هل العبرية لغة مستقلة أم مجرد لهجة عربية قديمة؟ وكيف أعاد النحو العربي تشكيل النصوص اليهودية في المغرب والأندلس؟ وما سر القفزة الصوتية من 22 إلى 28 حرفاً؟ هل اليهودية “دين” أم “ملة”؟ وأين يكمن الحد الفاصل بين النص القرآني والمصطلح الأكاديمي؟ أسئلة متشعبة يجيب عنها الباحث والأكاديمي المغربي د. سعيد كفايتي، في حواره مع د. باسم الجمل، في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع
مقدمة
باسم: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي بالدكتور سعيد كفايتي الباحث والكاتب المغربي، أهلًا وسهلًا بك دكتور.
سعيد: بارك الله فيك أستاذ باسم، الحمد لله، بارك الله فيك، شكرًا.
باسم: قرار دراسة اللغة العبرية أو تدريس اللغة العبرية في الجامعة، ماذا دفعك لهذا التخصص مثلًا؟ أو لدراسة اللغة العبرية؟ إن جاز لنا التعبير أن نسميها لغة، أنا في عرفي أسميها لهجة، لكن أنت صاحب القول الفصل.
سعيد: ربما المغرب كان سباقًا إلى حد ما إلى تدريس اللغة العبرية لعدة أسباب، أولًا الوجود اليهودي في المغرب الذي يعود إلى ما قبل الفتوحات الإسلامية، ثم التراث اليهودي المغربي والتراث اليهودي الذي كان موجودًا في الأندلس الإسلامية. لهذاليس غريبًا أن نجد أن أحد كبار الباحثين المغاربة من أصول يهودية يسمى حاييم الزعفراني كان له دور في نشر أو في ترويج هذا النوع من الدراسة.
لهذا كان الطلاب المغاربة في الثمانينيات من القرن الماضي يقبلون كثيرًا على دراسة اللغة العبرية لقراءة التراث اليهودي المغربي، وكذلك تأسست الجمعية المغربية للدراسات الشرقية برئاسة الأستاذ الكبير الدكتور أحمد شحلان، والذي برفقته أنجزنا الكثير من المشاريع، الكثير منها منشور في جامعة محمد الخامس، كلية الآداب بالرباط.
من هم اليهود: عِرق أم ثقافة أم ديانة؟
باسم: لما نذكر مثلًا التراث اليهودي، هل المقصود تراث اليهود بالعموم؟ وإذا كان تراث اليهود بالعموم، من هم اليهود؟ هل نتحدث عن عرق؟ هل نتحدث عن جينات مخصصة لمجموعة بشرية ما محددة؟ أم نتحدث عن مجموعة من السلوكيات الثقافية التي تصبغ مجموعة ما بشرية، وبالتالي هذه الصفات السلوكية ممكن تنتقل من فئة إلى فئة؟
سعيد: بصرف النظر عن التسميات التي تُطلق على اليهود، يهود أو إسرائيليين أو عبرانيين أو غير ذلك. لكن المهم بالنسبة إلينا أن اليهودية شكلت إلى جانب ديانات أخرى ديانة مستقلة كانت موجودة في المشرق وفي المغرب وفي الأندلس الإسلامية وفي أوروبا وفي مناطق أخرى من العالم.
باسم:هل في الواقع هل هناك نصوص تؤسس أو تدعم فكرة أن اليهود دين، أم أن اليهودية ملة؟
سعيد: أنا اشتغلت كثيرًا حول الفرق ما بين ملة ودين، ولكن تبقى في نهاية المطاف…
باسم: لأنه أنت في كتاب “الإسلام والملل الأخرى – اليهودية والمسيحية”.
سعيد: “الإسلام والأديان الأخرى”. المقصود بها…
باسم: أم والملل الأخرى؟
سعيد: الأديان الأخرى … لأن هذا هو الاسم الشائع والمعروف أكاديميًا، سواء في الجامعات المغربية أو الجامعات في المشرق العربي أو في أوروبا، هذه هي التسمية التي…
باسم: هو هناك فرق بين قاعدة مهجورة… خطأ شائع خير من قاعدة مهجورة، لا شك، لكن وفق النص القرآني يتعامل مع اليهود كملة، وإبراهيم ملة، والنصارى ملة، القرآن لا يتعامل مع هذه المجموعات كأديان مستقلة، إنما يتعامل كملل.
سعيد: أنا لا يمكن أن أعارض ما جاء في القرآن الكريم، طبعًا هذا أمر مفروغ منه، ولكن مع ذلك الآن أكاديميًا نتحدث عن الأديان، سواء كانت سماوية أو غير سماوية، حتى الأديان الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية والسيخية وغيرها، كلها أصبح الآن يطلق عليها اسم…
باسم: أديان تجاوزًا.
سعيد: تجاوزًا، ولكن متعارف عليها أكاديميًا.
باسم: أنا أتفق معك أن هناك عرفًا متعارفًا، وأن هناك عادة متنقلة بين المثقفين وحتى بين عامة الناس، أن اليهودية دين، والبوذية دين، والسيخية دين، والهندوسية دين، لكن عندما أقول لنفترض أن البوذية دين، هلأنه بنفس المستوى ما أقول إن الإسلام دين مثلًا؟
سعيد: لا طبعًا شتان ما بين الديانات الشرقية والديانات التي اصطلح على تسميتها بالديانات السماوية أو التوحيدية أو الإبراهيمية أو غير ذلك من التسميات الأخرى، لأن كل تسمية لها مسوغاتها المعرفية، وهذا طبعًا فيه تفاصيل كثيرة، ربما الأمر لا يتسع للبحث فيها.
هل عاش يهود المغرب في عزلة ثقافية؟
باسم: عودة على موضوع الثقافة اليهودية في المغرب هل نتحدث عن ثقافة مخصصة لليهود الذين عاشوا في المغرب؟ وهل اليهود الذين عاشوا في المغرب عاشوا كمغاربة أصلًا، أم كعرب قادمين أو كيهود قدموا إلى المغرب فأصبحوا مغاربة بحكم الوجود في المجتمع المغربي؟
سعيد: في تاريخ اليهود في المغرب، نميز ما بين اليهود البلديين، أي بمعنى اليهود الذين كانوا في المغرب قبل الفتوحات الإسلامية، ثم بعد ذلك جاء يهود آخرون من الأندلس الإسلامية، خاصة بعد سقوط الأندلس، فيُطلق عليهم تسمية اليهود الروميين. أي أن هناكيهود كانوا قبل الفتوحات الإسلامية، ويهود وفدوا طبعًا صحبة كذلك الموريسكيين المسلمين الذين كانوا في الأندلس وعادوا أو رجعوا قسرًا إلى المغرب واستقروا. وهؤلاء جميعًا شكلوا ما يسمى بالثقافة المغربية، الثقافة المغربية ثقافة متنوعة، فيها مكون يهودي، مكون أمازيغي، مكون عربي، مكون زنجي، مكون حسّاني. هذه المكونات جميعها ساهمت أو أسهمت في الثقافة المغربية، والأمر كذلك ينطبق حتى على المشرق. حينما نتحدث عن المشرق العربي، هناك العرب وهناك السريان وهناك التركمان وهناك الأكراد.
آن الوقت لكي نعترف بأن الحضارة العربية الإسلامية استطاعت أن تستوعب هؤلاء جميعًا، وأن يساهموا كلهم في إغناء الثقافة العربية الإسلامية، وهذا يُحسب للثقافة العربية الإسلامية.
ما هي “الجوديو-عربية”؟
باسم: سؤال أحتاج إلى دقة في تخيله مثلًا، عندما نقول ثقافة اليهود في المغرب، هل المقصود فيها الثقافة التي أخذها اليهود من أهل المغرب، أم الثقافة التي وضعها اليهود وشاركوا فيها في المغرب؟
سعيد: في هذا الأمر كذلك يجب أن نميز ما بين الثقافة اليهودية المكتوبة باللغة العبرية، ولكن هذه اللغة العبرية نفسها كانت متأثرة باللغة العربية،التأثير العربي في العبرية هذا لا يحتاج إلى برهان. ثم هناك الثقافة العربية المكتوبة بما يسمى بالعربية العبرية أو الجوديو عربية، عربية ولكن تكتب بالحرف العبري.
باسم: هناك شيء يخص مثلًا اليهودي المغربي كتب بالحرف العربي…
سعيد: بالحرف العبري.
باسم: أو أن الثقافة العربية كُتبت بالحرف العبري، ولكن هي عربية الأصل مثلًا أو مغربية الأصل. هذا المقصود. بمعنى أن اليهود حملوا معهم ثقافة المغرب، فأصبحت ثقافة المغرب التي تؤثر في اليهود، وليس العكس. هل يفهم من ذلك مثلًا؟
سعيد: طبعًا في هذه المرحلة اللغة العربية كانت لغة كونية، كان يتحدث بها في الأندلس الإسلامية على مدى ثمانية قرون كاملة، في شمال إفريقيا، في المشرق العربي، في شبه الجزيرة العربية، في بلاد فارس. وهؤلاء جميعًا كلهم كانوا يقبلون على تعلم اللغة العربية، لأنها كانت اللغة الكونية التي تقارب إلى حد ما اللغة الإنجليزية الآن.
كيف تأثرت المصادر اليهودية بالمحيط العربي؟
باسم: إذن أدق القول إن ما يمكن إطلاق عليه الثقافة اليهودية، ثقافة العرب التي تأثر بها اليهود من العرب في المغرب مثلًا، هذا أدق بحكم كما ذكرت أن اللغة، كون اللغة هي وسيلة التواصل وهي وعاء ثقافي، وأن الكثير من الثقافة العبرية كُتبت بالحرف العبري لكنها عربية الأصل. ثقافة العرب نُقلت إلى اليهود عن طريق صياغتها بحرف عبري، لكن ظل اللفظ والنطق موجودًا.
سعيد: طبعًا، ولكن الخلاف أين يكمن؟ يكمن في المصادر، مثلًا اليهودي حينما يريد أن يتحدث عن الفقه اليهودي، هو يستفيد من الفقه الإسلامي.
باسم: أكيد.
سعيد: ولكن طبعًا يعود إلى المصادر اليهودية، سواء كانت آرامية أو عبرية. يعود إلى المدراشيم، يعود إلى التلمود البابلي أو التلمود الفلسطيني، يعود إلى المشناه، يعود إلى الأدب الرِّبي. فهذا الخلاف فقط، فيه أحيانًا يتم استبدال الآيات القرآنية بآيات أو بنصوص مقتطعة من التوراة.
كيف أعاد النحو العربي تشكيل العبرية؟
باسم: هذا يستخدمونه هم طبعًا. نحن نتحدث عن ثقافة خاصة بمجموعة بشرية، وكما صُوّر في الأذهان كانت قليلة العدد، فلا يمكن لهذه القلة العددية أن تصوغ ثقافة خاصة بمعزل عن المجموع المحيط بها.
سعيد: إطلاقًا.
باسم: وبالتالي إمكانية أن تتأثر هي بثقافة المجموع أكثر من أن المجموع يتأثر بثقافتها هي.
سعيد: الأقليات اليهودية كانت تشكل أقلية صغيرة، تأثرت كثيرًا. مظاهر التأثير تظهر مثلًا في الشعر العبري، الشعر العبري كان كله شعرًا دينيًا، لكن حينما احتك اليهود في الأندلس الإسلامية بالشعر العربي الأندلسي، استقى أو استعار اليهود آنذاك العروض الخليلي. دوناش بن لبراط، هذا يهودي مغربي من مواليد مدينة فاس، وانتقل إلى الأندلس الإسلامية واستقر بها، استعار العروض الخليلي كاملًا وطبقه على الشعر العبري، هذا من ناحية العروض. من ناحية ما يُسمى بعمود الشعر…
باسم: القوافي.
سعيد: أصبح الشعر العبري كذلك يتألف من صدر وعجز، من صدر وعجز قافية موحدة، حتى المواضيع، حتى الأغراض الشعرية نفسها، اللغة فقط هي التي تختلف، حتى الاستعارات، حتى المجازات كلها أخذت بشكل أو بآخر من الشعر العربي.
مثال آخر في النحو العبري، النحو العبري لم يتأسس إلا بعد أن احتك اليهود بالنحو العربي، فأصبحنا نتحدث عن أبي الوليد مروان بن جناح، هذا يهودي أندلسي، ألّف كتابًا عنوانه “التنقيح”، حتى العنوان باللغة العربية، وقسّمه إلى قسمين، قسم أطلق عليه “اللمع في النحو”، طبعًا هذا الأمر يجعلنا نستحضر كتاب “اللمع” لابن جني، والكتاب الآخر، الكتاب الثاني أطلق عليه اسم “الأصول”، وهو كتاب وهو معجم.
هناك مثال آخر، حتى المدارس النحوية، مدرسة البصرة والكوفة، كان لها تأثير في النحو العبري. أكثر من ذلك، اللغة العبرية كانت حتى الفتوحات الإسلامية تكتب بدون نقط وبدون حركات، حينما تم إدخال نظام التنقيط والحركات في اللغة العربية، أدخل كذلك اليهود نظام التنقيط والحركات في التوراة العبرانية أو التوراة العبرية.
مظاهر التأثير كثيرة وكثيرة جدًا، ولكن في المقابل اليهودية أثرت ربما في التراث العربي الإسلامي في أمر آخر، في التفاسير الإسلامية الإسرائيليات. كان بعض المفسرين حينما تعوزهم بعض التفاصيل، لأن القرآن الكريم كما تعلم يُعطي المعلومات بشكل عام، في حين إن التوراة فيها قصص، فيها خرافات، فيها أساطير، فكان بعض الرواة…
باسم: تقصد الأسفار اليهودية؟
سعيد: الأسفار اليهودية، كانوا يأخذون هذه التفاصيل من التوراة، إما من خلال الاحتكاك اليومي…
باسم: كان موجودًا، كان موجودًا بين أيدي الناس.
سعيد: طبعًا، إما من خلال الاحتكاك اليومي أو من خلال العودة إلى بعض المصادر التي كانت متاحة.
العبرية: لغة مستقلة أم لهجة قديمة؟
باسم: إذن على أي أساس يمكن اعتبار اللغة العبرية، بين قوسين، لغة طالما هي القواعد والقواعد العربية، الألفاظ تقريبًا جميعها كل الألفاظ التي تُلفظ بما يسمى باللغة العبرية هي ألفاظ عربية، ولكن بأشكال مختلفة، والمعاني الدالة أيضًا هي نفس المعاني الدالة في اللغة العربية. فعلى أي أساس أنا أُطلق عليها لغة ولا أطلق عليها لهجة من اللهجات العربية القديمة؟
سعيد: هنا ندخل إلى ما يُسمى باللغات السامية، في القرن التاسع عشر تأسس ما يُسمى بالنحو المقارن واللسانيات التاريخية.
باسم: من أسس هذا العلم؟
سعيد: طبعًا في الغرب.
باسم: لهذا سألت من أسس العلم، لأنه حتى لفظة سامية هي لفظة أصلًا دخيلة على المعارف في الشرق، أو على المعارف العربية الإسلامية، لأنه لا يوجد شيء اسمه لغة سامية في التاريخ. هناك، هذا اللفظ أطلقه أو أطلق أو تم صياغته في نشوء عصر القوميات في ألمانيا في القرن السابع عشر والثامن عشر. وبالتالي هو تعبير حديث لأشياء لم يكونوا هم يعرفونها أو لم يكونوا يعرفون كنهها. لكن الآن نعرف أن هذه اللهجات كانت سائدة في المجتمعات العربية السابقة أو القديمة، ما قبل الإسلام، وجزء منها ما زال قائمًا. لذلك حتى اليهود أنفسهم لما يصفون اللغة العبرية التي يتحدثون، يسمونها اللغة الصنعانية أو الشفة الصنعانية، معناها لهجة صنعانية. فنحن هل يجوز لنا إطلاق عليها أن هذه لغة عبرية بمعنى مستقلة طالما تشترك في 99% بقواعد اللغة العربية، مبنى الألفاظ، حتى في طريقة الكتابة وطريقة تعبير بعض الحروف هي مأخوذة من العربية؟
سعيد: هذا التشابه لا ينحصر على العبرية والعربية، وإنما يتعدى ذلك إلى لغات أخرى. هناك قرابة ما بين مجموعة من اللغات: عربية، عبرية، آرامية، عربية جنوبية، سريانية، آشورية، أكادية، بابلية، لغة إيبلا. العشرات من اللغات كلها تشترك في مجموعة من الخصائص.
باسم: وهذا السؤال إذن، هل نطلق عليها لغات أم لهجات مستمدة من لسان واحد؟
سعيد: ربما تكويني في الأصل كان تكوينًا لغويًا، وبعد ذلك تحولت إلى دراسة الأديان وتخصصت في اللغات، في اللغة العبرية واللغات ما يسمى باللغات السامية. أنا كذلك ربما قد لا أرتاح كثيرًا إلى مصطلح لغات سامية، ولكن طبعًا لا أجد بديلًا. حاول الأستاذ شحلان أن يقترح مصطلح عروبية، موجود هذا المصطلح في بعض كتاباته.
باسم: أيضًا بيير روس استخدم نفس اللفظ، وبهجت القبيسي استخدمه نفسه، سماها اللهجات العربيات، يعني هناك بديل لها.
سعيد: ولكن مع ذلك لم يكتب لها الانتشار، هذا أمر مفروغ منه، هذه المصطلحات البديلة. هناك مصطلح آخر ربما أكثر حيادية وهو مصطلح اللغات (الأفرو-آسياتيك). الغربيون أنفسهم حينما تضايقوا من مصطلح لغات سامية لأنه يحيل على التوراة، على سفر التكوين تحديدًا، على سام وحام ويافث أبناء نوح عليه السلام، وربما القصة معروفة كيف أن نوحًا عليه السلام كان في حالة سكر وتعرى…
باسم: يعني هذه أسطورة لا يمكن الأخذ بها.
سعيد: هي أسطورة، لهذا الكثير من الباحثين الغربيين استاؤوا من مصطلح سامية، ولكن مع ذلك حاولوا أن يعوضوه بمصطلح (أفرو-آسياتيك)، وله بعض الحضور في بعض الجامعات الغربية. طبعًا أحيانًا ربما الوقت هو الذي سيحدد ما هو المصطلح الذي ستكون له الغلبة في المستقبل.
باسم: أهل المكان أدرى بشعابه، هذه اللهجات ما زالت ممارسة، يعني تذهب إلى الشرق ما زلت تحس أن اللكنة الآرامية ما زالت موجودة، حتى في العبرية عندهم اللكنات موجودة لأن التشابه في اللفظ موجود. فأنا أنتظر أن يسميها آخر يسميها (آفرو-آسياتيك) أو يسميها أسامي… طيب هي أصلًا موجودة عندي ما زالت هي حية. هذه اللهجات القديمة لم تنقطع لأن أهلها لم ينقطعوا عن الوجود، وجود لهجة القرآن أو وجود اللفظ القرآني أو وجود اللسان العربي، هذا الوجود هو الذي طغى على هذه اللهجات وتسيد فوقها، إنما اللهجات ظلت قائمة، هي لم تنقطع ولم تندثر، ما زالت في الاستخدام اليومي.
الآن هنا أنا سؤالي ينبني على التالي: لماذا نسمي هذه اللهجات لغات؟ بينما في الواقع ثابت فعلًا بالممارسة اليومية أن هذه اللغات أو هذه اللهجات هي مستمدة من لسان واحد، أنا أسميه اللسان العربي المبين، وليس اللسان العربي المبين لأنه هو من العرب، لا، العرب سموا لأنهم نطقوا باللسان، فاللسان العربي لأنه واضح وجلي، وأنه ينطبق مباشرة، داله ينطبق على مدلوله على قاعدة “وقوله الحق”.
سعيد: مسألة هذه العلاقة ما بين اللغات… ابن حزم كان عبقرية حقيقية في كتابه “الإحكام في أصول الأحكام”، وهو كتاب لا علاقة له باللغة أو بالنحو أو ما إلى ذلك، ولكن هناك نص طريف فحواه يقول بأن العربية والعبرية والآرامية لغة واحدة، ولكن لم يحدد… لم يحدد أيها هي اللغة الأم، بل ترك كذلك الباب مفتوحًا لأنه كانت هناك إشكالية طرحت في فقه اللغة العربية: ما هي اللغة التي تحدث بها آدم؟
باسم: كلامك سليم. مجرد إطلاق على العربية لغة والعبرية لغة والسريانية لغة… هذه هي لغات، حتى العربية الدارجة التي نتحدث أنا وإياك بها حاليًا هي قريبة من اللسان، ولكن هي لغة، يعني هي لهجة من اللهجات، لكن هناك لسانًا، هذا اللسان هو الذي يظلل أو الذي من خلاله استُمدت هذه اللهجات. لأن اللسان أيضًا هو منهاج لفظي أنت تأخذ من اللفظ المفهومي ما يناسبك من المعنى في استخدامك اليومي، وبالتالي يصبح لديك لهجة خاصة أو لغة خاصة للممارسة اليومية، لكن يبقى المستمد الرئيس هو اللسان.
هناك فعلًا يمكن أن تسميها مثلًا اللهجة العربية، اللهجة العبرية، اللهجة السريانية، اللهجة كذا، لكن كل هذه اللهجات عربيات تنبع من مصدر واحد، وهذا المصدر هو… لأنه ملائم جدًا للبنية الفسيولوجية الموجود عليها الجهاز الصوتي عند الإنسان والجهاز الناطق عند الإنسان.
سعيد: لسانيًا لسانيًا ما هي اللغات المؤثرة في تاريخ هذه اللغات التي تُسمى بلغات سامية، أول لغة كانت مؤثرة هي اللغة الأكادية في العصور القديمة، اللغة الثانية التي كانت مؤثرة هي اللغة الآرامية، ثم بعد ذلك العربية. هذه اللغات الثلاث كانت لغات مؤثرة في تاريخ ما يُسمى باللغات السامية.
باسم: عند العودة للغات السامية، الأكادية والسومرية والبابلية، هي ألفاظها بالضبط نفس الألفاظ التي نلفظها حاليًا، مع بعضٍ قليلًا من الإمالة، ولغات واحدة تلفظ… يعني هي من أساس واحد لكن اللفظ يختلف وفق الاختلافات في الجغرافيا فقط، هي نفس المعاني. يعني بيت في الأكادية هي بيت نفسها في الآرامية وبيت في العبرية وبيت في العربية، هي نفسها… أن نقول إن أول لغة الأكادية هي ليست أول لغة، هذه لهجة لهجة.
سعيد: ليست أول لغة.
باسم: أنا في رأيي هذه لهجات، أنا أحترم رأيك، لكن أنا في رأيي هذه لهجات استمدت من مصدر واحد وما زالت قائمة وما زالت فاعلة. إذا تذهب إلى العراق تشعر الناس بأنهم يعيشون في العهد السومري، لأن هناك ألفاظ سومرية مازالت تعمل، في سوريا وفي فلسطين تحس أن هناك لفظًا آراميا يعمل، تأتي إلى مناطق شمال إفريقيا تحس أن هناك فينيقية، أو الفينيقية التي كانت كنعانية قديمة، ما زالت تعمل، تذهب إلى مالطا أيضًا تعمل.
سعيد: طبعًا هذا كذلك لأن في الدراسات السامية هناك ما يُسمى (مصطلح فرنسي) “السامية الأم” أي اللغة السامية الأم، ولكن هذه اللغة السامية الأم لغة مفترضة يمكن أن نعيد إنشاءها ويمكن أن نفترض ما هي اللغة الأقرب. العربية قد تكون هي اللغة الأقرب، لماذا؟ لأنها هي اللغة السامية الوحيدة أو على الأقل من اللغات السامية القلائل التي حافظت على الإعراب.
باسم: هم يسمونها بروتو… بروتو، أنا أسميها هي اللسان، هو اللسان الذي أخذته واستمدته.
سعيد: وربما نختلف في المصطلحات ولكن ربما النتائج واحدة.
باسم: كلامك سليم، الاختلاف في التعبير أو في الاصطلاح، النتيجة أنه هم من اجترح هذا الاصطلاح، هو ليس على إلمام كامل بالتاريخ في المنطقة، وليس على إلمام بالثقافة، ولا حتى بطريقة لفظ المفردات، وبالتالي هو يجترح في أشياء عليه يفهم ما يدور في الواقع. لكن نحن يجب أن نجترح هذه المصطلحات ونعلمه أن هذا المصطلح هو الذي يعني كذا، يجب أن تبدل أنت وليس أن أبدل على هواه، لأنه لا يدرك ولم يعش الثقافة التي نعيشها.
سعيد: لكن ربما الأمر يحتاج إلى وقت، لأن الغرب اشتغل في مثل هذه المواضيع منذ القرن الثامن عشر، التاسع عشر، القرن العشرين. نحن لم نعد إلى حد ما لنا بعض الإسهام إلا في العقود الأخيرة. ما تقوله قد يكون صحيحًا، ولكن ربما التاريخ، يعني الأيام المقبلة، السنوات المقبلة هي التي ستؤكد إلى أي حد مثل هذه الفرضيات سيكتب لها النجاح أم لا. وهذا رهين بمجموعة من الأمور، يعني اشتغال الباحثين في مثل هذه المواضيع، كثرة الكتابات أو المؤلفات، هذه المؤلفات كذلك لا يجب أن تكون بالعربية حتى تكون مؤثرة، يجب أن تكون بلغات أخرى، هذا هو المقصود.
باسم: يعني طبعًا أدوات البحث لن تعجز عن موضوع الفكرة، ولكن المشكلة تحتاج إلى آخرين أنه يتخلى عن… يتخلى عن الاصطلاح الذي صيغ خارج بيئة ثقافية مختلفة ليعبر عن بيئة ثقافية أخرى. هو حاول يفهمها، هو لأنه ليس ابن البيئة، أنت ابن البيئة، يعني ما أقصده أنت كشخص، أنت ابن البيئة، تعرف اللغة، تعرف ثقافتها، تعرف الجغرافية التي صيغت فيها وتعرف مدلول اللفظ الذي صيغ إليه لأجله، فبالتالي أنت أدرى منه بصياغة التوصيف الذي يجب أن يوضع للتعبير عن هذه الثقافة.
سعيد: حتى نلخص هذا الموضوع، إن ما تقوله هو مشروع في طور النشوء أمام مشروع مكتمل هذا منذ قرون، أو منذ قرن على الأقل، لهذا المشروع الناشئ يحتاج إلى وقت.
باسم: طالما هناك إدراك لأوليات هذا البحث، أعتقد البحث سيتم إنجازه. وكما ذكرت أن الدكتور أحمد شحلان ما شاء الله، هو قدم الكثير من الخدمات أو من الأبحاث بهذا الاتجاه، وهو يسميها اللهجات العروبية…
سعيد: طبعًا.
باسم: متسقًا مع التسمية التي أطلقها بهجت القبيسي، بهجت القبيسي أيضًا، خبير أو مختص فيما يسمى باللهجات العربية. هناك شخص آخر أنا أعتقد يجب أن يذكر ويعطى له الفضل في وضع أسس، كما أسميها أنا، حسب رأيي أنا، لعلم اللسان العربي الحقيقي، الذي هو عالم سبيط النيلي، باحث عراقي توفي بالـ 2003، وضع مجموعة من الكتب أهمها اللغة الموحدة، جدًا جميل، وضع أسسًا جديدة لقراءة اللسانيات على أسس مختلفة، يختلف كليًا فيها مع دوسوسير أو حتى مع كل علماء اللغة، اللسانيات الأوروبية.
سعيد: طبعًا، أنا أتفق معك في هذا الأمر، نحن نرحب بأي مشروع، وأي مشروع يحتاج إلى قراءة.
العبرية كأداة بحثية: تراث أم سياسة؟
باسم: عودة إلى تدريس اللغة العربية لطلابك…
سعيد: العبرية.
باسم: العبرية، مدى تفاعل الطلاب مع التعلم؟ هل تم استخدام هذا التعلم لتقديم منجز ثقافي مختلف، أم مجرد أداة من أدوات الاطلاع؟
سعيد: التدريس أولًا في المغرب، خاصة في النظام القديم ما قبل 2003، كان النظام الجامعي في المغرب، خاصة بالنسبة لشعبتي العربية والدراسات الإسلامية، كان الطالب يختار إما الفارسية أو العبرية.
باسم: صح صح صح.
سعيد: لهذا كان هناك نخبة من الأساتذة المغاربة الذين يدرسون إما العبرية أو الفارسية. في أول الأمر طبعًا كان المغرب يستقدم أساتذة من المشرق، من مصر وغيرها، ولكن بعد ذلك حينما أسس الأستاذ حاييم الزعفراني، هذا يهودي مغربي كان عضوًا في أكاديمية المملكة المغربية، حينما أسس شعبة للغة العبرية في باريس، أقبل الكثير من الطلاب المغاربة على الدراسة في هذه الشعبة، وأنجزوا بحوثًا في اليهودية أو في التراث اليهودي.
ثم بعد ذلك طبعًا كان الأستاذ شحلان كان قد بدأ منذ فترة مبكرة في تدريس اللغة العبرية في جامعات مغربية مختلفة. أهمية اللغة العبرية تكمن فيما يلي: أولًا جزء من التراث المغربي
باسم: مكتوب بالعبرية.
سعيد: مكتوب بالعبرية إما بالعبرية مباشرة أو بالعبرية لكن بحروف عربية، هذه النقطة الأولى. النقطة الثانية أن المغرب، وطبعًا خاصة في جامعة سيدي محمد بن عبد الله، حيث أدرس اللغة العبرية والأديان وعلم الأديان المقارن ومواد أخرى، كذلك تفيدنا اللغة العبرية في الدراسات الدينية. لا يمكن أن أكون متخصصًا في اليهودية وأكون جاهلًا باللغة العبرية باعتبارها الأداة التي تمكنني من قراءة التوراة ومصادر أخرى من تلمود وغير ذلك من الكتابات. والنقطة الثالثة وربما أو العنصر الثالث، المغرب والعالم العربي والإسلامي في حالة حرب أو نزاع أو صراع مع إسرائيل.
هل تختلف دوافع تدريس العبرية بين المغرب والمشرق؟
باسم: دعنا نفصل، حالة النزاع مع إسرائيل ككيان خاص، لا علاقة له بحياة اليهود عند العرب، لأن اليهود عرب أصلًا، اليهود من أين جاؤوا؟ اليهودية جاءت من العرب، من عندنا.
سعيد: أنا أتحدث مثلًا في المشرق، لماذا مثلًا في مصر هناك العشرات من الشعب لتدريس اللغة العبرية؟
باسم: لأنها جزء من التاريخ العربي.
سعيد: ليس فقط لأنها جزء، لأن هناك كانت مصر في حالة حرب دائمًا مع إسرائيل.
باسم: صح صح، كلامك سليم صح.
سعيد: المخابرات تحتاج إلى أن تعرف ماذا يدور في الصحافة الإسرائيلية. طبعًا نحن في المغرب نفتقد إلى هذا العنصر الثالث، ليس لدينا خبراء ربما لأننا إلى حد ما بعيدون عن…
باسم: حالة الصراع المباشر.
سعيد: الصراع المباشر، ولكن النقطة الأولى، وهناك عنصر آخر هو المقارنات، مثلًا حينما أريد أن أقارن العربية والعبرية، لأن المقارنة كذلك حقل معرفي كبير، كيف يمكن أن أقارن العبرية بالعربية على مستوى النحو، مثلًا الفعل أو الأفعال أو الأسماء أو غير ذلك، وأنا أجهل اللغة العبرية؟
باسم: أنا أتفق معك، ولكن حتى على مستوى المقارنة، إذا أردت أن أقارن اللغة العربية المستخدمة حاليًا مع العبرية، يعني العربية تنطق حوالي 28 حرفًا، يعني هناك 28 صوتًا يتم تفعيلها لإنتاج الكلام والنظم الكلامية. في العبرية عندك 21 أو 22 صوتًا.
سعيد: 22 حرفًا صوتًا.
باسم: فبالتالي هناك 6 أصوات فرقية، 6 أصوات فرقية في اللغة تتحدث عن كم هائل من المفردات التي يمكن إنتاجها واستخدامها واستخدام هذه الأصوات فيها. يعني هناك جزء من المعارف تغيب عن اللغة العبرية لأنها ستكون قاصرة عن إنتاج هذه المعارف من هذه الألفاظ أو من هذه الأصوات والحروف الستة الناقصة. فبالتالي المقارنة ستكون مجتزأة ما بين اللغة العربية ذات 28 صوتًا وما بين اللغة العبرية ذات 22 صوتًا.
سعيد: طبعًا الخلاف بين اللغات قائم، الآرامية كذلك تتألف من 22 صوتًا.
باسم: كل اللهجات العربية، كل اللهجات العربيات ما قبل… ما قبل يبدو القرن الأول الميلادي كانت كلها 22 حرفًا.
سعيد: طبعًا هذا يجرنا هنا إلى موضوع آخر في إطار اللغات السامية، مثلًا الضاد، الضاد غير موجودة في اللغة العبرية ولكن تقابلها “تسادي”، هناك ما يسمى بالتقابلات الصوتية. التقابلات الصوتية يعني أن الأصوات الغائبة في اللغة العبرية لها ما يقابلها في اللغة العربية، وهذا يدفعنا إلى المقارنة على مستوى المفردات.
وهذا الأمر اشتغل فيه الكثير من يهود المغرب والمشرق والأندلس، يهوذا بن قريش، هذا يهودي مغربي كان في فاس، وألّف رسالة، هي في الأصل معجم كبير. في هذه الرسالة يقارن ما بين العبرية والعربية والآرامية، ويضع لأول مرة جدولًا فيه ما يُسمى بالتقابلات الصوتية ما بين العبرية والعربية والآرامية.
طبعًا اليهودي كذلك كان واعيًا بهذا الأمر، لهذا ابتكر ما يُسمى بالتقابلات الصوتية، وطبعًا هذه الفكرة هي التي استعارها النحو المقارن واللساني التاريخي في القرن التاسع عشر في الغرب.
كيف تميزت اللغة العربية بـ 28 حرفًا؟
باسم: عندي سؤال بهذا الخصوص، يعني أحب أن أعرف جوابًا منك كونك أنت مختصًا في تدريس اللغة: لماذا كانت هذه اللهجات من 22 حرفًا؟ لماذا لم تكن الأرض تلفظ أرضًا؟ أو لماذا لم يكن الحمص يلفظ “حمص” في اللهجات السابقة؟
لماذا اكتفت تلك المجموعات فقط بـ 22 صوتًا في التعبير عن معارفهم المتبادلة فيما بينهم؟ بينما بمجرد دخول العرب في القرن الثاني الميلادي أو الثالث الميلادي، بدأت، تم زيادة حوالي ستة أصوات. يعني ما الحاجة إلى أن نزيد ستة أصوات؟ كانت بالفعل هذه اللغات مستخدمة ومخاطب بها لآلاف السنين.
سعيد: طبعًا هذا أمر له علاقة ربما بتغير البيئة، في المقابل في العبرية، هناك أصوات غير موجودة في العربية، على الأقل في العربية الفصيحة، مثلًا الـ V، الـ G..
باسم: موجودة.
سعيدة: موجودة في اللهجات…
باسم: هو هناك فرق بين أنك تلفظ حرفًا أو تكتبه، الـ V أنا ألفظها V لكن، كيف أكتبها؟ أكتبها فاء…
سعيد: طبعًا هذا أمر…
باسم: لكن هل الـ V حرف يعبر عن صوت معرفي؟ صار يعبر عن صوت عن معنى اصطلاحي.
سعيد: هذا يعني ربما يجرنا للحديث عن ما يسمى بالفونيم والألوفون.
باسم: مئة بالمئة، ولهذا سألتك هذا السؤال، لماذا هذه المجتمعات كانت مكتفية بـ 22 صوتًا للتعبير والتواصل فيما بينها؟ بينما بعد فترة احتاجت هذه نفس المجتمعات، نفس المجتمعات أحكي لك، لم تتبدد، احتاجت نفس المجتمعات إلى أن تزيد 6 أصوات على اللغة المستخدمة للتعبر عن ثقافتها؟ هل ذلك يعني أن العقل البشري توسعت مداركه وبالتالي زادت قدرته على التجريد في استنباط المعاني؟ أم أن هناك في الأمر عاملًا آخر؟ هذا هو السؤال.
سعيد: ربما هذا السؤال هو سؤال وجيه فعلًا، لأن الألفبائية التي ابتكرها الفينيقيون تتألف من 22 صوتًا في الأصل، لأن الكتابة نفسها انتقلت من الكتابة المسمارية في بلاد الرافدين والكتابة الهيروغليفية التي تتألف من الآلاف من الرموز، فانتقلت فتقلصت إلى أقل من 30 صوتًا، إلى 22 صوتًا في اللغة الفينيقية، الفينيقيون هم الذين ابتكروا، حسب ما هو متداول، الذين ابتكروا الألفبائية المعروفة.
باسم: أعتقد أن سبأ أو المسند قبل الفينيقي؟
سعيد: المشهور هو أنه الفينيقيين، ولماذا الفينيقيون بالذات؟ طبعًا منطقة الشام.
باسم: من هم الفينيقيون أيضًا؟ هم قبائل هاجرت من جنوب الجزيرة العربية واستوطنت في مناطق…
سعيد: بلاد الشام.
باسم: بلاد الشام. فالفينيقيون نحكي نحن عن مكون قبائلي عربي اشتهروا بالتجارة، وأطلق عليهم اليونان أسماء الفينيقيين، أو اسم الفينيقيين لأنهم كانوا يتاجرون بالأصباغ بالصبغ الأحمر.
سعيد: طبعًا صحيح.
باسم: فأنا أتحدث عن نفس المكون الأساسي الذي استخدم نفس اللغة، لكن هذا المكون نفسه لحظة فجأة، اكتشف نفسه أنه بحاجة لأن يزيد ستة أصوات على اللغة التي يتحدث فيها. سؤالي لماذا؟ ما هي المتغيرات التي وقعت في حينه لتجد تلك المجتمعات أنفسها بحاجة لتخترع أو تضيف أو تكتشف أصواتًا أخرى تضيفها للغة المستخدمة؟
سعيد: طبعًا لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال، لأن هذا ربما يدفعنا للنبش في تاريخ الكتابة، وهي أمور كما تعلم متشعبة متداخلة، لا يمكن الحسم فيها خاصة في غياب وثائق، في غياب مستندات. ربما الأرض العربية تزخر بكنوز بمخطوطات لم يتم حتى الآن العثور عليها، كثيرًا ما تحدث بعض المتحولات التي تغير كل شيء في رمشة عين.
هل أسس القرآن للقفزة المعرفية في اللغة؟
باسم: هل يمكن الاستنتاج مثلًا أنه عند نزول القرآن، والقرآن نزل باستخدام الـ 28 صوتًا، ورسخ هذه الأصوات، بل بالعكس دمجها ضمن الأصوات القديمة وأعطانا معارف وألفاظًا ذات مداليل معرفية مختلفة، هل هناك دور للقرآن في تثبيت هذه الأصوات أو في اكتشافها مثلًا؟ يعني هل القرآن جاء ملائمًا للقفزة النوعية التي كانت في المخيال البشري أو في العقل البشري أو في النضوج البشري وصار عنده قدرة على التجريد؟ أيضًا سؤال، أنا ليس عندي أجوبة، أنا أسأل سؤالًا…
سعيد: أنا طبعًا…
باسم: بحكم أن القرآن جاء كاملًا باستخدام اللسان وألفاظ اللسان كاملة.
سعيد: القرآن الكريم أحدث رجة كبرى، شبه الجزيرة العربية، منطقة نجد، مكة المكرمة، المدينة المنورة، هذه المنطقة طبعًا لم تكن كما يشاع منطقة مهجورة بعيدة عن الحضارة، لكن لا يمكن أن نساويها مثلًا بمناطق أخرى مجاورة مثلًا في بلاد الشام أو بلاد الرافدين. هذه المنطقة كان لها حظها من الحضارة ولكن لا تقاس بأي حال من الأحوال ببلاد الرافدين، بمصر، بالشام. لكن حينما ظهر الإسلام ونزل القرآن الكريم، تغير تغير كل شيء، نشأت معارف جديدة لم يكن للعربي علم بها: النحو العربي، الأصوات، الدلالة، الفقه، التفسير، الفلسفة، علم الكلام. في الحقيقة حينما نسترجع أو نستحضر ماذا حدث بعد ظهور الإسلام، أمر يثير يثير الدهشة.
باسم: لأنه بعد اكتمال النزول ذابت كل اللهجات، اندثرت كل الخطوط القديمة وبقي الخط الذي نكتبه، وبقيت اللغة التي نتحدث بها، يعني بقي اللسان قائمًا. يعني هل هناك يعني يمكن أن نعمل ربطًا ما بين اكتمال اللسان العربي المبين بالصيغة المنطوقة به حاليًا، وذوبان اللهجات القديمة مثلًا أو ذوبان استخدام تلك اللهجات في نقل المعارف؟ لأن بعض اللهجات موجودة.
سعيد: كذلك حينما نتحدث عن ما يُسمى بالتعريب الذي حدث، هذا التعريب لم يحدث بالقوة، وإنما بسبب التأثير، بسبب الثقافة الجديدة التي يحملها الإسلام. العربية وصلت حتى المغرب، المغرب كان كله يتحدث لغة أخرى، الأمازيغية، وكانت الأمازيغية لا تزال باقية، وقع نوع من التعايش.
ربما في المشرق الصورة قد تختلف من منطقة إلى أخرى، أحيانًا يقع نوع من التعايش، للعربية ربما قد تكون مهيمنة ولكن ربما اللغات التي كانت موجودة آنذاك تراجع استعمالها مثل الآرامية. مثلًا علماء اليهودية قبل الفتوحات الإسلامية حينما تراجعت اللغة العبرية بدأوا يكتبون باللغة الآرامية حتى حدود القرن السابع أو الثامن الميلادي. لكن بعد ذلك حينما احتكت اليهودية بالتراث العربي الإسلامي وقع التحول نحو العربية.
بلاد فارس، يعني ليس صدفة أن سيبويه الفارسي هو الذي ألّف النحو العربي، هذا الأمر قد يبدو غريبًا، كيف لفارسي لغته، يعني ليس عربيًا ولكن هو الذي ألّف النحو العربي؟ طبعًا هناك أسماء أخرى، يعني أن العربية آنذاك استوعبت الأعراق واللغات في منطقة واحدة، وهؤلاء جميعًا استطاعوا أن يسهموا، كل واحد بقسط وافر في هذه الثقافة.
هل سهّلت وحدة “اللسان” الفتوحات الإسلامية؟
باسم: هذا الاستيعاب دلالته ماذا؟ دلالة أن توسع الحروف أدّى أن كل اللهجات التي كانت أقل استخدامًا للأصوات أن تستسلم للأكثر أصواتًا أكثر. بدليل أن كل هذه اللهجات كانت أيضًا تعود لنفس الجذر، وعندما توسّع هذا الجذر هي ذابت فيه.
سعيد: أنا أتفق معك.
باسم: وتشمل الفارسية.
سعيد: أنا أتفق معك، هذا أمر كذلك يجعلني أستحضر لماذا أن الفتوحات الإسلامية، استطاع الفاتحون المسلمون في أقل من عشر سنوات أن يبسطوا نفوذهم على منطقة الشرق.
باسم: لم يأخذوا مترجمين معهم للغات الآخرين.
سعيد: ليس فقط لم يأخذوا مترجمين، يعني كيف؟ هذا أمر غريب. المؤرخون الغربيون يقفون كثيرًا مطولًا عند هذه النقطة: كيف الفاتحون المسلمون، حديثو العهد بالحضارة، ربما أدواتهم العسكرية ربما قد تكون متواضعة، عددهم قد يكون قليلًا، استطاعوا أن يبسطوا نفوذهم على منطقة الشام، على بلاد الرافدين، أن يقتطعوا من الإمبراطورية البيزنطية التي كانت إمبراطورية كبرى، استطاعوا أن يقتطعوا منها أجزاء كبيرة وأن تصير تحت، تابعة للدولة الإسلامية الناشئة.
هناك طبعًا مجموعة من النظريات، وبعض الغربيين يقولون بأن الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الساسانية الفارسية ربما كانت في حالة ضعف، وإن كان طبعًا هذا أمر مشكوك فيه.
هناك من يقول بأن مسيحيي الشرق حينما جاء الإسلام كان بالنسبة إليهم طوق نجاة، لأن في المسيحية كما نعلم، الإمبراطورية البيزنطية كانت تدعم نوعًا أو طائفة من المسيحيين المعروفين باسم الملكيين أو الملكانيين، الذين كانوا يتفقون معهم في أمور عقائدية، وطبعًا كانوا مقربين إلى الإمبراطورية البيزنطية، ولكن كانت هناك طوائف أخرى من النساطرة واليعاقبة والأقباط، هؤلاء كانت الإمبراطورية البيزنطية تضيق عليهم الخناق.
باسم: لأنهم لا يتماثلون فكريًا وعقديًا معهم.
سعيد: وعقديًا مع الإمبراطورية البيزنطية، لهذا كان الإسلام بالنسبة إليهم طوق نجاة.
باسم: ربما القادمون الجدد، إن جاز لنا التعبير، على هذه الدول هم كانوا يتعاملون مع نفس الشعوب التي تشبههم باللغة والثقافة…
سعيد يشتركون في الأصل.
باسم: بالضبط، في الثقافة وفي التاريخ وحتى في اللفظ.
سعيد: لأن الإمبراطورية البيزنطية هي أمرهم.
باسم: بالضبط.
سعيد: بالنسبة للشامي أو العراقي، بين مزدوجات “بلاد الرافدين”، أو المصري، ما هو الأقرب إليه؟ هل العربي أم الرومي؟ يعني هناك علاقات لغوية وهناك علاقات ثقافية.
من تعليم اللغة إلى دراسة الأدب الصهيوني؟
باسم: عودة إلى تدريس التراث اليهودي في المغرب، هل هذا تم تقديمه من خلال قراءة نصوص توراتية مثلًا؟ أم نصوص الأسفار نفسها؟ أم نصوص التلمود والشروحات والجمارا والمشناه وإلى آخره؟ أم الاقتصار فقط على تدريس اللغة ويترك ذلك لكل طالب، أنه إذا أحب أن يتوسع أكثر باستخدام اللغة يرجع للمراجع ذاتها بلغتها نفسها؟
سعيد: لأنه في العصر الأول حينما كنت أدرس اللغة العبرية لطلبة الإجازة، كان فقط الهدف هو أن يتعلم الطالب خلال سنتين مبادئ اللغة العبرية التي تمكنه من ترجمة بعض النصوص القصصية. وأنا أشرفت شخصيًا على مجموعة من البحوث لطلبة الإجازة، بعض القصص التي كتبت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، التي تبين كيف استطاع الإسرائيليون حينما دخلوا فلسطين، أواخر القرن التاسع عشر، هذا أمر آخر، صورة العربي في الأدب العبري أو الأدب الصهيوني.
معركة المصطلحات: “دين” أم “ملة”؟
باسم: دعنا نفصل ما بين اليهود العرب وبين من تهود من اليهود من أوروبا، الذين أصبحوا يهود أوروبا، هؤلاء من تهود، الذين هم تقريبًا يهود الخزر كما هو ثابت في التاريخ.
سعيد: ولكن بعد ذلك أسست “ماستر” اسمه الدراسات السامية ومقارنة الأديان، سنة 2007، وبدأ الطلبة لأول مرة في الجامعة المغربية يدرسون اللغة العبرية على يد على الأقل أربعة أو خمسة أساتذة، وربما فاس كانت تنفرد بهذا العدد من الأساتذة المتخصصين في اللغة العبرية. لكن إلى جانب ذلك كنت أدرس إلى جانب نخبة من الأساتذة مواد أخرى مثل مدخل إلى الشرق الأدنى القديم، باعتباره البيئة التي ظهرت فيها هذه الأديان مجتمعة، وطبعًا ساهمت في تكوين على الأقل عشرة أفواج كاملة. وبعد ذلك أسست “ماستر” آخر سنة 2016 وأطلقت عليه اسم اللغات والحضارات الشرقية ومقارنة الأديان، والنتيجة هو أننا أصبحنا على الأقل في جامعة سيدي محمد بن عبد الله وكلية الآداب سايس، أسهمنا في تكوين ربما 300 أو 400 طالب متخصصين في اللغة.
وبعد ذلك فتحنا مستوى الدكتوراه وأشرفت على العشرات من الرسائل، وهذه الرسائل تتوزع إما ما بين الدراسات المسيحية، وخاصة المسيحية المبكرة أو الصلب أو التثليث أو غير ذلك من الأمور المتعلقة بالمسيحية، أو مواضيع أخرى في الدراسات التي تندرج ضمن الدراسات المسيحية. مثلًا ابن كمونة الإسرائيلي، هذا عنده كتاب “تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث”، يقارن فيه ما بين اليهودية والمسيحية والإسلام.
باسم: يعني هو يسميها ملل؟
سعيد: طبعًا هو، ولكن بعض العلماء المسلمين كانوا يستخدمون في بعض العناوين مصطلح أديان.
باسم: دعنا نركز في التالي، هو لما استخدم وصف ملل، هو التزم بالنصوص، لأنه حتى في التوراة، في التوراة نفسها، لا يوجد لفظ يهودي أصلًا، التوراة تتعامل مع “بنو إسرائيل” أو بالترجمة الأوروبية “The Israelites”، فقط في القرآن بنو إسرائيل وفي التوراة “إسرائيليون” أو “شعب إسرائيل”، فلا حتى لفظ يهودي موجود، غير موجود. لماذا نحن نسقط ونقيم علاقة مباشرة أو حتى تبادلية، إذا لفظنا يهود نعني إسرائيليين، وإذا لفظنا إسرائيليين نعني يهودًا؟ نحن لا نتحدث عن الواقع الحالي، نقول الواقع الحالي مجموعة اليهود، ما يسمى باليهود حاليًا في أوروبا هم يهود خزر تهودوا في القرن الثامن الميلادي وأصبحوا يهودًا، بينما كانوا أصلًا وثنيين، كانوا وثنيين.
لكن نحن نتحدث وفق التاريخ، وفق مفهومنا للتاريخ، وفق النصوص الموجودة، القرآن يتعامل مع اليهود كملة، مع النصارى كملة، مع النبي إبراهيم كملة، وكل هذه الملل في بوتقة واحدة الذي هو الإسلام، استثنى ملتين وحث على اتباع ملة واحدة التي هي {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78]، فإن هذا الباحث أن يسميها، الباحث اليهودي، أن يسميها الملل الثلاثة في الدين، أعتقد كان مصيبًا؟
سعيد: طبعًا لا أستطيع أن أحسم لأنه كما تحدثنا في هذا الموضوع، الملة والدين، يعني أنا كتبت مقالة كاملة وتناولت فيها مصطلحي…
باسم: القرآن حسم.
سعيد: مصطلحي دين وملة، بالرجوع إلى المعاجم العربية وإلى المعاجم السامية، لأن هناك معاجم كذلك تقارن ما بين العبرية واللغات السامية. بالعودة إلى المواضيع مثلًا السنوات الأخيرة بدأت كذلك أشتغل في التراث المسيحي المشرقي، مثلًا عمار البصري هذا مسيحي كان في المشرق، تيودور أبي قرة، يوحنا الدمشقي، بولس الأنطاكي. بولس الأنطاكي، إذا حدثتك عن بولس الأنطاكي، هذا كان قد ألّف رسالة، هي في الأصل الرسالة كُتبت في القرن الثاني عشر ولكن تم تنقيحها بعد ذلك في القرن الرابع عشر، وهذه الرسالة هي رسالة مكتوبة باللغة العربية وتم بعثها إلى ثلاث شخصيات: إلى القرافي، له كتاب يقارن فيه ما بين اليهودية والمسيحية والإسلام، وإلى ابن تيمية وإلى أبي طالب الدمشقي.
باسم: من الخطأ جدًا أن تقارن بين اليهودية والنصرانية بالإسلام، لأن هذه ملة من الكل، كيف نقارن الجزء بالكل؟ يعني خطأ منهاجي، يعني خلة في المنهاج، في الطريقة الأكاديمية، في المقارنة، في البحث، لا يمكن.
سعيد: العلماء المسلمون، سواء ابن تيمية وغيره، حينما يقارنون ما بين هذه الأديان الثلاث ينتصرون للإسلام، هذا أمر لا شك فيه.
باسم: لا يعنيني الانتصار لكذا، أنا يعنيني الالتزام بالتوصيفات الدقيقة لأنك تقوم بعمل بحث أكاديمي، القرآن يصف…
سعيد: ولكن الديانة موجودة، الديانة موجودة، مثلًا حين أتحدث عن المسيحية أو عن اليهودية هي ديانة قائمة بذاتها، لها مؤسساتها…
باسم: أنا أحكي مثلًا بلسان القرآن، القرآن لا يصف هذه بديانات، في القرآن لا يوجد شيء يسمى الديانة المسيحية، صح؟
سعيد: أهل الكتاب.
باسم: يجب التمييز، نحن نميز ما بين أهل الكتاب، من قال إن أهل الكتاب هي المسيحية؟
سعيد: طبعًا الفقهاء كانوا قد اتفقوا…
باسم: من أدق صدقًا، الفقهاء أم النص القرآني؟
سعيد: ولكن الفقهاء رجعوا إلى النص، أي إلى النص القرآني.
باسم: الفقيه الذي يقول إن اليهودية دين، بينما القرآن يصفها بالملة فهو ليس فقيهًا ويحرّف الكلم عن مواضعه.
سعيد: ليس بالضرورة، لأنه مثلًا الفاتحين المسلمين حينما دخلوا إلى هذه المناطق وجدوا شعوبًا تعتنق أديانًا أخرى، ليس فقط اليهودية والمسيحية، كانت هناك ديانات أخرى غير كتابية من مجوس وغيرهم. ولكن الدولة سياسيًا أيديولوجيًا يحتاجون إلى نوع من… كيف نتعامل مع مثل هذه الأقليات؟
باسم: القرآن وصف المجوس ووصف الصابئة ووصف المشركين ووصف النصارى ووصف اليهود ووصف المؤمنين، وصفهم في آيتين كبار، صح؟
سعيد: نعم طبعًا.
باسم: ووصفهم كملل ضمن الدين، يعني لم يقل “إنما المسلمون والذين هادوا”، قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِِٔينَ وَٱلۡمَجُوسَ} [الحج: 17]، فهو وصف مجموعة من الملل داخل الدين الواحد. فيأتي فقيه ويقول إن اليهودية دين بينما القرآن يقول إن اليهودية هي ملة، فأصدق من أنا؟ أأصدق الفقه أم أصدق النص؟
سعيد: هذا الأمر طبعًا البحث في هذا الأمر ليس جديدًا.
باسم: لا شك، أكيد نحن لا نجلب جديدًا لكن نحاول ان نعطي الأشياء مسمياتها الصحيحة.
سعيد: طبعًا أنا دائمًا الفكرة التي أؤمن بها لا أستطيع أن أرجّح، الآن الديانة أو الدين أصبح مصطلحًا شائعًا يطلق على…
باسم: كما قلنا خطأ شائع خير من قاعدة مهجورة. أنا أعطيك مثلًا، أنا عندي ماء وعندي حليب وعندي حبر أسود، أنا أقول لك الحبر الأسود هو الماء، هل يحق لي أن أقول أنا لا أستطيع أن أرجح أن هذا ماء أم حبر؟ الدال يجب أن يصف مدلوله وإلا نصبح اعتباطيين حتى في تناول الأفكار. الملة ملة والدين دين، لو كانت الملة هي الدين لأطلق عليها اسم الدين اليهودي أو الدين النصراني، هو سماها ملة.
سعيد: كما قلت سابقًا، معجميًا سواء في إطار اللغة العربية أو في إطار اللغات السامية، الباحثون توقفوا كثيرًا عند هذه المصطلحات، مصطلح ملة ومصطلح دين، أنا لا أختلف معك في هذا الموضوع، ولكن أكاديميًا، أكاديميًا الآن نتحدث عن الأديان.
باسم: كيف نحدد أن هذا دين وهذا ملة؟
سعيد: أنا بالنسبة إلي ربما هذا أمر قد نعود إليه لاحقًا إن شاء الله.
باسم: إن شاء الله، شكرًا دكتور الوقت داهمنا… إن شاء الله تكون فرصة لطيفة أخرى نلتقي ونتحاور أكثر، أنا استمتعت بالحوار معك دكتور حقيقةً.
سعيد: بارك الله فيك كذلك، ربما ستحفزني.
باسم: أكيد أحفزك أن تعيد النظر في الكثير مما…
سعيد: ليس بالضرورة، ولكن أبحث… أبحث في الموضوع، لأن هذا الموضوع كما قلت لك سابقًا، البحث في الأديان بحر كبير.
باسم: شائك، بحر كبير لكن يجب استخدام الأدوات والألفاظ والتعابير الدقيقة حتى نخرج بنتائج صحيحة.
سعيد: أنا طبعًا في هذا ربما سأبعث لك المقالة حول تحديد مصطلح دين وملة، ولكن لم أرجح، استعرضت التعاريف جميعها سواء بالعربية أو بغيرها.
باسم: عندي نص حاكم صاحب الشأن ميّز لنا بين الملة والدين، لماذا لا نستطيع الترجيح؟
على كل حال، شكرًا كثيرًا دكتور مرة ثانية، وإن شاء الله يكون هناك فرصة أخرى للقاء في مواضيع، هناك مواضيع كثيرة يمكن أن نناقشها… إن شاء الله سيكون… شكرًا مشاهدينا وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، إلى اللقاء.