترة مبكرة، الآن أصبح طبعًا في موقع آخر. المملكة العربية السعودية التي تحولت في السنوات الأخيرة على شاكلة بالغة الوضوح.
فاستُجمع كل ذلك وصار هناك الانتقال من الاستبعاد الاجتماعي إلى الرهاب، وللرهاب أسس واقعية…
نور: طبعًا هناك مقومات.
عزيز: قتل الناس في الشوارع، هذا عمل يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، وترهيب مجتمعات بكاملها. طبعًا هذا حدث لدينا أيضًا، ولكن نحن نتكلم عن المجتمعات الأوروبية أو عن شمال أمريكا؛ يعني 11 سبتمبر على سبيل المثال، الذي حصل في باريس وفي لندن وفي ألمانيا وفي أماكن أخرى.
هذا كلام يجب أن يذكر؛ لأنه أساسي جدًا. واقترن كما قلت مع تنميط الذات ومع وصم الذات؛ يعني أن يبدو على هؤلاء الناس لحى غريبة، لباس غريب، وجوه غريبة ترهب.
نور: صحيح.
عزيز: وفعلًا تخيف، تخيف الجميع وليس فقط الأوروبيين، تخيفنا نحن في العالم العربي.
هل يتشابه عداء الإسلام مع معاداة السامية؟
نور: أثرت نقطة أود أن أتوقف عندها قليلًا، في المخيلة الجمعية دائمًا يتم التعامل مع من هو غريب على أنه المختلف الذي يجب إبعاده ربما. وقد أثرت فكرة أن هناك شبهًا، ربما، بين هذا العداء وعداء تاريخي ربما مشابه لما كان يسمى بمعاداة السامية، وعداء الإسلام وعداء السامية. هل هناك تشابهات حقيقية أم أنها مجرد تسميات؟
عزيز: لا، ليست فقط تسميات. هناك تشابهات مفهومية في عملية التنميط لهذا الآخر الغريب، الغريب بشكل استثنائي. وهذه العبارة بالمناسبة لكارل شميت Carl Schmitt، غريب بشكل استثنائي، وكان طبعًا هو يشير إلى اليهود. هؤلاء غرباء بشكل استثنائي وبشكل بالغ الكثافة، فهناك تناظر مفهومي. ولكن الأوضاع التاريخية غير ذلك؛ يعني اليهود لم يهاجموا المجتمعات الأوروبية في أي فترة من الفترات، وهذا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار. ثم إن النخبة المتعلمين من يهود أوروبا كانوا مندمجين بالغ الاندماج في الطبقات العليا؛ إن كان في بريطانيا، أو في ألمانيا، أو في فرنسا، أو في غيرها من البلدان. فهذا يعني، هذا شيء يجب أن يقال.
أما المسلمون المنتمون إلى فئات أكثر تعلمًا من غيرهم فقد اندمجوا في المجتمعات أيضًا، فقد اندمجوا في المجتمعات أيضًا، وبدأوا يعلنون عن أنفسهم بصوت مرتفع أن إسلامهم يعلو على مواطنتهم.
نور: صحيح.
كيف نمارس النقد الذاتي لظواهر التطرف؟
نور: أنا لا أريد أن أعفي أنفسنا من المساءلة والنقد أيضًا. نحن دائمًا نتوجه إلى الغرب، وطبعًا للغرب دور أساسي فيما نعاني منه، لكن أيضًا هناك مسؤولية بالتأكيد تقع على عاتقنا. أين… كيف نضع يدنا على الخطأ أو الخلل تحديدًا فيما يتعلق بهذا الموضوع؟ ما نوع النقد الذي يجب أن نوجهه ربما إلى أنفسنا فيما يتعلق بهذا الموضوع؟
عزيز: هو الانجرار مع هذه، أو بالأحرى السكوت، وأحيانًا الرضا عن هذه الظواهر الأكثر تزمتًا في التعبير عن الديانة. لأننا إن كنا في مجتمعات مدنية، يجب تمدين الدين وليس تديين المجتمع. الكثير من هؤلاء يقولون بتديين المجتمع. وهذه عملية صراعية لا نهاية لها، عملية صراعية جدًا ولها آثار مدمرة.
فبالتالي، يعني، وعي هذا الشأن والانكفاء عن الموقف الدفاعي دومًا، عن الموقف الدفاعي دومًا، يجب أن تقال الأمور على ما هي دون أن ندافع بدواعي الهوية، أو بدواعي الجنسية المشتركة، أو الدين المشترك. هناك أخطاء يجب أن يقال إنها أخطاء وليس السكوت عنها، أو مجاراتها.
هل تمثل داعش جوهر التراث الإسلامي؟
نور: كيف تنظر إلى من يضع يده على الخطأ لكنه يقول إنه خطأ ثقافي بحت؟ بمعنى، هناك نظرة أخرى، محاولات تصحيحية تأتي من جهتنا تقول: لا، إنه والله الإسلام طوال عمره هكذا، وتضفي نوعًا من الاستمرارية التاريخية على هذا الواقع. وأننا يجب أن نتوجه إلى خطاب الإسلام السياسي أو الإسلام… هناك من يقول إنه إسلام وحسب، لا إسلام سياسي ومؤسسة إسلامية وهذه صفاته، ويجب أن نتصدى إليها اليوم وننظر في هذه الثقافة وننتقدها. وأنا لا أفهم تمامًا كيف يمكن أن نوجه اتهامًا من هذا النوع إلى ديانة حكمتها مؤسسات تاريخية كثيرة. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟
عزيز: تحولات كثيرًا بالمناسبة. تحولات كثيرة. لا، أنا أوافق، أنا أوافقك الرأي على هذا الرأي. يعني لا يمكن أن نفسر الاشتطاط في التزمت وفي العدوانية التي نراها عند بعض الفئات الإسلامية الفاعلة، على أنها تمثل كل تراث الإسلام. يعني داعش، على سبيل المثال، داعش مسلمون بكل معنى الكلمة، ولكنهم من فئة معينة وبتفسير معين للديانة وللممارسة الدينية تستند إلى نفس النصوص، إلى القرآن وإلى الحديث، الذي يستند إليه الكثير من الآخرين. ولكنها تأخذ بالأمور إلى منحًى معين له ارتباط بشكل الدولة التي كانت مرتجاة؛ يعني دولة الخلافة، دولة الخلافة لديهم. فيجب أن نعي هذا الأمر، وأن نعي أولًا أننا في انقطاع مع الماضي، وأن كل ديانة تتعدد أنماط ممارستها وأنماط التفكير فيها. ولهذا التعدد ارتباط بالوضع الاجتماعي؛ يعني هناك تراتب طبقي لأنواع الإسلام في كثير من… ولأنواع المسيحية في كثير في كثير من الأماكن، يجب أن يكون ذلك دائمًا في موقع النظر لنا.
نور: صحيح.
هل الممارسة السلطانية التاريخية هي القاعدة؟
نور: اسمح لي أن أقدم أيضًا مرة أخرى الصوت المعاكس. أريد أن نتناول جميع هذه الصوتيات. يقولون إن هذه الجماعات المتطرفة الإسلامية السياسية هي الحالة الأساسية وما تبقى هو استثناءات. بمعنى أنه، أرونا المرجعيات الأخرى، هؤلاء مجرد أفراد. يعني من يخرج عن القاعدة الإسلامية السياسية المتطرفة هم مجرد أفراد هنا وهناك، لا مرجعية لهم، لم يمثلوا حالة، لم يمثلوا جهازًا لاهوتيًا أو فكريًا أو منظومة فكرية نستطيع أن نعتمد عليها ونقول إن هناك إسلامًا يختلف عن هذا الإسلام السياسي. ما رأيك؟
عزيز: كلام لا محصلة له. أولًا الممارسة التاريخية في الدول السلطانية، أنا لا أحب تسمية الدول الإسلامية هذه دول سلطانية. الممارسات التاريخية في الدول السلطانية مغايرة لذلك على الإطلاق. هناك أطراف، شيء من الخوارج هنا على سبيل المثال، التي اشتطت، ولكن الطابع الغالب على هذا التاريخ الطويل والبالغ الاتساع جغرافيًا يغاير ذلك تمامًا.
فبالتالي عزو اشتطاط هذه الفئات إلى اشتطاط أكثر عمومًا يستند إلى نظرة تاريخية بالغة الضعف، وهي ناقصة تمامًا. فعًلا، فهي عملية تأويل لا مبرر لها ولا مستند على الإطلاق.
نور: نعم.
كيف تماهى عداء العرب مع الإسلام؟
نور: نقطة أخرى أود أن أتناولها معك في هذا الموضوع، لدينا أيضًا على الجهة الأخرى ما يسمى بعداء العرب. وهناك تمييزات بين عداء الإسلام وعداء العرب. وعبر التاريخ نجد أحيانًا عداء العرب يصعد وعداء الإسلام يخفت أو العكس. وفي الفترات السابقة كانت الأنظار موجهة إلى العروبة، اليوم نجد أن الخطاب ظهر من جديد وتوجه نحو الإسلام، حتى إن الإعلام بمفرداته توجه إلى مفردات الإرهاب والإسلام وما إلى ذلك. كيف ترى هذا العداء للإسلام؟
عزيز: هذا جزء مما أسلفت الكلام فيه حول انتشار نوع معين من الإسلام المتزمت في المجتمعات في أوروبا وفي أمريكا وفي أماكن وفي أماكن أخرى. يعني منذ عشرين سنة كان يقال مثلًا سفي الصحافة الفرنسية أو البريطانية أو الألمانية هناك كلام عن الأتراك، كلام عن العرب، كلام عن الأفغان، كلام عن الشيشان. الآن كل هذه التسميات عمليًا زالت، وصار إلى الدمج كل هذه الفئات في حلقة واحدة اسمها الإسلام. هذا حدث أيضًا بفعل هذه الأمور التي تحدثنا فيها…
نور: نعم صحيح.
عزيز: يعني هناك أيضًا شيء داخل هذه الفئات الإسلامية التي دفعت إلى ذلك، هناك نوع من عملية المجانسة في السلوك في السلوك وفي المفاهيم الدينية التي جلبتها فئات من الإسلام السياسي على المجتمعات الأوروبية أو على المسلمين في المجتمعات الأوروبية. وأيضًا هذه قضية طبقية بالمناسبة.
نور: طبقية أيضًا، يُنظر إليها كيف؟ اشرح لنا.
عزيز: يعني تجدين عمومًا أن الأكثر تعلمًا أقل انجرارًا إلى هذا النهج المتزمت، عمومًا. طبعًا هناك استثناءات، ولكن على العموم هذا الوضع القائم. طبعًا في أوروبا يعني هناك كثير من الجماعات الإسلامية بالغة التفتح خصوصًا الأتراك، يعني الأتراك وبعض الإندونيسيين. يبدو لي أن العرب الأكثر تزمتًا أو ضيقي الأفق، عندهم أفق ضيق أكثر من غيرهم. لأنهم يبدو لي أقل ثقافة حتى في الشؤون الإسلامية من بعض المفكرين الأتراك، أو بعض المفكرين المسلمين من أصول جنوب إفريقيا الموجودين في بريطانيا أو في كندا أو في الولايات المتحدة والذين يكتبون أمورًا بالغة الرحابة وواسعة الأفق والثقافة الفعلية.
لماذا تفشت الطائفية بمجتمعاتنا العربية اليوم؟
نور: نحن نعيش اليوم، لا أعرف ماذا أسميه، عصر انتشار الطائفية والانقسامات داخل الإسلام، وعداءات وانقسامات مختلفة. كيف تنظر إلى هذا الواقع الذي نعيشه داخل الإسلام؟ عداءات طائفية حتى أنها تأخذ أحيانًا شكل إثنيات، لكنها تحمل أيضًا بُعدًا دينيًا. كيف تنظر إلى ذلك.
عزيز: تعرفين، الطريف في الموضوع، في الأمر، أن هذا يعني هذا التوصيف ينطبق أساسًا على المستمر ما بين البحر الأبيض المتوسط وإيران، يعني لبنان، سوريا، العراق.
نور: صحيح، في هذه المنطقة تحديدًا.
عزيز: هذه المنطقة، بالمناسبة، في فترة سابقة كانت لُب عملية التحديث ولُب الحقبة اللبرالية والتقدمية، مصر أيضًا، ولكن الأثر السوري واللبناني والعراقي كان بالغ الأهمية.
نور: يقال في الجانب الثقافي السوري واللبناني أكثر، والتقني والإداري والعسكري في مصر أكثر، إن لم أكن مخطئة.
عزيز: صحيح. فبالتالي، الذي حصل في العقود الأخيرة أن هذه المجتمعات، التي كانت لُب التقدم في المنطقة العربية كلها، أصبحت الآن خرابًا؛ خرابًا عمرانيًا، خرابًا اجتماعيًا، تَحارب بأشكال مختلفة، طائفية، إثنية، يعني عمومًا جماعاتية.
نور: جماعاتية بالمعنى الأصح.
عزيز: جماعاتية يعني تضم كل هذه التجليات لـ… لماذا وصلنا إلى هذا؟ هذا ممكن الدخول فيه، ولكن هذا الوضع الذي نرى أنفسنا فيه الآن. والذي حدث أيضًا أن مراكز الثقل في العالم العربي انتقلت إلى منطقة الخليج التي تشهد تطورًا بالغ الأهمية وفاعلًا ومدفوعًا من الدولة، وإلى المغرب الثابت أيضًا: يعني المغرب الأقصى، المملكة المغربية، المملكة المغربية. أما هذه المنطقة التي كانت اللُّب، أصبحت الآن خرابًا مع شديد الأسف. تريدين أن أتكلم عن ذلك؟ ممكن أتكلم عنه.
نور: لو أحببت أن تضيف بعض الأفكار، خصوصًا فيما يتعلق بالمشكلات والصراعات الجماعاتية.
عزيز: الصراعات الجماعاتية على كل حال. هناك جماعات، يعني، أنا لا أعتقد أن هذه الجماعات سابقة على الصراعات. بمعنى…
نور: نقطة مهمة جدًا.
عزيز: بمعنى أن الجماعات دائمًا موجودة. يعني هناك مسيحيون وهناك مسلمون وهناك علويون، وهناك أهل إدلب وهناك أهل دير الزور وأهل زحلة وإلى آخره.
نور: ولهم طباعهم ولهم تقاليدهم.
عزيز: وعلاقاتهم، وعلاقات النسب، وعلاقات التجاور والتساكن وإلى آخره، هذه موجودة في كل المجتمعات. أما حينما يُصار إلى تحويل هذه الروابط الاجتماعية إلى أحزاب سياسية، هنا المشكلة. فهنا اللحظة التي يُصار فيها الانتقال من الجماعات إلى الجماعاتية. قد تقود إلى حروب، قد لا تقود إلى حروب، قد تقود مثلًا إلى شيء من المحاصصة، ولكنها بكل تأكيد هي حروب أهلية كامنة. والحروب الأهلية تحصل عندما تضمر، عندما يضمر القوام الاقتصادي والقوام الاجتماعي لمجتمع من المجتمعات. فهي عملية صراع على الموارد؛ الموارد الاقتصادية والموارد التجارية، الصراع على موارد الدولة والاستحواذ على موارد الدولة وإلى آخر ذلك. في نهاية المطاف هي كذلك.
يعني هؤلاء العشائر كما يُسمون، الذين هجموا على مدينة السويداء في سوريا على سبيل المثال، أولًا المحلية، هناك وضع صراع على ملكية الأراضي بين أهل السويداء وأهل الأرياف حولها، هذه رقم واحد. أما من جاء من الخارج ما يُسمى بالفزعات، فهؤلاء كانوا جماعات، كانوا قد انضووا إلى داعش أو إلى النصرة أو إلى ميليشيا من الميليشيات الأخرى. فبالتالي، تصوير الموضوع على أنه…
نور: خلاف طائفي بسيط.
عزيز: تحارب غريزي بين الفئات غير صحيح.
هل تصلح مفاهيم ابن خلدون لواقعنا؟
نور: دكتور مع كل منعطف سياسي أو ثقافي أو تحولات كبرى في مجتمعاتنا، أو حتى اقتتالات وصراعات جماعاتية، نجد من يعود إلى ابن خلدون. وكأن ابن خلدون بالمفاهيم التي قدمها قادر على أن يفسر كل شيء، وكل مشكلة نفسية ثقافية اجتماعية في كل زمان. ولديك طبعًا كتابات كثيرة حول هذا الموضوع، وأهمها كتابان كما أعرف كتبت فيهما عن ابن خلدون. ما أهمية ابن خلدون اليوم في هذه المرحلة التي نعيشها؟ وهل يصلح فعلًا ابن خلدون لتفسير كل شيء؟
عزيز: يعني هناك أولًا استسهال في استخدام مفهوم العصبية بالعلاقة مع قضية الجماعاتية التي تكلمنا عنها. العصبية طبعًا، يعني، مفهوم هام، ولكنه مفهوم بالغ العموم. يعني ابن خلدون، ليست كتابات ابن خلدون بحوثًا في الأنثربولوجيا وفي أنثروبولوجيا الجماعات. هناك نقطة موجهة لكل هذا البحث، يعني البحث الخلدوني هو الدولة؛ كيف تنشأ الدولة، وما هو قوام الدولة. فبالتالي، يُصار إلى توصيف هذه الجماعات التي تنضوي في الدولة والتي يُصار إلى التغلب عليها من قِبل عصبية غالبة. الفكرة الموجهة هي فكرة الدولة وليست فكرة المجتمع. يعني انتباه ابن خلدون للمجتمع انتباه إلى التفاصيل، وليس انتباهًا إلى تدوين هذه التفاصيل على شكل مفاهيم. فهذا، يعني، اعتبار عام جدًا.
العصبية، العصبية لم تكن غائبة عن أي من كتب التراث العربي، من كتب في المجتمع، من كتب في التاريخ، المؤرخون، وإلى آخره. كل الناس كانوا واعين بهذه القضايا: بنو فلان، وبنو فلان، وقيس، ويمن، يعني هذا كلام كله معروف. ما فعله ابن خلدون أنه قنّن، أو أعاد توضيب هذه الوقائع المعروفة بشكل مفهومي، وهو شكل في نهاية المطاف فلسفي.
فبالتالي، فكرة تطبيق المفاهيم الخلدونية ممكن أن تقوم فقط بمعنى رمزي قليلًا؛ لأنه لا يمس الوقائع الصغيرة. على الرغم من أن ابن خلدون الآن أصبح متداولًا كثيرًا في سياق خطابات ما بعد الحداثة، على أساس أن هذا علم اجتماع محلي وإلى آخره. طبعًا أنا لدي تحفظات على كل هذا الكلام، ولا أعتقد أنه صحيح، ولا أعتقد أنه يستقيم تاريخيًا ولا يستقيم معرفيًا.
فبالتالي، العصبيات في سوريا أو في العراق أو في أي مكان آخر هناك عصبيات طبعًا؛ عصبيات يعني محبة الأهل الآن والنسب والولاء لهم، وهذا واقع في كل المجتمعات. أما أن ننطلق من هذه الفكرة البالغة البساطة والبداهة إلى استخدامها قوامًا مفهوميًا للبحث أو للتفسير، فهذا غير صحيح. لأن لدينا دولة لها شكل آخر، ولدينا مجتمعات لها أشكال مختلفة، ولدينا ثقافات أخرى. فبالتالي، هناك قدر، يعني، مُخِلّ جدًا من التبسيط الذي يدخل في هذه الخطابات.
نور: هو الأمر يبدأ من ملاحظة، ربما، شكل من أشكال التعصب، يبدأون من كلمة التعصب وينطلقون إلى العصاب، وفي النهاية ينتهون بكلمة عصبية أو عصبة وعصبية وما إلى ذلك.
كيف نقرأ صراعات المركز والأطراف حديثًا؟
نور: حسنًا، إذا نظرنا في المشكلات اليوم التي هي ذات طابع نفسي ثقافي، ما يشبه العصبية، يعني في الدول الحديثة، الدول التي نعيش فيها اليوم، إذا لم يكن مفهوم ابن خلدون صالحًا -ربما لن أقول مفاهيم أخرى- لكن كيف يجب أن نقرأ هذه المشكلات؟ هل هناك تسمية، توصيف، شرح آخر؟
عزيز: هناك توصيفات كثيرة بالغة الأهمية. أولًا هناك المراكز والأطراف، والمراكز والأطراف بمعانٍ متعددة. يعني المراكز قد تكون مراكز سياسية، قد تكون مراكز اقتصادية، قد تكون مراكز اجتماعية أو مراجع اجتماعية، وقد تكون ثقافية. وهناك أطراف؛ مثلًا الفئات الجهادية هذه نمت على أطراف المجتمع، لم تكن أساسية فيها. وفي مسارات هذه المجتمعات، إن كان في سوريا أو العراق وغيرها، كانت موجودة على الأطراف. ثم لأسباب عديدة جدًا استولت على المركز، وفقط في السنوات العشر الأخيرة، استولت على المركز.
هذه عملية اجتماعية وسياسية بالغة التعقيد؛ لها علاقة بممارسات الدولة، لها علاقة بالإفقار، لها علاقة بعوامل، بعوامل، يعني، عوامل عادية؛ يعني معروفة وملموسة وملموسة وليست فقط عوامل ثقافية كما يقال. هناك عوامل وهناك ديناميات اجتماعية وديناميات سياسية من الاستبعاد ومن التهميش ومن تفريغ المركز بالمناسبة، في بعض الدول العربية، تفريغ المركز من الفاعلية مما سمح للحركات الطرفية بالاستيلاء، بالاستحواذ على هذه المراكز.
هل العصبيات الحديثة مجرد همجية متوارثة؟
نور: يعني إن كان لي أن أسمي هنا ما ذكرته الآن: هي عصبيات حديثة ربما، ذات طابع حديثي، حداثي وحديث ربما أكثر منها قديمة. وأنت لست ممن يقولون بأن هذه ثقافة مترسبة ومتوارثة عبر الزمن. دعني أقولها بشكل عامي، يعني، الرؤية الشائعة اليوم -لا أعرف إذا كان هذا جميلًا أو سيئًا هنا- الرؤية الشائعة تقول: هذه بنى ثقافية متوارثة، هذا شكل من أشكال التخلف. سأسمي الأشياء: هذه أنماط همجية متوارثة. وكانت هنا، البعض ينسبها بكل صراحة وبكل صدق إلى عقلية عربية، وآخرون ينسبونها إلى عقلية دينية إسلامية متطرفة، ربما، وما إلى ذلك، وأنها تظهر من جديد. وأنه ببساطة، كما يقولون، الدولة غير قادرة، أي دولة غير قادرة، على لملمة هذا الواقع. ما رأيك؟
عزيز: هذا غير صحيح. صارت محاولات في سوريا والعراق، ليس للملمة هذا الواقع، لأن هذا الواقع جديد، بالأحرى مستجد. لم يكن الوضع سابقًا على نشأة الدولة السورية والدولة العراقية. الثابت أن ما هو سابق على ذلك هو العلاقات المحلية؛ يعني علاقات الجوار والقرابة وإلى آخره. يعني الجماعات موجودة في كل المجتمعات، ولم تكن الجماعات وحدات فاعلة سياسيًا إلا بمعانٍ هامشية.
يعني مثلًا، محاولة دولة من الدول إلى تدجين -وهذه فعلًا العبارة الصحيحة- إلى تدجين بعض البوادي، إلى تدجين بعض البوادي باستجلاب بعض العناصر القائدة فيها وإدخالها في النظام السياسي. هي عملية إدخال في النظام السياسي وليس الاعتماد على إعادة إنتاج تلك الفئات في مناطقها الأصلية. هي عملية إدماج في الدولة؛ حصلت في العراق، وحصلت في سوريا، حصلت في لبنان لفترة، ثم انهارت أيضًا لأسباب ممكن نتكلم فيها. ولكن لأسباب ليست لأن العلاقات بطبيعتها، وبالسليقة، يجب أن تكون صراعية. لأن هذه العلاقات الأولية، العلاقات ما قبل السياسية –إن شئتِ-؛ القرابة والجوار وإلى آخر ذلك، هذه العلاقة موجودة في كل مكان وفي كل زمان. ولكن عندما تتحول الجماعة إلى جماعاتية، أي عندما تتحول الجماعة إلى حزب سياسي، هذا بفعل ظروف نشأت لدينا في العشرين سنة الأخيرة.
ما طبيعة العصبيات القبلية الغربية اليوم؟
نور: نعم. إذا أردنا أن نتحول من السياقات العربية والإسلامية المحلية بصورة عامة إلى سياقات أكثر غربية ربما. يعود اليوم مصطلح (tribalism) أو قبلية، يعني ما يرتبط قليلًا بفكرة العصبية لدينا. لكنه يظهر في سياقات حزبية سياسية حتى بين أحزاب أحيانًا، في أمريكا على سبيل المثال. الخلافات اليوم بين الديمقراطيين والجمهوريين أحيانًا تسمى، تُوسم بالعصبية أو حتى بـ القبلية، تجاوزًا بالتأكيد لا كما تحدث ابن خلدون. كيف تنظر إلى، إذا قلنا عصبيات غربية اليوم، ما طبيعة هذه العصبيات؟
عزيز: يعني على كل حال هذا الكلام الذي يقال عن القبلية في الأحزاب الأمريكية هذا استخدام مجازي، استخدام مجازي، فعلًا العبارة وتحقيري قليلًا. عمومًا في سياقات سجالية، في سياقات سجالية تستخدم. ولكن، يعني، هناك جماعات هي ليست جماعات قرابة؛ جماعات القرابة، يعني مثل أسرة كلينتون أو أسرة ترامب. هذه جماعات قبلية أو جماعات أسر، أسر وليست قبائل.
ولكن التجمعات الأخرى عمومًا تقوم على أسس المناطق وعلى أسس فئات الضغط على الدولة، يعني فئات المصالح الخاصة. فهذه أيضًا يُطلق عليها عبارة قبلية، ولكن طبعًا على سبيل المجاز. أما القبلية لدينا فهي ليست بعيدة عن ذلك بالمناسبة. يعني الاستخدام استعراضي من قِبل من يقولون عن أنفسهم إنهم زعماء القبائل، هذا استخدام استعراضي، ولكنه يخفي عملية اجتماعية بالغة الأهمية؛ يخفي عملية اجتماعية، ولا يبرز تراثًا فعليًا مستمرًا كان قائمًا. مع الاعتبار أن العلاقات، علاقات الجوار وعلاقات القرابة، موجودة في كل زمان ومكان.
نور: نعم صحيح.
لماذا نعجز عن قراءة واقعنا بدقة؟
نور: حسنًا، اسمح لي بسؤال كبير وعام أيضًا. لماذا نقرأ واقعنا ومشكلاتنا دائمًا بشكل خاطئ؟ ما الذي ينقصنا من أدوات حتى نقرأ هذه المشكلات الجماعاتية والسياسية بطريقة صحيحة؟ ما الأدوات التي تنقصنا نحن اليوم؟
عزيز: الأدوات التي تنقص يعني الأدوات الناقصة هي الانضباط الفكري، والنظر إلى الواقع دون اعتبار الهوى، دون تصوير الواقع على شاكلة الأهواء. أما الأسباب الداعية لذلك فهذا طبعًا، يعني، موضوع عدة حلقات نقاش لا يمكن أن نحسمه في هذه اللحظة. ولكن فعلًا حصل ضمور تعليمي وعقلي ونكوص اجتماعي في هذه المجتمعات التي كانت هي الرائدة في التاريخ العربي الحديث من البحر الأبيض المتوسط إلى حدود إيران.
هل نعلق إخفاقات مجتمعاتنا على الاستعمار؟
نور: دكتور، في كل مرحلة نعيشها تبرز سرديات وتختفي سرديات، وهذا يدعونا إلى السؤال أحيانًا: إلى أي درجة هذه السرديات التي نتعاطاها دقيقة وصحيحة؟ وإلى أي درجة السرديات التي اختفت كانت صحيحة ودقيقة ومنطقية؟ اليوم، بعد أن عشنا فترة طويلة من التمسك بسردية نقد الاستعمار ونقد الغرب، ربما في سياقات مختلفة تختفي هذه السرديات لأسباب كثيرة وتبرز سرديات أخرى. قبل أن أتوجه للسرديات الجديدة، هناك من يقول فيما يتعلق بسردية الغرب الاستعماري تحديدًا إنه، يعني، ما هو هذا الاستعمار؟ جاء مكث هنا بهذا البلد مثلًا 20-25 سنة، وفي هذا البلد كم سنة، وفي هذا البلد وانتهى. لماذا تتمسكون بسردية الاستعمار حتى هذا اليوم؟ هل هناك مبالغة نحن تأتي من جهتنا في التمسك بهذه المقولة في رأيك؟
عزيز: يبدو لي أن هناك شيئًا من إزاحة المسؤولية عنا نحن إلى الاستعمار. الاستعمار واقع تاريخي بأشكال مختلفة. استعمار بكل معنى الكلمة، مثلًا في فلسطين، وهناك انتداب كما كان في سوريا كما كان في سوريا والعراق. يعني كان هناك حكومات محلية، حكومة سورية وحكومة عراقية وانتخابات وإلى آخره. فبالتالي السياسيون المحليون كانوا أساسيين في هذا الأمر، والأمر لا يمكن إرجاع كل ما حصل إلى الاستعمار.
الاستعمار طبعًا استغلالي، والاستعمار له منظور استراتيجي معين في بلد ما في سوريا أو في لبنان أو غيرها، هذه كل أمور أكيدة. ولكن الذي كان، الذي حصل في تلك الفترة، وفي مصر أيضًا، أن هناك حكومات محلية وعملية سياسية محلية كان لها حدود، حدود آتية من الخارج، ولكن كانت عمليات سياسية فاعلة وفعلت الكثير إن كان في سوريا أو في غيرها. فبالتالي، نقول إن كل مشاكلنا تعود إلى الاستعمار، هذا كلام ليس في محله؛ ليس في محله على الإطلاق ولا مبرر له. فهناك نوع من إزاحة المسؤولية عن أنفسنا وإطلاقها على الآخرين.
نور: لماذا أزحنا هذه المسؤولية عن أنفسنا؟
عزيز: كسل فكري، كسل فكري، وصعوبة ابتكار حلول فعلية لمشاكل الواقع. عندما يُصار إلى التغني بالماضي أو إلى لوم هذه القوى أو ذاك بدلًا من التفكير الفعلي بما حصل لدينا، وبسبل التحسن طبعًا، هذا أيسر الأمور. هذا يغني عن التفكير ويغني عن الفعل المنتج. هناك الكثير من الفعل الذي لا نتيجة له، ولكنه يغني عن الفعل المنتج.
نور: نعم.
هل مجتمعاتنا محكومة بنمط الاستبداد الشرقي؟
نور: حسنًا، لننتقل لسردية أخرى. تحولنا اليوم إلى سرديات أيضًا جديدة وقديمة تقول بالاستبداد. عانينا ربما من كثير من الاستبداد في هذه المنطقة السلطوية وما إلى ذلك، وأشكال حكم كثيرة لن أتطرق إليها. لكن عادت تلك المقولة الكبيرة، السردية الكبيرة: أن هذه المجتمعات تعاني مما يسمى، أو سُمي عبر التاريخ، بالاستبداد الشرقي. يعني أننا محكومون بأنماط نفسية وثقافية تجلب المستعمر أو المستبد أو المستغل لنا باستمرار لأسباب بيئية، أو ثقافية اجتماعية. يعني تعددت الأسباب والفكرة واحدة، ما رأيك؟
عزيز: يعني هناك بكل تأكيد تراث طويل من الدولة السلطانية، والدولة السلطانية مستبدة بدرجات وبأشكال مختلفة، ولكنها تراعي المعطيات المحلية بدرجات بالغة الأهمية كانت، إن كانت عثمانية أو ما قبل العثمانية. ولكن إطلاق مفهوم الاستبداد الشرقي بهذا العموم لا مدلول له، على ما يدل هذا؟ يعني يستخدم هذه تستخدم هذه العبارة للدلالة على كل الدول التي تعاقبت وهذا غير صحيح.
لا يمكن التعميم بهذا الشكل؛ تعميم هذه الصفة على كل هذه النظم السياسية ولو اشتركت في قدر كبير من الاستبداد، ولكن الاستبداد بأي نوع؟ الاستبداد باستخدام أية وسائل؟ الاستبداد في أية مجالات من المجتمع؟ وأية مجالات منها كانت منفتحة؟ دون النظر إلى هذه الأمور التفصيلية لن نفهم، فعلًا لن نفهم. يعني هناك الكثير، يعني من النزوع إلى النظر في العموميات وإهمال التفاصيل. على كل حال التفاصيل هي الدالة، أكثر دلالة من هذه التوصيفات العامة.
إلى ماذا تقودنا خطابات السجال الأيديولوجية؟
نور: نعم، بروز هذا الكلام إلى السطح، يعني بعيدًا عن الواقع وبعيدًا عن الأسباب الحقيقية، نجد حتى اليوم في خطاب جديد لدينا مثلًا محاربة الإرهاب، محاربة الاستبداد، محاربة الاستعمار، ومقولات كثيرة تشبه بعضها. حتى قبل ذلك محاربة العلمانية، في مرحلة معينة تصدر… هذه المقولة تصدرت الواقع، محاربة القوميات. إلى ما نستدل من خلال هذه المقولات؟
عزيز: نستدل على سجالات أيديولوجية، نستدل على سجالات أيديولوجية. يعني محاربة الإرهاب على سبيل المثال هناك تاريخ طويل لها، يعني تاريخ طويل طويل بمعنى أنه عمره 25 سنة، عمره 25 سنة وهو خطاب أساسًا أمريكي ثم أوروبي ثم محلي لدينا، برز لأسباب موضوعية. لأنه فعلًا كانت هناك حركات تمارس أعمالًا تُسمى أعمالا إرهابية، ولكن الإرهاب كمقولة جامعة لحركات سياسية باعتقادي غير مبررة على الإطلاق، غير مبررة، ولا منطق لها ولا مصداقية لها في الواقع. فبالتالي، مرة أخرى دعينا ننظر إلى تفاصيل الأمور مكانيًا وزمانيًا بدلًا من استسهال إطلاق العبارات العامة على حركات بالغة التعقيد في المجتمع وفي السياسة.
كيف نقرأ صعود اليمين والشعبوية عالميًّا؟
نور: وأيضًا من الأمور التي تبرز اليوم، لا في السياقات المحلية وحسب بل أيضًا في السياقات العالمية، صعود اليمين بحلة شعبوية جديدة، ينطق مفردات كانت أو ظننا أنها اختفت، ومنها العرق. الدين يحضر أيضًا بطريقة جديدة، مفاهيم الجنس أيضًا والجندر، وهذه المفاهيم الجديدة والكثيرة. وأيضًا الهجوم على فئة الثقافة؛ الشعبوية تكره الثقافة وتتحدث بالشعب، والشعب وأهمية الشعب وما إلى ذلك. كيف تقرأ هذا الخطاب الجديد اليوم؟
عزيز: هذا خطاب جامح إن كان في الدول الغربية أو كان لدينا. يعني الحركات التي استلمت زمام الأمور في دول محورية مثل سوريا والعراق تستخدم خطابًا من نفس النوع.
نور: شعبوي أيضًا في رأيك؟
عزيز: جدًا. أنها تمثل الشعب، وأساسًا الخطاب الإسلامي السياسي كان يتضمن الفكرة التالية والتي سبق وأن ذكرتها: أن المجتمعات العربية بالسليقة إسلامية الهوى في السياسة، لأنها مجتمعات إسلامية. فهي تفترض مجتمعات متجانسة على أساس الدين ومتجانسة زمانيًا، بمعنى أنها في استمرار مع الماضي، في استمرار لا انقطاع فيه. فبالتالي لديك تجانس في المحورين، وأن هذا التجانس تمثله هذه الحركات التي تعتقد أن لها أولوية في الحكم لأنها تمثل الشعب، على أساس أنه كتلة واحدة غير معقدة وغير منقسمة. هذا أساس الخطاب الشعبوي في كل مكان، هذه هي الشعبوية.
الشعبوية لا علاقة لها باستمزاج العامة وإلى آخره، الشعبوية لها علاقة بتصور معين لما الشعب هو عليه، شعب في منطقة، يعني في كيان سياسي، في دولة، في دولة معينة.
فهذا هو الحاصل لدينا، وحاصل في أوروبا أيضًا لدى قوى اليمين. هذه خطابات متناظرة، فعلًا متناظرة، مفهوميًا متناظرة في افتراضها التجانس الزماني والتجانس المكاني والتجانس بين أفراد الشعب واندماج الواحد في الكل.
فبالتالي هناك عملية تحويل الشعب إلى جمهور، وطبعًا تحويل الشعب إلى جمهور ينفجر في الـ السوشيال ميديا.
نور: صحيح، ما يحصل باستمرار فعلًيا.
ما خطورة تحويل الإسلام لعرق متجانس؟
نور: هذا التجانس، ما أطلقت عليه تجانسًا، وأنا أحببت، يعني، عبارة ذكرتها في واحد من كتبك وكأنك تحول الإسلام إلى عرق. ما بدأ حتى في مراحل معينة من خلال الأفغاني وبعض الكتابات التي جاءت في مرحلة النهضة. إذن حين نقرأ اليوم أن هناك من يتعامل من الخارج مع الإسلام كعرق، لا ينفي عنا أيضًا أننا نحن أيضًا أنفسنا تعاملنا مع الإسلام أو نحاول أن نحول هذا التجانس إلى شيء يشبه العرق الإسلامي. ما خطورة أن تحول الإسلام بطريقة ما إلى عرق اليوم؟
عزيز: أنا معك في هذا التقدير. فعلًا في هذه ليست محاولات ولكنها وقائع، هذه أفكار متداولة ولها أثر سياسي. وباعتقادي أنا، في نهاية المطاف، أن هذا الأثر السياسي ستكون له عواقب بالغة الوخامة على مجتمعاتنا؛ لأنها تدخلنا في عملية استرجاع مستمرة للماضي وتنفي عنا صفة القابلية للتقدم وكأن لدينا، بهذا الاعتبار، تخلفا خلقيا.
نور: نعم.
عزيز: ليس بالإمكان أن…
نور: أن نغير هذا.
عزيز: أن نتجاوزه.
هل تفيدنا المقولات الكبرى في النهضة؟
نور: حسنًا، اسمح لي أن أنهي بسؤال حول أيضًا أدوات قراءة هذا الواقع الذي نعيش فيه، لأنه يبدو هناك مشكلة منا بكيف نقرأ ما نعيش؟ هناك من يتجه نحو الكلام الكبير، دعني أقول، حضارة، روح هذه الحضارة، صراعات الحضارات، تخلف، همجية وما إلى ذلك. ربما هذه الكلمات مفيدة في سياقات معينة، لكن نحن في هذا المكان من العالم، وأتحدث عن بلداننا بصورة خاصة، هل من المجدي فعلًا، وهل من المفيد لنا من الناحية المعرفية وربما أيضًا من الناحية الثقافية والسياسية، أن نستخدم هذه المقولات؟ هل تفيدنا نحن في شيء في التقدم والحركة؟ وما خطورة أو ربما ما إيجابية -لا أريد أن أفرض الإجابة عليك- أن نتعامل مع هذه الكلمات الكبرى؟ هل تحجب عنا الرؤية أم تفتح لنا أفق رؤية مختلفة؟
عزيز: أنا أعتقد أنها لا تفيد علمًا…
نور: نعم.
عزيز: إنها لا تفيد علمًا ولكنها تفيد تجييشًا. هي عبارات أيديولوجية لها كثافة أيديولوجية عالية، فبالتالي سهلة الاستخدام في التجييش؛ في تجييش الجماهير، الجماهير حتى الجماهير الافتراضية على الشبكة، جماهير افتراضية والجماهير في الشارع. أما فائدتها في تنوير نظرتنا إلى الواقع فأعتقد أنها شبه معدومة.
نور: ما البديل برأيك؟
عزيز: البديل هو التفكير المنضبط، التفكير المنضبط القائم على معارف تاريخية واجتماعية وثقافية تحتاج إلى تدريب. ولا يمكن الركون إلى الكلام الغريزي الذي يصدر عن فلان وعن فلان؛ الكلام الغريزي لا يفيد كثيرًا. هو في أحسن الأحوال بمثابة الفولكلور أو المعارف العامية الشائعة.
نور: شكرًا جزيلًا لك دكتور. أنا سعيدة على المستوى الشخصي قبل العملي وقبل هذا الحوار وهذا البودكاست، باستضافتك وسماع آرائك. كان لي شرف حقيقي بأن أكون موجودة معك على طاولة واحدة في هذا الحديث.
عزيز: شكرًا لك.
نور: نلتقي بكم في حلقة أخرى في المستقبل. إلى اللقاء.
