كيف يمكن لطبيب أن يرى عظمة الخالق في ترتيب الحمض النووي، ليستيقظ فجأة داخل جماعة تسلبه عقله وتحرضه على العنف؟ وما الذي يعيد للضمير الإنساني صوته ليرفض التطرف ويتمسك بحرية الفكر؟ وكيف يسهم دمج علوم الذاكرة والتعليم الموجه للإنسانية في حماية الأجيال من الانغلاق؟ أسئلة مهمة يفتح عقله وقلبه للإجابة عنها د. توفيق حميد، في لقائه مع د. باسم الجمل، في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع
كيف قاد الحمض النووي طبيبًا لطريق الله؟
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور توفيق حميد، طبيب، باحث وكاتب في الطب وفي الإسلام.
توفيق: فعلًا.
باسم: يعني أنت حامل المجد من كل جوانبه. أنت طبيب ما الذي دفعك على القراءات الإسلامية؟
توفيق: والله هذا هو السبب أني اتجهت للأمور الدينية عامة، هو وجودي في مجال الطب. يعني أنا أول مرة وصلت إلى الذات الإلهية في حياتي كانت من خلال، وأنا أقرأ حضرتك عن تركيب الأحماض النووية التي هي (DNA).
باسم: يا سلام!
توفيق: أنا ذُهلت، هم أربع مواد قواعد يسمونهم، تترتب مجرد ترتيبات مختلفة، تجعلني أقول يا ربي ممكن أكون بني آدم، ممكن كنت أبقى كائنًا آخر تمامًا…
باسم: صح.
توفيق: ممكن أبقى وردة لو أحد القواعد هذه تغيرت أو شجرة. هذا التحكم الكودي والإبداع الذي فيه يعني أوصلني لمرحلة أني… أرجو أن تأخذها ليس حرفيًا، ولكن كدت أن أرى الله.
باسم: سبحان الله.
توفيق: تعرف؟ كدت فعلًا أن أراه، نعم، في الأحماض النووية وخلقه، فهذه كانت البداية. وبعد ذلك…
باسم: رؤية الله طبعًا…
توفيق: لا أقصدها مادية يعني، لكن رأيت جماله…
باسم: إحساس بالقدرة.
توفيق: رأيت جماله، رأيت إبداعه، رأيت صنعته وقدرته الفائقة. لدرجة أني حضرتك بعدما أنهيت في كلية الطب كتاب الكيمياء الحيوية الأول، كنت أذاكر من كتاب اسمه Harper (هاربر)، كتاب كبير جدًا. رأيت عظمة ربي في خلقه وملكوته بدرجة أني لم أستطع أن أمنع نفسي أن أكتب كلمات في غلاف الكتاب نفسه.
وكتبت هذه الكلمات واسمح لي أن أعرضها عليك. كتبت بعدما رأيت عظمة ربي في الخلق…
باسم: سبحان الله.
توفيق: كتبت الآتي: وبدأ الخلق يتكلم، عن القدير يتحدث، تتكلم آلاؤه، وتهمس عجائبه، بأن أحدًا في الوجود لا يدانيك يا الله…
باسم: سبحان الله.
توفيق: ما له مثيل… فهي في الواقع الحقيقة دخولي في جانب الإله، الذي هو رقم واحد في الدين، كان من خلال دراسة الطب والعلم. وجاءت بعد ذلك قصة دخولي الجماعة الإسلامية من الداخل. بعد الحماس الديني هذا، كان ممكن، تعرف، يوجه فقط للخير، وهذا المفروض أن يتم، وهذا المفروض أن القرآن يريده. ولكني دخلت في مرحلة في الجماعة الإسلامية المصرية.
لايم: أوف!
توفيق: نعم، وتم غسيل مخي غسيلًا…
باسم: هذا أثناء الدراسة في الجامعة؟
توفيق: في السنة الثانية بالطب، وفي الأولى طب، بدأوا بدأوا يعطوننا محاضرات داخل الجامعة. كان في أواخر السبعينات، 1978 حتى 1981. فبدأت وكنت صغيرًا، ومثلما تقول عندي الحماس الديني. فهناك قصتان لا يمكن أنساهما في الجماعة الإسلامية هذه. المرحلة الأولى أنهم رأوا فيَّ… يعني استشعروا أن عندي قدرة كلامية، بلاغية كاريزما، أيًا كان…
باسم: تصلح خطيبًا أو إمامًا؟
توفيق: يعني هي فعلًا. فرأوا أني ماذا؟ بدأوا يأتون لي، ولن أنسى اسم مختار مختار وهناك مجدي المهدي، أسماء معروفة، كان أمير الجماعة في السنة الرابعة مختار مختار هذا.
وكان أول يوم دعوني أني أدخل الجماعة الإسلامية المصرية. لن أنسى، التقينا بعدما أنهيت المحاضرة في مدرج ألف، أنا أتذكره تمامًا في كلية الطب يعني، شكلها تغير الآن قليلًا لكن أيامها كان هناك مدرج ألف، وأمام قسم التشريح وعلم الأنسجة. فالتقى… انتظرني مختار مختار وذهبنا نمشي الهوينى كما يقولون خطوة خطوة…
باسم: على أساس يستميلك.
توفيق: نعم، حتى نصل إلى مجامع الجماعة الإسلامية ويبدأ مرحلة دخول الجماعة. ففي السكة أنا لا يمكن أنسى أول شيء قاله لي: “على فكرة أحب أعرفك حاجة أيضًا معنا لما تدخل، وهذه أهم حاجة في الدين يعني. قلت له: ماذا؟ قال لي: الفكر كفر!”
باسم: أوف!
توفيق: نعم، والله، أقسم بالله مثلما أحكي ل…
باسم: يعني، أول نقطة عطل فكرك!
توفيق: وليس ذلك فقط، أعطاني شرحًا تفصيليًا للفكرة. الموضوع عندهم ليس مجرد هكذا، هو يقنعك. قال لي: “أنت عقلك هذا كالحمار تمامًا، ليس أكثر من دابة.” صدقني. هو هذا الذي قاله لي بالنص، “توصلك لباب السلطان أو الإسلام، الله، الدين. بمجرد ما تدخل باب القصر، تأخذ الدابة خاصتك أو يعني الحمار معك أم تتركه في الخارج؟ قلت له: لا أنا أتركه في الخارج.
باسم: هذا نفس المثل، نفس المثل سمعته من وجدي غنيم، كان يقول…
توفيق: نعم، صادق.
باسم: قال تذهب عند العمدة، تترك الحمار أم…
توفيق: نعم هو قال نعم، بالضبط… ليس صادقًا، أقصد صادق في أنه قال إنهم يقولون هكذا، هم فعلًا يقولون هكذا، أنا حدثت معي شخصيًا. فكانت البداية أني دخلت الجماعة الإسلامية، رقم واحد تلغي عقلك. مع أنه انظر ، يعني القرآن الكريم من أكثر الكتب إن لم يكن أكثرها دعوة إلى العقل…
باسم: والتفكير والتعقل.
توفيق: يعني، عند بداية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ﴾ [طه: 54]، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]. هذا ليس هكذا وفقط، في آخر لحظة في يوم القيامة والناس في جهنم يقول لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: 62].
باسم: وهو يعطل لك الفكر في أول حياتك!
توفيق: نعم، في أول حياتك بالضبط، انظر المفارقة أو يعني… طبعًا هذه كانت البداية. وطبعًا نحن يوم ما دخلنا الجماعة الإسلامية بدأ أيضًا يحوّل الدين من عشق وعبادة للذات الإلهية…
باسم: إلى إرهاب.
توفيق: نعم لحظيًا يومها، صليت صلاة العصر لا أنساها، وقفنا، وكان غالبًا معذرة، غالبًا في الوضع التقليدي يعني نقف ماذا؟ يقول لك كتف بكتف.
باسم: أحسن من أن الشيطان يمر بينكم.
توفيق: نعم، والموضوعات هذه. لكن القصة هنا كانت مختلفة تمامًا. لا، هو لا يريد كتفًا بكتف فقط، لا، يريد الرجل تلمس الرجل أيضًا. وليس فيه أي فجوات تمامًا يعني. فطبعًا أنت لازم تقف بطريقة غريبة هكذا أنك رجلك مفتوحة، لكي يلمس رجلي الذي بجانبه هكذا يعني، لازم تجعل الكعب حتى خارجي. الرجل الذي هو الإمام يومها في مسجد الجماعة الإسلامية داخل كلية الطب، كان رسمي موجود على فكرة، جاء علينا واحدًا واحدًا يتأكد أنه لا توجد مسافات.
باسم: أوف!
توفيق: والله. وكان عندنا محاضرة بعدها وأنا متضايق جدًا أنه معطلنا 20 دقيقة.
باسم: وهو يتأكد أن الشيطان لا يمر في الفجوات.
توفيق: كان أول جامع في حياتي، أول مرة في حياتي أقعد في جامع أو مسجد يصر على النقطة هذه. وبعد ذلك فهمت في الآخر لماذا يصِر. في لحظة بعدما انتهى وراح يؤمنا، قال لك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].
باسم: طب أنت تصلي… تقاتل؟
توفيق: حول لك اللحظة هذه…
باسم: إلى قتال.
توفيق: بالضبط.
باسم: معركة!
توفيق: في لحظة واحدة تحول فكرك من إنسان يبتغي وجه الله مثل إبراهيم يبتغي وجه ربه، إلى شخص كل همه يصارع ويحارب ويصبح عنده عداء مع أحد، ما أنت ستقاتل مَن؟ وطبعًا هم تأويلاتهم للقتال ليست يعني ها… تأويلات رقيقة أو إنسانية. لا لا لا.
كيف يُسلب العقل باسم الجماعة الإسلامية؟
باسم: هذا الحدث كيف أثر على سلوكك؟
توفيق: أنا في خلال شهرين أو ثلاثة كنت بني آدم مغسول المخ. ورغم أن والدي الله يرحمه كان يعني رجلًا يعني غير متعصب تمامًا في الاتجاه الديني، ووالدتي أستاذة لغة فرنسية يعني كانت تتكلم مع صديقاتها بالفرنسية، يعني التربية ليست… خالي كمال ياسين المخرج المسرحي المشهور كان حاصل على الدكتوراه من السوربون في باريس.
باسم: يعني عائلة متعلمة على مستوى…
توفيق: العائلة ليست لها علاقة بالكلام هذا، أنا عشقًا في الذات الإلهية، فقط هي طاقة، لذلك هي مسؤولية كبيرة على أكتافنا، مسؤولية تاريخية، أجيال كامنة، عنده طاقة يريد أن يعبد ربه، إما توجه له الطاقة هذه لاتجاه الخير، تقول له يا حبيبي لكي ربنا يحبك -وهذه القصة التي أحكيها لك الثانية لو أتيحت الفرصة، قصة هامة جدًا جدًا حصلت لي في حياتي-. فأنت إما توجهه للخير وتقول له يا حبيبي لو تريد ربنا يرضى عليك اعمل هكذا. أو توجهه للشر تقول له يعمل العكس تمامًا، يعني تقول له أنت تحب جارك ربنا سيرضى عليك مثلًا. أو تقول له لما تكره جارك لأنه ليس مسلمًا مثله، إذن ربنا سيرضى عليك. أنت توجهه، أنت غيرت تمامًا الاتجاهات الخاصة بالإنسان بنفس الطاقة. أنا طفل صغير، سني صغير يعني، ليس طفلًا لكن…
باسم: يعني تحول إنسانًا من إنسان فطري مسالم مسلم إلى إنسان…
توفيق: عنيف كاره للآخرين. لا يرى في الآخر إلا عدوًا.
باسم: يعني عكس المعنى الحقيقي للإسلام.
توفيق: إطلاقًا. الإسلام أساسًا قادم من صلَحَ يصلح صلَاحًا، سلم..
باسم: مسالمة الناس.
توفيق: مسالمة إسلامًا، فهي الفكرة أنهم حولوا الدين كله من معنى أن كلمة المسلم الحقيقي هو من يدعو للسلام في الأرض…
باسم: في حديث عن الرسول…
توفيق: يفعّل السلام…
باسم: هناك حديث عن الرسول يقول: المسلم من سَلِمَ الناس من يده ولسانه.
توفيق: الله ينوّر عليك، الله ينوّر عليك. المسلم من سَلِمَ الناس من يده ولسانه. هذه حقيقة. ولذلك إبراهيم اعتبر مسلمًا، والأنبياء السابقون اعتبروا مسلمين، ولكن ليسوا… يعني هذا شيء غير طقوس الديانة الإسلامية أو الديانة الأخيرة، لأن الدين موضوع ثانٍ. لكن الإسلام بمعناه المفروض كان أن تدعو للسلام، ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]، يعني هذا هو القرآن، لم يقل له يعني… الشيطان ربنا وصفه بماذا؟ قال لك: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 91]، فأي شيء يدعو للعداوة والبغضاء بين البشر فهو من الشيطان وليس من الله، هذه قاعدة إلهية، ربك وضعها.
باسم: فهذا الرجل حاول يحولك إلى إنسان شيطان.
توفيق: وهذا الذي حصل بعد شهرين ثلاثة كنت إنسانًا آخر. ولكن لما أزيد، يعني هنا في الكلمات أو في الشعر بيتًا كما يقولون، لكن لا أريد أن أمدح هذا بأن أقول إنه شعر، لكن لما أريد أضيف بعض الكلمات هنا، أنا لا يمكن أنسى في حياتي وأنا أول مرة أقرأ آية -فهذه فكرة مدى التدريس الديني يهم ويفرق- كنت فاتحًا القرآن بعد صلاة العصر في بيتنا 9 شارع شريف باشا، شقة 18 وسط البلد، أمام عمارة اللواء. هنا هو موجود في المكان يعني، ليس بعيدًا عن هنا. فتحت القرآن بعد صلاة العصر، وأقرأ في آية، فجاءت في سورة التوبة، جاءت بالآية: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]. فبأمانة بدأت…
باسم: لم ترتح.
توفيق: اضطرب صدري، يعني لأنها متناقضة مع ضميري الإنساني. لأنه كان أول سؤال سألته: طيب جارتنا التي فوقنا في الدور السابع، نحن كنا في الدور السادس، هي في الدور السابع اسمها “طنط” فوزية، لن أنساها أبدًا، و”أونكل” شفيق الله يرحمهما. كانت سيدة طيبة جدًا، دائمًا وأنا طفل تحنو عليَّ وتحبني وتعيّد عليَّ، سيدة أم يعني. طيب أنا سأكرهها كيف هذه؟ أنت تتخيل الوضع؟ ليس بمجرد سأكرهها فقط، سأقتلها… أنا المفروض أذهب، فاهم؟ قصدي يعني أستخدم عنفًا، فلم أقدر. فرحت سائلًا واحدًا صديقًا لي كان اسمه عادل سيف وقتها، كان هو سلفي في فكره، وبذقن، فقلت له يا عادل الآية هذه راجعها، فقال لي لا لازم نطبقها، هذا الجهاد، شيء اسمه الجهاد. كنت أنا لا أعرف شيئًا تمامًا. فهو قال لي: هذا شيء اسمه… وأحضر لي كتبًا لأبي الأعلى المودودي. وقال لي: لكن لازم نبقى منظمين يعني، لا تعملها لوحدك، يعني جيد، الله يكرمه أنه قال لي ذلك يعني…
باسم: ربطك في شيء آخر.
توفيق: فلازم تبقى مع شيء مجموعة هكذا، بحيث يعني…
باسم: تجاهدون مع بعضكم.
توفيق: نعم، نجاهد مع بعض.
باسم: تقتل جارتك.
توفيق: المهم بأمانة يا أستاذ باسم، لست قادرًا، ضميرك، عارف ضميرك مهزوز…
باسم: الفطرة السليمة تأبى.
توفيق: وفي نهاية الأمر يعني من ضمن الكلمات التي أحبها جدًا، كلمة للسيد المسيح تقول لك: “وَمَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟” [مرقس 8: 36].
فأنا كان عندي في نفسي، التي هي ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8]، فأنا من داخلي في النفس البشرية مهزوز، لست عارفًا أعمل ماذا. فرحت لواحد الله يرحمه غالبًا اسمه الشيخ شعبان، كان بجانبنا في جامع الساحة في شارع ريحان، على ما أذكر، الشيخ ريحان، اسمه الشيخ ريحان في وسط البلد. فكان اسمه الشيخ شعبان، كان رجلًا صوفيًا من الناس الجميلة في الصوفية. -الصوفيون فيهم ناس جيدة جدًا على فكرة في التبتل والتأمل لله يعني-. رحت للشيخ شعبان بعد صلاة الجمعة، قلت له: يا شيخ شعبان الآية هذه يعني، لست عارفًا، تعبتني، لا أعرف أعمل فيها ماذا. والله العظيم يا دكتور باسم، الرجل الجميل هذا الذي هو الشيخ شعبان راح جاء ربت على كتفي هكذا، طبطب علي، كان يحبني ويعرفني يعني، وقال لي: يا ابني فقط أحب كل الناس، وابقَ جيدًا مع كل الناس، وربنا سيرضى عليك.
عارف نظام الصوفية البسطاء، وكان بذقن هكذا كبيرة، قارئ للقرآن أسطوري، كان يعني ساحرًا، حين يتلو ويقرأ ويرتل القرآن.
قلت له: لكن يا شيخ شعبان هذه مكتوبة هنا يعني، يعني في القرآن. فراح أيضًا ربت على كتفي وقال لي: يا ابني، فقط أنت كن كما قلت لك، ابقَ جيدًا، أحب كل الناس وربنا سيرضى عليك.
أنا طبعًا كواحد في السن هذا، قلت له: طيب يا شيخ شعبان… -هو الحقيقة أكمل، معذرة أنا فقط أستكمل- قال لي بعدها، بعد هذا، أتذكر، قال لي… قلت له: طيب هذه معناها ماذا؟ هي في القرآن. قال لي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: 53] التي هي الآية التي في سورة الأعراف، أن القرآن سيأتي تأويله الحقيقي يوم القيامة. أنا لم يكن عندي الصبر أني سأنتظر إلى يوم القيامة.
باسم: صحيح، تريد أن تعرفه في الحياة.
توفيق: من الذي مشى معي عادل سيف، الذي هو الاتجاه هذا، فهذا أكمل في قصة الجماعة الإسلامية وشجّع على الاتجاه هذا. لكن الشيخ شعبان… وهذا الجزء أخطر مرحلة في حياتي، ويمكن تعبّر وتصوّر ما المشكلة الحالية، أن عادل سيف أعطاني الـ (Theology) (اللاهوت)، أعطاني المفاهيم والكتب والتفسيرات والفقه الذي يؤيد هذه المعاني.
باسم: يعني أعطاك كل الأدوات التي تقودك إلى الدم.
توفيق: الله ينور عليك. الشيخ الصوفي الجميل الذي أحب الله، وأعتقد أنه أحبه الله أيضًا، أعطاني لمسة من الحب والحنان والرحمة والإنسانية والجمال، لكن لم يعطني أي كتاب متكامل منهجي يوضع بجانب الكتب الثانية وأقدر… وهذا الذي دفعني أنه أنا أبدأ في محاولة من وقتها لإعادة فهم النصوص الدينية بصورة مختلفة، لأن نفس هذا النص القرآني ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ أنا حين تأملت فيه بعد فترة من الزمان وجدت أن هذا النص مظلوم ظلمًا كبيرًا.
هذه الآية ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾. أنا أخذتها بعد هكذا لخمس درجات من الفهم، وأسميتها درجات الفهم القرآني. أنه أنت لا تأخذ الحاجة هكذا بصورتها العامة يعني من غير تفكير بعمق فيها بكل أحداثها. فأول درجة كانت مَن هم هؤلاء المشركون؟ فأنا تحديدًا قلت هؤلاء مشركو مكة الذين قتلوا الرسول في بداية الإسلام وأخرجوه من دياره وقالوا… ﴿أَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: 9]. فهؤلاء فقط طائفة المشركين الأوائل هؤلاء.
طيب واحد يسألني: طيب ستأتي للمستوى الثاني من الفهم والدرجة الثانية، طيب على أي أساس بنيت يعني تفكيرك هذا أن هؤلاء فقط المشركون الأوائل، يعني ليس الذي بجانبك، ليس جارك، ليس طنط فوزية في القصة؟ على أساس أن الآية تقول المشركين وليس من أشرك، وهناك فرق السماء والأرض، إن قلت لك أنا أعيش في واشنطن تعرف، إني ذاهب إلى بيت أبيض، وأن أقول لك إني ذاهب إلى البيت الأبيض، فإن عرفتها بالألف واللام فهي تحدد. لو أنا واعد أجلب كتابًا من كتبي لك اليوم وقلت لي يا دكتور توفيق: جلبت لي الكتاب؟ انتهى لست محتاجًا أن نشرح أي كتاب، هو معين، فمحدد في هؤلاء فقط.
ثالث درجة من درجات فهم نفس الآية هذه، أنها طالما حددت.. لماذا ربنا غضب على المشركين الأوائل هؤلاء؟ لأنهم، قال لك: ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: 13] هم بدأوا القتال للمؤمنين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]، والفتنة من أحد معانيها حرقهم أحياء، يعني كانوا يحرقونهم أحياء، وأخرجوهم من… ﴿أَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا…﴾، يعني هم أخرجوهم من ديارهم، يعني كل تصرفاتهم…
باسم: وحرضوا الناس ضدهم أيضًا.
توفيق: إذن ربنا غضب عليهم لأنهم عملوا هكذا فيهم، من أجل…
طيب، المستوى الرابع من الفهم، نحن بالدرجة الرابعة، ما الصفة العامة لكل هذه الأشياء؟ أنه أنت تضطهد أقلية دينية لأنها فقط مختلفة عنك، هم المشركون هؤلاء عملوا ماذا؟ اضطهدوا أقلية دينية لأجل اختلافهم عنهم.
باسم: صح، صح.
توفيق: المستوى الخامس من الفهم أو الدرجة الخامسة: ما نتعلمه، ماذا نتعلم اليوم من هذا؟ نتعلم ألا نضطهد الأقليات الدينية حتى لا نصبح مثل هؤلاء المشركين ويحل علينا غضب الله.
كيف يكون القتال الحقيقي في القرآن؟
باسم: جميل، لكن هناك فهم آخر ممكن يضاف لسانيًا إلى معنى الإشراك، المشرك هو الذي يتخذ نمطًا سلوكيًا جزائيًا يعارض النص الإلهي، فهو أشرك بنمط سلوكي قضائي أو جزائي يعارض النمط. وبالتالي القتل هنا لا يعني القتل بمعنى حتى الموت، القتل مثلما تقول قتل الشيء أو اقتل الشيء، خفف من حدة أو من غلواء معارضة المشرك للنظام الإسلامي أو للنظام الجزائي المتبع في المجتمع.
توفيق: الله عليك.
باسم: أن تقوم بعمل عن طريق تثقيفهم، حصرهم، منعهم من يعني… الحد من نفوذهم في المجتمع، من أجل هذا: ﴿فَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [النساء: 89].
توفيق: آه، أنت تنقلها لمعنى آخر جميل جدًا.
باسم: هو القتل هكذا، الشارح أو المفسر الذي يفسر الآية، هو أخذ المعنى القصدي…
توفيق: الحرفي.
باسم: الحرفي الأخير، الذي أن القتل يُقصد إزهاق الروح، هو هنا في الآية لا يقصد إزهاق الروح.
توفيق: يمكن أيضًا أن تضيف آية أخرى تقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]. فأنت حين تقاتل، المفروض القتال الحقيقي يكون ضد الشيطان. الشيطان يدعو للعداوة والبغضاء، فقتاله بالعكس، بالمحبة.
باسم: بالمحبة بالضبط.
توفيق: والإنسانية والرحمة. يعني أنت هنا تقاتل العدو الحقيقي الذي وصفه الله بأنه العدو الحقيقي: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. مرحلة المشركين الأوائل الخاصة بمكة هؤلاء، هذه مرحلة ومرت. ولكن ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، يعني هو هذا العدو الذي يُقاتل. وقتال الشيطان هنا… ترى ما يريد الشيطان هو إحداث العداوة، أن تقاتله بالمحبة. البغضاء تقاتلها بالرحمة والإنسانية. فهناك مفاهيم، وهذا ياليت يكون هناك مجال العديد…
كيف يثري اختلاف الرؤى فهمنا للحقيقة؟
باسم: نحن عادة نتبع نهج استخدام آلية “اللسان العربي المبين” في قراءة القرآن، بعيدًا عن القراءة بالهوى وبالرواية وبالتاريخ وبالإسرائيليات وبالتلمود…
توفيق: هذا هو الصحيح.
باسم: والقراءة البنيوية، يعني استخدام هذه الآلية في القراءة البنيوية للنص القرآني، باعتبار أن اللفظ القرآني هو لفظ مجرد، مفهومي، ثنائي الجذر أو ثنائي الصوت، لا يأخذ معناه إلا في سياق. هذه القاعدة الأساسية للسان العربي المبين، وبالتالي هذه القاعدة تمكن أي فرد عنده مستوى معرفي ما من قراءة النص ويفهم، ليس بحاجة لصاحبك يدلك…
توفيق: صح ليس بحاجة. هم بالعكس يشوهون الدين. على رأي زوجتي الكريمة الدكتورة مها دائمًا تقول إنهم كأنهم أعطونا نظارة نرى بها الأمور من خلال نظارتهم هم. فالآية تقول حاجة نحن نفهمها اليوم من خلال ما علموه لنا، ليس من خلال الآية ماذا تقول في النسق القرآني والمعاني القرآنية العظمى.
باسم: هم وضعوا غشاوة على العيون.
توفيق: بالضبط.
باسم: أغلقوا العقل، أغلقوا العقل الجمعي، قيدوه بمفهوم طارئ على النص وليس من النص.
توفيق: ومنعوا شيئًا . يعني وأنت تذكر معنى آخر للآية، أنا استمتعت بهذا، لأني أنا لا أريد أن أحتكر معنى ما، هذا ما أفهمه، ولكن ليس معناه أن غيري فهمه خطأ. يعني أنا دائمًا أضرب مثلًا في برنامج عندي تعليمي اسمه “التعليم من أجل الإنسانية” (One Humanity Education)، أو التعليم من أجل الإنسانية، فكرته أنه يقاوم بأسس فكر التطرف من غير ما أتكلم في الدين. يعني أنا أعرض لمن أمامي مثلًا صورة ماذا؟ شيء معين، أو رقم ٧ و٨، أنا كاتب ٧ هنا، ممكن تقرأها ٨ وتصر أنها ٨ وأنا أصر أنها ٧، وبعد، أصور لك أن الاثنين هذين يتشاجران، وغاضبين من بعضهما، لكن هل هما الاثنان خطأ؟ لا، بالعكس الاثنان صح. طيب لدرجة أنني ذات يوم دعيت في إحدى العواصم العربية، الدول الخليجية، قيل لي ألقِ محاضرة عن One Humanity Education (التعليم من أجل الإنسانية). وكانت فرصة جميلة جدًا، التقيت بمجموعة لطيفة، كان لقاء جميلا، فعملت حركة وسط اللقاء كانت غريبة جدًا. أمسكت التليفون الخاص بي ومعذرة أنا لم أضعه في جيبي الآن، فتخيل فقط معي: تليفون محمول أو موبايل، وقلت لهم: ممكن يا جماعة فقط واحدة… كن طالبات في الجامعة من هنا، واحدة من جانبي هنا، واحدة من جانبي هنا، كلنا نصور الـ Auditorium (قاعة المحاضرات) هذا أو المكان الذي هو في المحاضرة… قاعة المحاضرة… المعذرة، قاعة المحاضرات… كلنا نأخذ صورة. طيب ما رأيكم الآن لو جئنا بجانب بعضنا البعض، هل نحن عندنا صور مثل بعضنا بالضبط، أم أن الصور هذه ستكون مختلفة تمامًا؟ نظروا لبعضهم، كل الناس، وقالوا ستكون مختلفة تمامًا.
باسم: أكيد مختلفة.
توفيق: هل معناها أنا خطأ وأنتِ صح، وأنتِ خطأ وهي صح، أم كلنا صح؟ قالوا: كلنا صح. قلت لهم: طيب تعالوا بقى، لو أنتم جئتم بجانبي هنا، ووضعنا الأربع صور بجانب بعض، ألن نرى الذي هو الـ Auditorium أو قاعة المحاضرات بصورة أوضح وأفضل. يعني أنا لو صورت …
باسم: جميل جدًا والله جميل.
توفيق: يعني اختلافي واختلافك هنا تحوّل إلى رحمة، يعني لما يقول لك “اختلاف أمتي رحمة”، هذه ممكن يبقى لها معنى جميل، ليس يعني… أنه هو أنا لو صورنا، لو الدكتورة زوجتي أعطتني التليفون الآن وصورت الدكتور باسم، وصورتني، صورتان ليس لهما علاقة ببعضهما، وكلنا ممكن نتشاجر على فكرة، يبقى صراع رهيب، لا الصورة فيها مكتبة…
باسم: ممكن اختلاف الصور يقدر يعطيك صورة أشمل.
توفيق: لو جئنا بجانب بعض ورأيناها بجانب بعض أصبحنا نرى، أنا لا أرى الذي ورائي الآن، فصورتك صح وصورتي أنا صح. واختلافنا هنا ممكن يتحول لرحمة لو نحن فهمنا أنا نحن يعني شركاء في معرفة الحقيقة وليس… ولسنا ملّاكًا لها.
ما دور حرية الفكر في نبذ التطرف؟
باسم: عودة إلى بداية تحويلك إلى عقل يسكنه الشر، كيف تخلصت منه؟ كيف خرجت؟
توفيق: والله انظر، هما شيئان حصلا في حياتي، اعتقادي ساعداني في التخلص من هذا. أو نقول ثلاثة أشياء لكي أكون دقيقًا. أولهم أنني حينما تأملت في عظمة وجمال الذات الإلهية كنت أراه في كل شيء، يعني أراه في الورود، في الفراشات، في قواقع البحار، في ملكوت السماوات والأرض، فكان في جزء هنا عشق. أنت لما تعشق الذات الإلهية أيضًا يساعدك في إنارة طريقك.
كان أول خطوة في الإنارة والدتي الله يرحمها رأتني داخلًا في التطرف جدًا، وكتب بقى من إياها. يعني كان عندي ماذا يعني؟ صناديق كتب ابن القيم وابن تيمية…
باسم: يعني أنت مشيت في الطريق، وسلكت؟
توفيق: يا الله، وكنت سريعًا في التقاط المعرفة، فتمكنت بدرجة عالية جدًا، وكنت أمشي أكلم الناس بالكلام التقليدي الذي تعرفه هذا.
باسم: يعني لو بقيت معهم كنت صرت أميرًا؟
توفيق: أنا كان في بالي أذهب لأفغانستان.
باسم: أيضًا.
توفيق: وصلت لمرحلة أذهب أفغانستان الصيف الذي بعدها. لكن ربك شاء بقى أن والدتي الله يرحمها، والدتي الله يرحمها، وقالت لي: يا طارق ما تركز في القرآن فقط يا حبيبي. لأني بدأت أضطرب متى؟ لما بدأوا يقولون لي حكم الردة. أنا ربيت على حرية الفكر، والدي الله يرحمه، والدي الله يرحمه رباني على حرية الفكر، وكان رجلًا يعني علمني أشياء… كان يمسك هرمًا والله لا يمكن أنسى، يضع الهرم من فوق هكذا ويقول لي: يا طارق، كنت قصيرًا بقى، صغيرًا، يضعه ويقول لي: الهرم هذا… الذي أنت تراه هذا ماذا الآن؟ مربع أليس كذلك؟ طيب لو وضعته لك هكذا حبيبي بقى كيف أمامك؟ أقول له مثلث. طيب لو تراه من فوق هكذا؟ طيب لو أنت داخله شيء ثالث. فعلمني هو، هو فكرة أن منظورك للأشياء لا يعني الحقيقة المطلقة، ولو أنت احترمت المنظور الآخر بقى، بل لو أضيف إلى منظورك عن الأمور، لرأيت الأمور بشكل وبصورة أفضل أيضًا.
فأبي الله يرحمه كان له دور في أنه هو عمل أسسًا يبني عليها التغيير الذي أرجعني ثانيًا.
أمي قالت لي، أقول لها حكم الردة هذا كان تاعبني جدًا، القرآن شيء يجنن… القرآن يقول لك: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]. هل يوجد نص أوضح من هكذا؟ يعني ينقص أن ربنا بنفسه ينزل لهم لكي يقنعهم، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256].
لو توجد آية أخرى، نعم، ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ…﴾ إنه يعاتبه: ﴿حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. إذا فكر حتى في لحظة إكراه. ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ [ق: 45]، ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، انظر ماذا يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: 21] ليس أكثر من هكذا، هذا أسلوب قصر واستثناء، “إنما” هذا أحد أساليب القصر والاستثناء في اللغة، يعني فقط مذكر ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22].
فاليوم القرآن الكريم واضح جدًا في هذا الأمر. لما يجيء يقول لك حكم الردة، لا، أنتم تتحدون القرآن بقى. يعني هنا وصلت لمرحلة… فهذه شككتني في كل الذي يدرسونه لي. لست قادرًا أتخيل أن واحدًا لكي رأيه مختلف أنه أنا أقتله…
باسم: أو إذا لا يصلي.
توفيق: أو إذا رأيه تغير. لو مسكت سيدنا إبراهيم وهو يعبد الأوثان وقتها، ونتكلم في ملة إبراهيم كما شئت بعد قليل، كان واحد ذبحه! لو واحد سلفي قابله وقتها متعصب، كان يمسك سيدنا إبراهيم خليل الرحمن يذبحه: أنت تعبد الأوثان، وتقول: هذا ربي، أنت تشير على الكوكب أو الشمس أو القمر و -تقول هذا ربي. يقولون هذا كافر حلال الدم والدين، ويقوم يقتله. الذي أصبح خليل الرحمن. فمن أنت حتى تحاسب غيرك؟ ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: 25-26]، ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 52].
الحساب على ربك لأنه هو أعلم بظروف الإنسان، هو أعلم بكيمياء مخه. أنا أبي الله يرحمه كان دكتور جراحة زمان، كان في دمياط في وقت من الأوقات. وجاء لهم واحد في الأول، دخل على بابا الله يرحمه، كان هو مدير المستشفى وأيام الستينات أيام عبد الناصر، ودخل قال أين الدكتور عبد الحمي؟ ودخل له على الغرفة، كان عنيفًا جدًا، شتم أبي وشتم عبد الناصر، وما أدراك ما تشتم عبد الناصر في أيام الستينات وما أدراك هذا الأمر. فأبي الله يرحمه أعطاه جزاء شهر. هذه كانت أقصى حاجة، وبعدما أعطاه جزاء الشهر هذا، الرجل جاء بعد ثلاثة أيام في عربية الإسعاف ميتًا من بولينا التي هي فشل كلوي غيّر كيمياء الدم، أثّرت على خلايا المخ، جعلته يفعل. فمن أنا وأنت حتى نحكم على غيرنا؟ أنت تحكم على الفعل يا أخي أن هذا سيئ.
كيف أوقظت صدمة العنف ضميرًا مغيبًا؟
باسم: طيب كيف تخلصت من هذا؟
توفيق: أنا آسف، معذرة، أخذتك في بحور بعيدة. رقم واحد أن والدتي نبهتني أن هناك فرقا بين القرآن وبين هذا. فبدأت أشعر بأن الناس هذه تعلمني ضد القرآن، شعرت أن هناك تناقضًا كبيرًا جدًا بالذات في حكم الردة والرجم. فبدأت أشعر: لا، هناك خلل هنا. بدأت أفكر، وبمجرد ما بدأت أفكر عكست القصة كلها معي، الفكر كفر. بدأت ماذا؟ أنه أنا أحبط فكري النقدي هذه بالدال. فبدأت أفكر، فكانت هذه هي البداية.
الجزء الثاني الذي أثّر، لما دعوني أن أشترك معهم في أن نخطف ضابطًا مصريًا داخل كلية الطب، كانت توجد مظاهرات في الكلية ضد، يريدون أن يمنعوا حفلة موسيقية…
باسم: يعني السلفيون كانوا يريدون منع حفلة موسيقية؟
توفيق: نعم، الجماعة الإسلامية.
باسم: الجماعة الإسلامية عفوًا.
توفيق: فكانوا يريدون أن أساعدهم أن يخطفوا ضابطًا، قالوا “يتاووه” بجانب الجامع الخاص بالجماعة الإسلامية، يدفنونه حيًا.
باسم: أوف!
توفيق: لك حق. هذا كثير جدًا علي… يعني أنا بقى لا أقدر، هذه كانت تعرف…
باسم: صدمة قوية.
توفيق: زلزال في الضمير البشري. فأنت العقل اشتغل والضمير، هم يعملون ماذا؟ يحبط لك العقل ويحبط لك ضميرك، يقول لك لا تناقش ولا تجادل يا أخ علي الخاصة بالفيلم…
باسم: يعني يقتل الطرفين، يقتلك.
توفيق: يقتلك. هي واقعيًا أنت لست إنسانًا حيًا طبيعيًا إذا أحبطت ملكة الفكر والضمير البشري، ماذا يتبقى لك؟ يعني ماذا يتبقى لك كإنسان؟ فهم يحبطون هذا، وهذا كان مجرد ما اشتغلوا رجعت ثانيًا أفوق.
ولذا في أي مناهج تعليمية وأنا عندي كثير متاح يعني، لتغيير الفكر في المجتمع بصورة إيجابية لا بد أن يراعى هذه الأشياء التي هي تجعل الناس تفكر، ليس مجرد تتبع بغير علم، وفي نفس الوقت أنها تُعمل ضميرها، والاثنان أسس في القرآن: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: 62]، والثانية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8].
النفس البشرية التي ربك وضع فيها ضميرًا يعرفك هذا خير أم شر.
باسم: الفطرة السليمة الأساسية…
كيف تُدمج علوم الذاكرة بالتعليم الديني؟
باسم: تركتهم؟
توفيق: تركتهم، وقعدت سنة ونصف بعدها مناقشات معهم، هو أنا لم أكن سهلًا في المناقشة فكنت أتعبهم جدًا يعني. وكانوا يحاولون المستحيل لكي يضموني ثانية، لكن كان القرار أن أقف أمام عجلة التاريخ حينذاك. لأنه كان اتجاه السلف هو السائد المسيطر، الذي معه الفلوس، الذي معه السيطرة، الذي معه الشهرة.
باسم: معه فلوس؟
توفيق: طبعًا. تمويل من أين كان؟
باسم: وأنا لوحدي بمفردي، وبعد قليل أصبح معي زوجتي الكريمة الدكتورة مها. وغير هكذا أنا لوحدي أقاتلهم، ومعي أفراد على أصابع اليد، أقولهم لك بالاسم الآن لو أردت، موجودون هنا بعضهم، كلهم بخير، تستطيع أن تراهم أيضًا.
فتصور أن فردًا لوحده… هي كانت مرحلة صراع، أنا سأبيع نفسي لكي ناس تشهرني أو تدفع لي فلوس؟ كان ممكن أستخدم ملكة الخطابة، أنا كنت ألقي خطبة الجمعة من غير أي إعداد، والحمد لله كانت تهتز أحجار الجوامع، كانت تهتز معي. يعني أقول لك أكثر من هكذا، لن أنسى وأنا أتكلم في سورة الرعد والآيات تلو الآيات وملكوت السماوات والأرض وخلقه.
خاصة أنا يعني… يعني تعرف أنا أعشق المعاني الجميلة في كل مكان، وهذا أمر إلهي يعني، هو ليس رأي الدكتور توفيق حميد، لا، هذا أمر إلهي يعني. هناك آية في النص القرآني: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 17-18]، أيًا كان قائله يا أخي.
باسم: صح صح.
توفيق: يعني لو الشيطان قال لي واحد زائد واحد يساوي اثنين، يبقى الشيطان خطأ؟ لا لم يخطئ هنا. يعني أنت تتبع… أنا أعطي مثالًا مبالغًا فيه، معذرة للتوضيح.
باسم: مفهوم.
توفيق: معذرة لا أقصد المعنى الحرفي، لكن أقصد أنه أنت تفكر المعنى الجميل… المعنى الجميل هذا تراه في أشياء كثيرة يعني. تراه في كل مثلًا من تبتلات سيدنا داود كنت أعشقها يقول لك: أين أهرب من وجهك يا الله؟ أذهب إلى أين؟ إن صعدت في السماوات فأنت هناك، وإن فرشت في الهاوية فها أنت. لم تختفِ عنك عظامي حينما رقمت في أعماق الأرض، أنت يا من نسجتني في بطن أمي. الصانع عجائب والمبدع غرائب، فهذا هو الله.
باسم: هذا كان حافزًا لك لأن تستخدم الطب مثلًا في التعمق في الدراسات القرآنية والإسلامية مثلًا أو في… يعني أن تجد نفسك بهذا المجال؟
توفيق: هو حدث ولكن ليس من خلال الطب نفسه، من خلال التعليم الطبي، تطوير التعليم الطبي. أنا عاشق للتدريس وعندي قنوات طبية فيها فوق نصف المليون طبيب يتابعونها، يدرسون طب…
باسم: يعني أطباء عرب أم أجانب؟
توفيق: هم عرب لأنه هو الطب باللغة الإنجليزية لكن أنا الكلمات التي في النصف تكون ماذا؟ بالعربي. لكن هناك أجانب يحاولون يتلقون العلم من…
باسم: التوضيحات.
توفيق: الرسوم التوضيحية وهكذا. يحاولون، وهناك كتب، لكن الفيديوهات شارحة كل فروع الطب ورسم القلب والأشعة وحدث ولا حرج يعني. فهذه اسمها (MedLearn) هي… ولست مضطرًا أن تذكرها لكن الحمد لله هي ناجحة ومنتشرة وتعلم نصف مليون طبيب عربي على مستوى العالم. لكن أنا عملت كيف (MedLearn) هذه؟ هي هذه القصة الرئيسية أنه أنا أعشق التعليم وتطوير طرق التعليم، فعملت شيئًا في نيوزيلندا وبعد هكذا نُشرت في أمريكا. أنا كنت أدرس في كلية الطب في نيوزيلندا في أوكلاند، كنت أدرس باطنة… أمراض باطنة لطلبة الطب وابتدأ… أقدر أقول إني ابتكرت شيئًا اسمه التعليم متعدد الأبعاد الذي هو (The Multidimensional Learning). وفكرته ماذا؟ كان أول مرة في تاريخ البشرية حرفيًا أن هناك شخصًا يدمج علوم الذاكرة –سأعطي أمثلة توضيحية كيف أدخلتها في الدين بقى- يدمجها في التدريس، عملية التدريس والشرح.
فأنا سأعطي مثلًا بسيطًا يوضح كيف يمكن نقل هذه الأفكار لشيء ديني مثًلا. نحن هنا نقول مثلًا هكذا، ممكن أقول آية هكذا أكتبها في شريحة في فيسبوك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]. جميل؟ معنى جميل أليس كذلك؟
وممكن أعمل ماذا؟ أقول ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] وأجعل كلمة المعتدين بلون مختلف عن الكلمة “لا يحب” بحيث إنها في الذاكرة البشرية تبقى أعمق عندك. وممكن أعمل ماذا أيضًا؟ أقول: “إن الله لا يحب”، وأجعلك أنت… أقول لك: املأ الجزء هذا، اكتبها تحت، تعليق: لا يحب المعتدين. أنت بنفسك تؤكد المعنى. هذه وسيلة أخرى للذاكرة البشرية.
وممكن أطلع بصوتي أقولها لك مع الشريحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وممكن أطلع كفيديو أكلمك أيضًا فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وممكن أشرح لك عمقًا لها أيضًا في المفاهيم الأخرى في القرآن، أجلب لك مجموعة من الآيات فأوصل لك المعنى هذا بمجموعة أخرى من الآيات: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]. أجلب لك آيات أخرى تمنع الاعتداء على الآخرين.
هكذا أعمل حاجة اسمها Spreading Activation Model )نموذج التنشيط المنتشر) الذي هو الانتشار الشبكي للذاكرة البشرية في العقل البشري. فلو أدخلت لك معلومة، يقول لك الذاكرة عاملة مثل Network of Information (شبكة من المعلومات) تنور هذه بمجرد هذه نورت، قلت كلمة السيارة لونها أحمر، الأحمر ذكرك بالدم وذكرك بالتفاح، والأحمر ممكن يذكرك بالنادي الأهلي مثلًا. It can go in any direction (يمكن أن تذهب في أي اتجاه) يعني في جميع الاتجاهات. فكلمة أحمر هنا… كيف أنت آية تأخذها وتضع مجموعة الآيات تربطها بطرق تجعل ال(بني آدم)…
باسم: ترسخها بالذاكرة يعني.
توفيق: تنتشر انتشارًا في كل مواقع الذاكرة. ليس هكذا وفقط، هناك في شيء اسمه Separate Store Model (نموذج المتجر المنفصل) الذي هو الذاكرة الانتقالية يعني من جزء لجزء في العقل. يقول لك لكي المعلومة تصل للذاكرة قصيرة المدى، القصيرة محتاج لازم التركيز، أن أركز مع… لا أقدر أن أركز مع أحد خارجي وأسمع في نفس الوقت، لا ينفع. لازم أركز. هذا رقم واحد، تنقلها من العين أو الأذن للـ Short-term memory store الذي هو الذاكرة قصيرة المدى. طيب تريد تنقلها للذاكرة بعيدة المدى لكي تظل للأبد، للأبد للأبد وبمجرد أنت بعد ذلك…
باسم: وتصبح جزءًا من السلوك.
توفيق: تؤثر في السلوك، الله يكرمك، تؤثر في السلوك السلوك البشري، هذه لازم تنتقل للذاكرة بعيدة المدى. لكي تنتقل وجدوا لازم عملية تتم اسمها Rehearsal (بروفة) يعني أنها تُراجَع المعلومة خلال critical 30 seconds (ثلاثين ثانية حرجة) تعيد المعلومة فيها للشخص تنتقل المعلومة هذه من الذاكرة قصيرة المدى للبعيدة المدى، لأن الإعادة هذه تـ activate يعني تنشط قنوات كالسيوم في خلايا المخ، الأجزاء الخاصة بالذاكرة وتساعد عملية النقلة هذه.
فأنا ممكن أعطي المعلومة وأعمل حركة ثانية بجانبها أنه أنا أعدها في خلال أقل من 30 ثانية الحرجة، لكي أضمن انتقال المعلومة في التعليم للذاكرة بعيدة المدى، كي تؤثر في الـ Behavior أو السلوك الإنساني في النهاية. فهنا أنا أدمجت، أدخلت علوم الذاكرة ليس فقط في الطب وفقط، في التعليم الديني نفسه، أدخلتها بطرق كثيرة ومتعددة وهذه يسمونها ماذا؟ الـ Contextual Variability (التقلب السياقي) والـ Encoding Variability (التقلب في التشفير) فكرتها ماذا؟ هي أنه أنت تشرح الحاجة في أكثر من موقع وتستخدم كذا طريقة للذاكرة إنها تُضبط في العقل البشري.
باسم: يعني هو كأنك تقوم بعمل إعادة formatting أو إعادة تشكيل للعقل أو المستوى المعرفي في العقل الذي سيقود إلى تأثير على السلوك؟
توفيق: بالضبط، فيه جزء منه اختيار المعلومة، الجزء الثاني ستعرض كيف، الجزء الثالث في الشرح يبقى كيف تأخذها في طريقة تعليمية تكون… توصلها للذاكرة البشرية بعيدة المدى لكي تؤثر في السلوك الإنساني.
كيف يقاوم التعليم من أجل لإنسانية جذور التطرف؟
باسم: يعني هذا الـ system أو هذه الفكرة تصلح لأن تكون أداة من الأدوات الرئيسة في محاربة التطرف مثلًا أو التزمت أو سوء فهم الدين أو التأثير على سلوكيات محاربة في المجتمع.
توفيق: بالضبط، وهذا الذي حاصل، أني حاولت بصورة فردية يعني، بأمانة هي كل محاولاتي فردية، لكن هي طبعًا لو اتخذت بطريقة صحيحة suppose to be… من أجل هذا أنا أسميته ماذا؟ One Humanity Education (التعليم من أجل الإنسانية)، أنا حلمي ليس فقط أن يُدرَس في عالمنا العربي، بأمانة يعني…
باسم: البشرية تحتاج لهذا النمط من التفكير.
توفيق: برنامج كامل يستخدم طرقًا تعليمية، تستخدم الـ optical elusions (الخداع البصري)، لا أعرف باللغة العربية التي هي تبقى الخداعات البصرية…
باسم: هي الخداعات البصرية.
توفيق: سأعطي مثلًا، أنا عندي مثل دائمًا أشرحه اسمه “نهر الحقيقة”، أنا أريد أن أعلمك، ممكن أعلمك من القرآن أن: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: 25-26]، الحساب على ربنا، صح؟ وممكن أرسم لك هذا الذي أنا عملته نهرًا، وهذا جزء من الذي هو One Humanity Education ، التعليم من أجل الإنسانية، رسمة لطيفة جدًا للطفل فيها نهر هكذا سميته نهر الحقيقة، وفي الآخر هنا الحقيقة موجودة عند نقطة مئة. هناك شخصان، واحد أ وواحد ب، أو محمد وحسن، أيًا كان، أو هاني. الشخص الأول هذا عند نقطة خمسة وتسعين من الحقيقة، هذا جيد جدًا، والشخص الثاني عند نقطة خمسة. ونسأل الطالب أو كذا: برأيك مَن أحسن فيهما؟ كله سيقول لك: هذا طبعًا، خمسة وتسعين هذا قريب من الحقيقة، هذا رجل صالح، هذا ما شاء الله وهكذا… الثاني هذا لا لا، هذا رجل فاسد، هذا رجل عنده نقطة خمسة. فماذا لو علمت أخي الكريم أن الذي عنده نقطة خمسة وتسعين هذا كان بدأ من نقطة مئة وماشٍ بالمقلوب، والغلبان هذا الذي أنت تقسو القسوة هذه كلها…
باسم: ماشٍ من الصفر…
توفيق: بالضبط يحاول، أنا هنا أوصل لك أنه أنت تصل للمعنى القرآني الذي هو: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: 25-26]، أنه ربنا هو الذي يحاسب وليس أنت، هو الذي عارف هذا بدأ أين وهذا بدأ أين. وأنا كل الذي أعمله أجعل المستمع أو القارئ أو الطالب أو أنه هو… يسمونها الـ generation effect، الذي هو ال(بني آدم) يفكر لأجل أن يستنتج المعلومة، ليس تعطيه المعلومة وفقط.
هذه أقوى طرق، وخذني هنا حرفيًا، ليست من أقوى طرق، أقوى طرق التعليم في العالم هي الـ generation effect ، أن تجعل الشخص هو الذي يفكر…
باسم: ويكتسب المعلومة…
توفيق: يجلب المعلومة بنفسه، وبعد هكذا أدعمها بحاجة ثانية، جميل، لكن اجعله هو الذي يفكر، أنا أعكس الفكرة…
باسم: طيب حتى هذه الفكرة جدًا أعجبتني، هذه الفكرة حتى نعمم هذه الفكرة أو تصبح في متناول الجميع، أو في متناول المؤسسات التعليمية التي تسعى فعلًا إلى تمكين الطالب أو التلميذ من أن يكون هو نفسه باحثًا عن حقيقته هو، وعن معرفته هو وعن ثقافته هو، فما بالك لما ندخلها في مثلًا… في مؤسسات رسمية مثلًا، أنه أن يصير فيه توجيه خاص، ندرب المعلم كيف يقدم هذه الآلية للطالب.
توفيق: طبعًا، أنت لو عملت تدريبًا للمعلمين على هذا الأول المنهج، أنا عندي منهج كامل. أنا أطمئن يعني، لو قلت لي غدًا أبدأ فيه، موجود عندي. هذا التعليم من أجل الإنسانية، سنين موجود عندي في حقيبة بجانب السرير الخاص بي في واشنطن، لهذه الدرجة، أنا أقدر أقول لك أين؟ في الدرج الثاني من تحت. أضعه للحظة، الله أعلم متى ستأتي هذه اللحظة، لكن أنا ضميريًا عملت الذي علي أن أنا حاولت.
وأنا أرى أن التعليم من أجل الإنسانية هو ليس دينيًا، بمعنى هو يدعو لقيم، كل قيمة فيه التي هي: لا تحكم على الآخرين، لا تظلم أحدًا.
باسم: هذه قيم قرآنية هذه.
توفيق: كلها قيم قرآنية. يعني أنا لو عملنا في العالم العربي ممكن تدعم هذه المعاني بمعانٍ من القرآن، ومن الإنجيل إن شئت…
باسم: الإنجيل كتاب الله.
توفيق: ولو عملته في أي دولة أخرى، وهذا الحلم، هذا الحلم الكبير، لو عملنا شيئا مثل هذا، خاصة أنت لست تتكلم في حاجة خاصة في الدين فقط، تتكلم على المعاني الإنسانية الكبيرة. ممكن تبقى على مستوى كل دول العالم تدرس من مصر لدول السعودية لدول الخليج الرائعة لأمريكا…
باسم: أي مجتمع، أي مجتمع.
توفيق: لأوروبا. الطالب الصغير هذا، نحن كـبشر لو فهمنا هذه المعاني، يا أخي سنمنع الكثير من الكراهية التي يوجد ناس تستفيد منها للأسف الشديد، فنحن الكراهية أصبحت صناعة الآن، فإذا كنا نريد أن نقاوم هكذا، نحلم، دعنا نحلم حلمًا كبيرًا.
ماذا يعني أن تكون إنسانًا ربانيًا؟
باسم: هو حلم حقيقة، لكن أنا يعني جدًا أعجبني هذا الحلم، وأنا أفكر معك في كيفية تحويل هذا الحلم ليكون يعني أداة في متناول مؤسسات التعليم حقيقة. لأنه إذا نظرت إلى مستوى التعليم الموجود في المجتمعات العربية على الأقل وأيضًا لا أستثني المجتمعات الأوروبية أيضًا فيها هبوط في مستوى التعليم، أنه هذه الآلية التي تمكن الطالب أو التلميذ من أن يكون قادرًا على استنباط حقيقته هو نفسه من الواقع الذي يعيشه، ومن ثم يستخدمها في تطوير نفسه، نحن ماذا نريد أكثر من هذا؟ هذا أحد مقاصد النص القرآني، أن يصبح الفرد صالحًا ليتمكن من إصلاح الأرض.
توفيق: صحيح، ولو الفرد صلح، هذه هي هذه غاية الهدف القرآني هو إصلاح الإنسان.
باسم: الدين لخدمة الإنسان.
توفيق: أنا من ضمن إصلاح الإنسان، أنا أذكر ذات يوم، يعني كنت أعمل إجراءً هنا بعد وفاة والدي في مصر هنا، وبعدها حصلت مناقشة مع مجموعة ناس قاعدين، وأنا يعني ألقيت بعض… كانوا يتكلمون عن ملة إبراهيم بصراحة، فأدليت برأيي يعني من خلال آيات القرآن، ففيه سيدة محترمة كانت مبهورة من…
باسم: الفكرة.
توفيق: هذا الفكر القرآني الرائع هذا، فقالت لي: (معلش ممكن أسأل ، يعني تابع إيه؟) يعني تريد أن تسأل: سنة، شيعة، جماعة إسلامية، إخوان؟ لست عارفًا…
باسم: لازم تنسبك لأحد الفرق المتفرقة، المتصارعة فيما بينها.
توفيق: نعم، فأنا كان ردي عليها عارف ماذا؟ قلت لها إني أطمح… مجرد أطمح ليس أكثر، أنا لم أصل للدرجة هذه بعد، أن أكون من الربانيين.
باسم: ليس أكثر؟
توفيق: لأن الوصف القرآني قال ماذا؟: ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، ليس… هذه كينونة، كينونة أن تكون ربانيًا، الناس تراك، ترى من الخير الذي فيك، وأعمالك الحسنة الجميلة، ترى أخلاقك كأن الله يعيش في داخلك، يقول لك هذا الرجل ربنا داخله، هذا هذا ربنا… قلبه عامر بربنا هذا، فسلوكك الجميل البشري الذي هو مع الآخرين فيه رحمة، فيه مودة، فيه إنسانية، فيه خير، فيه عطاء.
ما المقصود بملك اليمين في القرآن؟
باسم: أنا مسرور جدًا أنني التقيتك، حقيقة وأنا أتعلم منك.
توفيق: وأنا أتعلم منك.
باسم: لكن هذا المستوى المعرفي أو هذا المستوى من البحث الجميل قادك مثلًا إلى الدخول في عمق النص أو تدبر النص بطريقة شعرت أنك أنت فعلًا يعني اكتشفت أشياء جديدة مثلًا؟
توفيق: فعلًا، أنا كتبت كتابًا كاملًا، حوالي 625 صفحة، لكن مازلت أيضًا لم أنشره، اسمه “روح القرآن”.
باسم: يا سلام!
توفيق: تعتبره، ممكن تراه تفسيرًا للأجزاء المشتبكة أو…
باسم: مثار الجدل أو ذات التأثير المباشر في المجتمعات.
توفيق: أنا فقط الحقيقة الجزء الذي فيه القلق أو مفاهيم مؤذية، هذه أعيد فهمها فيه. والجزء الذي يدعو للخير والمحبة والسلام…
باسم: تبرزه أكثر.
توفيق: أبرزه أكثر بالضبط. فالكتاب هذا “روح القرآن”، هو مبني على الآية الكريمة: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]. فروح القرآن هو يبرز الروح الحقيقية لهذا الكتاب.
باسم: والهداية للصراط المستقيم.
توفيق: بالضبط. فروح القرآن على سبيل المثال: مفاهيم “ما ملكت أيمانكم”. أنا رأيت أن في القرآن كلمة “الأيمان” تأتي أساسًا بمعنى العهود والمعاهدات والعهود، فأنا قرأتها أنه هي ليس أنت الذي تملكها، هي تملك منك عهدًا، وكأنه عهد مكاتبة.
باسم: مئة بالمئة صح.
توفيق: هذا الفرق ما بين الزواج المكتوب والعهد، والعهد… و﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: 177].
فهو نوع من الزواج، القرآن لم يحلل أبدًا علاقة مع ما كانت تُسمى بالأَمَة على سبيل المثال. لم يحدث. لكن إن “ما ملكت أيمانكم” هي تملك منك عهدًا، وإن أرادت المكاتبة ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، هنا نقلة للفهم القرآني في هذه الآية التي عملت مشاكل وآذت ناسًا كثيرين.
باسم: هو فعًلا الدكتور محمد شحرور الله يرحمه أيضًا دخل في هذا المنظور، وتقريبًا لم يكن بعيدًا عن هذا الفهم حقيقةً، واعتبر أن ملك اليمين هو عبارة عن ثلاثة أصناف…
توفيق: أنا أول مرة أعرف هذا.
باسم: ثلاثة أصناف: فيها صنف الموظف في الشركة ويمتلك منك عهدًا أن لا تظلم حقوقه، والصنف الآخر التي هي الزوجة، الزواج…
توفيق: الذي هو نوع من العهد أيضًا.
باسم: والصنف الآخر هم الخدم في البيوت مثلًا أو الخدم داخل البيوت، هذا رأي محمد شحرور.
توفيق: رأيي هنا أنه أي علاقة جسدية في القرآن مباحة، لازم تكون عهدًا، موثقة بالنظام التقليدي الذي كان في القرآن هذا الذي هو المهر، الذي هو الأمان المالي للمرأة، ننظر له من هذا المنظور يعني، أنه نوع من…
باسم: لكن هي فكرة جميلة جدًا أن الإيمان فعلًا هو عهد.
توفيق: بالضبط. والعهد هذا مسؤولية.
باسم: بالضبط مسؤولية.
توفيق: فالذي حصل أنه هو لو تُفهمت الآية هذه بالطريقة هذه، وعرف أن آية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 5-6] لا علاقة لها بطبقة الخدم والإماء تمامًا.
باسم: ولا علاقة لها بالسبايا، بالحرب، يعني تصور هذا العقل السلفي أو العقل التراثي القديم أن يجيز… طبعًا هو يعتقد أنه يذهب إلى حرب، يأخذ امرأة من زوجها ويجيز لنفسه أنه يعني… غريب!
توفيق: أعوذ بالله. انظر القرآن يقول لك في هذا الوصف، أنا مثلًا في التفسير في “روح القرآن” في كتاب “روح القرآن” ركزت على النقطة هذه، إن قوانين الحرب في القرآن يقول لك: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4]، التي هي بعد أسر الأسر، إما منًّا تتركه لوجه الله، إما فداءً. لماذا بقى؟ ﴿حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4]، ولما أنت تتركه فداءً، الرجل هذا يخرج يقول لك: الناس هؤلاء أكرموني. والتي هي تتماشى مع الآية القرآنية: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: 8-10].
باسم: الحويني كان يريد أن ينشئ اقتصاد دولة اعتمادًا على السبي.
توفيق: هذه كارثة، نحن نتكلم عن شياطين هنا يعني. الوصف القرآني لمثل هؤلاء الناس قال لك ماذا؟ وركز معي في الآية هذه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: 112]. كل نبي ربنا جعله عدوًا، له صفاتها سأقولها لك: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، كلام مزخرف منمق، يقول لك: قال الرسول، قال كذا… يزخرفونه حلو جدًا. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 112-113]. انظر ربك بعدها يقول له ماذا: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: 114]، أبتغي أحدًا غيره؟
باسم: هم أبعدوا الكتاب المفصل وقالوا هذا الكتاب معجز وهو يُعجّز ولا يفقه إلا من رجل دين يجلس في زاوية.
توفيق: وهذا القرآن تنبأ به، لما قال إن شهادة الرسول على أمتي يوم القيامة ليست كما يتصورون شفاعتي لأهل الكبائر، لا لا لا، شهادته شيء ثان تمامًا المذكور في القرآن المؤكد بقى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 30-31].
كيف يعيق العقل السلفي إنتاج المعرفة؟
باسم: وفعلًا هم العقل السلفي هو عقل عاجز عن إنتاج المعرفة، وعقل معيق لإنتاج المعرفة، وفعلًا صادر القرآن ووضعه في الزاوية، وصادروا عقول الناس، وفرضوا أنفسهم هم ما بين الإنسان ورب العالمين.
توفيق: صدقت أخي الكريم. وأشكر أن أثرت نقطة وتعبير العقل السلفي لأنها طريقة تفكير تتعارض تمامًا مع القرآن. القرآن عاتب على الأمم السابقة، قال لك: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22]. هذا العقل السلفي يتبع السلف، ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]. طيب نفترض الذي جاء به آباؤه كان شيئا جيد؟ أيضًا ربنا يعتب عليهم.
باسم: يجب أن يجدد.
توفيق: خذ بالك لأنك أنت اتبعت بغير علم، أنت مشيت في الطابور بلا فكر. ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22]، ولا العتاب القرآني عليهم كيف يمشون؟ طيب ما يمكن كان صح الذي عليه آباؤهم؟ حتى لو صح لازم تفكر ولازم تصل له.
العقل السلفي يجعلنا -معلش- أتذكر خليل الرحمن إبراهيم، فهو بالنسبة لي يمثل الكثير بصراحة.
باسم: كان أمة.
توفيق: كان أمة. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاه، وَهَدَاه، إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 120-121]. ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النحل: 123] اي الرسول أن: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]. الرسول يتبعه. انظر ملة إبراهيم هذه عند ربنا، ولكني قلت ذات يوم كلمة في أحد مقالاتي كتبت فيها: لو كان إبراهيم سلفيًا يعني يتبع آباؤه مثل السلفيين هكذا لظل عابدًا للأوثان.
باسم: صح. كان لم يأخذ لقب أمة.
توفيق: أبدًا، هو أخذ أمة لأنه فكر. يعني اسمح لي يعني ولو في لحظات أتذكر معك قصة إبراهيم وملته، لأنه بالنسبة لي ملة إبراهيم هي ملة الوصول إلى الله بالعقل. هو وصل إلى ربه، وكل الذين حوله يعبدون أوثانًا.
باسم: صح، عكس الملل الأخرى.
توفيق: بالضبط، وليست ملة هكذا وفقط، ملة الباحث عن الحقيقة. فحتى إن أخطأ في المنتصف فلا عتاب عليه، فهو يبحث عن رب العالمين، ويا له من شرف. فهو يبحث عن الذات الإلهية، وأخطأ، وأدرك الخطأ، ثم أصلحه، هو لا يجادل، حينما يرى الحق لا يجادل فيه وينطلق فيه. فملة الفكر، ملة العقل، ملة التحرر من الفكر السابق، وليس هكذا وفقط، ملة الرحمة والإنسانية.
لما تنظر إبراهيم أبوه ماذا يقول له: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: 46]، قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: 47]، هذا كان رده، ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]. لكن قال له ماذا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾، هذا كان رده على ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ يعني، فملة إبراهيم…
باسم: لم يصفه بالزندقة وسأقتلك.
توفيق: لا لا لا، زندقة! ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: 24] انظر القرآن يقول لك ماذا؟ ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24]. إحنا يعني الرسول يقولها للناس مشركي مكة: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ: 24-25]. يا عم نحن مجرمون يا عم فقط ابعدوا عنا، ﴿وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: 25-26].
يعني أنت اليوم تقول له: فقط ابعد عني، مثل تعرف أهل الكهف لما قالوا: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا﴾ [الكهف: 20]، من الذي يستخدم العنف دائمًا؟ عمرك سمعت عن رسل الله يستخدمون العنف ضد أقوامهم؟ أم العكس تمامًا؟ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: 13]، ظالمين لأنه أنت تقف ضد من يختلف عنك حتى لو كان مسالمًا. فالحقيقة يعني القرآن مهجور يا أخي الكريم.
باسم: بالعكس، معك، وشهادة الرسول يوم القيامة شهادة… شهادة قوية ضد هؤلاء.
توفيق: طبعًا، كثير من الناس يقول لك: لقد ذكر الرسول ولم يصلِّ عليه. فأنا دائمًا أسأل هؤلاء: ولماذا لم تتنبأوا أن اسم الله يذكر ولا تسبحوه، مع أن من قال صلّوا عليه هو من قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]؟ فلماذا تطبقون آية وتهملون الأخرى؟ والله نفسه لما ذكر… ذكر سورة محمد لم يقل: “محمد”، لم يقل: “سورة محمد عليه الصلاة والسلام” مثلًا يعني. الله ذكر اسمه في القرآن، وقال لك: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 144]. لماذا لم يقل محمد عليه الصلاة والسلام، لو هي الصلاة بالمعنى الحرفي؟ ولماذا أبو بكر الصديق لما خرج قال: “من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت”، لمَ لم يقل: “محمد عليه الصلاة والسلام”؟ فهو يعني، أنا لا أقصد، بالعكس الرسول منزلته…
باسم: نحن نجله ونعتز بالرسول لا شك.
توفيق: ولكن يجب أن تأخذ بالك من شيء، اسمح لي أنا عارف الحديث ذو شجون كما يقولون، ولكن النقطة هذه أحب أوضحها، هناك آية في سورة الرعد تقول ماذا؟: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]. يعني الغالبية العظمى ليسوا مؤمنين.
باسم: صحيح.
توفيق: بعدها بآيتين يقول له ماذا، بآيتين بالضبط، “وما يؤمن” يبقى فاضل بقى، الغالبية ليسوا مؤمنين، فاضل قليل بقى مؤمنون صغيرون، يقول ماذا؟: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]. يعني حتى المؤمنين بالله أغلبهم مشركون.
باسم: يعني قلة قليلة التي تؤمن.
توفيق: بالضبط.
باسم: اللهم اجعلنا من القلة القليلة دكتور.
توفيق: يا رب.
باسم: دكتور توفيق حميد، فعلًا أنا استمتعت بالحوار معك.
توفيق: وأنا استمتعت بالحوار معك.
باسم: وأعجبتني جدًا فكرتك التنويرية التي تتعلق بالعمل في محاربة التزمت في الفكر، وكيفية تعليم الناس أو الأطفال حتى هم، أن يتولى كل طفل أو كل تلميذ أو كل طالب بالبحث عن مصير حياته، هويته في الحياة، أو عن حقيقته في الحياة. إن شاء الله يكون لنا فرصة أخرى نتحاور مرة أخرى في أفكار جديدة إن شاء الله، ونلقاك بصدفة أخرى في القاهرة. شكرًا لك، يعطيك الصحة يا رب.
شكرًا لكم وإلى لقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. إلى اللقاء.
