Skip to content Skip to footer

آيات موسى التسع.. من الإنزال إلى الإيتاء مع د. يوسف أبو عواد

كيف تطورت الرسالات السماوية لضبط السلوك البشري وحمايته من التدمير الذاتي؟ وما الفرق الدقيق بين مفاهيم الإنزال، والتنزيل، والإيتاء في النص القرآني؟ ولماذا استبدلت المجتمعات قواعد “الصراط المستقيم” الواضحة بتعقيدات التراث؟ أسئلة شائكة وعميقة يفككها د. يوسف أبو عواد في حواره مع د. باسم الجمل، في #بودكاست_مفاهيم، على #منصة_مجتمع.

 

لماذا اتهم فرعون موسى بأنه “مسحور” وليس “ساحرًا”؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”. وكالعادة مع دكتور يوسف أبو عواد. تحياتي دكتور.

يوسف: تحياتي.

باسم: في الحلقة السابقة كنا نتحدث عن معاني مفهوم الزبر والآيات البينات ووصلنا عند الآيات التسع التي أوتيت للنبي موسى، لاحظ في الآية التي تقول: “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا” (الإسراء: 101). يعني ما هو الدافع الذي دفع فرعون لأن يقول للنبي موسى أنك مسحور؟ أكيد فرعون رأى الآيات التسع وعلى ضوء ذلك حكم، أو أنه لم يرها أو لم يعرفها.

يوسف: جميل، جميل جدًا.

باسم: قبل الدخول بتفسير ما هي هذه الآيات. نعم، أفترض من قراءة الآية أن فرعون رأى الآيات التسع التي أوتيت للنبي موسى واتهمه أنك أكيد أنك مسحور. ماذا رأى فرعون؟

يوسف: ممتاز جدًا. أهلًا وسهلًا بك دكتور وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات.

يعني حقيقة نقطة التركيز على قول فرعون: “إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا” لافت للانتباه، لأنه في آية أخرى نجد أنهم قالوا، يعني فرعون والملأ قالوا: “إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ” (طه: 63). وساحر فاعل يقوم هو بالسحر، أما المسحور مفعول، يعني أن فعل السحر وقع عليه هو. هذه هي نقطة البداية. لو كانت الآيات البينات كما قال المفسرون أن: “وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ”، “وَأَلْقِ عَصَاكَ” (النمل: 10)، “… فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ” (طه: 20)، و”.. فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ” (الشعراء: 32) وباقي الآيات، لكان قال له إني لأظنك يا موسى بالاقتران بـ.. ساحر، فإذن هي لفتة يجب التنبه لها لأن هذا اللسان، كل وزن له مفعوله في النص.

طيب فرعون في عهده كان الخروج عن الطبيعة المعروف عند الناس أنه ينتج عن تأثير السحر، فهو يريد أن يعطي إيحاء للناس أن هذا الرجل ليس رجلًا سويًا وإنما وقع عليه تأثير السحر فما يقوله لا قيمة له. ولذلك تراه في مكان آخر ماذا يقول: “إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ” (غافر: 26). في مكان ثالث يقول: “أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ” (الزخرف: 52). لاحظ، فهو كان يهزأ بخطاب موسى، هذا المفتاح، ما الذي يهزأ به فرعون الآن في هذه، لما نتكلم عن التسع آيات؟ هو يهزأ بخطاب موسى له.

طبعًا المفسرون ذهبوا ونظروا في آية أخرى لما جاءت الآية فقالت كما قلنا: “وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ” (النمل: 10). ثم قال: “وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ…”، الآن الشاهد: “… فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ” (النمل: 12). طيب المفسرون رأوا أنه قال “وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ…”، “وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا”، قالوا هاتان هما، هكذا قالوا في تسع آيات، يعني قالوا هاتان اثنتان من ضمن كم؟

باسم: من ضمن تسع آيات.

يوسف: طيب ذهبوا يبحثون أين باقي الآيات؟ قالوا وجدنا في سورة الأعراف: “وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ” (الأعراف: 130). قالوا هاتان آيتان صاروا أربعة، سأشرح ماذا قالوا يعني، طيب: “فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى…” (الأعراف: 131). إلى أن قال: “وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا…” أم لتُسحَر أنت بها؟

باسم: لتسحرنا.

يوسف: إذن نركز نتذكر “مسحورًا”… “بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ” (الأعراف: 132)، “فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ…” هم قالوا هكذا صار أربعة عندنا من قبل، صح؟

باسم: “الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ…”. (الأعراف: 133)

يوسف: الطوفان هذه 5، هكذا قالوا، “وَالْجَرَادَ” 6، “وَالْقُمَّلَ” 7، “وَالضَّفَادِعَ” 8، “وَالدَّمَ” 9. وهكذا جمعوا التسع آيات، فقالوا هذه الآيات التي أعطيها موسى، هذا قول المفسرين معظمهم يعني.

باسم: ولكن هنا الآية: “فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ” (الأعراف: 133).

يوسف: نعم، وليس بينات، هذه سمّاها آيات ماذا؟ مفصلات، هذه آيات كونية أُرسلت على القوم. وكما قلنا هي مرحلة، آخر مرحلة في العقوبات السماوية التي انتهت بالغرق، بعدها ذهبنا إلى عهد داود وكان الزبور والتدافع. لكن الشاهد هل هذه الآيات هي الآيات البينات؟ لا، لأن القرآن سماها آيات مفصلات، أي كل واحدة مفصولة عن الأخرى فصلًا تامًا وفي مرحلة مختلفة، واتهموا موسى بسببها بأنه ساحر وليس مسحورًا.

يوسف: قالوا “لِتَسْحَرَنَا”.

باسم: “مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا” (الأعراف: 132).

يوسف: نعم. وهذا ليس اتهامًا للخطاب، وإنما اتهام للأحداث التي تجري معهم أنها بفعل سحر موسى. لكن لو ذهبت إلى الآيات البينات مرة أخرى في مكان آخر في النص القرآني، ولاحظ دقة النص: “فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ” (القصص: 36).

باسم: أعطاهم أشياء جديدة.

يوسف: أشياء تسمع أم أشياء تحدث؟

باسم: سمعًا من سمعنا.

يوسف: ممتاز جدًا. إذن هي آيات تتلى فتسمع واتهموه بسببها بالافتراء والسحر.

طيب أين نجد التسع آيات إذا كانت الآيات التي ذكرت هذه الآيات المفصلات؟ طبعًا القرآن ذكر أن آيات مفصلات على الجراد والقمل والضفادع والدم، هو ما ربطها أصلًا بموضوع العصا وموضوع وضع اليد وموضوع السنين ونقص من الثمرات. سماها الآيات الجراد والقمل والضفادع والدم أربع آيات سماها مفصلات، هم حتى يجمعوا الرقم تسعة ذهبوا فأضافوا معها السنين ونقص من… مع أن السنين ونقص من الثمرات على فكرة تعطيك وصفًا لمشهد واحد لأن السنة هي شديدة، من كلمة سن والسن فيه شدة فهي تعطيك إشارة إلى شِدة عاشها القوم فنقصت الثمرات بالاقتران مع السنين، كما جاء أيضًا في قصة يوسف.

فالمهم إذا كان النص يقول هذه آيات مفصلات وهناك آيات بينات، هل هذه هي هذه؟ ما هي الآيات البينات التي سمعها القوم فقالوا “وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ”؟ إذا ذهبنا إلى الوصايا العشر التي أُعطيت لموسى، لما تكلمنا في حلقة الوصايا، لو ركزنا دكتور في آخر وصية كانت “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا” (الأنعام: 153)، يعني الوصية الأخيرة ليس فيها مضمون جديد، هي تعطي توصيفًا للتسعة السابقة لها، التي: “أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ” (الأنعام: 151)، “وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ”، “وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ”، “وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ”، “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا”، “وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا”، هذه تسعة. لأنه لما أكمل في الآية الثالثة من آيات الوصايا ماذا قال؟ “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا” (الأنعام: 153). إذن الصراط المستقيم يتكلم عن ماذا؟ عن الآيات التسعة، لكن هو زاد لها توصيفًا، لم يزد في المضمون، إنما أعطاها وصفًا أن هذا ماذا…

باسم: صراط مستقيم.

يوسف: فالآيات البينات التي تُسمع والتي اتهموه بالافتراء بسببها والتي فرعون أراد أن يسفهه لأنها تعيد نظام الدين الذي يجازى بناء عليه الناس فقال إني أخاف أن يبدل دينكم هي هذه التسع وصايا التي قالها موسى. وهذا قبل مرحلة الغرق وقبل نزول أو إيتاء موسى الكتاب.

الموضوع يحتاج تركيزًا قليلًا. الآن، نحن ما زلنا في مرحلة حوار موسى مع فرعون، لم يحصل الغرق ولا حصلت نجاة بني إسرائيل ولا ذهب موسى للميقات ولا أخذ الألواح. هذه مرحلة الوصايا فقط قبل نزول الكتاب التي هي عبارة كما قلنا عن اتصال الأجيال، فهذه التسع وصايا هي الآيات البينات، هذه هي التي وصفها القرآن بأنها الصراط المستقيم.

باسم: التي هي الآية رقم 151 إلى 153 في سورة الأنعام.

يوسف: نعم.

باسم: هذه الناس يسمونها بالفرقان؟

يوسف: هي ما أُنزل على موسى وصفه بالكتاب ووصف بالفرقان ووصفه بالنور أيضًا، لكن مرحلة نزول الكتاب هي مرحلة لاحقة. هذه الوصايا، نحن قلنا تسلسل الوصايا هي عبارة عن نقل خلاصة تجربة جيل سابق ويحتاجها يمسكها الجيل اللاحق. فالتسع آيات التي بدأ بها موسى خطابه يعني فرعون كأنه سأله ما الذي تريده؟ ما المضمون؟ فأعطاه الوصايا، هذه الوصايا لا تشرك بالله شيئًا كذا كذا كذا، الوالدين، الوفاء بالوعد.

باسم: فاتهمه بأنه أنت مسحور، وأنت قدمت شيئًا مفترى.

يوسف: بالضبط.

باسم: الافتراء، لا يمكن أن تفتري شيئًا واقعيًا، أنت تفتري شيئًا فكريًا، أعتقد؟

يوسف: هذا هو. لا يمكن أن تصفه مسحورًا إلا بناء على شيء هو يعني تريد أن تشكك في سلامة الرجل، فبالتالي تلغي قيمة ما يقول. ماذا فعل فرعون حتى يقول هذا؟

باسم: قال له أنت مسحور.

يوسف مرة قال له “لا يكاد يبين”، مرة قال عنه ماذا؟ “مسحورًا”، مرة قال “يريد أن يبدل دينكم”، مرة “قالوا ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين”. فإذن هناك فرق في وصف التنزيل، ساحر، حالة الساحر هي الآيات العملية التي حصلت لهم التي هي المفصلات وليس البينات.

هناك وصفوه بالسحر، أما لما أخبرهم بخطابه بالوصايا هذه التسعة التي وصفتها الآية الثالثة بأنها الصراط المستقيم…

باسم: وصفوه أنه مسحور أو مفترٍ.

يوسف: بالضبط مئة بالمئة، أرأيت دقة النص؟

باسم: كل كتب التراث تعدد أن الضفادع والقمل وإلى آخره هي هذه الآيات التسع التي جاءت.

يوسف: نعم صحيح. أنا حقيقة لا أعرف قولًا آخر يعني، ربما يكون، لكن أنا لا أعرف، أعرف أنه الكل فعلًا عددوا هذه الآيات بهذه الطريقة.

باسم: ونحن عُلمنا أيضًا أن نفسر أن هذه الآيات التي أوتيت للنبي موسى وهي آيات الضفادع والقمل والدم وإلى آخره هي هذه، ولم يكن هناك أي بحث جدي في تتبع آيات الصراط المستقيم التي موجودة في 151-153 في سورة الأنعام. كيف فاتت هذه القضايا على العقل العربي المسلم أو على عقل العلماء -بين قوسين- من الذين تصدوا لتفسير النص القرآني أو لفهم القرآن الكريم؟ سألت سؤالي هل هو فعلًا لغياب آلية اللسان؟

يوسف: نعم فعلًا، لماذا؟ لأنهم اعتبروا الآيات المفصلات هي نفس الآيات البينات، لم يكن عندهم مشكلة، لم ينتبهوا أنه يوجد ساحر هنا، يوجد مسحور هنا. حسنا سأعطيك فرقًا آخر، “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى”، يعني الآية هذه لمن أوتيت؟

باسم: للنبي موسى.

يوسف: في السياق الأول الذي جاءت فيه الآيات على القوم: “وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا” (الأعراف: 132). “تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ” يعني أوتيت الآية لموسى على القوم، مهما تأتنا نحن به ليس لموسى، موسى أتى بالآية، أتاهم بالآية. هنا الآية أوتيت لموسى نفسه: “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى”، يعني الذي وقع له الإيتاء من؟

باسم: النبي موسى.

يوسف: بالضبط، بينما الآيات المفصلات من هو الذي أوتيها؟ القوم، لأنها آيات عذاب، هاتيك الآيات المفصلات أوتيت للقوم. فقالوا مهما تأتنا، يعني هم من وقع عليهم الإيتاء ليس موسى، هو أتى بها ليس أتته.

انظر الفرق، هذه الفروق الدقيقة جدًا في الجمل على مستوى التركيب، هي واضحة يعني ولكن لم يلتفت إليها، لأنه غابت الآلية كما قلنا تحت سطوة…

 

ما دلالة استخدام “جاءكم” بدلًا من “آتاكم”؟

باسم: لاحظ هنا أيضًا في دقة النص: “وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ” (البقرة: 92)، لم يقل ولقد آتاكم موسى البينات.

يوسف: هذا موضع آخر سأقول لماذا الآن. الآن هو قال لقد آتينا موسى، موسى أوتي البينات، فلما بلغها للقوم ماذا قال؟ “جاءكم موسى بالبينات”. لأن فعل جاء فيه شدة ليست موجودة في الفعل أتى، فهو يعني كأنه كافح مرة بعد أخرى في إبلاغهم الآيات.

باسم: أليس كما قيل إن جاء تعني ما جاء به ليس من عنده؟ يعني أن الآيات البينات التي جاء بها النبي موسى هي ليست من عنده، يعني عند رب العالمين، ولكن هو حملها إليهم وآتاها للقوم.

يوسف: هو نفس الفعل من داخله نفسه لا يشترط في أنه جاء معناها لا يجب أن يكون جاء بها من غيره، ولكنه جاء بشيء يحمله بطريقة فيها شدة وفيها نوع من الثقل والمعاناة، ليس مثل أتى. أتى أسهل حتى في لفظها وأصواتها هي أسهل، ولكنه قال آتينا موسى البينات، “ولقد آتينا موسى تسع آيات”، فلما أوتيها موسى كيف أعطاها للقوم؟ هل آتاهم إياها أم جاءهم موسى بها؟

باسم: كما تقول الآية: “وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ” (البقرة: 92).

يوسف: لأنه كانت هناك عملية صعبة في إيصال الآيات لهم وإقناعهم بالعمل بها، هذه هي.

الآيات المفصلات، قالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها، ليس تجئنا، تأتنا به. تمام؟ يعني الآيات المفصلات المفعول الذي وقع عليه الفعل من هو؟ موسى أم القوم؟

باسم: القوم.

يوسف: ممتاز. الآيات البينات من الذي وقع عليه فعل الإيتاء؟

باسم: النبي موسى.

يوسف: بالضبط، فلما أوتيها جاء بها لقومه.

باسم: هو أوتي بها ولكن حملها إليهم.

يوسف: مئة بالمئة هذا هو.

 

كيف تدرجت العقوبات الإلهية لآل فرعون؟

يوسف: وهذه الآية تتحدث الآن عن ماذا؟ عن بني إسرائيل بعد إغراق فرعون وبعد النجاة: “وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ” (البقرة: 92). الكلام مع من الآن؟ مرحلة العجل هذه مرحلة بعد غرق فرعون، صح، هو قال لك في آية أخرى: “وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ” (الأعراف: 138)، لأنه ما زال فكر الفرعون الأبوي هذا الذي يريد تقديس الأشخاص ما زال موجودًا في عقولهم.

ولما ذهب موسى إلى الميقات ماذا؟ اتخذوا العجل من بعده. هذا الذي حصل باختصار شديد كان ميقات موسى الذي تحدثنا عنه…

باسم: كان ميقات موسى ورجع.

يوسف: فوجدهم ماذا؟

باسم: وجد الجماعة بعبدون العجل.

يوسف: فالآية هنا تخاطب الذين نجوا تقول لهم: “وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ” (البقرة: 92). إلى الآن لم تذكر الكتاب، يعني هذه مراحل نفهمها الآن، لأن موسى جُمع له الوصايا والصحف والكتاب. كما شرحنا.

باسم: يعني نحن إلى الآن ما زلنا في مرحلة الوصايا والبينات التي أوتيت للنبي.

يوسف: أي نعم بالضبط.

باسم: قبل نزول الكتاب.

يوسف: قبل نزول الكتاب وإيتائه. طبعًا سنشرح بعد ذلك الفرق بين النزول والإيتاء في السياقات القادمة.

فالآن الصورة أصبحت واضحة، أعتقد، تمام الوضوح، أن موسى جاء إلى فرعون فخاطبه، لما فرعون سأله ما مضمون الرسالة؟ بماذا جئت أنت؟ أخبره بهذه التسع وصايا وأن هذا هو الصراط المستقيم الذي يريده. قال فرعون عنه إنه ماذا؟

باسم: مسحور.

يوسف: وأن هذا الكلام سحر مفترى، وحرّض القوم أن يقولوا ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. هنا أوتي موسى الآيات، أنه ما هي الآيات يا موسى التي تعزز أنك رسول وكذا؟ فأصبحت قضية العصا، وقضية “أدخل يدك في جيبك”، ثم بعد ذلك عقوبات السنين ونقص من الثمرات، ثم الآيات الأربع التي ذكرناها الجراد والقمل والضفادع والدم.

لما لم يعتبروا بعد ذلك، لا بسماع الآيات وتطبيقها عمليًا ولا بالعقوبات السماوية الطبيعية: “فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ” (الأعراف: 136). هذا سياق سورة الأعراف، الانتقام والإغراق في اليم جاء بعدما عرفوا الآيات المطلوب تطبيقها…

باسم: بعدما تم توضيح كل شيء لهم.

يوسف: وبعدما أصابتهم عقوبات أصغر، عقوبات دنيوية صغرى قبل هذه العقوبة الكبرى، لأن هناك سنة ربانية يشرحها التنزيل الحكيم أنه يجب أن يكون هناك عذاب أصغر قبل العذاب الأكبر: “وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (السجدة: 21).

يعني دكتور إذا أردنا أن نفهم هذا اجتماعيًا. الآن مثلًا أنا لو جئت إلى منطقة فيها كوارث طبيعية تكثر فيها الفيضانات أو الزلازل أو البراكين وكذا، أنت تلاحظ أنه يكون هناك إشارات، يعني يحدث زلزال صغير، بركان، إشارات، دخان بركاني. هذا الموضوع إذا أخذ به الناس فحاولوا فهم القانون أو السنة الطبيعية واتخاذ الوسائل الوقائية التي تحمي من هذا ستكون هناك نجاة لو حصلت هناك كارثة بعد ذلك. لكن عند الإهمال، وهذا قسه حتى على أي نظام إداري مثلًا، أنا عندي نظام إداري بدأ فيه مشكلة، فيه مشكلة رشوة صغيرة بدأت تظهر، هذه المشكلة صارت تفسد، إذا تركتها ستكبر وتكبر وتكبر حتى تنتهي إلى فساد النظام الإداري بأكمله. فهذا معنى الإصابة بالعقوبات الصغرى إذا أردنا أن نفهمه أولًا في ظل المجتمعات التي نحن نعيش فيها.

باسم: حتى قانون العقاب بالشكل الأدنى منه قبل الوصول إلى الشكل الأعلى هو أيضًا عقاب يمارس في حياتنا اليومية…

يوسف: صحيح.

باسم: أنت لما تعاقب الناس…

يوسف: مبدأ أي إدارة ناجحة هكذا تسلسل العقوبات يُسمى، يعني ليس من أول خطأ يعاقب تجد أن العقوبة والله الفصل فرضًا من عمله وكذا، لا، هناك تسلسل مرة بعد أخرى وإنذار مرة بعد أخرى.

باسم: يعني هي قواعد سلوكية بشرية.

يوسف: نعم نعم هي قواعد تصف فعلًا يعني حياة البشر، وهنا ينبغي أن يتمثلوها. كما كانت عقوبات سماوية في الأول لما استقل البشر وحملوا كامل المسؤولية وحصل التدافع بعد النبي داود في زمنه وما بعده، انتهى، أنتم كبشر يعني نحن كمجتمع بشري علينا أن نتمثل هذه الأفكار فنعكسها في الشركات والمؤسسات والأنظمة الإدارية وإدارة المجتمعات وكل هذه الأمور.

 

18:55

هل تشابهت بيّنات عيسى وموسى؟

يوسف: الآن هل لما نذهب إلى مرحلة عيسى، هل عيسى جاء بالبينات أيضًا؟ نجد قوله تعالى: “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ” (البقرة: 87).

إذن أيضًا ما أوتيه عيسى كان بينات. هذا دكتور لنربط، نحن قلنا إن مرحلة القرى ما أُعطي الرسل فيها كان بينات أم غير بينات؟ في مرحلة إبراهيم كان بينات، في مرحلة موسى كانت بينات، في مرحلة عيسى كانت بينات. فالآيات ليس فقط القرآن، يعني التنزيل الحكيم الأخير هو بيّن، لا، هي طريقة الله في إنزال التعليمات على الأنبياء تنزل وهي غير محتاجة إلى شرح خارجي من أولها من نوح.

باسم: يعني البينات التي أوتيت للنبي عيسى هي نفسها البينات التي أوتيت للنبي موسى مثلًا؟

يوسف: أي نعم.

باسم: يعني أوتي مثلًا الصراط المستقيم؟

يوسف: بالضبط، بالضبط، مئة بالمئة، هي الوصايا هذه التسع التي وصفت في العاشرة بأنها الصراط المستقيم.

 

19:55

لماذا اختلف بنو إسرائيل رغم وضوح العلم؟

يوسف: وبعد ذلك لما نجد الكلام عن بني إسرائيل التي هي هذه الحقبة البشرية، لاحظ هنا النسيج أيضًا مرة أخرى، بحيث نجمع كل ما قيل في الحلقات السابقة: “وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ…” (الجاثية: 16-17).

من أول ما بدأ الموضوع من موسى وما بعده من الأنبياء…

باسم: يعني هذه القواعد السلوكية التي يحددها الصراط المستقيم هي أوتيت للكل؟

يوسف: للكل، والاختلاف هل سببه عدم الوضوح؟ “فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ”. كما شرحنا في أكثر من موضع، الآيات بينات وهي علم واضح لا يوجد فيه أي نوع من أنواع اللبس ومع ذلك اختلفوا بسبب البغي.

 

كيف حفظت القواعد السلوكية الأرض من الفساد؟

يوسف: طيب في آية أخرى نقرأ: “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ” (المائدة: 32). هذه الآية دائمًا يربطنا النص بالبداية الأولى أنه: “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ” (البقرة: 30).

باسم: صح صح.

يوسف: هذه التي استغربت منها الملائكة، صح؟ “يسفك الدماء أو فساد في الأرض، “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ…”.

لذلك هنا مرة بعد أخرى نحن نستنتج لماذا خلقنا الله؟ لنصلح في الأرض وأثناء عملية الإصلاح يجب المحافظة على حقن الدماء، ممنوع أن يصل الأمر، إلا إذا نفس اعتدت على نفس أخرى، فقط نفسًا بغير نفس، لا يوجد قتل للنفس إلا إذا قتلت نفسًا أخرى انتهى الموضوع.

فلما تكلم عن حقبة بني إسرائيل هذه وضّح الموضوع الذي قاله لما الملائكة استغربت عندما خلق آدم فشبك لك أول الأمر من آدم مع نهاية ما وصل إليه بنو إسرائيل، عمل اتصالًا نسيجيًا بحيث لا يكون هناك مجال للعب والتخلل في داخل النص.

باسم: حدّد السلوك البشري ضمن قواعد جدًا واضحة.

يوسف: أي نعم، وأولها هو آخرها. هو توحيد للأمة البشرية لو استجابوا لهذا بكل سهولة.

يوسف: “وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ” (المائدة: 32). يعني هذا هو، كل الرسل عادوا فوضحوا هذا الأمر من خلال الآيات.

باسم: هل هنا يمكن الفهم أيضًا، ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات أيضًا التي هي آيات الصراط المستقيم؟

يوسف: آيات الصراط المستقيم هي التي تحافظ على ماذا؟ على الإصلاح في الأرض وتمنع سفك الدماء.

باسم: صح.

يوسف: ألم يقل: “وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ” (الأنعام: 151)، “وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ”؟ (الإسراء: 33)، هذا كله منع لماذا؟ سفك الدماء. ألم يقل لك بعد ذلك في كل آيات الإصلاح أوفوا بالعهد، أوفوا بالكيل والميزان وكذا؟ هذا الإصلاح.

 

ما الفرق القرآني بين الفسق والكفر كسلوك؟

باسم: انظر أهمية البينات التي أوتيت النبي موسى وأوتيت النبي عيسى وأوتيت لكل الرسل.

يوسف: وسهولتها.

باسم: وسهولتها.

يوسف: سهلة، سهلة لكنها تحتاج استجابة، لا تحتاج حديثًا كثيرًا ومجلدات تملأ المكتبة.

باسم: تحتاج استجابة مجتمعية أيضًا.

يوسف: أي نعم طبعًا.

باسم: لتكون جزءًا من الأخلاق السلوكية للمجتمعات.

يوسف: بالضبط. البشر في هذه الحقبة الذين سُموا بني إسرائيل كان ما يأتيهم بينات.

طيب: “وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ” (البقرة: 99). الخطاب هنا في التنزيل الحكيم، خلاص. يعني أيضًا أيها النبي محمد ومن قرأ القرآن بعده، الآيات التي بين يديك أيضًا هي آيات بينات شأنها شأن كل الآيات السابقات.

باسم: لاحظ ربطها: “وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ” (البقرة: 99) بمعنى أنها هي قوانين سلوكية أنه الذي يفسق عن القوانين السلوكية هو يخرج عنها.

يوسف: أي نعم، لأنه قلنا فسق معناها خرج كما تخرج نواة التمرة منها، هذا ما أعجبهم لما جئنا بمثال الفستق مع أنه واضح جدًا، العلاقة واضحة جدًا بين الأمرين. فإذن هو الفسق أنه خرجت النواة كأنها خرجت من بيتها الأصلي الذي هي مخصصة فيه، قالوا إنه فسقت النواة من التمرة.

فالإنسان لما يخرج من المنظومة السنننية التي رب العالمين وضعه فيها وينبغي عليه أن يلتزم ويتماهى معها يكون فسق. وهذا هو الكفر لأنه يعرف أنه عاكس النظام، يعني هو كفر بمعنى…

باسم: هو يدرك أنه عاكس النظام ولكنه يفسق عنه.

يوسف: يعني يجحده يستره يغطيه، لذلك قلنا ونعيد القول يا دكتور، الكفر والشرك والفسوق هي سلوكيات وليست معتقدات، وهذه السلوكيات ليس هناك فيها حكم واحد على الناس، لأن الحكم في كتب التراث يقول لك كافر: حلال الدم، حلال المال، تطلق منه زوجته، لا يدفن في مقابر المسلمين، في جهنم خالدًا فيها وبئس المصير، هكذا خلاص. لكن القرآن يعتبر الكفر سلوكًا فبقدر ما يؤذي يعاقب، طبعًا من خلال النظام الإداري المجتمعي بحسب أذاه، ليس قضية اعتقادات، ربطوا الموضوع باعتقادات وكتب تصورات كلها فجعلوا الكفر كذا والفسق كذا والشرك كذا.

 

لماذا تفرقت البشرية بعد مجيء البيّنات؟

يوسف: ثم تأتي الآية، هذه الآية يعني من أمهات الآيات التي استشهدنا بها كثيرًا التي تجمع لك كل ما سبق فتقول لك: “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ”، جميع النبيين، “مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ…”، الآن اختلفوا في الكتاب بعدما نزل، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ…” ماذا؟ “… الْبَيِّنَاتُ” (البقرة: 213)

باسم: البينات.

يوسف: يعني هذا كلام عام لجميع الناس في جميع المراحل البشرية.

باسم: البينات أساسية في السلوك البشري، يعني أساسية حتى في ثقافة الناس، أساسية في العلاقة حتى تضمن علاقة حسنة ما بين الناس، البينات يجب أن تكون فاعلة فيهم ويجب أن تكون هناك استجابة اجتماعية أو مجتمعية للتعامل مع هذه البينات لضبط سلوك المجتمعات فيما بينها وسلوك الناس والأفراد.

يوسف: طبعًا لماذا؟ لأنها الفطرة يا دكتور، نحن لما شرحناها مبدأً مبدأً كنا دائمًا نقول هل هذا فطرة أم ليس فطرة؟ هل يختلف عليه الناس أم لا يختلف عليه الناس؟ فهي فطرة طبعًا.

باسم: لاحظ نهاية الآية تقول: “وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” (البقرة: 213).

يوسف: أي نعم، ربط الصراط المستقيم بالبينات، كما ربطه بالوصايا، وهذا يؤكد أن الآيات البينات التسع التي أُعطيت لموسى هي هذه التسع آيات، هي الصراط المستقيم أي نعم.

باسم: ليس الدم والقمل والضفادع.

يوسف: أي نعم نعم، كانت آيات زمنية خاصة بزمنها وسماها النص مفصلات.

 

كيف كُتمت البينات رغم بيانها في الكتاب؟

يوسف: طيب: “إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ” (البقرة: 159).

هذه الآية مرة أخرى نقول إنه لما قال لك طيب هو الرسول مهمته أن يبين: “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ…” (النحل: 44)، ذهبوا كيف فسروا لتبين؟ أنه من خلال الروايات قال لك يبيّن، طيب والآية هذه ماذا تفعل بها؟

باسم: “إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ…”…

يوسف: أولًا عكس البيان ليس التفصيل، الكتمان.

باسم: نعم صح.

يوسف: هذه واحدة، “يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ…” “… مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ” أين؟

باسم: “فِي الْكِتَابِ”.

يوسف: خلاص. إذا أردت أن تبحث عن بيان للوصايا أكثر لا تخرج عن حيز الكتاب، انتهى واضح.،

باسم: يعني البينات وُضعت في الكتاب وكانت بينة للناس ورغم كل هذا أن الناس…

يوسف: خرجت عن الكتاب.

باسم: كتموها.

يوسف: نعم.

باسم: طالما وضعت في الكتاب يعني لم توضع شرحًا وتفصيلًا كما يدّعي البعض، هي وضعت كما هي بينة.

يوسف: ما نحن قلنا بينة تدل أن صفة الآية في بنيتها الأصلية أنها بينة، بنيت أصلًا بطريقة تكون فيها بينة، هذا معنى آية بينة. ما يجعلك تراها بينة آلية واحدة لا ثاني لها هي اللسان العربي المبين، فقط انتهى.

 

لماذا استُبدل القرآن بأسفار التراث والروايات؟

يوسف: الآن لاحظ يا دكتور سبب الانحراف، حتى القرآن، وأنت تساءلت كثيرًا عن سبب الانحراف عن هذا مع وضوحه، انظر الآية تقول: “وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ” (يونس: 15).

باسم: غير قواعد السلوك.

يوسف: أي نعم بالضبط، بدّله أو أحضر غيره، ليس ماشيًا مع المزاج العام أو مع الهوى الخاص، انظر كيف.

فهنا بدأ ماذا قال: “قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ” (يونس: 15). فالرسول يقول لهم أنا ليس عندي شيء ثانٍ، أنا أتبع ما يوحى إلي، والكلام عن القرآن وبالتالي الوحي هو هذا القرآن.

وفي آية أخرى يقول: “فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ” (غافر: 83). ونذكر هنا السادة المشاهدين لما قلنا في الحلقة السابقة: “فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا…” (المؤمنون: 53)…

باسم: “زُبُرًا”.

يوسف: فأنزل الله زبرًا ولكنهم اصطنعوا زبرًا خارجية، كل حزب له زبوره الخاص. أنزل الله البينات… لا نحن عندنا علوم كذا وأخرى وكتب، أنزل الله التوراة فصنعوا الأسفار.

باسم: هذا الذي تقوله للناس تقول له يا أخي طيب عد إلى آيات القرآن ورتّلها واقرأها جيدًا، يقول لك هي مفسرة، وإذا صعب تفسيرها؟ فالعودة إلى الحديث، والحديث قيّم على النص، وأن البخاري فصّل كل شيء.

يوسف: الحديث والقراءات والآثار والصحابة والتابعين، وبعد ذلك يقول لك الفقهاء والمذاهب وآراء الفقهاء وفتاوى المفتين.

باسم: حتى هناك من قال إن ثلثي الدين يؤخذ من الروايات.

يوسف: أي نعم، وهناك من قال إن السنة تقضي على القرآن والقرآن لا يقضي على السنة.

باسم: أو حاكم عليها أو هي حاكمة على السنة.

يوسف: أي نعم، هذا في حقبة حتى -بين قوسين- يعني التابعين، هذا في حقبة التابعين.

باسم: وهذه الآية: “فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ” (غافر: 83).

يوسف: أي نعم هذا هو. “ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا”، ليس مقتنعًا بالقرآن يريد شيئًا آخر غير القرآن، والرسول يقول لهم أنا لست من تلقاء نفسي، أنا لا أفعل شيئًا من تلقاء نفسي، هذا القرآن وحي، ما قال لهم أنا سآتيكم بشيء آخر. كما قالوا إنه “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي”، يقول لك يا دكتور “كتاب الله وسنتي”. هذه رواية عند السنة. عند الشيعة “كتاب الله وعترتي”. ولكن إذا تُدقق ستجد أن هناك رواية “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله” فقط، هذه الرواية الثالثة تتوافق مع النص.

نحن لا نجزم أن الرسول قالها أو لم يقل، ليست هذه القضية، لكنها تتوافق مع النص مئة بالمئة، هذه طريقة التنقيح. ما هو يقول لك يعني هو الرسول لم يقل ولم يفعل شيئًا؟ لا، قال وفعل لكن الموضوع طبعًا يحتاج لتنقيح للاستئناس، وإلا فالكتاب كافٍ تمام الكفاية.

 

ما الفرق بين “البينات” و”المبينات” في وصف الرسالة الخاتمة؟

يوسف: طيب الآن هناك ميزة في الكتاب الخاتم لم تأتِ في الكتب السابقة، التي هي كلمة مبينات، بمعنى ماذا ستختلف كلمة بينات عن مبينات؟ هي إعادة البيان بعد البيان، لأنه أنت تأتي إلى شيء بين فتبينه مرة أخرى، يعني لو احتجت إلى طبقة أخرى من البيان في النص، أين أجدها؟ في النص.

لكن هذه الآيات جاءت في وصف الكتاب الخاتم، لاحظ: “وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ” (النور: 34). الكلام الآن للناس من خلال الكتاب الخاتم الرسالة الخاتمة.

في آية أخرى: “لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” (النور: 46). والكلام طبعًا لو تتبعنا السياق في سورة النور سنجده كلامًا يتعلق بالرسالة الخاتمة.

وأخيرًا: “رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” (الطلاق: 11).

فالكلام هنا يتكلم عن الرسالة الخاتمة، “يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ”، الذي هو الرسول الخاتم، فلو أنا احتجت إلى طبقة أخرى بعد كون الآيات بينات إلى آيات أخرى مبينات للبينات فأين أجدها؟

باسم: أيضًا في النص.

يوسف: في النص، انتهى الموضوع. والله بعد هذا الوضوح في كفاية النص وأنه آياته بينات ومبينات وهو تبيان لكل شيء أستغرب من أي جدال.

باسم: يعني التكرار لدرجة أنه يعني يشدك أكثر: “وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ”، وأيضًا أعطاهم أمثال: “وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ” (النور: 34).

يوسف: أي نعم.

باسم: وهنا “المتقون” طبعًا لها فهم غير الناس.

يوسف: الذي يتوقى مما قد يضر بعد دراسته وفهمه للطبيعة…

باسم: والآية الثانية: “لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” (النور: 46). أيضًا نفس العملية ربط الآيات..

يوسف: بالصراط المستقيم.

باسم: “رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا…” (الطلاق: 11). طيب يعني حتى الرسول أيضًا أعاد تكرارها على الناس.

يوسف: ماذا فعل؟ نحن قلنا بيان الرسول كيف كان؟ بتلاوة الآيات. يعني لما يقول لك: “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ” (النحل: 44). مرة أخرى كيف يبين؟ “رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ”. هو ما زاد شيئًا، لم يزد شيئًا على الآيات.

باسم: يعني لا شرح ولا فّسر ولا حُكم…

يوسف: لا، هو يتلو فقط يتلو.

باسم: يتلو. والآيات واضحات.

يوسف: يعني بعد هذا الوضوح لا أتصور، لأنه يعني بعد قليل سنذهب إلى مرحلة لاحقة في فهم تفاصيل التنزيل الحكيم، يعني بنزوله الأخير الخاتم، فأرجو أن نكون قد أشبعنا هذا الموضوع إشباعًا لا جدال بعده.

 

كيف غفلت المجتمعات عن آيات “الصراط المستقيم”؟

باسم: حقيقة فيه إشباع، لكن عودة على موضوع الآيات المبينات التي هي الصراط المستقيم. طبعًا يجب ذكر أن المرحوم محمد شحرور تعرّض في كتابه “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة” لموضوع آيات الصراط المستقيم، واعتبر أن هذه أركان الإسلام، الأركان السلوكية للإسلام، وسمّاها آيات الصراط المستقيم. ما قمنا به حاليًا هو عبارة طبعًا أيضًا توضيح أكثر.

يوسف: صحيح.

باسم: لتبيان مركزية الآيات المبينات، ومركزية آيات الصراط المستقيم في ضبط سلوك المجتمعات بشكل عام.

يوسف: مئة بالمئة.

باسم: كيف غفل المسلمون أو العرب المسلمون عن اعتبار هذه الآيات المبينات أو قواعد الصراط المستقيم ولم تكن جزءًا من تثقيف المجتمعات أن هذا هو السلوك الضابط للمجتمعات، وحمايتها من الفساد والانزلاق إلى الظلم والفساد؟

يوسف: لسان حالهم حتى لو لسان المقال لم يقل، “ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ”، وقالوا “فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ”، “فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا”، واصطنعوا أسفارًا، هذا الذي فعلوه.

باسم: فرحين بما عندهم من الكتب ومن…

يوسف: “كُلُّ حِزْبٍ بمَا لَديْهِمْ فَرِحُونَ” (الروم: 32).

باسم: وعند البحث في الاستجابة المجتمعية للآيات البينات أو لقواعد الصراط المستقيم نادرًا ما تراها طبقت في المجتمع.

وسف: نعم راح التركيز كله، أخذت هالة للتركيز هذه وذُهب بها إلى هذه الأسفار، وهذا الذي عندهم من العلم، والزبر التي اصطنعوها، وللأسف طبعًا هذا سيؤدي إلى انحراف عن الأصل.

 

ما الفرق بين “الإنزال” و”التنزيل” و”الإيتاء” في النص؟

باسم: وصلنا إلى مرحلة التفريق أو الفهم لإلقاء مزيد من الضوء على الإنزال وفهم مفهوم الإنزال والتنزيل والإيتاء.

يوسف: نعم، هو في الحقيقة دكتور صحيح هذه نقطة مهمة الآن بعد كل ما ذكرنا، لأنه نحن الآن بهذا نكون قد ذكرنا كُل ما أعطي للبشر ليسيروا على الصراط المستقيم، ابتداءً بالفطرة ثم الوصايا ثم بعد ذلك قبل التوراة والإنجيل ثم النزول…

باسم: الصحف، صحف إبراهيم وصحف موسى.

يوسف: ثم الزبر والبينات والكتاب التمام الذي أُنزل على موسى وأنزل بعد ذلك على النبي محمد عليهما الصلاة والسلام.

باسم: والقرآن والإنجيل والتوراة.

يوسف: أي نعم هذا هو. فالآن نجد أن هناك استخدامًا للفظة الإنزال والتنزيل والإيتاء، ثلاث لفظات، فلنفرق بينها حتى نفهم كيف حصلت العملية. أولًا علينا أن نفهم أن كلمة إنزال فعلها أنزلَ..

باسم: أنزلَ إنزالًا.

يوسف: ومضارعه يُنزل، لأنه سنجد المضارع أحيانًا، أما تنزيل، الفعل الماضي منها نزّل ومضارعه يُنزّل، والإيتاء طبعًا فعلها آتى. مبدئيًا أنا سأقول ما وصلت إليه من خلال دراسة الآيات ثم نفحص الآيات هل تتطابق مع هذا أم لا. كلمة تنزيل تُشير إلى لحظة النزول الفعلي، يعني كما يُقال في الوقت الفعلي، المزامنة، لحظة مزامنة نزول الآيات للأحداث يُسمى هذا اللفظ تنزيلًا.

باسم: يعني فعل جارٍ.

يوسف: أي نعم.

باسم: تنزيل تكسير تقتيل تفعيل.

يوسف: وجريانه هذا عُبر عنه بالشدة في وسط الفعل، نَزَّل والمصدر تنزيل. الآن إذا تحدث عن الفعل قبل حصوله ليشير إليه بكليته أو بعد حصوله يسميه إنزالًا أو أنزلَ، هذا الذي وصلت إليه من قراءة الآيات.

الآن أمامنا مجموعة من الآيات سنفحص هذا الافتراض، مثلًا: “بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ” (البقرة: 90). طبعًا أنا جئت أول شيء بالآيات التي جمعت اللفظتين، قلنا أنزلَ إنزال، وينزِّل تنزيل صح؟ “بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ”، فإذن هنا يتحدث عن مجموع المنزل كله. بغيًا، سبب الكفر هو البغي شرحنا هذا كثيرًا أنه ليس عدم الوضوح، البغي، “أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ”. فهم كانت مشكلة الذين أوتوا الكتاب أو أوتوا نصيبًا من الكتاب أنه كيف ينزّل الله الكتاب النزول الثاني على محمد عليه الصلاة والسلام كيف؟ فهنا كفروا بغيًا، عدوانًا، الشخص لم يعجبهم، يريدون الشخص على أهوائهم، هم يريدون أن يختاروا يعني الرسل. فإذن هو لأنه كان يتحدث عن النزول الثاني في وقته الفعلي ماذا قال في الجملة الثانية؟ “أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ”.

باسم: نعم، يعني هنا المقصود بالآية بما أنزل الله الكتاب الأول، أو ما أنزل مجموعة الأشياء تنزيلها…

يوسف: كامل.

باسم: وهنا يتحدث عن الإنزال الثاني.

يوسف: نعم، الذي كان في الوقت الفعلي.

باسم: للكتاب والقرآن.

يوسف: بالضبط، يتحدث عن الإنزال الثاني الذي كان مزامنًا لهذه الآية لما نزلت أول مرة، لأنه كان فيه هناك نسبة من أهل الكتاب الذين يسميهم القرآن، “الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ”، كفروا بالرسالة للرسول والكتاب الخاتم مع أنه نفس مضمون ما عندهم، كما قال: “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ” (البقرة: 146). لماذا كفروا؟ قال لك كيف ينزل على هذا الرجل؟ لماذا لا ينزل على رجل منهم؟ يريدون أن يحددوا من هو الرجل الذي ينزل عليه، أن يكون منهم، من قبيلتهم العنصرية. تمام؟

باسم: “فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ” (البقرة: 90).

يوسف: فإذًا هذا الفرق بين أنزله، في آية أخرى لاحظ: “نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ” (آل عمران: 3). نزّله كما قلنا تنزيل وأنزل إنزال صح؟ إذن هو يتحدث عن نزول الكتاب في وقت مزامن لنزوله، لكن التوراة والإنجيل أنزلت وانتهت فماذا قال عنها؟ أنزل التوراة.

في نفس السياق لو أكملنا هذا العجيب: “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ” (آل عمران: 7). طيب لماذا حوّل لأنزل؟ هو في الآية السابقة قال نزّل عليك الكتاب لماذا في الآية الثانية قال وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات؟ إذا لاحظنا يا دكتور سياق الآية سنجد أنه يتكلم عن كل الكتاب.

باسم: “هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ”، صح.

يوسف: يعني مجموع الكتاب كامل.

باسم: مجموع الكتاب كامل، صح.

يوسف: واستخدم ماذا؟

باسم: أنزل.

يوسف: لما كان يتحدث عن نزوله في الوقت الفعلي المزامن للآية قال “نزّل عليك الكتاب”. هذا هو.

 

هل نزلت التوراة دفعة واحدة أم متدرجة؟

يوسف: طيب الآن: “كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ” (آل عمران: 93). هذه الآية فيها لفتة، إذا كان ما بنيناه الآن صحيحًا، إذن التوراة أنزلت، صح؟ هو قال لك في الآية السابقة أنزل التوراة والإنجيل، لكن هل أُنزلت دفعة واحدة أم نزّلت بتدرج بحسب الحاجة على مجموع النبيين؟

باسم: الآية تقول: “كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ” (آل عمران: 93).

يوسف: نعم تُنزّل ماضيها نزّل وليس أنزل، إذن هي تشير هنا إلى أنه حصل فيه تدرج مزامن لأحداث، يعني التوراة نزلت مرة واحدة؟ لا، هذا معنى الآية. التوراة لم تنزل مرة واحدة.

باسم: أنزلت مدرجة تدريجيًا.

يوسف: مدرجة، وسنذكر هذا بعد قليل في آية مناسبة، لكن نُبقي هذه الفكرة حتى نستحضرها. طيب: “وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ” (محمد: 20). هم يتحدثون عن وقت فعلهم فيه يقولون الآن نريد ماذا؟ تنزيل سورة، الآية ماذا قالت؟ “فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ” (محمد: 20). يعني أنزلت وانتهت، لذلك قلنا أنزل يشير إلى كل الكتاب إما قبل نزوله يشير إلى مجموعه أو بعد النزول يشير إلى… فهنا يتحدث عن سورة فإذن أنزلت سورة.

طيب: “يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ…” (النساء: 153). إذن خلاص فهم يريدون في نفس الوقت الفعل الذي يطلبون فيه أن يروا التنزيل.

“يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ” (التوبة: 64).

و”أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ” (الإسراء: 93).

ولذلك جاءت هذه الآية: “لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا” (المائدة: 101).

لأنه تحدث عن وقت التنزيل المباشر، وتنهى عن السؤال. وسيكون لنا عودة إن شاء الله في موضوع القرآن لشرح هذه الآية بالتفصيل في مكانها.

 

كيف يرتبط التنزيل بالقدر وإدارة الموارد؟

يوسف: طيب وهذا أيضًا موضوع المائدة، نلاحظ في موضوع المائدة.

باسم: صح التنزيل.

يوسف: “يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا” (المائدة: 112). يريدونها في الآن.

باسم: في اللحظة التي يريدونها.

يوسف: “قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ” (المائدة: 115). صحيح؟

باسم: صح.

يوسف: طيب: “فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ”. “قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا…” (المائدة: 114).

باسم: قال “إني منزلها عليكم”، بمعنى أنه في اللحظة نزّل.

يوسف: بالضبط، لكن لما قال عيسى في الآية السابقة: “قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا” (المائدة: 114). لماذا؟ لأنه يتحدث عن الموضوع كله من أوله إلى آخره، هم يطلبون مزامنة الموضوع مزامنة الحدث ورؤية المائدة وهي تتنزل حتى تكون لهم آية.

فإذن أعتقد أصبح النص واضحًا جدًا.

الآية الأخيرة: “وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ…” وهذا مهم جدًا “… إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ” (الحجر: 21). هذه يا دكتور تتحدث عن أقضية الله في أقداره.

باسم: صح.

يوسف: نحن قلنا كثيرًا في حلقات سابقة، وقالها الدكتور شحرور رحمه الله، إن الإنسان فاعل بالقضاء في داخل منظومة القدر.

باسم: نعم، صحيح.

يوسف: وهذا الكلام عبقري حقيقة: “وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ”. يعني المخزون الكلي للمادة والطاقة الموجودة في الكون موجودة.

باسم: موجودة.

يوسف: ولذلك يقول لك علماء الفيزياء “المادة لا تفنى ولا تستحدث”، تتحوّل من شكل إلى…

باسم: آخر.

يوسف: لكن التنزيل هذا في الوقت الفعلي يحصل بناء على قدر معلوم، يعني في مسارات متى ما جاءت اللحظة المناسبة يتم تفعيل القدر.

باسم: يعني لا إفراط ولا تفريط في التنزيل.

يوسف: أي نعم، يُفعّل القدر بناء على المناسب له، لذلك هناك أشياء عجيبة، لماذا تجد الأصل مثلًا لو جئنا للمجتمعات البشرية نسبة الذكور والإناث متعادلة تقريبًا إلا إذا تدخل البشر بالحروب، وإلا تجد كل شيء متوازن.

باسم: بقدر.

يوسف: لماذا تجد تجد خيرات الأرض إذا لم يلعب بها البشر تكفي الناس بكل سهولة، تجد الحياة سهلة جدًا في كل الجوانب لو لم يفسدها ويتلاعب بها البشر.

باسم: يعني “وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ” هذه يعني ليست فقط قاعدة انضباط للصرف، هذه كل المجتمعات ممكن أن تشتغل على هذه القاعدة.

يوسف: أي نعم كل المجتمعات…

باسم: سواء حتى على المستوى الفردي أو حتى على المستوى الجماعي.

يوسف: أي نعم، حتى في الثروة وإدارة الثروة.

باسم: بالضبط.

يوسف: أنت عندك مخزون لكن يجب أن تصرفه وتنفقه بناء على مسارات محددة مدروسة سننية تستفيد من تجربة ما فعله البشر قبلك، فتعرف كيف تنفق. هذا هو التنزيل…

باسم: المحاسبون الذين عندهم (Budgeting) (إعداد الميزانية) يعني أكيد هذه القاعدة مدركة لهم.

يوسف: أي نعم.

باسم: وهي قاعدة قرآنية.

يوسف: طبعًا هم أدركوها بالتجربة مئة بالمئة دكتور، حتى في العلم، حتى في التدريس أنت تعطي كل تلميذ بما يناسب عمره، فتقوم بتنزيل العلم له بناء على قدر معين معلوم. أي نعم.

طيب بناء على هذا، الآن فهمنا ما معنى الإنزال، وأنه إشارة إلى كل العملية من أولها إلى آخرها، التنزيل يشير إلى حدوثها في وقتها الفعلي. الإيتاء شرحناه قبل ذلك في حلقة سابقة أنه فيه مناولة، يعني تأخذ الشيء جاهزًا بسهولة، هذا معنى الإيتاء.

باسم: يعني أن أعطيك شيئًا إن آتيتك. طيب ما الفرق بين آتى وأعطى مثلًا؟ أم هل هو خلل في اللفظ مثلًا؟

يوسف: لا، أعطى، لم يرد في الكتاب كلمة أعطى، لم تقرن لا بالكتاب ولا بالصحف ولا بغيره، لم تعطَ بها.

باسم: لا حقيقة لا يوجد، صحيح.

يوسف: لذلك نحن يهمنا الآن كلمة إيتاء لاقترانها بالتنزيل والإنزال لنفهم الآلية التي حصل فيها الوصايا كيف بُلغت للناس، والصحف والكتب والزبر إلى آخره.

 

كيف أُوتي موسى الكتاب في الألواح؟

يوسف: طيب نحن قلنا كثيرًا لماذا لما نأتي إلى موسى نجد: “وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ” (البقرة: 53). يعني موسى أُعطي كل شيء مكتوبًا في الألواح، حتى الوصايا التي قلنا آتينا موسى آيات بينات، إذًا أُعطيها مكتوبة. سيقول لي يعني لم تنزل من السماء؟ لا هناك آية تشير إلى أنها أنزلت مرة واحدة: “قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى” (الأنعام: 91). لم يوصف الكتاب بنزوله الأول بأنه نُزّل ولا مرة، ليس فيه، هو أنزل فقط، آية واحدة قالت عنه ماذا؟ أنزل، إذًا أنزل دفعة واحدة أم متدرج؟

باسم: لا دفعة واحدة.

يوسف: دفعة واحدة، فلما أنزل كيف أنزل؟ مكتوبًا في الألواح، صح؟ “وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا” (الأعراف: 145). لذلك قال لك هنا “آتينا موسى”.

باسم: إذن هل الكتاب مثل ما نسميه (Abstract) يعني كمفاهيم، أُعطي للنبي موسى مكتوبًا بالألواح.

يوسف: بالضبط، فلذلك سُمّي إيتاء، لماذا سمي “آتينا موسى الكتاب” لأنه لم ينزّل تنزيلًا يعني بتدرج في وقت فعلي حسب الأحداث، ولذلك قال له في تكملة الآية: “وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا” (الأعراف: 145). كيف يعني بأحسنها؟ هذا تساؤل مهم جدًا.

 

بأي لسان كُتبت ألواح موسى؟

باسم: قليلًا ندقق أكثر، “وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون”، يعني نحن قلنا إنه أوتي موسى الكتاب.

يوسف: نعم.

باسم: أُنزل الكتاب وأوتي إلى موسى مكتوبًا.

يوسف: في الألواح بالضبط.

باسم: هل يمكن الواحد يتحدث ما هي اللغة أو الحرف الذي كُتبت بها الألواح؟

يوسف: بلسان قومه، الذي يخبرنا النص عن كل الرسل أنه بلسان قومه، وموسى قومه هم كل البشر الذين لم يحصل عندهم أي انحراف، تمام؟ فهو ما زال القوم كما قلنا بداية الانتشار البشري، فأنا يعني هذا لنقل نوعًا من الافتراض أنه ما زال اللسان فيه نوع من التوحّد، يعني لسان واحد.

باسم: لسان واحد موجود.

يوسف: ولعله الأقرب إلى الفطرة والأقرب حتى لأن يكون اللسان العربي المبين.

 

ماذا يعني أخذ الكتاب “بقوة” سلوكيًا؟

يوسف: طيب إذن فهمنا ما معنى آتينا موسى وفهمنا لماذا أنزل في آية أخرى، أنزل مرة واحدة دفعة واحدة فأوتي إلى موسى.

الآن: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ” (البقرة: 63). صار الخطاب لقوم موسى الذين هم البشر في تلك الحقبة الذين هم بنو إسرائيل.

باسم: قبل ما ننتقل، “خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ”، لماذا استخدم وصف القوة؟ ما المقصود بأنه “خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ”؟ يعني كيف بقوة؟ يعني مثلًا بقوة بمعنى بقناعة تامة أو باجتهاد؟

يوسف: أي نعم، دكتور هذا جوابه وكل ما سألت عنه سابقًا، أنه هذا تنفيذ لسلوكات وليس معتقدات. تمام؟ يعني الكتاب يحتوي على سلوكيات تحتاج إلى قوة إلى عمل إلى عزيمة، لا تحتاج إلى…

باسم: اجتهدوا في أخذ الكتاب.

يوسف: أي نعم، اجتهدوا خذوه بقوة بمعنى نفذوه في الواقع، حولوه إلى سلوكات، لأنه يتحدث عن سلوكات.

 

كيف تتحقق التقوى كوقاية مادية؟

يوسف: طيب: “وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 63). أيضًا كيف أتقي الضرر والشر وما ينتج عن مخالفة القوانين الطبيعية وإلى آخره؟ إذا تذكرت ما فيه، يعني التقوى…

باسم: صح.

يوسف: هي وقاية صح؟ الوقاية تحصل إذا أنا ذكرت أنه لو أنا فعلت كذا ستكون النتيجة كذا، فهنا أقوم بعملية التقوى التي هي الوقاية، البناء الوقائي ضد أي مشكلة أو كارثة أو…

باسم: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ”.

يوسف: نعم.

باسم: ما الطور الذي رُفع فوق الناس؟

يوسف: هناك آية أخرى تشير: “وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ” (الأعراف: 171). يعني تشير إلى أنه فيه رفع جبل، “نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ” مثل الغمامة، وحسبوا أن هذا الجبل سيقع بهم. أنا يعني أظن أن البشر في هذه المرحلة كانوا بحاجة إلى إشارات حِسية مباشرة للاستجابة، يعني لم تكن هناك تجريدية كافية لأن يستجيبوا فقط بالوعظ المفهومي الكامل، ولذلك كانت الآيات المادية ما زالت موجودة في هذه المرحلة كما قلنا.

باسم: الآيات المفصلات التي هي الضفادع والقمل والدم كانت جزءًا منها.

يوسف: أي نعم بالضبط، والتي انتهت في تلك المرحلة.

 

هل أُوتي جميع الأنبياء كتابًا واحدًا؟

يوسف: طيب الآن: “أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا” (النساء: 54). هذه الآية تحديدًا دكتور بعض المشاهدين اعترضوا أنه قالوا أنت قلت نزلت… يعني نزل الكتاب مرتين، الآية تقول لك آتينا آل إبراهيم الكتاب، أنت لم تذكر إبراهيم أنت ذكرت موسى ومحمد. طيب هو ماذا قال لك؟ آتينا من؟ لم يقل آتينا إبراهيم، “آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ”.

باسم: هم من آل إبراهيم.

يوسف: بالضبط، موسى ومحمد، ما القاسم بينهما؟ من آل إبراهيم. ولذلك لاحظ، الآن سيعطيك القرآن تفصيلًا لهذه الآية التي هي: “آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ”.

لاحظ ماذا قال: “وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ” (الأنعام: 83)، شرح لك: “وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” الشاهد “أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ” (الأنعام: 84-89)…

يوسف: فهو يتكلم عن مجموع الأنبياء ونحن قلنا كثيرًا…

باسم: يعني يتكلم عن كل ما صدر عن آل إبراهيم.

يوسف: ولكن قال كتب أم كتاب؟ تنبيه هنا، كتب أم كتاب؟

باسم: كتاب واحد.

يوسف: واحد، كل هؤلاء الأنبياء أوتوا كتابًا واحدًا، الذي هو المجموع الكلي الذي حفظه الكتاب بنزوله الأخير الذي هو النزول الخاتم.

طيب ولذلك قال للنبي الخاتم: “أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ…” بعد ذلك ماذا؟ “فَبِبُهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ” (الأنعام: 90). يعني لم يكن هناك شيء جديد. هؤلاء كلهم مجموع الأنبياء وما أوتوا أنت فقط ستقتدي به وستسير على نهجه لن تأتي بشيء جديد.

 

هل إبراهيم هو الأب الثالث للبشرية كلها؟

يوسف: وأيضًا ما سيثبت الآن مرة أخرى يا دكتور أن بني إسرائيل هم كل من استجاب للرسالة فأسرى بها، لاحظ الآية: “وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ” (الجاثية: 16). صحيح؟ طيب هو قال عن مجموع الأنبياء كلهم آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، لمن آتاها؟ لبني إسرائيل، لأنه قال “وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ”، وما أعطاها للنبي لوحده يعني، أعطاها لقومه، من هم قوم جميع هؤلاء الأنبياء من بعد إبراهيم؟

باسم: البشرية التي كانت تُسمى بني إسرائيل.

يوسف: أرأيت الإثباتات واحدًا بعد الآخر كيف يتناسق الأمر فيعطيك نتيجة حاسمة نهائية يعني لا يوجد فيها أي التباس؟ خلاص.

طيب ونحن قلنا إبراهيم وإسرائيل يقرنهما النص، يعني إسرائيل مزامن لإبراهيم، أما بنو إسرائيل فهم قطعًا…

باسم: بعد إبراهيم.

يوسف: نعم، لأن إبراهيم أسس الفكرة.

باسم: الذين هم أصبحوا آل إبراهيم.

يوسف: الأنبياء يُسميهم النص آل إبراهيم: “فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ” (النساء: 54). تمام؟ أنا عندي ميل ولكن لن أجزم إلى الآن، أن إبراهيم هو أب للبشر بعد نوح. تمام؟ لكن هذا لنعتبر أنه…

باسم: يحتاج إلى تدبر ثانٍ دعنا نقول.

يوسف: أي نعم يحتاج إلى تدبر، ربما يأتي أو يُعرض في وقته. هم يقولون أبو الأنبياء، لكن هو إذا كان أبو الأنبياء…

باسم: هو أبو البشر.

يوسف: هو الأنبياء من البشر. أنا لم أجد في النص أن هناك نسلًا للبشر من بعد إبراهيم إلا ويرجع إلى إبراهيم، هكذا وجدت في نصوص القرآن كلها، فكل البشر يرجعون إلى إبراهيم. على كل حال هذا سيأتي له.

باسم: هل عودة البشر إلى إبراهيم يعني سلاليًا أم فكريًا أم الجهتين؟

يوسف: هو الفكرة أنه كانت القرى عندما تعصي تهلك ولا يبقى إلا الصالح. نحن لو نظرنا للترتيب، القرآن الكريم يعرض سِيَر القرى في سور متعددة، فيشرح لك عن قوم نوح الآن لمّا كفر قوم نوح أغرقوا، فنجا من؟ ذرية نوح، صح؟: “وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ” (الصافات: 77).

بعد ذلك يأتيك إلى قوم عاد، عاد نبيهم من هو؟ هود. ثم بعد ذلك عوقب عاد ونُجّي الذين آمنوا فقط وهم عدد قليل جدًا، ثم يذهب إلى قوم ثمود ونبيهم صالح تمام؟

باسم: فيُنجّي جزءًا صغيرًا.

يوسف: نجا جزء صغير. يعني يعود البشر كل مرة قلة قليلة جدًا، وكما قلنا هذا هو يصف لك جميع البشر. سنأتِي إن شاء الله في حلقة مفصلة جدًا كيف تشكل هذا المجتمع البشري.

بعد ثمود وصالح مباشرة يأتي إلى إبراهيم. وإبراهيم مزامن له من كان؟ لوط. يعني لما تقرأ قصة إبراهيم تجد أنه لما جاءته الملائكة وذهبوا إلى قوم لوط وإلى آخره فهما متزامنان، لكن قوم لوط ماذا حصل فيهم؟ أهلكوا. “فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ” (الذاريات: 36).

باسم: حسنًا. لكن إبراهيم لما كان لما وجد، كان هناك مجموعة بشرية هو يعيش بينها، هو جزء من نسل هذه المجموعة البشرية.

يوسف: صحيح.

باسم: هذه المجموعة البشرية التي تعتبرها أنت أن إبراهيم هو الأصل، يجب أن يكون هو الأول ومن ثم جاء من بعده، أو أن المجموعة التي كانت تعيش في عهد إبراهيم، وإبراهيم عاش بين ظهرانيها أو في القرى الخاصة بها، نجا من هذا النسل الذي سميناه بني إسرائيل.

يوسف: صحيح، لكن نشأ من الذين آمنوا مع إبراهيم أم منهم كلهم؟ الذين لم يؤمنوا مع إبراهيم أهلكوا.

باسم: أكيد نجا من الذين آمنوا مع إبراهيم.

يوسف: خلاص ممتاز. الآن الذي نشأ من الذين آمنوا مع إبراهيم هل يذكر النسل غير أبناء إبراهيم؟

باسم: سؤالي كالتالي، هل يستطيع كل البشر حاليًا الادعاء أنهم من أبناء إبراهيم؟

يوسف: أنا هذه وجهة نظري، أعتبر بحسب نظري في النصوص القرآنية، أن إبراهيم هو أب ثالث للبشر، لكن ربما نخصص لهذا حلقة مفصلة جدًا في الموضوع.

باسم: دعنا طالما نريد أن نخصص حلقة جديدة نتوقف هنا ونترك للحلقة الجديدة لنبحث هل كل البشر الحاليين الموجودين في الكرة الأرضية هم يستطيعون الادعاء أنهم من نسل إبراهيم؟

شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم” مع دكتور يوسف أبو عواد. إلى اللقاء.