Skip to content Skip to footer

“المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام” لـ د. فهمي جدعان | حسين سعدون

لماذا نعود لنبش “المحنة” اليوم؟ وكيف تحوّل الدين إلى درع للسلطة وسلاح ضدها في آن واحد؟ وهل كان المعتزلة حقًا قادة القمع أم مجرد واجهة لمشروع سياسي؟ وكيف تحول سؤال “خلق القرآن” من جدل عقلي إلى سوط للامتحان؟ وهل الإسلام سياسي بجوهره أم أننا أمام سياسة ارتدت ثوب القداسة؟ أسئلة جدلية يجيب عنها الباحث حسين سعدون من خلال قراءته لكتاب “المحنة” للمفكر د. فهمي جدعان، في #بودكاست_كتاب، على #منصة مجتمع

 

لماذا نحن بحاجة لقراءة “المحنة” الآن؟

طابت أوقات الجميع بخير. استكمالًا لما بدأنا به في الحلقات السابقة من برنامج “كتاب” على منصة “مجتمع”، ومحاولة تسليط الأضواء على أهم المؤلفات أو الكتب التي نرى أنها جديرة بالقراءة في عالم تتصارع فيه الأفكار، ويختلط فيه الديني بالسياسي، حتى يكاد أحدهما يبتلع الآخر؛ يقدم لنا الدكتور فهمي جدعان أحد أهم كتبه: “المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام”.

“المحنة” كتاب يحاول أن يشرح لنا كيف وصلنا إلى هذا التعقيد، وكيف تحوّل الدين إلى ساحة صراع، وكيف تحوّل السياسي إلى قوة تعيد تشكيل الدين. المؤلف فهمي جدعان يحفر في الجذور العميقة، ويبحث عن لحظة الانكسار التي تشكلت فيها المحنة، ويقدم فهمًا يساعدنا على قراءة حاضرنا العربي والإسلامي بعيون أعمق وأهدأ وأكثر نضجًا.

نتوقف قليلًا مع السيرة الذاتية للدكتور فهمي جدعان. فهمي جدعان مفكر وأستاذ فلسفة عربي أردني فلسطيني، وُلد في عام ألف وتسعمئة وأربعين، ويعد واحدًا من أهم الباحثين في الفكر الإسلامي الحديث.

درس الفلسفة في جامعة دمشق، ثم واصل دراساته العليا في فرنسا ليجمع بين العمق التراثي والدقة الفلسفية. ألّف عددًا من الكتب المؤسسة مثل: “أسس التقدم عند مفكري الإسلام”، “خارج السرب”، “الطريق إلى المستقبل”، واشتغل طوال حياته على سؤال: كيف نبني فهمًا دينيًا عقلانيًا متصالحًا مع العصر.

 

كيف تحول الدين إلى درع للسلطة وسلاح ضدها؟

لماذا اخترنا هذا الكتاب؟ اخترنا لكم كتاب “المحنة” لأن ما نعيشه اليوم في مجتمعاتنا ليس جديدًا؛ هو صدىً قديم لصراع بدأ منذ قرون: من يحكم؟ وباسم مَن؟ الدين أم السياسة؟ الدكتور فهمي جدعان يقول لنا بصراحة: المشكلة لم تكن يومًا في الدين، بل في تحويل الدين إلى درع للسلطة أو سلاح ضدها. من هنا بدأ العقل يُطارَد، والفكرة تُخنَق، والإنسان يُحاصَر بين قداسة تُستعمَل وسياسة تتقدس. هذا الكتاب، أي “المحنة”، مهم لنا اليوم لأن عالمنا العربي يعيد إنتاج المحنة نفسها: صراع الشرعية، الخوف من السؤال، والخلط بين المقدس والبشري.

“المحنة” ليس كتابًا تاريخيًا، بل مرآة قاسية لما نحن فيه، وطريق لفهم كيف نخرج من الدوامة.

 

ما هي خارطة الطريق التي رسمها جدعان لفهم العقل العربي؟

أهلًا بكم متابعي منصة “مجتمع” الأعزاء. قبل أن نغوص في أفكار الكتاب، أريد أن أعرفكم على الخريطة التي بناها فهمي جدعان للكتاب؛ فكتاب “المحنة” مقسم لعدة فصول، وكل فصل يفتح بابًا كان سببًا في تشكيل وعي العربي حتى اليوم.

الفصل الأول يرجع للبدايات، اللحظة التي بدأ فيها التوتر بعد عصر النبوة. هنا تظهر أول الأسئلة: مَن له الحق؟ ومَن يملك السلطة؟ وهنا تبدأ جذور المحنة.

في الفصل الثاني يسرد كيف انقلب العقل إلى منطقة مراقبة. كيف استخدمت السلطة النصوص لتثبيت نفسها؟ وكيف أصبح التفكير مخاطرة؟

الفصل الثالث هو قلب الحكاية: محنة خلق القرآن. فصل يكشف كيف يتحول الدين إلى ساحة معركة سياسية، وكيف يصبح العلماء وقودًا لصراع القوة.

الفصل الرابع يأخذنا لولادة الخطاب السني التقليدي؛ خطاب حاول أن يصنع شرعية تحفظ الاستقرار، حتى لو كان الثمن كبت الاعتراف.

الفصل الخامس يعرض أصوات المعارضة: الشيعة، الخوارج، الزهاد. تيارات قدمت رؤىً بديلة عن العدالة والشرعية، ولكل واحدة من هذه التيارات كان لها مشروعها السياسي.

الفصل السادس هو رحلة الفلاسفة: الفارابي، ابن سينا، ابن رشد. أشخاص حاولوا أن يبنوا عقلًا حرًا فوجدوا أنفسهم بين التكفير والاتهام والخوف.

وأخيرًا الفصل السابع، الدرس الختامي. فهمي جدعان يقول لنا: إن المشكلة ليست في الدين نفسه، لكن في تسييسه، وفي تحويل السياسة إلى شيء مقدس، لا يُسأل ولا يُحاسَب. وهذا هو أصل المحنة التي ما زلنا نعيش آثارها إلى اليوم.

هذه هي خريطة الكتاب، رحلة طويلة بين العقل والسلطة والدين. رحلة الكتاب تقول لنا: إن محاولات فهم الماضي ليست رفاهية، لكنها المفتاح الوحيد لبدء وبناء مستقبل مختلف.

وكما أقول دومًا: إننا لا نستطيع أن نقدم كل فصول الكتاب في حلقة واحدة؛ لذلك سوف أختار الفصول التي تقدم الأفكار الأهم بالنسبة للقارئ العادي، والتي لها انعكاسات مباشرة على حياتنا اليومية.

 

هل كان المعتزلة واجهة لمشروع الدولة السياسي؟

نذهب مباشرة إلى مقدمة الكتاب. من أول صفحة في كتاب “المحنة” يأخذنا الدكتور فهمي جدعان إلى واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ الفكر الإسلامي، لحظة محنة خلق القرآن؛ الحدث الذي لا يزال صداه حاضرًا في ثقافتنا وصراعاتنا وأسئلتنا حتى اليوم.

القضية ليست مجرد خلاف عقائدي قديم، ولا حدث تاريخي ندرسه من بعيد، بل هي مرآة لصراع أعمق: مَن يملك السلطة؟ ومَن يملك الحقيقة؟ وكيف يتقاطع الدين بالسياسة حين تدخل الدولة إلى ساحة العقيدة؟

فالمؤلف، مؤلف الكتاب الدكتور فهمي جدعان، يقول بوضوح من البداية: أنا أدخل معركة وأسير عكس التيار؛ فالرجل يرى أن الرواية الشائعة عن المعتزلة ودورهم في المحنة تحتاج إلى مراجعة جذرية، لأن ما حدث لم يكن عقيدة تفرض نفسها، بل دولة لبست ثوب المعتزلة وجعلتهم واجهة لمشروعها السياسي.

ثلاثة خلفاء على التوالي: المأمون، المعتصم، الواثق، كانوا أدوات في يد مشروع فكري أراد أن يفرض مذهبه بقوة السيف، قبل أن يأتي المتوكل ويقلب الطاولة، فيرفع راية أهل السنة ويطارد المعتزلة، وتبدأ مرحلة جديدة تغير وجه التاريخ العربي.

ومن هنا ينطلق السؤال الأكبر: ما العلاقة بين السلطة والطاعة؟ بين الدولة والخلافة؟ بين الدين الذي يجب أن يُفهَم، والسياسة التي تريد أن تُطاع؟

وفي مقدمة الكتاب نفسه يعود فهمي جدعان إلى جذور الخلافات الأولى بين الصحابة حول الإمامة، ثم ظهور الخوارج والشيعة والمرجئة، ليقول: إن هذه الانقسامات لم تكن عقائدية خالصة، بل كانت في جوهرها سياسية، ثم جرى تأطيرها في قوالب دينية لاحقًا.

أما المعتزلة أنفسهم فيكشف المؤلف أنهم لم يكونوا مجرد فرقة كلامية، بل كانوا استجابة لعصر جديد يواجه نقد المسيحيين وأسئلة الفلسفة وتحديات الحرية الدينية التي فتحها الإسلام منذ بدايته. فمبدأ التوحيد عندهم جاء لحماية الإسلام من تهمة الشرك، ومبدأ العدل جاء لحماية الله من أن يُنسَب إليه الظلم والجبر، ومسألة خلق القرآن جاءت لصد الإحراج اللاهوتي الذي حاول خصوم الإسلام استغلاله.

لكن المفارقة الصادمة بتعبير المؤلف: أن المحنة نفسها لم يخترعها المعتزلة، رغم أن تاريخًا طويلًا ألصقها بهم. القضية كانت أكبر منهم، وأكبر من الفرق كلها؛ كانت صراعًا بين سلطة سياسية تريد أن تحتكر تفسير الدين، وبين عقل يحاول أن يفكر في زمن بدأت فيه الأسئلة تكبر أكثر من قدرة الدولة على احتمالها.

وبين ستة آراء كبرى حول: هل القرآن مخلوق أم قديم؟ يظهر بوضوح أن المشكلة لم تكن السؤال، بل مَن يملك -بتعبير المؤلف- حق الإجابة.

وهكذا يرسم الكتاب منذ مقدمته مشهدًا مرعبًا وجاذبًا في الوقت نفسه: عقل يُمتحَن، علماء بين السيف والسلطة، خلفاء يتحالفون مع مذهب ثم ينقلبون عليه، وفرق كاملة تُحاكَم لا لأنها تفكر، بل لأنها تفكر خارج ما تريده السلطة. هذه هي بداية كتاب المحنة. بداية تقول لك: لفهم الحاضر لا بد لك أن تعود إلى تلك اللحظة التي انكسر فيها العقل، حين صار السؤال جريمة، وصار الرأي امتحانًا، وصارت السياسة ترتدي عباءة القداسة.

 

هل الخلافة “عقد اجتماعي” أم “ميراث مقدس”؟

عودة إلى كتاب “المحنة” للدكتور فهمي جدعان. في الحقيقة أنا قرأت الكتاب أكثر من مرة. حاول الدكتور فهمي جدعان قدر الإمكان إعادة النظر في مسلمات فكرية ورثناها من هذه القضية المعقدة. المسلمة أن مفردة “المحنة” كانت ملتصقة بالإمام أحمد بن حنبل، وأن ما تعرض له في سجون المعتصم والواثق سُمِّيَ بالمحنة. في الحقيقة الدكتور فهمي جدعان يخالف هذه المسلمة والتي هي موجودة في كتب التراث. يقول: المحنة هي التي تعرض لها المعتزلة. وبالتالي هو يسير تمامًا في الاتجاه المعاكس لمجرى التيار؛ وذلك لسبب أمرين على الأقل: الأول برأي فهمي جدعان، هو يرى أن المعتزلة وموضوع المحنة التي نُسبت إليهم، أي أنهم المسؤولون عن تعذيب أحمد بن حنبل، موضوع يحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة تاريخية؛ وبالتالي فالموضوع نسبي تاريخي.

والثاني، وهو الأخطر بتعبير فهمي جدعان: وما هي العلاقة أو الصيغة التي تكون بين السلطة وبين المؤمنين؟ بين الناس؟ هل هي علاقة طاعة مطلقة؟ هل هي علاقة نقدية؟ علاقة مراجعة؟ الخلافة هل هي عقد اجتماعي؟

طبعًا نحن نعرف الحكم الأموي العباسي، والكتاب يتناول أخريات العصر الأموي في سنة 138 هجرية وصعود العباسيين، وحكمهم لأربعة قرون أو يزيد. نمط العلاقة قام على أساس الميراث، هنا الخلافة لم تكن -كما بالتعبير المعاصر- عقدًا اجتماعيًا بل ميراثًا. قد يكون هذا الميراث أفقيًا أو عموديًا. وهذه الدولة تطلب من المؤمنين أو التابعين لها الإيمان المطلق، دون اعتبار لأي مساءلة.

هو يذهب إلى أن الاتجاه الثاني انتصر؛ لم يكن الخليفة ممثلًا حقيقيًا للناس، أو هو خارج من بينهم كما حدث في الخلافة الراشدة، بل هنا المُلك العضوض، وما جاء لاحقًا في الاستبداد السياسي.

وموضوع محنة خلق القرآن يدخل في هذا المجال؛ لأن هناك سلطة حاولت فهم هذا الفرض، بل قامت بامتحان الناس على هذا الموضوع. وبالتالي هناك أجواء أو أهواء أيديولوجية هي التي شكلت التاريخ. وهي أن المعتزلة -وهذه العبارة مهمة- قد لبسوا ثوب الدولة، فبدت الدولة دولتهم، وجعلوا من ثلاثة خلفاء كبار أدوات طيعة في أيديهم تنفذ سياستهم وتفرض مذهبهم بقوة السيف. كذلك كانت دولة المأمون والمعتصم والواثق. أما دولة المتوكل -وفقًا للتشكيل الأيديولوجي الذي يقولونه في كتبهم- قد أفلتت من أيدي المعتزلة، فارتد المتوكل عليهم ولاحق رؤوسهم، ونصر خصومهم، ورفع المحنة، وأعاد للسنة أعلامها الخفاقة، ولإمامها أحمد بن حنبل وأصحابه الاعتبار والمقام.

ثم استمر الإسلام والمسلمون بعد ذلك بمنأى عن خطر المعتزلة وأضرابهم من الزنادقة -وهذه توضع بين هلالين-.

 

هل كانت الصراعات المذهبية الأولى سياسية أم عقائدية؟

وفي موضع آخر من الكتاب يذهب المؤلف إلى أن مؤرخي الإسلام القدامى يذهبون -وهم في ذلك على حق- إلى أن الخلاف السياسي الذي نشأ بين الصحابة أنفسهم بسبب مسألة الخلافة أو الإمامة، خلافة الله أو خلافة الرسول بعد وفاته، هو السبب وراء نشأة الفِرق والمذاهب الإسلامية الأولى.

ويتابع المؤرخون المحدثون هؤلاء المؤرخين القدامى في تأكيد القول إن الخلافات السياسية هي التي فجرت الصراع، وولدت الفرقتين الأولين الكبيرتين اللتين تحملان: أولاهما اسم الخوارج، وثانيتهما اسم الشيعة. ومن هذا الصراع ثارت مسائل طابعها عقائدي، كمسألة الصفات الإلهية، ومسألة خلق الأفعال، ومسألة الأسماء والصفات وغيرها.

فإن الاختلافات العقدية والسياسية إن صحت بتفسير ظهور الخوارج والشيعة والمرجئة والأشاعرة، فإنها لا تكفي وحدها -بتعبير المؤلف- لتفسير تشكل ظاهرة الاعتزال، من حيث هو صيغة عقائدية أرادت أن تستجيب لحاجات ثقافية محددة.

والباحث المدقق يتبين أن مبدأي العدل والتوحيد كليهما قد جاءا لا من أجل تأسيس منظومة عقائدية شاملة تعبر عن دين الإسلام ذاته، وإنما جاءا كردة فعل لجدال مشخص تحكمه علاقة المسلمين بغيرهم من أتباع الديانات والفلسفات الأخرى.

فالنظرية المعتزلية في التوحيد الخالص المنزه تريد أن تبعد عن الإسلام شبهة الشرك التي يمكن أن يوهم بها القول بالذات الإلهية القديمة التي تقوم فيها مجموعة من الصفات لا تمايز فيها، أي لا إضافة إليها ولا زيادة عليها ولا نقصان.

أما مبدأ العدل وإثبات الخلق للعبد، أن العبد مسؤول عن أفعاله، فقد ألجأ إليه النقد الخارجي، وبخاصة نقد اللاهوت المسيحي في حينها، الذي يصلح أن يعبر عنه بمثال يوحنا الدمشقي؛ إذ أخذ على الديانة المحمدية -حسب قوله- تناقضها المنطقي بإقرارها في الآن نفسه، من الجهة نفسها، بالجبر وبالتكليف الخاضع له للجزاء الأخلاقي.

طبعًا هذا معروف قضية الجبرية الأموية، وأن العباد مجبرون على أفعالهم، وهذا فيه ظلم؛ لأن الإنسان في هذه الحالة يكون قد ارتفعت عنه المسؤولية. فبمقتضى ذلك يعود القدرية الأوائل، ومن بعدهم المعتزلة، بمبدأ العدل الإلهي.

يرى المؤلف أن البحث المعاصر يجب أن يرد إلى المعتزلة قدرًا عظيمًا من الاعتبار الذي يليق بهم في إسباغ روح العقلانية على الفكر الإسلامي. غير أن النكبة التي لحقت بهم منذ منتصف القرن الثالث الهجري وبعد ذلك إنما كانت نكبة الإسلام نفسه لا نكبة المعتزلة؛ لأنها آذنت بأفول العصر الذهبي.

لقد انعقد ما يشبه الإجماع على أن مسألة خلق القرآن مسألة اعتزالية، ويؤكد مؤلف الكتاب فهمي جدعان أنه على يقين تام من أن المعتزلة ليسوا أول من أطلق هذا القول أو اخترعه وروج له، لكن قد يكون صحيحًا أن نقول إنهم في فترة متأخرة من ظهور هذه الفكرة قد جردوا لها من الكلام الشيء الكثير.

 

كيف تحول الفكر التنويري إلى أداة للقهر والامتحان؟

عزيزي القارئ، الآن نصل إلى الفصل الأول من كتاب “المحنة” للدكتور فهمي جدعان. لنتخيل أن عالمًا تتصارع فيه الأفكار كما تتصارع الجيوش؛ عقل الحرية والتنوير من جهة، وسلطة الخليفة من جهة أخرى. في هذا الفصل نستكشف زمن المعتزلة والمأمون، حيث فتحت الدولة أبوابها للعقل، ولكن سرعان ما تحول الفكر إلى أداة امتحان وقهر وقسر، بين الشدة والتساهل، بين الحجة والسيف. المعتصم والواثق تابعوا الطريق ذاته، حتى جاء المتوكل ليضع نهاية المحنة ويعيد التوازن بين الدين والسياسة.

وهنا قضية هامة؛ يطرح مؤلف الكتاب سؤالًا صادمًا: هل كان المعتزلة قادة المحنة؟ هذا سؤال جدًّا مهم. أم أن كل ذلك كان لعبة سياسية بحتة؟

والآن سنغوص في صراعات السلطة والعقل، حيث تتحول المذاهب إلى محاكم، والمبادئ إلى محن، ونكتشف كيف كتب التاريخ أعقد فصوله في بغداد العباسية. عزيزي القارئ، يقول الكاتب فهمي جدعان في كتابه “المحنة”: إن للمعتزلة والمأمون وخلفائه الأقربين المعتصم والواثق والمتوكل وجهًا خاصًا في التاريخ العربي والاسلامي.

فالمعتزلة هم مجسدو قيم الحرية والعقلانية والتنوير، والمأمون خاصة -يعني المعروف المأمون هو الخليفة العباسي العقلاني حتى هو الذي افتتح بيت الحكمة في بغداد ونُقل عنه أنه كان يعطي وزن الكتاب ذهبًا- والمأمون يتميز عن جميع خلفاء السلطة؛ هو الخليفة الذي شرع الأبواب للأنوار. أما المتوكل فيمثل الردة بكل أنواعها على كل القيم المعرفية والتنويرية.

فالمعتزلة هم دعاة التحرر الفكري من الأسلاف، والمأمون قد تبنى مذهب المعتزلة وجعله المذهب الرسمي لدولة الخلافة، لكنه ما لبث أن انصاع لرغبة المعتزلة في اضطهاد العلماء عن المبادئ التي استندت إليها سياسته في التسامح والحرية. وسار المعتصم على نهج المأمون في الالتزام بالاعتزال وامتحان الناس، وكانت سياسة الواثق استمرارًا لسياسة عمه وأبيه.

أما المتوكل -كما تسميه كتب التراث ناصر السنة ورافع المحنة- فقد كان ناصرًا حقيقيًا ونصيرًا لأهل السنة. ولقد ذهب جمهور الباحثين المحدثين إلى أن الدولة العباسية اتخذت الاعتزال مبدأً رسميًا للدولة منذ عهد الخليفة العباسي المأمون. ولخص أحد كبار الباحثين السياسة الدينية لهذا الخليفة أنه مزج الدين بالدولة؛ لعله اقتبس فكرته عن بيزنطة في تلك الأحيان، حيث كانت المشكلة الأيقونية على أشدها، أو عن المثل الساساني بتنظيم الزرادشتية في ظل الأكاسرة.

فقد أعلن المأمون تبني الدولة رسميًا لمبدأ الاعتزال في خلق القرآن، وفرض هذا المبدأ على الناس بالقوة وحملهم عليه، وعقد له مجالس الجدل حتى أضيف ذلك القول إلى الشهادة بالوحدانية “لا إله إلا الله صاحب القرآن المخلوق”. ولأول مرة يتدخل خليفة المسلمين في أمر العقيدة هذا التدخل العنيف، ولأول مرة يصدر أمر من أمير المؤمنين باعتناق فكرة معينة واعتبارها مذهب الدولة الرسمي الذي يعاقب مخالفه.

وقد كان الخليفة قبله يشرف على تطبيق أحكام الدين وإعلاء كلمته، فأصبح المأمون فقيه الدولة الرسمي.

ويستكمل باحث آخر فيشير إلى هزيمة المعتزلة في عهد المتوكل، ويعلل هذه الهزيمة بالقول: إن أهم الأسباب التي أدت إلى سقوطهم سياسيًا وفكريًا يعود إلى اتباعهم سياسة الشدة والعنف تجاه الأعداء أو المخالفين في الرأي، فامتحنوا الناس وخاصة أتباع أحمد بن حنبل حول خلق القرآن.

وقد ساعدهم في ذلك أن السلطة كانت بأيديهم على أيام المأمون، ومن جاء من بعده من الخلفاء حتى المتوكل الذي حرّم الجدل والمباحثة، وأمر الناس بالتقليد والمحدثين بإظهار السنة.

ولا شك فإن سياسة العنف والكبت –بين هلالين- “المحنة” تتعارض مع النهج العقلي الذي أعلنه المعتزلة.

إن هذه الآراء التي سبق أن ذكرناها وما ذكره المؤلف فهمي جدعان تحتاج إلى مراجعة شاملة؛ لأن النظر المدقق يبين أنها مجانبة للصواب، وهذا ما سنقوم عليه في هذا الفصل.

عليَّ أن أذكر في هذه الأثناء ملاحظة محزنة: أن كتاب “الانتصار” للخياط هي الوثيقة الوحيدة التي بين أيدينا عن عقائد وتراث المعتزلة، لأننا نأخذ آراء المعتزلة ونصوصهم من كتب أعدائهم. لكن هناك حادثة مهمة حصلت في الخمسينيات في اليمن، الخمسينيات في القرن العشرين، عندما انهار سقف أحد البيوت فوجدوا مخطوطات نادرة لكتاب “أهل التوحيد والعدل” للقاضي عبد الجبار المعتزلي، أعتقد حوالي سبعة مجلدات من كتاب ضخم يبلغ مجلدات عديدة. وقد قام الراحل طه حسين بمجموعة مع المفكرين بتحقيق هذه الكتب. هذه فقط الوثائق التي وصلتنا من المعتزلة، فنحن نأخذ كتبهم من آراء خصومهم يعني كتب خصومهم. وقد قال لي صديق يومًا عبارة جميلة جدًا أختم بها هذا المقطع، يقول: “سُمي المعتزلة ليس لأنهم اعتزلوا أحدًا بل لأن أمتهم اعتزلتهم”.

 

ما حقيقة العلاقة بين خلفاء بني العباس ورؤوس المعتزلة؟

لقد أثارت الصلة بين رائدي الاعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وبين الخلفاء العباسيين الأوائل المنصور والمهدي والرشيد جدلًا طويلًا، وهناك من أنكر هذه العلاقة ورأى أن سياسة العباسيين الأوائل كانت تتصف بالغموض والتعقيد بل بالمرونة والتوفيق. أما شأن المعتزلة مع هؤلاء الخلفاء من المأمون إلى المتوكل فيقع في دائرة اليقين الذي لا يرقى إليه الشك.

وفي الحقيقة فإن واصل بن عطاء المولود سنة ثمانين للهجرة والمتوفى مئة وإحدى وثلاثين هجرية لم يكن ذا نشاط حقيقي مرتبط بالدعاء للعباسيين؛ معروف لأنه هو رحل قبل وصول الدولة العباسية بسنة، والقضية التي عُرف بها والتي عرفتها المعتزلة من بعده قضية “المنزلة بين المنزلتين” جاءت لتدل على موقف متوسط من الصراعات الأولى برغم مناظرته للمخالفين وتشدده في الكلام على إحداث التشبيه والإرجاء.

ليس ثمة شك أن واصل بن عطاء قد اختار لنفسه قضية مركزية تسمو على كل الصراعات الدنيوية هي طاعة الله والدعوة إلى الإسلام والنظام من أجل انتصار عقائده، واضعًا بتلك الأسس الأولى لعلم الكلام. وإن واصلًا كان يلمس بيده نتائج عمله إذ بلغ من رئاسته وعلمه أن تم بث دعوته في البلاد، وبلغ من شأنه أن واحدًا من أصحابه عمرو بن عبيد قال وهو يقصد واصل بن عطاء: صاحبته عشرين عامًا ولم أرَ أعبد منه ولا أهذب منه ولا أشد منه.

ومع ذلك فإنه لا أحد يستطيع أن يدفع بأن واصل بن عطاء كان غير راضٍ عن بني أمية الذي قضى واصل في آخر أيامهم، وأنه كان حقًا يحلم بنظام جديد هو نظام يقاطع هذا النظام أي النظام الأموي، والذي ظهر فيما بعد هو النظام العباسي.

والأرجح بتعبير المؤلف أن واصل بن عطاء كان متعلقًا بأصدقائه المقربين إليه من الشخصيات العلوية المعتدلة كزيد بن علي بن الحسين وعبد الله بن الحسن الذين كانت تربطه بهم صلات وثيقة قوية.

أما القطب الثاني من أقطاب المعتزلة كان عمرو بن عبيد المولود سنة ثمانين هجرية والمتوفى سنة مئة وأربعة وأربعين هجرية، كان قد أدخل في الحركة العباسية لأنه تقريبًا كان بين رحيله وبين وجود دولة العباسيين أو ظهورها للعلن حوالي خمسة عشر أو أربعة عشر سنة وبداية دولتها. من واصل فقط كان صديقًا -أي يقصد ابن عمرو بن عبيد- صديقًا لأبي جعفر المنصور، وكان المنصور يختلف إليه قبل الخلافة، وله معه أخبار، وحين مات رثاه المنصور.

 

كيف وظف المأمون “علم الكلام” لخدمة أهداف السلطة؟

وما يهمنا هنا هو علاقة المأمون رأس الدولة بالفكر الاعتزالي، وأول الذين يقع إجماع الباحثين على إثبات الاتصال الوثيق بينهم وبين المأمون هو ثمامة بن أشرس النميري، ويورد صاحب “العقد الفريد” ابن عبد ربه الأندلسي مجموعة من المرويات يمكن أن تمثل مبدأ اتصال ثمامة بالمأمون. قال ثمامة الأشرس عن المأمون لما صارت إليه الخلافة: إنه كان لي أملان، أمل لك وأمل بك، فأما أملي لك فقد بلغته، وأما أملي بك فلا أدري ما يكون منك فيه.

ولا شك في أن علاقته بالخليفة قد توثقت بعد ذلك، فالحقيقة أن ثمامة كما يقول صاحب “العقد الفريد” ابن عبد ربه الأندلسي لم يكن أكثر من واحد من ثمراته وخاصته -أي المأمون- ومن الثابت أن المأمون كان يستشيره في بعض المسائل السياسية، مثل ما فعله حين همَّ بلعن معاوية على المنابر، فوقف ثمامة موقفًا مناقضًا من الأمر، وأنه كان يرسله في مهمات استطلاعية ذات طابع ديني سياسي أو اجتماعي، مثل إرساله في استطلاع هذا البريد أو إرساله مع آخر يتحقق قصة الرجل الذي ادعى النبوة أو استخدامه في مناظرات.

ومن المؤكد أيضًا أن المأمون كان يثق في كفايته الكلامية، فهو يقدمه -أي ثمامة بن الأشرس- على يحيى بن أكثم في الخوض في مسائل علم الكلام الدقيقة، ويعبر عن إعجابه به.

كذلك يقدمه على أبي العتاهية، الذي يقول الخليفة يومًا: “إنني أقطع ثمامة”، فيجيبه الخليفة: “عليك بشعرك فلست من رجالي”. وحين لاحظ المأمون أن اختلاف الناس في الاستطاعة قد كثر، قال له ثمامة: “قد كثر اختلاف الناس في الاستطاعة وذكر الأفعال، فاجمع لي في هذا كلامًا تختصره ليفهم ويستطرد”.

وموضوع الاستطاعة هو موضوع الاستطراد، الإطناب والإسهاب في التفاصيل، فكان المأمون يبحث عن كلام مختصر، ما يسميه بالتعبير المعاصر “الشيء الزبدة المفيدة”، وقد قام ثمامة بن الأشرس في ذلك على أحسن وجه.

وأيضًا الفضل في علاقة المأمون مع رؤوس المعتزلة في بغداد، وأيضًا يذكر بعض الأسماء التي كان لها دور في ذلك، منهم هذا إمام معتزلي كبير: أبو الهذيل العلاف، الذي عاش حوالي قرنًا كاملًا من مئة وخمسة وثلاثين هجرية إلى مئتين وخمسة وثلاثين هجرية، أكبر شيوخ الاعتزال الذين اتصلوا بالمأمون.

ومن اتصل بالمأمون من المعتزلة -طبعًا هنا نقف أمام المعتزلة في عصره في بغداد- أبو إسحاق إبراهيم السيار النظام، هذا مشهور جدًا توفي سنة مئتين وإحدى وثلاثين هجرية. وقد كان النظام عند اتصاله بالمأمون شابًا، وكانت له مناظرات ومجالس عديدة مع المأمون وأبي الهذيل العلاف وبشر بن المعتمر؛ هذه الأسماء -يعني- يستعرضها أيضًا، اتصل المأمون بهشام بن عمرو الفوطي، توفي سنة مئتين وثمانية عشر هجرية، وكانت أيضًا للمأمون مجالسات ومناظرات في مجالسه. وكذلك كان أيضًا أبو موسى عيسى بن صبيح المردار، رئيس المعتزلة في عصره وراهب المعتزلة، توفي في سنة مئتين وستة وعشرين هجرية.

وأيضًا بشر بن غياث المريسي، توفي سنة مئتين وثمانية عشر هجرية، وقضية اتصاله مع المأمون تستحق اهتمامًا ووقفة خاصة، وهو أحد الذين أشاروا على المأمون بفكرة خلق القرآن وإعلان الامتحان من ناحية ثانية.

والرأي الشائع هو أن بشر المريسي كان معتزليًا، وقال أحد الباحثين -وهو فؤاد سزكين- إن بشرًا من بين المعتزلة القائلين بالإرجاء، بينما يضعه عبد القاهر البغدادي -صاحب “الفرق”- يجعله على رأس مرجئة بغداد، ويقول إنه كان في الفقه على رأي أبي يوسف القاضي، وإن أبا يوسف هجره حين أظهر القول بخلق القرآن.

والحقيقة أن كل القرائن تدل على أن بشر المريسي هو من أطلق القول بخلق القرآن، وهو الذي يقول إن القرآن مخلوق وإن الله معه في الأرض. أما الإمام أحمد بن حنبل فقط سُمِع يقول: “ملأ الله قبر المريسي نارًا”، وقال: “لا يُصلى خلفه”.

ومن الثابت تاريخيًا أن بشر المريسي قد اتصل بالمأمون، وحضر مجلسه، فصار يُعرف بثمامة بن الأشرس المعتزلي، وهو الذي كان يروج للقول بخلق القرآن، التي قيل إن الرشيد -يقصد هارون الرشيد- لاحقه بسببها، إذا عاد من جديد ليثيرها ويثير معها من حوله الهرج.

 

كيف استمر نهج “امتحان العقيدة” من المأمون إلى الواثق؟

رحل المأمون بشكل مفاجئ في عام 218 هجرية، أثناء خروجه في غزوة، وخلفه الخليفة أخوه أبو إسحاق المعتصم بالله، الذي وصفه المؤرخ الذهبي بأنه من أعظم الخلفاء وأهيبهم لولا ما شان حوله بامتحان العلماء بقضية خلق القرآن، وكان ذا شجاعة وقوة وهمة.

وواصل المعتصم شقيق المأمون، سيرة المأمون في امتحان الناس في قضية خلق القرآن، وإجبار الناس على هذا القول، الذي يبدو لنا من خلال ما ذكرناه آنفًا أن هناك كانت علاقة وثيقة بين الخلفاء الثلاثة: المأمون والمعتصم والواثق، وبين كبار علماء المعتزلة في بغداد كما مرت علينا أسماؤهم، وأن هناك تحالفًا قد عُقد بين هؤلاء بتبني الفكر الاعتزالي العقلاني وإرغام الناس على هذا الفعل، وكانت أهم فكرة في ذلك هي قضية خلق القرآن التي يدور عليها كتاب “المحنة”.

 

هل كانت فكرة “خلق القرآن” محاولة لعلمنة الدين مبكرًا؟

وقد يقول قائل: لماذا تأخذون بنا في كتب التاريخ وتستخرجون المعارك اللفظية والكلامية التي دارت في قضية خلق القرآن؟ الحقيقة باختصار: هذه المعارك وهذه القضايا ليست ترفًا في وقتها، بمعنى أن نأخذ الحدث في سياقه التاريخي في وقتها ونضع أنفسنا بدل أبطال الحدث.

أنا أعتقد -وهذا رأي للباحثين المعاصرين- أن فكرة خلق القرآن تحمل قضية “علمنة” -علمنة الدين مبكرًا- بسبب نظرية الجبر الأموي، النظرية الكارثة للجبر الأموي، التي ألغت إرادة الإنسان بشكل كامل، والتي جعلت الخليفة يحكم على الناس وعلى رقابهم وأنه مفروض من الله، كما جاء في الآية الشهيرة: “قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ” [آل عمران: 26] إلى نهاية الآية؛ فيأتي الخليفة يقول: “وليت عليكم والأمر ليس بيدي”.

قضية خلق القرآن هي رد فعل على قضية الجبر الأموي، في أن القرآن مخلوق، مخلوق حاله حال بعض الأشياء، وبما أنه مخلوق فإنه شيء، وبالتالي هو ليس مقدسًا وليس موجودًا في الأزل؛ بينما النقاش يدور حول الأخذ والرد بين المعارضين والمعتنقين للفكرة.

المأمون طبعًا هو رأس الفكرة، والذي سار من بعده المعتصم والواثق التقطوا هذه الفكرة بتأثير علماء المعتزلة في زمانهم الذين يعتبرون المؤسسين الأوائل لعلم الكلام، فالنقاشات التي دارت مع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وإبراهيم بن سيار النظام وأبي الهذيل العلاف وحتى الجاحظ كلها تركت أثرًا كبيرًا، وكان المأمون رجلًا شابًا، ومن أقواله الجميلة قرأت مرة أنه قال: “أجمل ما في الدنيا التنزه في عقول الناس”.

المأمون التقط الفكرة -والمهم هذا- وظفها سياسيًا. الفكرة كانت موجودة في الكتب، لكن قام بإحيائها بجعلها مذهبًا سياسيًا، ولعلها واحدة من المآخذ التي ترد أنه قام بإجبار الناس على هذه الفكرة.

هنا المؤلف فهمي جدعان باختصار يقول: إن كبار علماء المعتزلة -النخبة المعتزلية- بريئة من هذا التوظيف، فهي لم تمارس عنفًا على الذين يخالفون هذه الفكرة؛ وبالتالي هو يحاول أن يرجع هذه المسلمة، بينما الخلفاء الثلاثة: المأمون والمعتصم والواثق، حاولوا توظيف هذه الفكرة العقلانية لقول الناس: “إننا لم نأت بالجبر، ولا نأتي بفكرة الإكراه، بل إن الموضوع كله برمته موضوع مخلوق، وبالتالي خاضع للأخذ والرد”.

هنا سؤال، أنا قرأت بحثًا لأحد الكتاب المعاصرين يقول: “الخلاف بين المعتزلة والسنة والأشاعرة والحنابلة هو اختلاف لفظي”. لا بالحقيقة، ليس اختلافًا لفظيًا، هذا اختلاف بالعمق، وأيضًا في النظر إلى النص المؤسس الأول في الإسلام وهو القرآن.

 

هل كان الخلفاء معتزلة حقًا أم مستثمرين للدين سياسيًا؟

ويرى مؤلف الكتاب الدكتور فهمي جدعان أن هؤلاء الخلفاء لم يكن أي واحد أي واحد منهم معتزليًا؛ هذا الرأي جدًا مهم، لأنه حسب كتب التاريخ نظر المعتزلة، برأي فهمي جدعان لم يكن واحد منهم معتزليًا في أي صورة من الصور أو تحت أي ظرف من الظروف، ولقد كانت مجالسهم ومناظراتهم مفتوحة لجميع أهل الملل والفرق والنحل، وكان المعتزلة حالهم كحال الآخرين يرتادون هذه المجالس ويشاركون فيها.

أما محنة خلق القرآن فليس بين أيدينا على الإطلاق -والكلام للمؤلف- ما يثبت دعاوى القول إن المعتزلة كانوا وراء هذه المحنة، أو أنهم قادوا حملات التفتيش، وإن الحقيقة -برأي المؤلف الدكتور فهمي جدعان- أن المحنة كانت قرارًا شخصيًا من جانب المأمون، والتزامًا سياسيًا من جانب خليفتيه -أشقائه- المعتصم والواثق.

أما المتوكل فيمثل في هذه الملحمة -أي المحنة- حلقة جديدة، وأظهر العداوة للمعتزلة ونصر السنة وأهلها، وهو الذي رفع المحنة. وهنا نقول إن ملحمة المحنة تنتهي فعليًا مع المتوكل، وإن انقلاب المتوكل ساهم بخروج المعتزلة من السلطة المزعومة، وإنه ليس علينا أن نبحث عن عناصر اعتزالية في دولة المتوكل.

وفي سنة مئتين واثنين وثلاثين هجرية -وهي السنة نفسها التي تسلم فيها المتوكل الخلافة- غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد وآله وصادرهم، وأخذ منهم (ما يذكر في الكتاب) ستة عشر ألف درهم.

وفي نهاية هذا الفصل ندرك شيئًا صادمًا؛ أن المعتزلة لم يكونوا أسياد المحنة كما رُوج لها في كتب التاريخ، بل كانوا مجرد لاعبين في لعبة سياسية ضخمة استخدم الخلفاء: المأمون والمعتصم والواثق، فكرهم وقوتهم لإدارة السلطة وإجراء الاختبارات الفكرية.

والمأمون والمعتصم والواثق، وفيما بعد المتوكل، كلٌّ له دوره في هذه الملحمة، ملحمة المحنة، لكن الحقيقة تكشف أن الدين والسياسة لا يلتقيان بسهولة، وأن السلطة قادرة على تحريك العقل كما تحرك الجيوش، لتصبح المحنة درسًا خالدًا عن حدود الفكر والسلطة في تاريخنا العربي.

 

كيف تحولت المناظرات الفكرية إلى سياط تلهب ظهور العلماء؟

نقف مع الفصل الثالث، لب الكتاب وعنوانه “المحنة”، الفصل الثالث: المحنة. عزيزي القارئ، في هذا الفصل نعيش دراما محنة خلق القرآن. المأمون بدأ بفرض رأيه السياسي والديني على بغداد، مستخدمًا المعتزلة كأداة لفرض القول بخلق القرآن، وأشعل بذلك صراعًا هز العالم الإسلامي.

المأمون لم يكتفِ بذلك، بل اختبر العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل ليجبره على القبول، لكنه صمد. وفي عهد المعتصم استمرت المحنة، وتحول الاختلاف في العقيدة إلى ميدان قوة وعنف سياسي، حيث أصبح العقل والسيف وجهين لعملة واحدة.

وللدخول في تفاصيل ذلك نقول: قدم المأمون العراق في شهر صفر سنة مئتين وأربع هجرية، وفي سنة مئتين وست هجرية استعمل المأمون على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي، الذي سيصبح من بعد أداته وأداة المعتصم والواثق في الامتحان بخلق القرآن.

وتذكر مصادر كتب التاريخ أن المأمون لا يظهر هذا القول في العلانية -أي يظهر قول خلق القرآن- إلا في سنة مئتين واثنتي عشرة هجرية، والحقيقة -بتعبير المؤلف- أنه يتعين علينا أن ننتظر عامين: مئتين وإحدى عشرة هجرية، ومئتين واثنتي عشرة هجرية، لكي نرى المأمون يقدم على فعلتين عظيمتي الدلالة.

الأولى في عام مئتين وإحدى عشرة هجرية، بأن ينادي ببراءة الذمة من ذكر معاوية بخير، أو ذكر أي فضل لمعاوية على أحد من أصحاب رسول الله، كما جاء في تاريخ الطبري، وأنه أفضل الخلق بعد النبي، علي رضي الله عنه. ويذكر المسعودي أن الناس تنازعوا في السبب الذي من أجله أمر المأمون بالنداء في أمر معاوية، فقيلت في ذلك أقاويل يمكن مراجعتها في الكتاب.

أما الأمر الثاني جاء في العام مئتين واثنتي عشرة هجرية، حيث أقدم المأمون على إظهار القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أبي طالب على جميع الناس بعد رسول الله. ويذكر الطبري في تاريخه الشهير: في ذلك العام اشمأزت النفوس، وكثر المنكِر، واضطربت العامة، وكاد البلد يفتتن ولم يلتئم بعد ذلك. إلى أن جاءت سنة مئتين وثماني عشرة هجرية -طبعًا سنة مئتين وثماني عشرة هي السنة التي رحل فيها المأمون-.

وفي هذا الفصل، فصل المحنة، تفاصيل دقيقة عن الصراع الموضوع عن خلق القرآن وامتحان المأمون للناس والعلماء بذلك.

وفي رجب من سنة مئتين وثماني عشرة هجرية بويع بالخلافة المعتصم خليفة خلفًا لأخيه المأمون، وقيل عنه إن المعتصم كان ملكًا شجاعًا بطلًا مهيبًا، لكنه كان لا يدري شيئًا من العلم. وكان المأمون قد أوصاه قبل موته أن يأخذ بسيرته في القرآن، فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منهم وشق عليهم ذلك، وقُتل عليه خلق من العلماء. وضُرب الإمام أحمد بن حنبل، كما جاء في “تاريخ الخلفاء” للسيوطي.

ويذكر الحافظ الذهبي أنه في سنة مئتين وتسع عشرة هجرية هي التي تم بعدها امتحان المعتصم للإمام أحمد بن حنبل، وضربه بين يديه بسياط حتى أُغمي عليه، فلما صمم ولم يجب أطلقه الخليفة وندم على ضربه. ويؤكد المسعودي أنه في سنة مئتين وتسع عشرة هجرية ضرب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطًا ليقول بخلق القرآن.

إذن، في نهاية الفصل نستطيع أن نقول إن صراع خلق القرآن لم يكن مجرد جدال فكري كما يروج له البعض، بل كان اختبارًا حقيقيًا للعلماء والمجتمع الإسلامي. فمن خلال هذه المحنة رأينا كيف يمكن للسلطة أن تحرّف الدين عن جوهره، وكيف صمدت العقول المستنيرة أمام الضغوط، ليصبح هذا درسًا تاريخيًا حول حدود السلطة وقوة الإيمان وأهمية الحرية الفكرية في مواجهة الاستبداد.

 

هل الإسلام دين سياسي بطبيعته وجوهره؟

عزيزي القارئ، نصل إلى أحد أهم فصول كتاب “المحنة” لفهمي جدعان: جدلية الديني والسياسي في التاريخ الإسلامي أو في الإسلام. هنا المؤلف فهمي جدعان يطرح سؤالًا صادمًا: هل الدين سياسي بطبيعته؟ أم أن السياسة مجرد أداة دنيوية؟ كيف يشكل هذا الصراع جوهر الحياة الاجتماعية والدينية؟ وكيف يربط الماضي بحاضرنا العربي المعاصر؟

يؤكد المؤلف في هذا الفصل أن محنة خلق القرآن كانت تمثل رغبة الدولة، دولة الخلافة، في رد أهل الدين إلى جادة الحق في العقيدة، وأنها الدليل المبين على أن هذه الدولة كانت دولة دينية في طبيعتها وماهيتها، وأن الحقيقة أن الأحداث التي ذُكرت عن الصراع بين المعتزلة والحنابلة هي طبيعة متجذرة في طبيعة الحياة الاجتماعية في الإسلام، هي جدلية الديني والسياسي، وليست محنة خلق القرآن هي الوجه الوحيد لهذه الجدلية. فكل ما يحدث في الإسلام من حراك اجتماعي محكوم بهذه الجدلية، لكن محنة خلق القرآن تجسد حالة قصوى في هذه الجدلية وأيضًا حالة استثنائية، وهذا ما سيجعلنا -بتعبير المؤلف- نتوقف عند مصطلح الدين والسياسي. ما الديني؟ وكيف سنتوقف عند هذا المصطلح؟

وجه بعض الباحثين نظرنا إلى تحديدات لغوية لمفهوم الدين، فكانت عند أبي عبيدة -توفي مئتين وتسع هجرية- الدين هو الحساب والجزاء، يقال في المثل: “كما تدين تدان”، و”لا يدينون دين الحق”، وكل من أطاع ملكًا فقد دان له، ومن كان في طاعة سلطان فهو في دينه.

وأضاف ابن الأنباري -توفي ثلاثمائة واثنين وعشرين هجرية- إلى معاني الحساب والجزاء والطاعة التي ذكرها أبو عبيدة أربعة معانٍ أخرى -أضاف طبعًا- هي: السلطان والعبودية والملة والعادة.

كان المبرد -توفي مئتين وثمانين هجرية- قد استجمع في الدين ثلاثة معاني رئيسية هي: الجزاء والطاعة والعادة، بيد أن التدقيق في هذه المعاني الثلاثة لا يبين عن طبيعة الدين في ذاته وعن ماهيته، وإنه إنما يبين -بتعبير الكاتب- عن بعض وجوهه وعلاقاته. فهو جزاء بما يترتب عليه من أعمال، وهو طاعة -أي الدين- بما هو انقياد للشارع، وهو عادة بما هو أفعال يعتاد العبد عليها.

أما ما هو الدين أو ما هو الدين على وجهه الحقيقي الجوهري؟ فلا تكفي هذه المعاني للدلالة عليه. فضلًا عن ذلك، فإن هذه المعاني لا ينفرد بها الدين وحده، وإنما يمكن أن تمثل علاقة لأي منظومة أخلاقية واجتماعية طبيعية.

فالواجب إذن بتعبير المؤلف، البحث عن تحديدات أخرى تصور بشكل أفضل طبيعة الدين في ذاته، فنقول مثلًا: “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” [آل عمران: 19]، أو نقول: “الدين النصيحة”؛ لكن هنا أمام تحديدات هي لواحق للدين أو بعض وجوه له، تم سوقها لوجه غير وجه بيان الطبيعة الذاتية للدين وماهيته.

فالقول: “إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ”، يعني قبل كل شيء إن الدين المقبول عند الله من بين كل الديانات الأخرى؛ الدين المقبول هو الإسلام. والقول: “الدين النصيحة”، لا يعبر إلا عن واحد من التجليات الأخلاقية المشخصة للدين في الحياة الاجتماعية، وفي كلتا الحالتين لا يبدو أن القصد هو بيان ماهية الديني.

وقد قال أبو البقاء: “الدين وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات”. وقال آخر: “الدين وضع إلهي لذوي العقول باختيارهم إياها إلى الصلاح”. وقال عبد القاهر الجرجاني في “التعريفات”: “الدين وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول”.

وميزة هذه التعريفات أنها تحدد الدين بمبدئه ووسطه وغايته. أما مبدؤه فالله، إذ هو وضع إلهي، والرسول هو متلقيه وحامله ومؤديه. وأما وسطه فهو الإنسان العاقل المكلف، وأما غايته فصلاح الإنسان وخيره في الحال والمآل، أي في الدنيا والآخرة، بالانقياد إلى أحكام هي جملة من العقائد والأعمال التي وضعها الله أو الشارع.

أما موضوع الديني والسياسي هو ما يهمنا، ما يتصل بتحديد معنى الديني وعلاقته من بعد بالسياسي. والحقيقة أنه لم يختلف اثنان، لا في الإسلام ولا في غيره، عند القول إن الدين ليس هو الدنيا، وإن الدنيا هي شيء آخر غير الدين، وثمة الاتفاق على التمييز بين الطرفين. أما الخلاف فقد نجم عند مدخل الدين في الدنيا، وعند السلطة التي ينبغي أو لا ينبغي حصولها في الاجتماع الإنساني من أجل إنفاذ هذه الإجراءات، هذا المدخل والكلمة المنسوبة إلى عثمان بن عفان: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”؛ وهذه الكلمة نافذة في هذا الشأن، فالقرآن هو الدين، والسلطان هو الإمام وهو الدولة.

وفي هذا السياق يتخذ الدين الطابع الاجتماعي، ويصبح وجود الإمام الحارس للشريعة، المنفذ لها، ضرورة تجسد هيئة الدين في الخلافة. والخلافة ليست غريبة عن الدنيا منفصلة عنها، ولكنها وفقًا للتعبير الذي أطلقه ابن خلدون، وأيضًا ما أطلقه الماوردي: أن الخلافة حفظ للدين وسياسة الدنيا به.

وليس ثمة شك في أن الماوردي هو أبرز من توفر على مسائل “الأحكام السلطانية” في قضية علاقة الديني والسياسي والإمامة والخلافة. ولقد باتت عبارة الماوردي، موضوع الإمام وموضوع الخلافة والنبوة، في “حراسة الدين وسياسة الدنيا”، هي العبارة الرئيسة التي انصرف إلى صياغتها المفكرون السياسيون في الإسلام.

ويؤكد ابن حزم الأندلسي أن وجوب الإمامة وواجب انقياد الأمة للإمام العادل مردهما إلى أن وظيفة الإمام في الناس تتمثل في أن يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة. والقاضي أبو يعلى الفراء يذهب ما ذهب إليه الماوردي وتابعه في الاحتجاج بانعقاد الإمامة لاختيار أهل الحل والعقد. وإذا ورد عندنا مصطلح “التثبت بالقهر والغلبة”، ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا، برًا كان أو فاجرًا، كما جاء في “الأحكام السلطانية”.

وبرأي الكاتب أن ما جاء في “الأحكام السلطانية” للماوردي، أن الماوردي كان يستنطق -برأي الكاتب- التجربة التاريخية الواقعية، وأنه كان يتعمد تجنب التمييز بين الخلافة والملك؛ لا بل إنه كان يتكلم عن الإمامة ووظيفتها بما هي أن الفكر السياسي للماوردي فكر يدور حول إمامة الملك -إن جاز التعبير- وهي إمامة مستندة إلى الغلبة والقهر إجمالًا.

وهنا نقرر -والكلام لفهمي جدعان- أن الدين هو ما يذهب إلى قوانين مفروضة من الله يقررها ويشرعها لتكون نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. إذ ليس القصد هو الدنيا وحدها، فهذا عبث وباطل وفناء، وإنما القصد الديني المفضي إلى السعادة في الآخرة أيضًا، وقبل كل شيء هو حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في المصالح الأخروية. فمصالح الآخرة في السياسة الدينية هي الأصل، والمصالح الدنيوية هي الفرع.

أما الملك فهناك ملكان: طبيعي مقتضاه الغرض والشهوة والتغلب والقهر، وهو جور وعدوان وهو مذموم، وملك سياسي؛ وحمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار.

أما ابن خلدون فقد تابع نظريته في العصبية وفي التطور الاجتماعي والسياسي الحتمي إلى نهايتها، في فصل من “المقدمة”، في لحظات ثلاثة في هذا الانقلاب التطوري: الخلافة، والملك، والملتمس أحدهما بالآخر. يقول ابن خلدون: “اعلم أن للملك غاية طبيعية للعصبية، ليس وقوعه عنها باختيار، إنما هو بضرورة الوجود وترتيبه كما قلنا من قبل، وإن الشرائع والديانات وكل أمر يحصل عليه الجمهور فلا بد فيه من العصبية. فالعصبية ضرورية للملة بوجودها يتم أمر الله فيها، وفي الصحيح: ما بعث الله نبيًا إلا في منعة من قومه”.

هنا انتهى كلام ابن خلدون، لكننا نجد أن الشرع قد ذم العصبية ودعا إلى تركها، فقال: “إن الله أذهب عنكم عُبيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء”، و”أنتم أبناء آدم وآدم من تراب”، وقوله تعالى: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” [الحجرات: 13].

 

هل يمكن فصل الدين عن السياسة في التجربة التاريخية الإسلامية؟

هنا نصل -كما يقول المؤلف- بعد هذه الجدالات والصراعات إلى أي مدى يمكن القول إن دين الإسلام سياسي في ماهيته أو إنه غير سياسي في ماهيته. من المؤكد أن التمييز بين الخلافة والملك، والقول بانقلاب الخلافة إلى ملك في الإسلام، كما وجدناه على طريقة أصحاب الحديث والسنة وابن خلدون، لا يبدد الأساس السياسي في الخلافة نفسها، مثلما لا يبددها في النبوة أيضًا.

فمن الواضح أن السياسي يدخل في ماهية الدين على وجه القوام الذاتي، لا على وجه الإضافة من الخارج. وليس سبب ذلك إلى أن السلطة أو الخلافة أو الدولة هي جزء من المفهوم الديني، وإنما لأن الدين الإسلامي لا يستقيم عند حدود الخاص والفردي وحده، وكل ما يمت إليه بصلة يحول باستمرار إلى العام والجماعي.

ويرى الكاتب -وهو يختلف عن أغلب المفكرين المعاصرين- أن الإسلام هناك تداخل كبير بين السياسي والديني فيه، فليس هو رهبنة، وليس هو “ما لقيصر لقيصر أو ما لله لله”، وليس هناك -ليس يأتي على طريق العلمانية الغربية- أن الفرد معزول تمامًا، عزلًا تامًا للدين عن المجتمع والسياسة.

فهو يرى من خلال قراءة الصراعات في الدولة الأموية والعباسية تداخلًا كبيرًا بين الدين والسياسي. وقد يكون الإمام سياسيًا ودينيًا في وقت واحد، أو يكون مكلفًا بتطبيق الشريعة، وتكون الشريعة مرجعًا له، فلا يمكن الفصل التام بين الديني والسياسي.

وهو يتخذ من محنة خلق القرآن هذه شكلًا عندما اتخذت الدولة -على رأسها المأمون والمعتصم والواثق- أيديولوجيا سياسية بتبني هذه الفكرة التي أطلقها أحد كبار المعتزلة، ثم محاولة فرضها على الناس، ثم الانقلاب الذي حدث على يد المتوكل عندما قام بإرجاع موضوع الاعتبار والهيبة لأهل السنة، وبإسكات المعتزلة وإنهاء فكرتهم “خلق القرآن”، واعتبار القرآن قديمًا أو صفة من صفات الله.

هنا يدور مفهوم المحنة، يحاول الكاتب فهمي جدعان في هذا الكتاب أن يقول: إن المحنة الحقيقية هي التي تعرض لها المعتزلة وليست هي التي تعرض لها الإمام أحمد وأتباعه.

عزيزي القارئ، هناك ملخص مكثف لهذا الكتاب، كتاب الدكتور فهمي جدعان “المحنة”، فهو يدعونا -المؤلف، وهذا مهم جدًا- لإعادة النظر في تجربة العقل الإسلامي والتاريخ العربي بكل أبعادها.

فهو يوضح –مؤلف الكتاب- أن الأزمات الفكرية والسياسية لم تكن أحداثًا عابرة، بل هي محطات تكشف جدلية الدين والسياسة في جوهر المجتمع. ويرى مؤلف الكتاب أن الحل يكمن في خطاب جديد، ثقافة جديدة، فكر ناضج يحرر الدين من الاستغلال السياسي، والسياسة من خلال احتكار القداسة، ليصبح الإنسان قادرًا على التفكير والعمل والنهضة.

الرسالة الأخيرة واضحة وصادمة: إذا لم نفهم التاريخ ونتعلم منه، فسنظل شهود زور على واقعنا، عاجزين عن مواجهة تحديات العصر المعرفية والتقنية.

 

Leave a comment