هل تساءلت يومًا لماذا تعاني المجتمعات العربية من التوتر المتواصل؟ وكيف سيطر الماضي على عقلنا العربي ليعيق تقدمنا؟ وما الفارق الحقيقي بين العنف والإرهاب في واقعنا؟ وهل تمثل الطبقة الوسطى والتعليم المتطور طريقنا لضمان استقرار مجتمعاتنا؟ المفكر السعودي تركي الحمد يجيب على كل هذه الإجابات من خلال كتابه “من هنا يبدأ التغيير”، الذي يقدم الباحث حسين سعدون قراءة مستفيضة له في #بودكاست_كتاب، على #منصة_مجتمع
مقدمة
طابت أوقات الجميع بخير، لقاء متجدد مع منصة مجتمع في برنامج كتاب، واستكمالًا لما بدأنا به في الحلقات السابقة من برنامج كتاب على منصة مجتمع، نحاول تسليط الأضواء قدر الإمكان على أهم المؤلفات أو الكتب التي لم تأخذ حظها من الانتشار، ونرى أن هذه الكتب جديرة بالقراءة.
هدفنا الأساسي دومًا تقديم الأفكار المهمة أو التي لها علاقة مباشرة على واقع مجتمعاتنا، أو التي تجيب على تحديات وأسئلة عصرنا. ننفض الكتب من أرفف المكتبات ونزيح عنها الغبار لتصل لكم في صورة مختصرة ومفيدة ومكثفة. هذه الكتب تحرك عقولنا، تبصرنا بما هو جديد، تفتح الباب للأسئلة التي تراودنا في كل وقت من حياتنا لعلنا نصل معكم لحلول حقيقية لمشكلاتنا جميعًا.
وبين يدي اليوم كتاب بين يدي الطبعة الثالثة عام 2012، “من هنا يبدأ التغيير” للمفكر والمؤلف السعودي تركي الحمد. والكتاب قرأته مؤخرًا، وأرى أنه جدير بالعرض، وأحاول قدر الإمكان استعراض أهم الأفكار الرئيسة في هذا الكتاب.
مع سيرة ذاتية مختصرة جدًا للمفكر السعودي تركي الحمد. هو مفكر وكاتب سعودي معاصر، ولد في مارس عام 1952 في منطقة الكرك بالأردن لعائلة سعودية الأصل من منطقة القصيم، ثم انتقلت أسرته إلى مدينة الدمام في السعودية عندما كان طفلًا. درس العلوم السياسية ونال درجة الدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يعود إلى السعودية ويعمل أستاذًا في العلوم السياسية ثم يتفرغ للكتابة.
يُعرف تركي الحمد بأسلوبه الجريء في معالجة قضايا الفكر والهوية والدين والسياسة في العالم العربي، وقد أثارت كتاباته جدلًا واسعًا في الوسط الثقافي والفكري. من أبرز مؤلفات تركي الحمد الأخرى غير هذا الكتاب الذي بين أيدينا: “العقل العربي بين الجمود والتجديد”، “الطريق إلى المستقبل”، “مواجهة الفكر العربي”، بالإضافة إلى رواياته مثل “الليل والمطر”، و”أحلام عربية” حيث يعالج تركي الحمد قضايا اجتماعية وسياسية بأسلوب نقدي وروائي جذاب. ابقوا معنا.
كيف نفصل بين قيمة الأفكار وأشخاص مفكريها؟
قد يسأل سائل: لماذا اخترت هذا الكتاب؟ طبعًا أنا أذكر نقطة مهمة، أنا أجلس في المكتبة أختار الكتب من بين الأرفف لا على التعيين، يعني ليس على… وهنا أنبه المشاهد إلى نقطة مهمة: لا تربط الأفكار بالأشخاص، بمعنى عندك قراءة انتقائية، تجد فلانًا -لا أريد إحضار أسماء- كاتبًا مشهورًا فتقتني الكتاب، هنا لن تصل إلى شيء؛ لأنك ربطت الفكرة بالشخص، وقد تقبل فكرة رديئة من كاتب مشهور، وقد ترفض فكرة جيدة من كاتب مغمور أو غير معروف. تركي الحمد لا ينتمي إلى الصف الأول من المفكرين العرب الكلاسيكيين، بل وأجزم أن الكثير سيسمع به لأول مرة الآن. أخذت الكتاب من بين أرفف المكتبة لا على التعيين، وقد هالتني الأفكار الجميلة والانطباعات، والعقل النقدي الذي يتمتع به الكاتب، الذي بالحقيقة لو رجعت إلى تغريداته على منصات التواصل الاجتماعي -راجعت شخصيًا- ستجد أن هناك حربًا شرسة ضد أفكاره. من هنا أجد أن كتاب “من هنا يبدأ التغيير” مهم، وهذا درس لنا أن لا نربط الأفكار بشخص الكاتب، بل أن نقرأ الكتاب وأن تكون الفكرة هي البوصلة.
لماذا اختيار “من هنا يبدأ التغيير”؟
السؤال الآن: لماذا اخترت هذا الكتاب؟ كتاب “من هنا يبدأ التغيير” للمفكر السعودي تركي الحمد. السبب؛ لأنه يقدم تحليلًا جريئًا لأزمة الفكر والهوية في العالم العربي، وهذا ستجدونه في فصول الكتاب، ويجيب على سؤال أساسي: لماذا تعاني المجتمعات العربية من الجمود الفكري والتأخر في مواجهة تحديات العصر؟
ملاحظة مهمة: الكتاب صادر عام 2012، نحن الآن داخلون على 2026، نفس المشاكل بل زادت. الكتاب يوضح أن المشكلة ليست سياسية أو اقتصادية فحسب، بل هي أزمة في العقلية العربية والثقافة، فالعرب ما زالوا يعيشون في دائرة مفاهيم جامدة ولغة تقليدية متخشبة تمنع إنتاج خطاب جديد يعبر عن هموم ومشاكل العصر. ويركز الحمد على الخلط بين الدين والسياسة، حيث تحول الدين في كثير من الأحيان إلى أداة لمصالح ضيقة، ما أدى إلى ارتباك الهوية وتشتت الفكر.
تركي الحمد يؤكد في هذا الكتاب “من هنا يبدأ التغيير” أن التغيير الحقيقي يبدأ من الإنسان والمجتمع نفسه عبر خطاب جديد وعقلاني وفكر متحرر قادر على فهم الواقع، ومواجهة تحديات العولمة بعيدًا عن التقليد أو لغة الماضي الجامدة. الكتاب أو الكاتب يدعو إلى إعادة النظر في أسلوب تفكيرنا ومفاهيمنا، وتعاطينا مع الثقافة والدين والسياسة حتى نتمكن من بناء مجتمع واعٍ قادر على الابتكار والتجديد بدل أن يبقى الفكر العربي أسير الماضي وقيوده. فاصل ونعود إلى مقدمة الكتاب.
كيف تحقق الوسطية الاستقرار في السياسة والمجتمع؟
نواصل الإبحار وعرض الأفكار المهمة في الكتاب “من هنا يبدأ التغيير” للمفكر السعودي تركي الحمد. وعليّ أن أشير إلى نقطة مهمة جدًا هي مقدمة الكتاب أو أي كتاب، خير ما يقدم الكاتب هو الكاتب نفسه يقدم أفكاره، والمقدمة هي عتبة للولوج إلى هذا الكتاب، فهو يستعرض بصيغة مكثفة وبكلمات قليلة ما يريد أن يوصله للناس، وأجد من المهم بمكان عدم إهمال مقدمة أي كتاب؛ لأن الكاتب سيرسل لنا رسائل مشفرة وقصيرة، هو يريد أن يقول لك ما أبرز ما يحمله هذا الكتاب.
مقدمة الكتاب: لماذا تتوتر المجتمعات؟ ويذهب الكاتب مؤلف الكتاب مباشرة لأخذ مثال بارز واضح من الفلسفة الإغريقية اليونانية للفيلسوف أرسطو الذي يرى أن الفضيلة هي تحقيق أقصى كمال ممكن، ليس في عالم المُثُل إنما في عالم الواقع، وهي في النهاية كما يرى الوسطية أو الحكمة عبارة عن وسط بين رذيلتين، فالشح تطرف والسفه تطرف، ولكن الجود فضيلة هي فضيلة بين رذيلتين، كما تقول هناك شجاع عكسه جبان وعكسه متهور، أو كما تقول هناك كريم وعكسه مترف وعكسه بخيل.
إذن -والتعبير للمؤلف تركي الحمد- الفضيلة هي وسط بين رذيلتين. وفي مجال السياسة والاجتماع الاستبداد وحكم الفرد من دون ضابط من القانون تمامًا كما الغوغائية أو حكم الجماهير دون ضابط من القانون نقيصتان تؤديان في النهاية إلى عدم الاستقرار. وفي الوسط بين المنهجين الدستور المتوازن الذي يجمع بين الفضائل الفردية والاجتماعية.
وبتعبير الكاتب: قس على ذلك قد بنى أرسطو وفق هذا المبدأ نظرية كاملة في الأخلاق والسياسة والاجتماع تقوم على الوسطية في كل شيء، في سلوك الأفراد وفي أنظمة الحكم وفي طبقات المجتمع وفي أنواع الدساتير وفي كيفية الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي وفي السلوك الواقعي المؤدي إلى السعادة. وفي كتابه الكريم، القرآن الكريم… وفي كتاب الله الكريم، القرآن، نجد المبدأ نفسه، فالحكمة في النهاية واحدة مهما تعددت مصادرها، ولا تناقض بين عقل ونقل في هذا المجال.
وهو الكاتب هنا يذهب بنا إلى آية شهيرة من إلى آية شهيرة من سورة الإسراء حيث يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]. فالحالة الأولى تؤدي إلى الحرمان ولو كان صاحبها ثريًا، والحالة الثانية تؤدي إلى الفقر، وكلا الأمرين حرمان وكلاهما رذيلة ونقيصة وسلوك متطرف، وكما ورد في الأثر فإن خير الأمور الوسط، ولا إفراط ولا تفريط ولا ضرر ولا ضرار. فالسعادة على مستوى الأفراد تكون في ذلك الهامش المتغير بين الإفراط والتفريط، والسعادة بالنسبة إلى الدول هي دوام الاستقرار والازدهار تكمن في ذلك الهامش المتغير بين الحرية والضبط في سياساتها.
ولو أخذنا مبدأ الوسطية هنا وحاولنا تطبيقه على الحضارات والمجتمعات لوجدنا مصداقًا له في التاريخ، معظم تلك الحضارات والمجتمعات وتطورها انطلاقًا من نظرة موضوعية معينة. فالحضارة، أي حضارة، هي في النهاية نوع من أنواع الضبط والتنظيم لحرية الفرد، للبدائية أو الفطرية المطلقة، لأنه من دون مثال هذا الضبط والتنظيم تنعدم فرصة قيام المجتمع والتفاعل السلمي بين بني الإنسان.
ومثال على ذلك يضرب به الكتاب، وهو لعله يعاني من ذلك كما يذكر في بيئته موضوع تعليم المرأة الذي كان سابقًا من الأمور المرفوضة، ولكنه أصبح الآن ولكنه أصبح الآن شيئًا عاديًا وسلوكًا عاديًا، آخذين في الاعتبار متغيرات الزمان والمكان.
يرى الكاتب في عبارة مهمة جدًا أن عدم إدراك المجتمع لمبدأ الوسط والوسطية يؤدي في النهاية إلى الأزمات والانحدار. وكمثال، يضرب مثالًا على نسبة الوسط والوسطية وتغيرها مع ضرورات الحياة ومتغيرات الزمان والمكان، يذهب إلى بريطانيا فيقول: لو أخذنا بلدًا معينًا كبريطانيا مثلًا، فإن ممارسة المرأة للحياة العامة في القرن التاسع عشر كانت تعتبر في بريطانيا سلوكًا متطرفًا غير مقبول، وإنما نجد السلوك في يومنا هذا واجبًا، ومن لا يفعله يكون قد فرط في هذه الحالة وانتقل من طرف إلى طرف نقيض برغم أن السلوك واحد. فالظروف في القرن التاسع عشر هي غير ظروف القرن العشرين، هي غير ظروف القرن الحادي والعشرين رغم ثبات المبدأ. وهذا الأمر ينطبق على السعودية -بلده- في مواضيع تعليم المرأة وقيادة المرأة للسيارة.
كيف نحقق توازن المجتمعات عبر مبدأ الوسطية؟
وبعد أن انتهينا من مقدمة الكتاب وهو عنوان جميل جدًا: “لماذا تتوتر المجتمعات؟” طبعًا تتوتر إذا تترك حالة الوسط، فهناك ملخص مكثف للمقدمة يبدأ تركي الحمد بتحليل أصل توتر المجتمعات وصعوبة تحقيق الاستقرار، مستندًا إلى فكرة الوسط والوسطية عند الفيلسوف الإغريقي أرسطو، حيث يرى مؤلف الكتاب أن الفضيلة تكمن في الوسط بين طرفين متطرفين، فالجبن مقابل التهور، والجود مقابل الشح، والحب الكامل يجمع بين الروح والجسد. كما أن السياسة الناجحة تكمن بين الاستبداد المطلق والفوضى الجماهيرية والحرية المتوازنة مع القانون تحقق استقرار الدولة.
وهذا المبدأ -بتعبير المؤلف- ليس مجرد نظرية فلسفية، بل له انعكاسات عملية في تاريخ الحضارات والمجتمعات، فالحضارة تقوم على ضبط حرية الفرد وتنظيمها لصالح التفاعل السلمي والنمو الاجتماعي. مثال ذلك تعليم المرأة الذي كان في الماضي مرفوضًا ثم أصبح اليوم سلوكًا عاديًا. هذا ما يظهر أن الوسطية تتغير مع الزمان والمكان لكنها تبقى قاعدة ثابتة لتحقيق الاستقرار والسعادة الفردية والاجتماعية.
الخلاصة بحسب الكتاب: توازن المجتمعات والحضارات يبدأ من إدراك الوسط والاعتدال والتكيف مع متغيرات الزمان والمكان، وعدم الانزلاق إلى أي طرف متطرف سواء في الفرد أو السياسة أو الثقافة. وهنا نذكر قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]. ابقوا معنا لتكملة فصول الكتاب.
كيف سيطرت كان وأخواتها على تفكيرنا العربي؟
أهلًا بكم، نعود مرة أخرى إلى كتاب “من هنا يبدأ التغيير”. للتنويه عزيزي المشاهد، الكتاب يتكون من 5 فصول، كل فصل من عدة أبواب. الكتاب يقع في 350 صفحة. الفصل الأول جاء تحت عنوان “ويبقى الخيار قائمًا”. في هذا الفصل يطرح المؤلف تركي الحمد ثلاثة عناوين فرعية يبدأها بالسلفية اللغوية والفكرية، ثم يتطرق لابن خلدون ونظرية العصبية، وينتهي بفكرة المساواة بين الرجل والمرأة.
في هذا الفصل -كما قلنا جاء تحت عنوان “يبقى الخيار قائمًا”- يذهب إلى فكرة ألمعية والتقاطة بارعة جدًا في كتب النحو، فيما يتعلق بالأفعال والضمائر، فيقولون إن كان وأخواتها… طبعًا هنا يذهب إلى تصريف الأفعال: صار، أمسى، أصبح، ظل، بات، أضحى، ما دام، ما زال، ما انفك، ما برح. هذه الأفعال ترفع المبتدأ فيصبح اسمها وتنصب الخبر فيكون خبرها. ويقولون إن وأخواتها: إن، كأن، لكن، ليت، لعل هي حروف تدخل على المبتدأ فتنصبه ويصبح اسمها، وعلى الخبر فترفعه ويصبح خبرها. وهذه مسألة لا يستقيم اللسان العربي إلا بها ومعها، ولكن هذه المسألة -بتعبير تركي الحمد- طغت على العقل العربي نفسه، بحيث أصبحنا أمة بيان على حساب أمة البرهان. ولا أريد أن أقول التعبير الشهير لعبد الله القصيمي “ظاهرة صوتية” على حساب الفعل والإنجاز، بل إن خطابنا الثقافي بتعبير تركي الحمد هو خطاب ماضوي في مجمله، حتى وإن اكتسى صورة معاصرة براقة. فكل نشاط أو فعل أو حركة لا تكون مشروعة أو مقبولة إلا إذا استندت إلى فعل مشابه إلى الماضي.
هنا يجب أن نقف على عدة أمور مهمة، قد يلتبس أحد المشاهدين يقول ماذا تقصد؟ سأضرب مثلًا يوضح الصورة، ماذا يقصد الكاتب وهذه قراءة ما وراء السطور؟ اللغة العربية، الناس كانت تتكلم باللغة وقواعدها قبل وضع قواعد النحو. الناس كانت تتعلق بكلام العربية، مثلما كانت الناس تفكر قبل أن يأتي أرسطو ويضع قواعد التفكير. مثلما كانت الناس تمارس الشعائر والعبادات قبل أن يأتي الشافعي بكتابه الأم أو الرسالة.
ما يريد أن يصل إليه تركي الحمد في هذه السطور القليلة أن قواعد اللغة لم تعد قواعد لغة فقط بل إنها سيطرت على العقل، أن هذه الأفعال الماضوية سيطرت على العقل العربي فأصبح منقادًا إلى الماضي. وأضرب مثلًا عشناه في العراق في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما قال تركي الحمد هذه العبارة التي توقف عندها: إذا أردت أن تبحث عن مشروعية قضية معاصرة، عليك أن ترجع إلى الماضي. عندما أثيرت قضية الشعر الحر على يد نازك الملائكة أو عبد الوهاب البياتي أو بدر شاكر السياب، هل الشعر الحر هو مشروع؟ كانت النقاشات تدور إلى الماضي للعودة للوراء، فيأتون بأمثلة من الوراء على النثر كما في كتابات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي؛ حتى يستدلوا بصحة ما ذهبوا إليه هؤلاء.
والآن أي فكرة تأتيك، وهذا أيضًا يعود بنا إلى الراحل الدكتور محمد شحرور، أنت لا تأتي بشرعية هذه الفكرة من الحاضر بل تبحث عن شيء من الماضي يدل على صحتها. بتعبير تركي الحمد: الماضي استولى على الحاضر والمستقبل، واستولى على العقل العربي. وبتعبير تركي الحمد بل حتى الخطاب الحداثي العربي لم يكن هناك خطاب حقيقي يحاول أن يجد لنفسه مشروعية، بل ذهب إلى الماضي من خلال الاستعانة بالماضي، وهذا ما ضربناه مثلًا بسيطًا في الشعر الحر. حتى قضية الديمقراطية، أذكر النقاشات خاضها المفكر المصري الذي الآن ينعت بالسلفي محمد رشيد رضا في موضوع الديمقراطية وهي مشروعة، فذهبوا إلى موضوع الشورى، مع العلم الموضوع مختلف، لا هناك علاقة بين الشورى والديمقراطية، فقالوا إن الديمقراطية مشروعة لأن المسلمين مارسوا نوعًا من الشورى.
إذن هنا تركي الحمد يؤكد أن الخطاب العربي المعاصر أصبح أسيرًا للخطاب الماضوي، فبدأ يبحث على مشروعية له. وبتعبير المؤلف من خلال الاستعانة بالماضي.
وعودة إلى موضوع كان وأخواتها، فكل فعل يدل على زمن معين، فـ”كان” تدل على الحدث الماضي، و”ما زال” تدل على حدث مستمر، و”صار” تدل على حدث استمر في الماضي وانتهى، وهكذا. و”كان” تدل على التشبيه… و”كأن” تدل على التشبيه، و”ليس” تدل على التمني، و”لعل” تدل على الرجاء، و”لكن” على الاستدراك، وهكذا. وكان وأخواتها وإن وأخواتها تتعلق بزمان الفعل.
وإذا كان النحويون العرب -بتعبير المؤلف- قد قتلوا هذه القضايا بحثًا، فإن الفكر العربي المعاصر والخطاب الثقافي العربي المعاصر في مجمله ما زال يراوح في مكانه، ما زال أسير كان وحدها من دون أخواتها، وإن وحدها من دون بقية أخواتها. فـ”كان” فعل يدل على الماضي، وخطابنا الثقافي هو خطاب ماضوي في مجمله. ما نريد قوله -بتعبير المؤلف- إن أدوات اللغة والنحو اخترقت عقولنا وطريقة تفكيرنا فأصبحنا أسرى لها.
وهنا في ختام هذا الفصل يذهب إلى طرفة تتعلق بفيلم “غزل البنات” الذي كان من إخراج الراحل أنور وجدي، وكان يمثل به الأستاذ حمام، الأستاذ نجيب الريحاني، دور مدرس اللغة العربية، والطالبة المشاغبة كانت ليلى مراد عندما قالت له في نهاية أحد الدروس: “كان فعل ماضي ما نسيبه في حاله”. السؤال هل يستجيب العرب لهذا التحدي ويتركون الماضي ويتجهون إلى الحاضر والمستقبل؟ هذا ما سنعرفه في بقية فصول الكتاب.
هل تعتبر العصبية القبلية المحرك لتاريخنا البشري؟
نتواصل مع كتاب “من هنا يبدأ التغيير” للمفكر المعاصر تركي الحمد، وبالحقيقة هناك عنوان باب ملفت في الفصل الأول “وتبقى العصبية هي الأصل”، ويبتدئ هذا الفصل بعبارة جميلة: رحم الله أبا زيد الذي بيننا وبينه حوالي سبعة قرون، فقد أقام نظرية كاملة -يقصد ابن خلدون- نظرية العصبية، يمكن من خلالها فهم التاريخ العربي والإسلامي من خلال آليات الواقع الذي نعيشه، وليس من خلال الشعارات المرفوعة أو الأيديولوجيات.
وقبل أن نفصّل في هذا الباب من الفصل الأول “العصبية هي الحل” لا بد أن نلفت الانتباه إلى أن أغلب المفكرين العرب في القرن العشرين وجدوا ضالتهم في ابن خلدون؛ طه حسين رحمه الله كانت رسالته للدكتوراه “فلسفة ابن خلدون الاجتماعية” في العقد الأول من القرن العشرين، حوالي 1914. علي الوردي رسالته للدكتوراه من جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1950 كانت “نظرية المعرفة عند ابن خلدون”. محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، أغلب المفكرين العرب وجدوا ضالتهم عند ابن خلدون، حتى قال صديق لي في نقاش شخصي إن ابن خلدون لو نهض من قبره لن يقوم بتعديلات كثيرة على نظريته لأن نظريته صالحة لليوم.
برأي تركي الحمد أن الشعارات المرفوعة أو الأيديولوجيات كانت العصبية، أي العصبية الخلدونية هي المفتاح الذي يمكن من خلاله فهم كل منظومات التاريخ المغلقة بعيدًا عن آليات الاختزال والانتقاء. ورغم أن العصبية لا تعني نمطًا معينًا ووحيدًا من أنماط التجمع البشري، إلا أن ابن خلدون كان يحلل العصبية من خلال القبلية، والقبلية تحديدًا، وهو ما يميز المجتمعات العربية والإسلامية التي هي -بتعبير مؤلف الكتاب- مرتبطة أشد الارتباط بمثل هذا النمط من العصبية، ولا يمكن فهمها فهمًا عميقًا دون العودة إلى فكرة العصبية كمفتاح رئيس، وليس المفتاح الأوحد من مفاتيح التحليل.
هناك حركات اجتماعية وسياسية كثيرة في تاريخنا تبدو في ظاهرها لا علاقة لها بالعصبية، بل كانت معادية لها، ولكن عند التحليل الأخير والعميق نكتشف عن عصبية ضاربة في الأعماق. فحركات -بتعبير الكاتب تركي الحمد- مثل حركة الخوارج أو القرامطة، وأحداث مثل ثورة الأشعث أو ثورة صاحب الزنج تبدو كأنها قد قامت على أسس مخالفة لتلك الأسس التي تفترضها نظرية العصبية، والعصبية القبلية تحديدًا، ولكن -بتعبير الكاتب- التحليل المتعمق يثبت أنها ذات جذور قبلية، أي هذه الحركات التي ذكرناها آنفًا مثلها مثل غيرها، إن لم يكن أكثرها برغم أن شعاراتها وعقائدها تقول غير ذلك.
ولا يعني هذا أنها كانت وراء تلك الأحداث والحركات، كانوا لا يؤمنون بما يقولون، أي للناس الذين رفعوا الشعارات كصاحب الزنج في البصرة وغيرهم، أو أنهم كانوا من المخادعين، ولكنهم في الخاتمة -بتعبير الكاتب- أبناء بيئتهم وأسرى مجتمعاتهم وتركيبة هذه المجتمعات. على الرغم من أن الإسلام نهى عن القبلية كمحدد للسلوك، وليس القبلية أو الانتماء القبلي بصفتها من أخلاق الجاهلية. ونرى أن هذه القبلية كانت حاضرة حتى الصدر الأول للإسلام، حيث نفترض أنها لم تعد فاعلة في توجيه مسار الأحداث في سقيفة بني ساعدة مثلًا. حيث الافتراض أنها لم تعد فاعلة في توجيه مسار الأحداث في سقيفة بني ساعدة مثلًا. وكان الصراع على أشده بين المهاجرين قريش والأنصار الأوس والخزرج حول خلافة النبي صلى الله عليه وسلم.
والمتابع لما حدث في السقيفة -بتعبير الكاتب- وقبل أن يُدفن رسول الله، يجد كيف أن المهاجرين احتجوا بقرابتهم من الرسول وبكون العرب لا تخضع لغير قريش في تبرير قرشية الخلافة، ثم يأتي تعداد مناقب المرشح للمنصب، بينما نجد أن الأنصار يحتجون بكونهم من آوى النبي ونصره، وما كان للدعوة أن تنتصر وتنتشر بدونهم. كذلك نجد أن الخلاف القديم بين الأوس والخزرج هو الذي قوّى من موقف المهاجرين في النهاية، والنتائج معروفة التي آلت إليها العملية، أي في سقيفة بني ساعدة.
ومن يشاهد الصراعات والحروب الأهلية في العالم العربي في ربع القرن الأخير، والصراعات السياسية والانقلابات من جمهوريات تدعي الكفاءة ودولة المؤسسات، كانت بالحقيقة -بتعبير الكاتب- هي صراعات قبلية وعصبيات في العمق.
والحقيقة التي لا مفر منها أن الصراعات الاجتماعية والسياسية هي الأصل في التاريخ البشري، فعصبية العرق والجنس والدين والطبقة والفئة والطائفة والحزب وغيرها من عصبيات قديمة وجديدة وما نعلم وما لا نعلم، كانت هي محرك تاريخ من الإنسان على هذه الأرض، محرك تاريخ الإنسان على هذه الأرض.
لذلك كما قلنا في بداية الكلام عند ابن خلدون فقد أصاب جدًا حين حدد العصبية كأحد محركات التاريخ، وأن الصراع يدور في هذه العصبية، وأنه لا يمكن للملك أن يكون دون غلبة ودون ناس يدافعون عن هذا الشيء.
كيف أقر الإسلام المساواة بين الرجل والمرأة؟
والآن نقف مع الباب الأخير من الفصل الأول وهو “خلق”… وجاء بعنوان جاذب والحقيقة وجدير بالاهتمام “وخلق الله المرأة”، كأنه جاء على صيغة تعجب. فعندما يقال الإنسان يتبادر الذهن إلى صورة الرجل فقط، مثلما يتبادر إلى الأذهان بعض البسطاء من العامة أن الله ذكر لا أنثى، والعياذ بالله من كل ذلك. بالرغم من أن الحقيقة التي لا جدال فيها هي الإنسان رجل وامرأة، ذكر وأنثى، كما جاء في سورة الحجرات آية 13: “وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.. إنا خلقناكم من ذكر وأنثى”. إلى نهاية الآية.
(ملاحظة: هو نطق الآية بشكل خاطئ، يمكن أن نكتفي بوضع الآية على الشاشة.)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].
ولكن، وهنا كما يقول أحدهم اللعنة على “لكن” التي لا يستغني عنها كلام، نوعية التربية التي يتلقاها الفرد ونوعية العادات والتقاليد المهيمنة في المجتمعات العربية بصورة عامة تحدد صورة المفاهيم في الذهن، حتى وإن كانت هذه الصورة غير معبرة عن حقيقة الأشياء. وهنا يضرب أمثلة مهمة، فصورة المسيح في الغرب مثلًا تظهر أشقر الشعر، أبيض البشرة، أزرق العينين، وهو لدى بعض القوميين الأفارقة يظهر داكن البشرة أجعد الشعر، وفي تصور بعض أهل فلسطين -كما يقول الكاتب- يظهر السيد المسيح على صورة ثائر على اليهود واليهودية وعلى الدولة الرومانية وعلى كل أنواع الظلم.
وبرغم أن مبدع الخلق العظيم، الله، وهو الأعرف بمن أبدع، يقرر أن الإنسان كما جاء في التنزيل الحكيم عبارة عن ذكر وأنثى وليس ذكرًا فقط، وأن الأفضل عند الله هو الأتقى وليس الذكر أو الأنثى، وبالتالي هي المساواة بين جناحي الإنسان، إلا أن الممارسة المحكومة في الواقع كما نراها اليوم تختلف عن ذلك. والمشاركة في الإنسانية، هذه النفس الواحدة هي الأساس التي تقوم عليه المساواة الأزلية بين الرجل والمرأة. فكون أن المرأة تختلف عن الرجل في وظائفها البيولوجية مثلًا، أو أن الرجل يختلف عن المرأة في ذلك، لا يعني ميزة لأحدهما على الآخر بل هو تكامل وظيفي بين جناحي الإنسان كي يكون الإنسان كاملًا. فكما أن الطائر لا يستطيع الطيران بجناح دون آخر، وكما أن اليوم لا يمكن أن يكون نهارًا من دون ليل أو ليلًا من دون نهار، كذلك لا يمكن للإنسان أن يكون إنسانًا من دون قضية هذا التكامل بين الرجل والمرأة وأداء هذه الوظيفة.
ولكن الناظر في الثقافات التي حولنا يجد غير ذلك، ويجد أن هناك تقليلًا من شأن المرأة، وهذا ما دفع فيلسوفًا عقلانيًا -بتعبير المؤلف- مثل أفلاطون إلى حمد الرب لأنه خلقه ذكرًا ولم يخلقه أنثى، وفيلسوفًا آخر عملاقًا مثل أرسطو للاعتقاد بنقصان المرأة عن الرجل عقليًا. وهذا يعني أن الثقافات بصورة عامة كان لديها نظرة سلبية للمرأة ولا تختص بثقافة شعب دون آخر. وهذا ما دفع معظم قساوسة القرون الوسطى في أوروبا إلى اعتبار المرأة حليفة الشيطان بعد تحميلها وزر الخطيئة الأولى والطرد من الجنة.
أما الإسلام منذ فجره الأول اختلف عن كل ذلك بإقرار مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في كل شأن إنساني، فهن شقائق الرجال، والجميع مكلفون التكليف نفسه، ولديهم نفس الخطاب. وهناك في القرآن الكريم إشارات كثيرة لذلك. لكن للأسف -بتعبير الكاتب- على المستوى الذهني والاجتماعي والسلوكي نجد أن هناك تفاوتًا كبيرًا في التعامل بين الرجل والمرأة، في أنماط التربية، في إسناد الواجبات، في الحقوق، في قضايا الزواج والطلاق وغيرها. وهذا ما يدفعنا إلى القول إن المرأة لا تختلف عن الرجل إلا باختلاف الوظائف.
كيف نلخص أزمة العقل العربي والعصبية والماضي؟
في النهاية، أقوم الآن بالتلخيص السريع والمكثف لما أراد المؤلف تركي الحمد قوله. تلخيص الفصل الأول: أهم ما جاء في هذا الفصل الأول، يوضح تركي الحمد أن العقل العربي أصبح رهينًا للماضي، حيث غاصت ثقافتنا وخطابنا في السلفية اللغوية -تعبير جميل هذا “السلفية اللغوية”- والفكرية حتى أصابنا الجمود، وأصبح كل مشروع أو خطاب يستمد شرعيته من الماضي بدلًا من الواقع والحياة اليومية. وأن أدوات اللغة مثل كان وأخواتها لم تعد مجرد قواعد نحوية بل انعكست على طريقة التفكير، فأصبح العقل العربي أسيرًا للتاريخ، واللفظ بدل الفعل والإبداع.
ثم ينتقل الحمد إلى ابن خلدون ونظرية العصبية، موضحًا أن كل الصراعات التاريخية والاجتماعية والسياسية في العالم العربي من الخوارج إلى الثورات الحديثة لها جذور قبلية وعصبية عميقة، حتى لو ارتدت هذه الثورات شعارات معاكسة، فالتاريخ يحركه دائمًا الانتماء والعصبية، وهو مفتاح لفهم المجتمعات العربية.
وأخيرًا يناقش الفصل المساواة بين الرجل والمرأة، مؤكدًا أن الإنسان خُلق ذكرًا وأنثى، والمساواة الحقيقية تقوم على تكامل الأدوار وليس التفوق البيولوجي أو الاجتماعي، رغم أن الممارسات التقليدية الراهنة والتربية الثقافية لم تحقق ذلك بعد، ما يعكس فجوة بين المبادئ الإنسانية والواقع الاجتماعي.
لماذا يعتبر الشر ضرورة حتميّة لمعرفة الخير؟
الآن مع الفصل الثاني من كتاب “من هنا يبدأ التغيير” للمفكر السعودي المعاصر تركي الحمد. وهنا لا بد أن أعطي ملاحظة مهمة جدًا: قراءتنا لا تغني عن قراءة الكتاب. أنا محدد بوقت زمني، قد يكون ساعة أو أكثر قليلًا، أعرض فيه أهم أفكار الكتاب، الكتاب في 350 صفحة، ولو أردت أن أعرض الكتاب بشكل مفصل سيستغرق وقتًا طويلًا. هذه دعوة لحضراتكم لقراءة الكتاب، فما أقوم به هو فتح شهية وطرح تساؤلات وطرق أبواب.
في الفصل الثاني من الكتاب “من هنا يبدأ التغيير” يوضح المؤلف تركي الحمد أن الشر يجري في دمائنا منذ آدم وحواء، وأن قابيل وهابيل يعيشان فينا لليوم. ورغم أن التقدم الحضاري الهائل والتكنولوجي الذي نراه اليوم، تبقى في أعماق البشرية والإنسانية جرثومة العنف والشر. والإسلام وحده -بتعبير المؤلف- يقدم الوسيط بين الحرية والعقل ليمنعنا من أن نصبح وحوشًا بأنفسنا.
من الأبواب المهمة في الفصل الثاني “باب الدين والحرية”، يبدأ هذا الفصل المهم بسرد مجموعة من الآيات من سورة الأعراف من الآية 11 إلى الآية 25، ومضمون هذه الآيات يدور على الحوار بين الخالق جل سبحانه وبين إبليس وما حدث من قصة طرد آدم وحواء من الجنة وفيها عبر كثيرة، وأيضًا سورة طه من الآية 116 إلى الآية 122، أيضًا هناك نفس القضية، قصة آدم وحواء وخروجهما من الجنة، وتهديد إبليس بأنه سيقوم بإغوائهم وكيف سمح الله لإبليس بالوجود ولم يطرده بشكل نهائي عندما قال: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: 14].
مؤلف الكتاب تركي الحمد يقول استوقفته هذه الآيات كثيرًا، والقرآن هو دعوة للتأمل والتدبر. يقول توقفت كثيرًا وآيات القرآن كلها تستحق التوقف والتأمل، ولكن هذه الآيات بالذات لها وقع خاص بالنسبة إليه. لأن هذه الآيات -بتعبير المؤلف- تتحدث عن بداية التراجيديا البشرية على هذه الأرض وعالم الغيب، فقصة الخلق هنا وقصة خلق الإنسان تحديدًا ليست مجرد قصة تخبرنا بما جرى بالأزل مما لا نعلم، ولكنها ذات معاني تتعلق بالوجود البشري، وضعها الخالق من أجل إعمال العقل للوصول إلى مثل هذه المعاني. فما خلق الله العقل إلا للتدبر والتفكير، فالله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا من دون أن يكون لغاية معينة وحكمة محددة، وليس هناك ما يدخل في باب العبث في هذا المجال. كما جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191].
وهذه من الأمور المعلومة بالضرورة في الدين، وخاصة في دين الإسلام أن كل شيء وجد من أجل غاية وكل شيء خلق من أجل هدف. ومن هذه المقدمة الضرورية يكون التأمل في آيات الله وما تحتويه من قصص وعبر وأمثال تتحدث عن ذات العقل الذي ما فطره الله عبثًا.
وفي قصة خلق الإنسان كما جاء في هذه الآيات، هناك محطات كثيرة -بتعبير المؤلف- يجب التوقف عندها من أجل فهم كثير من الأمور ما زالت تشكل ألغازًا ومحل صراع بين المؤمنين في الكتاب نفسه وغير المؤمنين حتى وقتنا الحاضر. من ذلك الحوار بين الخالق، بين الله وإبليس، عندما رفض الأخير السجود لآدم. لقد تم أمر إبليس بصريح العبارة بالسجود، ومن مالك الملك ذاته، ولكنه تمرّد على هذا الأمر ورفض الانصياع، عالمًا بأنه يخاطب خالقه. فماذا فعل الله وهو الكلي القدرة الذي فطر إبليس من الأساس بطبيعة الحال؟ كان بإمكان الخالق ذي الجلال والإكرام أن يلقي بإبليس في جهنم مباشرة لأنه عصى الأمر، أو حتى أن يلغيه من الوجود جملة وتفصيلًا، وهو الذي أوجده من العدم. بالرغم من هذا التمرد والعصيان لم يفعل ذلك فحسب، ولكنه دخل في جدال مع إبليس حول لماذا لم يطع أمره وهو العالم المحيط بكل شيء، ويعلم تمام العلم لماذا يتمرد إبليس منذ الأزل، وبالرغم من ذلك سأله وجادله، وفي النهاية طرده من الملكوت الأعلى وأنظره حتى يوم يبعثون، أي حتى نهاية الزمان.
وإبليس للآن مستمر في تمرده ورفضه الطاعة، بل أبعد من ذلك يكون في الجنة مع آدم وحواء: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36]، ويوسوس للزوجين ويتسبب في طردهما من الجنة. وعلى الرغم من كل ذلك -بتعبير الكاتب- يبقى الله مبقيًا عليه إلى يوم يبعثون. والسؤال المهم هنا هو: لماذا يبقي الله على إبليس بالرغم من أنه هو مصدر الشرور والآثام وكل ما هو مضاد لأوامر الله؟
بطبيعة الحال لابد أن هناك حكمة ما، ما هي الحكمة؟ وما هي الحكمة التي يجب علينا… وهو يعترف، لا يدعي الكاتب ولا ندعي نحن معرفتنا التامة بالحكمة الإلهية، بل نحاول قدر الإمكان وقدر الاستطاعة البشرية التدبر والتأمل فيها. وهنا يستعرض الكاتب مجموعة من الحكم ويستنبط منها، مثلًا يقول: الحكمة الأولى التي يمكن استنباطها من قصة الخلق الإلهي هي أن وجود الشر ضروري لمعرفة الخير، فوجود الشر ضروري لمعرفة الخير -بتعبير المؤلف- وإلا لما كان للخير أن نعرفه، فالأشياء تكتسب معانيها من أضدادها، وبضدها تتميز الأشياء، ويضيع المعنى ويفتقد حين يفتقد الضد. بمعنى أن تعددية الألوان ضرورية لمعرفة هذه الألوان، وإلا لما كان هناك معنى للأحمر أو الأصفر أو الأبيض أو الأسود. وبدون تعددية وجود تناقضات لا معنى لأي شيء كي نعرفه، فالخير والشر لا بد من وجودهما معًا لكي نعرفهما، فبضدها تتميز الأشياء.
فلا وجود لشر مطلق ولا لخير مطلق بتعبير الكاتب، هذا ما تكلمت عنه قصة الخلق. وحين تم طرد آدم وحواء من جنة الخلد قد يقول قائل أين الجديد في كل ذلك؟ فهذه مسألة معروفة ولا تحتاج إلى فلسفة أو تنظير، وهذا اعتراض سليم بتعبير المؤلف. ولكن المشكلة أننا برغم معرفتنا بالحقائق البسيطة والمباشرة والفطرية، فحين يأتي أحدهم فردًا كان أو جماعة أو دولة فيعتقد صادقًا أنه يعلم طريق الخير والإيمان، ويعتقد مخلصًا أنه يجب أن يسير كل الناس على طريق الخير الذي اهتدى إليه، فماذا نفعل؟
وهنا يحذر الكاتب أن القصة نعم معروفة، قصة الخلق، ولكن المهم الغاية منها، والغاية أن لا أحد لديه احتكار الحقيقة، فالحقائق كما يقول المتصوفة هي كالمرآة التي سقطت من السماء السابعة وتشظت، ولكن كل طرف لديه جزء من هذه الحقيقة. وبالتالي لا يحق لشخص يدعي معرفة الحق وطريق الهداية أن يجبر الآخرين على السير في هذا الطريق بحجة أنه يمتلك الحقيقة لوحده، وبالتالي يعتقد صادقًا أن لا طريق غيره.
هنا يعتدي -بتعبير المؤلف- على مغزى الحكمة الإلهية في قصة الخلق -آدم وحواء والشيطان- التي نجدها في قصة الخلق دون أن يدري، معتقدًا أنه يطيع الرب بعمله هذا. فهو يخالف الحكمة الإلهية من طريقين، فإن كان على حق كما يعتقد مخلصًا، ولم يتعامل مع الآخرين تعامل الرب مع إبليس ذاته عندما منح له حق الوجود… فالرب سبحانه هو الحق ذاته والحق المطلق، وبرغم ذلك لم يجبر إبليس على فعل السجود على الرغم من القدرة الكلية على ذلك، بل جادله ثم أنظره إلى يوم يبعثون.
فإذا كان الحق ذاته لم يجبر الشر ذاته على الكف عن شره وهو القادر على ذلك، فكيف يسمح المخلوق النسبي الزائل لنفسه أن يفعل ما لا يفعله الخالق المطلق؟ هذا من ناحية -بتعبير المؤلف- أو الطريق الأول. ومن ناحية أخرى حتى لو بررنا لهذا الأحد أو الشخص ما يفعله من أخذ الناس على طريق واحد للخير لا ثاني له، فإنه بفعله هذا يلغي التعددية التي لا يتبين الخير والشر إلا من خلالها. هذا يعني خلق ملاك وشيطان وإنسان معًا، لا ملاك وحده، أو إنسان وحده، أو شيطان وحده. من هنا يتبين مغزى كلمات الحق وهو يخاطب الملائكة بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30] حين استغربوا أن يخلق الله كائنًا فيه شر كثير، وهم المجبورون على الخير التام، فلماذا يكون هناك خلق جديد؟
وللتوضيح، تصور مثلًا أن شخصًا ما لا يحب إلا زهرة الزنبق وهي زهرة جميلة ولا شك في ذلك، وأعتقد شخصيًا أنها الأجمل من كل الزهور، وهذا حق من حقوق هذا الإنسان الذي يحب الزهرة من دون شك. ولكن نتصور أيضًا أن هذا الشخص كان ذا سلطة وأراد حمل الناس على التمتع بأجمل زهرة في الوجود، ومنع زراعة كافة الزهور الأخرى، فلم يبقِ غير الزنابق. ترى كيف تكون الدنيا في هذه الحالة؟ النفس بطبيعتها ستمل من هذه الزهرة وتصبح أبغض الزهور لدى الناس وتفقد جمالها.
هنا نصل إلى الخاتمة التي أراد أن يصل لها الكاتب: لقد خلق الله إبليس عابدًا من عباده في الملكوت الأعلى وهو يعلم أنه سيتحول إلى شيطان بعد المعصية، ولاحظ دقة التعبير في القرآن الكريم، حيث لا يرد وصف إبليس بالشيطان إلا بعد حدوث المعصية، ويعلم أنه سيخرج آدم وحواء من الجنة بوسوسته. ولكن كل ذلك -بتعبير الكاتب- كان لحكمة إلهية أزلية، فلولا هبوط الزوجين الأولين من الجنة لما عمرت الأرض وهي الغاية الأساسية من خلق الإنسان قبل أن يخلق، حيث يقول الخالق كما جاء في قوله تعالى في سورة البقرة الآية 30: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30].
بعد اكتمال خلق آدم ونفخ الروح فيه أسكنه الله جنة الخلد وخلق له زوجًا هي حواء من الوجود البشري ذاته، بوجود قطبية الذكر والأنثى. وكان آدم وحواء عليهما أن يستمتعا بكل ما حوته الجنة من النعيم إلا شجرة واحدة منعهما من الاقتراب منها وتناول ثمرها، والخروج منها. وفي إجابة هذه الأسئلة أو محاولة إجابتها تحمل وهي تحمل كثيرًا من المعاني التي نفتقدها برغم بساطتها في كثير من سلوكياتنا وأفكارنا في الأمس واليوم، برغم أننا نتلو القرآن في كل وقت وفي كل حين.
ما الفرق بين إسلام الوحي وإسلام الفقه؟
وعليه فالإسلام منهج كامل للحياة، وذلك أمر لا شك فيه، لكن حين نتحدث عن الإسلام فعن أي إسلام؟ أو بالأصح عن أي مفهوم للإسلام نتحدث؟ نعم، الإسلام واحد وأركانه واحدة ولكن ذلك لم يمنع من الاختلاف في فهمه ومعناه. وهناك نوع من الاتفاق على النصوص المطلقة، ولكن هناك اختلافًا على معنى تلك النصوص، سواء كان تناولها من زاوية فقهية أو زاوية كلامية أو زاوية فلسفية أو زاوية أيديولوجية وحتى سياسية أو غير ذلك.
وبتعبير مؤلف الكتاب تركي الحمد، يرى برأيه الشخصي أن نفرق بين نمطين أو مستويين للإسلام: إسلام الوحي المبني على النص الخالص، وإسلام الفقه الذي تقدمه المنظومة السلفية مبنيًا على التاريخ. فبتعبير المؤلف: ففي إسلام الوحي تتسع دائرة المباح وتتقلص دائرة الإلزام ويرتفع سقف التكاليف فوق فضاء واسع من الحرية واحترام العقل الإنساني من دون أن ينقص ذلك من حرارة الإيمان شيء.
وبتعبير الكاتب: في إسلام الفقه الذي هو نقيض إسلام الوحي، تتقلص دائرة المباح وتتسع دائرة الإلزام ويتسع التوجس من العقل والحرية من دون أن يزيد ذلك من حرارة الإيمان شيئا.
هل تجاوز الإنسان نزعاته الوحشية في عصرنا؟
وفي هذا الباب “ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك” يرى مؤلف الكتاب تركي الحمد أن الخلاصة أن تاريخ بني آدم على هذه الأرض هو تاريخ العنف، وأن جرثومة العنف في نفس قابيل أقوى من بذور التسامح في نفس هابيل. ولأجل ذلك استطاع الإنسان -بتعبير المؤلف- أن يبني حضارة جبارة فيما حوله، لكن لم يستطع بناء نفسه ذاتها إذ بقيت منتمية إلى عصر الحجر برغم أنه أقام عصر الليزر.
ويقول المؤلف، أحد المؤلفين الغربيين أن الحضارة، -ويبدو لي أنه جرين، ويليام جرين- إن الحضارة قشرة رقيقة من السهل خدشها للكشف عن النزعات البهيمية للإنسان. ويقول جان بول سارتر، الفيلسوف الفرنسي الشهير، إن الإنسان هو أكثر الحيوانات فحشًا وضراوة وجبنًا.
والحقيقة -بتعبير الكاتب- أن الإنسان أكثر بهيمية من البهيمة نفسها في كثير من الأحيان، هذا إن جاز لنا الوصف بالبهيمية كنقيصة وشتيمة. وبالتالي فإن الوحوش لا تقتل المخلوقات الأخرى لمجرد الابتهاج، والوحوش لا تبني معسكرات اعتقال أو غرف غاز، ولا تعذب الوحوش أبناء جنسها إلى أن تهلكها، ولا تستنبط الوحوش متعًا جنسية منحرفة من معاناة أقرانها وآلامها.
إن ثمرات تلك الحضارة هي ما يميز فعلًا الإنسان عن الحيوان. وفي بيت شعري شهير نزار قباني يقول: “لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية”. فبتعبير الكاتب نحن نعيش اليوم في مستهل القرن 21، قرن الثورة الإنسانية، ثورة الاتصالات والمعلومات وهندسة الجينات والسفر بين الكواكب وعصر شرائح الإلكترون، ما نعلم وما نعلم ما نعلم وما لا نعلم، نعيش ثورة العقل البشري على نفسه وبداية تجاوزه لنفسه، كما نعيش الحداثة ومن بعد الحداثة ومن بعد بعد الحداثة. ومع ذلك -بتعبير الكاتب- هنا رأس القصيد أو الملخص المهم جدًا: ما تزال الروح وحشية لم تهذب إلا في ظاهرها.
فمن المفهوم أن يكون هناك حادث قتل وقتيل في حالة حرب تنشب هنا أو هناك، حتى مع عدم الاتفاق مع مبدأ العنف عمومًا، لكن -بتعبير الكاتب- ما هو غير مفهوم كيف يمكن أن يستمتع فرد مثلًا بقطع رأس فرد آخر أو استخراج كبده أو التمتع ببقر بطن امرأة حامل أو بقتل طفل أو شيخ لا حول له ولا قوة. أنا أفهم أن يخرج -بتعبير الكاتب- الفرد عن طوره في ساعة غضب ولا وعي، فإبليس يجري فينا مجرى الدم من العروق، ولكن لا أفهم أن تكون جماعات وجماعة من البشر في حالة غضب ولا وعي على الدوام، فالحرب تحولنا إلى وحوش بكل معنى الكلمة، والغضب يحولنا إلى شياطين فعلًا، والجوع يحولنا إلى بهائم حقًا. ولكننا في الحقيقة نتجاوز الوحوش حين تأتي اللحظة ونتغلب على الشياطين حين تأتي الفرصة مما يدل على أن جرثومة العنف والوحشية كامنة في أعماقنا فتنتظر الفرصة للظهور والانتشار مثلها مثل جرثومة الطاعون.
والغريب في الأمر أن الإنسان خلال تاريخه القصير على هذه الأرض حقق المعجزات في مجال التقدم وسيطر على الطبيعة، لقد كان عقلًا جبارًا في هذا المجال، لكنه لا يزال وحشًا في أعماقه حيث تأتي القضية إلى علاقته مع أخيه الإنسان ومن يفترض أن يكون أخاه الإنسان. بل قد تجد الإنسان المتحضر ذاته في غاية الرقة والعطف مع قطة بائسة أو كلب جائع، ولكنه في غاية البطش، هنا يكون إنسان آخر هو الداخل في العلاقة.
إن في أعمق أعماق طبيعتنا البشرية حب الدماء من مخلفات ذلك العصر حيث حولنا إلى وحوش بدائية.
كيف ترتبط الحرية الإنسانية بمفهومي الخير والشر؟
نذهب إلى ملخص لهذا الفصل وما ذكرناه، كما أرى في عجالة وكلمات مكثفة قصيرة أهم ما جاء في هذا الفصل. يناقش الكاتب قضية رئيسية هي الدين والحرية من خلال قصص آدم وحواء وقابيل وهابيل، مستندًا إلى آيات مختارة من القرآن الكريم، يؤكد فيها الكاتب أن الله خلق الإنسان ليستخدم عقله للتدبر والتفكير وأن وجود الشر -وهذا شيء مهم جدًا- جزء أساسي من الحياة لمعرفة الخير، كما يظهر في تمرد إبليس ووسوسته للإنسان ورفضه الانصياع.
ثم يربط مؤلف الكتاب هذه القصص بطبيعة الإنسان ومجتمعه، مشيرًا إلى أن الإنسان رغم التقدم الحضاري والتقني ما زال يحمل في أعماقه جرثومة العنف والوحشية التي تتجلّى في صراعاته مع إخوته في الإنسانية. كما يسرد سردًا سريعًا في قصة قابيل وهابيل. ويدعو إلى إدراك أن الحضارة ليست سوى قشرة رقيقة تخفي وراءها نزعات بهيمية لا تزال كامنة اليوم. وأن الحرية الإنسانية الحقيقية تتحقق عندما يستخدم الإنسان عقله ويوازن بين الخير والشر دون إكراه أو فرض طريق واحد للخير.
إن هذا الفصل يبرز أن الإسلام منهج كامل للحياة لكنه يحتاج إلى فهم واسع جدًا للحريات الفردية واحترام العقل، وأن التعددية والاختلاف هما الضمان لفهم الخير والشر وتجاوز النزعات البهيمية داخلنا.
وبالتالي فإن الرسالة المهمة التي أوصلها الكاتب بحسب فهمي لقراءة الكتاب أن الصراعات التي تعيش بها المجتمعات الآن ناتجة من عدم فسح المجال للآخر لإبداء رأيه، فالشر له حق الوجود ولا يحق لنا إلغاء الشر تمامًا، أو ندعي أننا نعرف الخير مطلقًا، فالشر والخير والعدل والظلم هي مفاهيم نسبية، ويختلف تعريفها من إنسان للآخر. ولا يحق لإنسان عدا الخالق سبحانه وتعالى أن يدعي معرفته التامة للخير، أو أنه يحتكر هذا الطريق وأن يجبر الناس عليه.
وهنا أستحضر مثلًا عالميًا شهيرًا يقول: الحقيقة في منتصف الطريق.
ما الفارق الدقيق بين مفهومي العنف والإرهاب؟
هذا هو عالم الفصل الثالث، عالم جذور الإرهاب على شفير الهاوية. وهنا يأتي إلى مصطلح ملتبس جدًا وحديث، مصطلح الإرهاب. فهذا المصطلح وفق قراءة معينة بكل بساطة هو العنف من أجل العنف، وبذلك فإن العنف السياسي الموجه هنا نحو هدف واضح ومقبول على مستوى مجتمع كبير لا يدخل في باب الإرهاب. والحقيقة أن هناك شعرة دقيقة تفصل ما بين العنف أو حتى الإرهاب منظور إليها لغويًا. فمثلًا الكافر لغة هو الزارع، أما شرعًا فهو غير المؤمن عمومًا، وشتان ما بين المعنيين، وإن كانا يشتركان في المعنى الضمني. فالزارع يطمس البذرة في الأرض ويغطيها، والكافر يطمس الحقيقة ويغطيها، وبذلك المعنيان اللغوي والشرعي يشتركان في المعنى المجرد: الطمس والتغطية، ولكنهما يختلفان في المعنى المتداول.
وبالمعنى نفسه، فالإرهاب لغة يختلف عنه اصطلاحًا، وإن كان الاثنان يشتركان في نفس المعنى المجرد، وهو إدخال الرعب إلى الذات الموجه إليها هذا الإرهاب. أما الفرق فهو في هدف هذا الإرهاب، هل هو من أجل الرعب نفسه أم من أجل أهداف أخرى مشروعة وقابلة للتحقق؟ بمعنى آخر بتعبير الكاتب: هل الرعب هو من أجل الرعب أم من أجل غاية أخرى لا يمكن تحقيقها ونكرر هنا لا يمكن تحقيقها بغير العنف والرعب؟
ونذهب إلى قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60] كما جاء في سورة الأنفال. فالإرهاب هنا يستخدم بالمعنى اللغوي المجرد بوصفه وسيلة لهدف وليس غاية في حد ذاته. فإذا تحقق الهدف انتهى استخدام الوسيلة، وهذا ما جاء في قوله تعالى مباشرة في سورة الأنفال آية 61: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61].
ومع ذلك العنف والإرهاب تنتفي قيمتهما عندما يتحقق الغرض المشروع وهو السلم، وفي هذه الحالة لا يجوز الاستمرار في حالة العنف تحت مبررات تخالف ظاهر الأمور أو هو ما معلوم من الحقائق.
وهناك خلاصة أو خيط رفيع جدًا يفصل بين العنف والإرهاب، بحسب ما نراه في واقعنا المعاصر. العنف مرض والإرهاب وباء. يمكن التخلص من الوباء، لا يمكن التخلص من المرض. المرض عنف كالإنفلونزا موجود في المجتمعات يقل أو يكثر، هنا يمكن إدارة العنف وليس القضاء عليه تمامًا، فالقضاء على العنف يحتاج إلى عنف أكبر، لكن الإرهاب وباء كما شهدنا في كورونا أو كما شهدنا في الطاعون. هنا العملية تأتي مدمرة شاملة تفتك بالمجتمعات، عندما تشيع ثقافة التكفير وإلغاء الآخر وتفجير السيارات المفخخة إلى آخره. يمكن السيطرة على الإرهاب، على الوباء، وذلك من خلال مناهج التعليم، من خلال إقرار ثقافة اللاعنف والسلم بين المجتمع. أما العنف فيمكن حله من خلال القوانين ومن خلال الحلول الفكرية، لأن الكاتب في الكتاب يطرح مسألة مهمة جدًا هو غياب اللقاحات الفكرية اللازمة لعلاج مسائل الإرهاب، وأن الحل يكون فقط في الأمور الأمنية والبوليسية ولا تذهب إلى الجذر الفكري.
إذن العنف مرض والإرهاب وباء. المرض يكون خطره بسيطًا ومحدودًا، لكن الوباء شامل مدمر. وهذا ما تفعله كل حركات الإرهاب التي تستخدم العنف من أجل العنف لذاته كغاية وهدف، وليس كوسيلة.
وعليه ما يجري في المنطقة العربية -بتعبير الكاتب- من عنف متزايد موجه إلى المجتمع في المقام الأول في ظل شعارات سياسية تبريرية أصبح ظاهرة مثيرة للاهتمام لا بد من فهمها قبل استنكارها. فعندما ندرس هذه الظاهرة، ظاهرة الإرهاب يجب أن يكون الاهتمام موجهًا إلى أولئك الذين يمارسونه وفق قناعات فكرية، فالاهتمام يجب أن يكون موجهًا إلى الشريحة الكبيرة من المُقادين وليس القلة من القادة الذين سيفقدون كل فعالية لهم عندما يفقدون تأثيرهم في تلك الشريحة الكبرى أي المقادين، فهم على أي حال -أي القادة- لا يمارسون الإرهاب بأنفسهم تحت أي ظرف.
وليكن مهما، الاهتمام يجب أن يكون منصبًا على نقطة جوهرية: ما الذي دفع هذه الشريحة أي المُقادين إلى اعتناق فكر شمولي ثم الاستعداد الذهني لممارسة العنف؟ عمومًا، فما السلوك -بتعبير المؤلف- إلا ترجمة لما يدور في الذهن، والعنف أو الإرهاب على الأفراد.
وهنا أتذكر عبارة قرأتها في كتاب “تكنولوجيا السلوك الإنساني” للكاتب الأمريكي سكنر (B.F. Skinner): العنف هو تصور في الرؤوس، فكرة في الرؤوس قبل استخدام الفؤوس. فهناك حلول ذهنية وهناك لقاحات فكرية قبل أن تكون هناك حلول أمنية.
ما أبرز أوهام الخطاب السياسي العربي المعاصر؟
من الأمور المهمة الانطباعات التي عالجها الكاتب في الكتاب “أوهام الخطاب السياسي العربي”. فهو يذهب في البداية لتعريف القارئ إلى الفيلسوف الإنجليزي الشهير فرنسيس بيكون صاحب نظرية الأوهام الأربعة. فبتعبير المؤلف أن بيكون وضع منهجًا جديدًا وطريقة جديدة للتفكير مبنية على أسس معرفية، خالفت التفكير السائد في عصره، القرن السادس عشر والسابع عشر. حاول بيكون، فرنسيس بيكون الكشف عن تلك الأمور والعوامل التي تقف أمام التفكير السليم، ولقد أطلق بيكون على هذه الأمور وتلك العوامل الحاجبة للتفكير السليم ومن ثم للحقيقة الموضوعية تسمية الأوهام الأربعة. وصنفها في أربع مجموعات هي: أوهام الكهف وأوهام الجنس وأوهام السوق وأوهام المسرح.
ويحاول مؤلف الكتاب أن يأخذ هذه الأوهام ليسحبها على العقل العربي المعاصر، فهو يرى أن هناك مجموعة من الأوهام تقف في طريق العقل العربي ومن ثم تعطّل هذا العقل وتجعله سجينًا لأطر معينة وأسس محددة. ما هي هذه الأوهام بتعبير تركي الحمد؟
أول هذه الأوهام هو ما أطلق عليه اسم “وهم السيادة” ويعني به ذلك الهاجس المسيطر على الخطاب السياسي العربي والخطاب العربي كله مجمله وتفصيله سواء كان بوعي أو من دون وعي، أنه لا قيام للعرب ولا حظ لهم ولا فعالية لهم إلا كان ذاك مرتبطًا بوجه من الوجوه بنوع من السيادة العالمية، فكرة الاصطفاء والسيادة العالمية. وهذا ما نلحظه مثلًا في الشعارات المرفوعة، إذا أرادت الأمة الإسلامية العودة إلى سابق عهدها من كذا وكذا فعليها أن تفعل كذا وكذا.
ويرى المؤلف أن هذا الخطاب الإسلامي أو الخطاب القومي والقائلون بالأيديولوجيات الأخرى من يسار ويمين يقولون لا حل لمشكلات مجتمعاتنا ونهضتها وعودتها إلى سابق عهدها إلا فعلت كذا وكذا، وقس على ذلك كل خطاب فردي عربي بغض النظر عن لونه الأيديولوجي أو العقائدي. هذا هو الوهم، وهم الأحلام الكبيرة. وبتعبير الكاتب لقد حققت أمريكا واليابان وألمانيا المعاصرة سيادتها ونهضتها من خلال إدراك قيمة الإنجاز وليس الأوهام المتمثلة في الصناعة أو البناء أو العمل، وذلك من خلال أيديولوجيات مجردة تقف عند حدود ما يجب أن يكون من دون تخطي تلك الحدود، ومن دون العيش في أوهام أيديولوجية.
الوهم الثاني في هذا الفصل من أوهام الخطاب السياسي العربي -بتعبير تركي الحمد- هو وهم المؤامرة، فالخطاب السياسي العربي غارق في هذا الوهم يحاول أن يخلق نوعًا من آليات الدفاع عن الذات، وذلك من خلال إعطاء تفسير بسيط ومريح وساذج لإرجاع كل إخفاق إلى مؤامرات الأعداء الذين يقبعون في كل مكان في الداخل والخارج. فالخطاب العربي المعاصر في هذه الحالة -بتعبير المؤلف- لا يستطيع مواجهة نفسه وإدراك أن الخلل يقبع في ذاته وفي داخله وآليات إدراكه. ومن ثم هذا الخطاب يوجه النقد واللوم في حالة المؤامرة إلى كل ما هو خارج عنه، كأي مريض نفسي مصاب بالفصام أو عقدة الاضطهاد والعظمة.
أما الوهم الثالث -بتعبير المؤلف- هو وهم السلطة، فمعظم مفردات ونصوص الخطاب السياسي العربي المعاصر تتضمن مقولة مشتركة أن الزعم والاعتقاد أن الطريق لا يتغير تغيرًا سريعًا إلا بالحصول على السلطة السياسية، وهذا ما يُسمى بعقدة الانقلابات. فمن يلاحظ تاريخ العرب السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين نجد أن قضية الانقلابات والبيان رقم واحد كانت تُشكل هاجسًا عند أغلب الأنظمة السياسية العربية. وبتعبير الكاتب أن هذه المقولة تشكل وهمًا من الأوهام لنا بشكل أو آخر تخلط العلاقة بين الاجتماع والسياسة. إن السياسة في التحليل الأخير -وهذا كلام مهم جدًا- هي تابعة للبعد الاجتماعي، فالسياسي تابع للاجتماعي وليس العكس.
والوهم الرابع من أوهام الخطاب العربي المعاصر هو وهم الفرادة والتميز. فالأمة العربية كانت أو إسلامية ليست كغيرها من الأمم، وهي تتفوق على باقي الأمم، وبالحقيقة هذا طرح وهمي وأستطيع أن أقول -بتعبير الكاتب- أنه طرح شوفيني، متجاهلًا العموميات التي تشترك فيها كافة الجماعات الإنسانية من حيث إنها جماعات إنسانية، فلا يوجد تميز لشخص لأمة أو لجماعة على أخرى.
كيف تتحول الوطنية من شعار إلى ممارسة؟
مع فصول، فصل مهم وطريف بالكتاب أعجبني العنوان “الرأي لصاحبه والوطن للجميع” وهذا يعالج قضية التخوين وتكفير الآخر لمجرد الاختلاف بالرأي. ويذكر الكاتب تركي الحمد في إحدى المسرحيات الكويتية القديمة، ولعلها مسرحية “ودقت الساعة” يحدث نقاش بين اثنين من أبطال المسرحية، كل منهما ينتمي إلى تيار سياسي مختلف. يقول أحدهما في معرض نقاشه: نحن الوطنيون نؤمن بكذا وكذا. يرد عليه الآخر ساخرًا: يا سلام، وهل قالوا لك إننا إسرائيليون؟ هنا يتدخل طرف ثالث فيقول ما معناه: يا أخي المهم هو ما تفعلون وما تفيدون. السؤال -بتعبير الكاتب- الذي تخرج به تلك المسرحية: هل يمكن لطرف من الأطراف السياسية والاجتماعية والفكرية أن يكون هو المعبر عن الوطن والوطنية دون الطرف أو الأطراف الأخرى؟ وهذا ما نلاحظه -بتعبير الكاتب- في أغلب الأيديولوجيات التي سادت في العالم العربي في نصف القرن الأخير، أي القرن العشرين.
فعلى سبيل المثال كان البعث، حزب البعث يرى نفسه الأحق بالتمثيل وهو صاحب الطريق القومي وهو الطريق الصحيح. وهذا ينطبق على الماركسي والناصري والقومي والعربي واليساري واليميني والديني. والسؤال الآن بتعبير الكاتب: هل يمكن لجهة أيديولوجية ما أو تيار ما أن يدعي أنه على الحقيقة المطلقة وأن الآخرين على غير الحق؟ وهذا ما حصل في اليمن في حرب الرفاق، في اليمن المستمرة إلى الآن على سبيل المثال، وفي أيضًا الصراع الحرب العراقية الإيرانية في حرب الخليج، وأيضًا الحروب الأهلية اللبنانية من عام 75 إلى 90 والمستمرة إلى الآن. وعلى سبيل المثال حين تقاتلت كل الطوائف في القضية الفلسطينية في الاقتتال الداخلي.
ما يريد الكاتب قوله إن الوطنية ممارسة -وهذا كلام جدًا مهم- قبل أن تكون تنظيرًا، وهي سلوك فردي قبل أن تكون سلوكًا جماعيًا، وهي أيضًا في اعتقاد الفرق بين الفهم الأيديولوجي والفهم الموضوعي. فالفرد يمارس الوطنية وليس من الضروري أن يقول أو يعلن ذلك. وهنا يلح السؤال: ما هي الوطنية؟ نرجع إلى السؤال: فالكل يدعي وصلًا بليلى ولكن ليلى لا تقر لهم بذاك. فمن هو صاحب ليلى الحقيقي؟ بتعبير المؤلف.
فإذا كانت القضايا بسيطة فمعناها أبسط، ولكن قاتل الله الأيديولوجيات، وخاصة في العالم الثالث، التي عقدت البسيط وضاعت المعاني. فالوطنية لا تحتاج إلى تنظيرات وأدلجة بقدر ما هي سلوك وفعل فردي تلقائي أولًا وأخيرًا. إنها شيء -أي الوطنية- يكتسبه الإنسان من الأسرة والمجتمع والأرض قبل أي شيء آخر، وهو لا يفكر به بقدر ما يمارسه. وعلى ذلك نعتبر الوطنية من القيم التي زُرعت في الفرد من خلال مراحل تنشئته الأولى في هذا الإطار من دون قسر أو إكراه. فلو سألت أي أمريكي أو بريطاني عن معنى الوطنية في أمريكا وبريطانيا، لن يختلف الجواب على عكس إنسان العالم الثالث الذي قد يكتب أسفارًا وكتبًا ضخمة في حديثه عن الوطن والوطنية والتنظير لها ولكن دون أن يصل إلى الحقيقة.
خلاصة القول: لو التزم صانع أحذية بصنع أحذية جيدة مثلًا، فهو أكثر وطنية من أي شخص آخر لا يتكلم إلا بالشعارات والأقوال. لو التزم الأب بزرع قيمة العمل في ابنه مثلًا، فهو أكثر وطنية من وزير يتحدث عن الوطن والمواطن في كل وقت بدون تقديم شيء. لو التزمت أم بتعليم أبنائها معنى التعامل الطيب مع الآخرين، تكون أكثر وطنية، بل أكثر إسلامًا من واعظ اتخذ من الوعظ نفسه عملًا وحيدًا. ليؤمن كل إنسان بما شاء من رأي أو فكر، ولكن ليس لأحد أن يفرض ما يراه على كل أحد. فإذا كان قد قيل إن الدين لله والوطن للجميع، فإن من حقنا اليوم أن نقول إن الرأي لصاحبه ولكن الوطن للجميع.
كيف تمثل الحرية البيئة الحاضنة لصناعة المستقبل؟
نواصل رحلتنا، إبحارنا مع الكتاب الممتع “من هنا يبدأ التغيير” للكاتب تركي الحمد. وهنا سؤال المستقبل وهو سؤال مهم جدًا. المستقبل -بتعبير الكاتب- كلمة لذيذة ومقلقة في الوقت نفسه، لأنها تحمل الأمل والتوتر في وقت واحد. تحمل الأمل في ظروف أفضل وحال أفضل، فالمستقبل هو الأمل والأمل هو المستقبل. ويعني المستقبل أيضًا التوتر والقلق لأنه عبارة عن خيارات واحتمالات لا ندري أيهما يحكم عليه بالوجود وأيهما يحكم عليه بالعدم. وتلك كانت المعضلة -بتعبير الكاتب- التي أقام عليها فلاسفة الوجودية فكرة القلق المرافق لحياة الإنسان.
المستقبل إذن -بتعبير الكاتب- هو إرادة وحرية وقدرة وليس مجرد اختيارات تفرض على الإنسان. فالمستقبل هو ما سيكون وليس ما سيفرض علينا. من هذا المنطلق ومن هذه المقدمة نطرح بشكل شرعي السؤال عن المستقبل العربي: أين يقف المستقبل العربي؟ يحاول المؤلف أن يستشف معنى الإجابة من خلال قراءة الحاضر. فإذا كان الماضي مقدمًا للحاضر، فإن الحاضر بدوره هو مقدم ضروري للمستقبل وفق سلسلة زمنية أو تاريخية جدلية معينة. وإذا كان المستقبل -بتعبير الكاتب- عبارة عن خيارات ضمن خيارات نحكم على أحدها بالوجود والآخر بالعدم، فإن المسؤولية هي الوجه الآخر للحرية تتعاظم لا من أجل الخيار نفسه ولكن من أجل كيفية الاختيار.
والسؤال الآن الذي نطرحه بحرقة وقلق وتوتر: ماذا يخبئ لنا المستقبل؟ وما نحن صانعون تجاهه؟ إنه سؤال وجودي معيشي وليس مجرد سؤال فلسفي. إنه سؤال حول ماذا نحن فاعلون في ظل هذا الكم الهائل من المتغيرات والصراعات والمنافسات التي نجد أنفسنا حيالها في حالة من الحيرة والضياع، غير قادرين على فهم ما يدور وغير قادرين على الاستيعاب، وأيضًا نحن غير قادرين على السلوك والتصرف. بمعنى أننا أصبحنا نوعًا من الأيتام على موائد اللئام -بتعبير المؤلف- وفق المثل الشهير. ولكن السؤال يبقى: هل كُتب علينا أن نبقى أيتامًا مدى الدهر؟ وهل قُدر علينا البقاء ضائعين حفاة غير قادرين على الاستيعاب والسلوك أبد الزمن؟ هذا هو السؤال الذي تعتمد إجابته على ما نصنع اليوم وما نختاره اليوم.
وأنا أذكر مرة قرأت كلمة لسارتر أعجبتني جدًا، قال: “المستقبل هو كيف نفكر اليوم”. وبالتالي فالمستقبل هو صناعة نقوم بها في الحاضر، فكيف نصنع مستقبلنا؟ إن أهم ظرف -بتعبير الكاتب- يجب أن يتواجد من أجل خيار مستقبل أفضل هو الحرية، ولا يمكن المراهنة على شيء غير الحرية. فالحرية هنا ليست خيارًا بل حتمًا، والمفروض أن يُجعل من هذا الظرف سيدًا علينا بدلًا من أن نكون أسيادًا للظروف. فالحرية هي البيئة الحاضنة الضرورية للمستقبل والأفضل.
الحرية التي نتحدث عنها هل هي مفهوم شامل تنبثق عنه عدة مفاهيم؟ فالحرية تعني أولًا الانتماء سواء بالنسبة للفرد أم للجماعة. إذن الانتماء في جوهره عملية اختيارية ولا يمكن أن يكون مفروضًا. والحرية تعني التعددية في الفكر والرأي والسلوك القائم على كل ذلك. وهذا يعني اجتماعيًا وسياسيًا أن المجتمع -بتعبير المؤلف- بكل فئاته وطوائفه وطبقاته وغير ذلك من التصنيفات سوف يكون قادرًا على التعبير عن نفسه وعن حقه في الاختيار والسلوك. والحرية أيضًا تعني العقلانية في الاختيار، لأن هذه الحرية نفسها تعني تعددية الخيارات وتعني أيضًا حرية التجربة والاختيار نفسه.
وإذا هذه المفاهيم انتشرت وهذه القيم كما قيم الحرية والعقلانية في المجتمع، فلا خوف على المجتمع -بتعبير الكاتب- من أي شيء في الحاضر والمستقبل لأنه سوف يكون قادرًا على حماية هذه الحرية واستمرارية وجودها.
الحرية أخيرًا تعني الواقعية، نحن نتحدث عن الواقعية هنا لا مجرد الخضوع القانع المسالم لواقع الحال بقدر ما هي معرفة الهدف والانصراف إلى المعنى الإيجابي، والذي يعني معرفة الواقع وآلياته ومتغيراته من أجل التعامل معها.
إذن في ختام الأمر المستقبل صناعة، والسؤال الذي طرحه شكسبير قديمًا “نكون أو لا نكون”، تلك هي المسألة، وهذا التحدي الكبير.
هل انتهى عصر الأيديولوجيات في عالمنا المعاصر؟
نواصل رحلتنا مع كتاب “من هنا يبدأ التغيير” لتركي الحمد، وهناك باب مهم “هل ماتت الأيديولوجية؟” سؤال استفهامي كبير. وللتعريف هو يذهب إلى كتاب نُشر عام 1961 تحت عنوان “نهاية الأيديولوجية” لدانيال بيل. وعبارة موت الأيديولوجية ونهاية الأيديولوجية أصبحت نوعًا من الموضة أو الصرعة، مثل عبارة موت الله التي قال بها الفيلسوف الألماني نيتشه، أو موت المؤلف أو موت الإنسان التي قال بها الفلاسفة البنيويون من ضمنهم دريدا وميشيل فوكو. وعندما كان يتحدث بيل في كتابه عن موت الأيديولوجية، كانت في تصوره السرديات الكبرى: النازية والفاشية والشيوعية، تلك الأيديولوجيات التي ماتت أو انتهت تحت أي ظرف من الظروف.
طبعًا الكتاب أُلِّف في الستينيات، معروف أن هذه الأيديولوجيات سقطت، يعني النازية في الحرب العالمية الثانية، الأيديولوجية الشيوعية في التسعينيات من القرن العشرين. هو تركي الحمد يرى أن الأيديولوجية لا تموت فهي جزء من البناء الذهني للفرد والجماعة. والإنسان ما دام أسيرًا ضمن المكان ومكبلًا بقيود الزمان لا يستطيع الإنسان أن يفهم محيطه ولا يتعامل معه إلا من خلال قناع فكري معين هو الأيديولوجية. وبالتالي الأيديولوجية تشبه النظارة التي يرتديها الإنسان على عينيه لكي يرى بها الواقع.
لكن هنا الكاتب يفرق بين أيديولوجية تسرق من الإنسان وعيه وتذهب به إلى طريق محدد وأيديولوجية واعية بذاتها، فهو يقول: ليس العيب في الأيديولوجية بل في طريقة تعاملك مع هذه الأيديولوجية. وهو يفرق مثلًا بين القومية والشيوعية، وبين الليبرالية كأيديولوجية خاصة بالفرد، وكيف أن هذه الأيديولوجية مرنة ويستطيع الإنسان إجراء عليها التعديلات كما رأينا في الانهيارات المالية التي حدثت في عام 2008 أو في نهاية العشرينيات؛ لأن الأيديولوجية الليبرالية كانت أيديولوجية مرنة، وهذا ما تنبأ به فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ” عندما قال إن الليبرالية هي أيديولوجية مرنة لأنها تتغير بتغير الزمان والمكان وليست محكمة أو مغلقة.
كيف نعالج جذور الإرهاب وأوهام خطابنا السياسي؟
نتوقف الآن عند ملخص الفصل الثالث. يستعرض الكاتب برؤيتي الشخصية وقراءتي المتواضعة جذور الإرهاب والعنف، وفهمه من منظور لغوي وفكري، وهذا جدًا موضوع مهم: الربط بين اللغة والفكر، موضحًا أن الإرهاب ليس مجرد عنف، بل هو عنف من أجل العنف ذاته، بينما يمكن أن يكون العنف مشروعًا إذا كان وسيلة لهدف واضح ومقبول اجتماعيًا. ويوضح المؤلف الفرق الهائل الذي تكلمنا عنه ما بين العنف والإرهاب، فالعنف مرض والإرهاب وباء. يمكن السيطرة على الوباء من خلال لقاحات فكرية آمنة تعليمية، ولا يمكن السيطرة على العنف لأن تأثيره محدود، بينما تأثير الإرهاب شامل ومدمر.
وأيضًا يستعرض الكاتب مسألة حرية الآراء بين الناس، فهناك فرق بين الرأي والحقيقة. الرأي لصاحبه والحقيقة لخالقها، ولا يحق لأحد أن يخوّن أحدًا من أجل قول رأي. وفي المجتمعات المتعافية والصحية يكون هناك قبول للرأي الآخر ونقاشات وجدالات. كما يتكلم الكاتب بشكل مفصّل عن أوهام الخطاب السياسي العربي، استعرضها بمجموعة مفاهيم ويبدو أنه كان متأثرًا بما كتبه الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون للأوهام الأربعة. حاول أن يقتبس أو أن يقيس هذه الأوهام على الواقع العربي المعاصر. بالتالي هو يرى أن المشاكل العقلية والذهنية هي بالحقيقة المشاكل الرئيسية ولا وجود لفكرة المؤامرة أو التآمر من الخارج فالاحتلال يقبع من الداخل.
ثم يناقش قضايا أخرى من قضايا الوطنية والحرية وهي مصطلحات مهمة، موضحًا أن الوطن للجميع وأن الوطنية ليست شعارات أو تنظيرات بل سلوك فردي وتجربة حياتية. وأن الحرية -بتعبير الكاتب- هي البيئة الأساسية لبناء مستقبل أفضل تتضمن هذه الحرية الانتماء والتعددية والاختيار الواقعي المسؤول.
أخيرًا يتناول الفصل موت الأيديولوجيات موضحًا أن الأيديولوجية لا تموت بحد ذاتها بل المشكلة تكمن في اعتقاد البعض بطروحاتها المطلقة.
لماذا هيمنت ثقافة الهامبرغر على عالمنا المعاصر؟
نقف الآن مع فصل طريف، ويحمل… قد يسخر أحدهم من عنوان الفصل، ولكنه بعد قراءته هو فصل عميق جدًا. جاء تحت عنوان هذا الباب: “بين الشاورما والهمبرغر”. يبدو السؤال بسيطًا عن الطعام، لكنه يحمل سرًا أعظم عن العصر الذي نعيشه. بتعبير المؤلف: كيف أصبح الهمبرغر والبيتزا رمزًا عالميًا، بينما أطباق محلية سريعة ولذيذة مثل الشاورما والفلافل لم تنتشر بنفس القوة؟ الجواب ليس في الطعم وحده بل في عقلية الأمة التي صنعت هذه الثقافة: حرية الفرد، حب التجديد، السعي المستمر نحو الريادة. هذه هي الروح الأمريكية، هي التي جعلت أطباقها وأفكارها وأسلوب حياتها تنتشر في كل مكان، لتصبح العولمة -بتعبير الكاتب- مرآة لعقلية منطلقة تبحث عن الأفضل دائمًا.
بين الشاورما والهمبرغر يكمن سر العصر، أيهما أثبت؟ أيهما أفضل؟ أيهما أذهب؟ فهو يأتي بمجموعة أطعمة مثل الهمبرغر والفول المدمس وأسياخ اللحم المشوي والكباب والستيك والهوت دوغ والكنتاكي. هو لماذا يطرح هذا الموضوع؟ وهل هذا الموضوع معرفي أم للسخرية؟ بالحقيقة الكاتب يستند إلى كتاب مهم ظهر عام 1835 بجزأين “الديمقراطية في أمريكا” (Democracy in America) لألكسيس توكفيل، وهذا يدرس في العلوم السياسية. يتكلم عن نمط الحياة الأمريكية السريع في اللباس وفي الطعام، وتوقع ألكسيس توكفيل قبل صعود أمريكا كقوة عالمية عظيمة بحوالي 100 عام أن أمريكا ستسيطر على العالم. يقول إن نمط الثقافة الأمريكي من حيث السهولة والانتشار سينتصر على العالم. وبالتالي فالمسألة ليست فقط اختلاف أذواق بل هي المسألة كيف انتصرت؟ لماذا لم تنتصر أكلة السوشي اليابانية فأصبحت عالمية؟ لماذا انتصر الهمبرغر والكنتاكي؟ وكيف أمكن لضابط متقاعد في خريف العمر أن يقوم بافتتاح مجموعة مطاعم تختص بالكنتاكي وغيرها فتقوم بالسيطرة على العالم؟
خذ مثلًا نمط اللباس الذي يلبسه الناس، لماذا سيطرت ملابس الجينز أو التيشيرت الأمريكية على ملابس أخرى التي فيها نوع من التعقيد والأناقة كاللباس الإيطالي أو الفرنسي؟ بسبب السهولة والانتشار والبساطة.
كل شيء أمريكي قائم على السهولة والانتشار والبساطة، مما جعل هذه الأكلات وهذه الأذواق وهذه الملابس عابرة للقارات. فمثلًا على سبيل المثال انتشرت الموسيقى الأمريكية، لم تنتشر الموسيقى الصينية. نمط اللباس الأمريكي، نمط الأكل الأمريكي أصبح عالميًا لأنه قائم على فلسفة ومبدأ تكلم عنه ألكسيس توكفيل في عام 1835 هو السهولة والانتشار والبساطة. فصل طريف لكنه يدعو للعمق والتأمل.
كيف ينبع الأمن الحقيقي من داخل مجتمعاتنا؟
عودة جديدة إلى كتاب “من هنا يبدأ التغيير” للمفكر المعاصر تركي الحمد. ومع فصل مهم جدًا “من هنا يبدأ الأمن”. وبالحقيقة هذا موضوع… كيف الشخص يسير في أرض فيها ألغام، حقل ألغام، كيف تتكلم عن الأمن؟ ما هو الأمن حقيقة؟ هو يرى في مقدمة هذا الفصل المهم أن الأمن والاستقرار ليس مجرد قوة بوليسية أو حواجز وحراسة، بل ينبع الأمن من شعور المجتمع بالانتماء، ومن عدالة تشعر الجميع بالمساواة، ومن طبقة وسطى قوية تقود الحركة الاجتماعية وتضمن توازن القوة. هنا يبدأ الأمن الحقيقي من قلب المجتمع قبل أي مؤسسات.
الكثير من الدول -بتعبير الكاتب- وخاصة في ما كان يسمى دول العالم الثالث تنظر إلى الأمن، وهذا بالواقع نشاهده، ومن ثم الاستقرار من زاوية ضيقة جدًا، بحيث تحول هذا الأمن إلى قضية بوليسية بحتة مع ما يرافق هذا العقل البوليسي من الشك والارتياب في كل شيء وأي شيء، بل وجعل علاقة الحاكم بالمحكوم دائمًا في حالة توتر وعدم ثقة. فالحاكم في مثل هذه الحالة يعتقد دائمًا أنه مستهدف وأن هناك ثمة مؤامرة مستمرة تحاك ضده، فيصل إلى درجة عدم الثقة بكل ما يقال أو ما يفعل.
الأمن الحقيقي لأي دولة وأي مجتمع، الأمن الحقيقي -بتعبير المؤلف- لا يبدأ من الزاوية البوليسية بقدر ما هو مسألة اجتماعية في المقام الأول حتى قبل أن تكون سياسية. فالمجتمع المستقر بكل بساطة وإيجاز هو دعامة الاستقرار السياسي وأمن الدولة وأمن الدولة، وانهيار الدول يبدأ من انهيار المجتمع.
السؤال الآن المهم: كيف يصل المجتمع إلى حالة الاستقرار والأمن؟ وأهم دعامة لاستقرار المجتمع هي الإحساس الفردي والجماعي بالانتماء. وهذا الإحساس بالانتماء لا يتحقق إلا عندما يشعر الأفراد والجماعات بأن هناك علاقة وجدانية تربطهم بالمجتمع والدولة المهيمنة عليه. وهذه العلاقة الوجدانية لا تتجسد إلا عندما يشعر كل هؤلاء أن لهم حقوقًا بمثل ما أن عليهم من واجبات.
ويمكن إرجاع كل المشاكل والاضطرابات -بتعبير المؤلف- في كثير من الدول عندما يشعر أفراد تلك الدول بأن عليهم واجبات دون أن تكون لهم حقوق. فإن في هذه الحالة الأفراد والجماعات يفتقدون الروابط الوجدانية بالدولة أو الرابطة الوجدانية، ومن ثم الإحساس بالانتماء ويكون الضياع هو النتيجة.
وأخطر ما تمر به تلك الدول هو الآثار السياسية لعدم الإحساس بالانتماء، وهي آثار قد تكون سريعة الخطر على المجتمع والسلطة معًا. فالإحساس بعدم الانتماء يدفع الأفراد والجماعات إلى الخروج على السلطة السياسية، ولا يكتفون بذلك بل يخرجون على المجتمع ككل وتكون الكارثة بالتالي عامة شاملة.
وفي كثير من دول العالم الثالث نجد في الرد على السلطة هو العنف وفق نمط التفكير البوليسي تعالج القضايا الأمنية من زاوية ضيقة. في مثل هذا العنف أي عنف السلطة يكون ناجحًا عندما تكون درجة الخروج منخفضة عليه. أما إذا يكون الإحساس بعدم الانتماء عامًا وشاملًا بنسبة كبيرة، يكون الخروج عند درجة عالية. بالتالي فإن عنف السلطة سيؤدي إلى عنف مضاد، وهذا يدخلنا في دائرة عنف رهيبة لا تنتهي.
ونقطة البدء أو المحور الذي نريد قوله -بتعبير الكاتب- هو موازنة الحقوق والواجبات، هو المساواة التامة في إطار المواطنة. ويستشهد هنا بقول الفيلسوف الفرنسي الشهير جان جاك روسو أنه ليس الظلم هو الذي يدفع الأفراد إلى التمرد ولكن الإحساس به، وليس هناك في الوجود ما هو أشد وطأة على النفس من الإحساس بالظلم وعدم العدل. والإحساس بعدم العدل. وهذا سوف يقود -بتعبير الكاتب- إلى سلوكيات وتصرفات لا يمكن التنبؤ بها، ولكن في النهاية تجتمع عند نتيجة واحدة هي دمار المجتمع بما يحتويه من مؤسسات وعلاقات وغير ذلك.
كيف تساهم الطبقة الوسطى في استقرار مجتمعاتنا؟
عودة إلى كتاب “من هنا يبدأ التغيير” للمؤلف تركي الحمد. الكتاب غطى جوانب فكرية كما لاحظتم، جوانب سياسية واجتماعية، ومن باب البانوراما الشاملة جاء إلى الجانب الاقتصادي وألقى النظر على مسألة مهمة وهي الطبقة الوسطى. بتعبير مؤلف الكتاب: يتفق معظم الدارسين المعاصرين على أن الطبقة الوسطى هي ذلك الكم البشري الاجتماعي الواقع بين قطبين اجتماعيين آخرين هما الفقراء والأغنياء. وهذه الطبقة تتميز ضمن ميزات أخرى بأنها ذات إشباع نسبي من حيث العلاقة بالموارد وتوزيع القيم في المجتمع. والإشباع النسبي مقارنة بتخمة وجوع، فالتخمة تكون على القلة الثرية والجوع يكون على الأكثرية السفلى. بمعنى أن هذه الطبقة الوسطى هي الأكثر حركة، والحركة اجتماعية فهي تسعى دومًا إلى تحسين أوضاعها مع اهتمام واضح بالقضايا العامة.
ونتيجة هذه الحركة، الطبقة العليا والدنيا شرائح ودرجات، وكذلك الطبقة الوسطى شرائح ودرجات، ولكن هناك معايير -بتعبير الكاتب- تجعلنا نوزع أفراد المجتمع على طبقات ثلاث رئيسية هي الطبقة العليا لا تشكل اللقمة هاجسًا لديها، أما الطبقة الدنيا فإن اللقمة تشكل هاجسها الرئيسي إن لم يكن هو الأوحد. أما الطبقة الوسطى -بتعبير الكاتب- فإن اللقمة تشكل جزءًا من الهاجس وليس الهاجس كله لأن المتطلبات الرئيسية للحياة ميسورة لديها نسبيًا.
ولكن موقع الطبقة الوسطى بين المتخمين والجائعين يجعلها في حالة من عدم الأمن وعدم الاطمئنان بالنسبة إلى المستقبل، ولأجل ذلك فإن الطبقة الوسطى تحاول أن تتحرك بشكل دائم من أجل ضمان المستقبل، مسألة المستقبل. وبالتالي فإن الطبقة الوسطى هي غالبًا مصدر -وهذا كلام جدًا مهم- الأفكار الاجتماعية والآراء السياسية، والطبقة الوسطى هي المؤشر على اتجاه المجتمع وما تنشأ فيه من حركة. وبالتالي احتمالات استقرار المجتمع من عدمه تكون عندما تكون الطبقة الوسطى أوسع الطبقات مع قلة ثرية وقلة فقيرة، فإنه حتى وإن كان هناك حرمان نسبي لابد أن يكون بدرجة أخرى.
خلاصة هذا الفصل أن الطبقة الوسطى هي المحركة للمجتمعات، هي التي تقود الأفكار وتقود الآراء، هي التي تخرج منها طبقات التعليم والطبقات السياسية. عندما تنسحق هذه الطبقة ويزول الفارق فتصبح لدينا طبقتان: فقيرة مدقعة كثيرة، وطبقة غنية رأسمالية قليلة، هنا يحدث الخطر.
إن الطبقة الوسطى -بتعبير الكاتب- هي صمام أمان المجتمع لأنها التي تنتج الأفكار، هي التي تقود الثورات وتقود التغييرات، هي التي تخرج منها المفكرين الاجتماعيين. إن الطبقة الوسطى هي محرك التغيير.
على القيادات السياسية والنخب أن تتنبه إلى مواضيع العدل الاقتصادي والاستقرار الاقتصادي وهامش الفرق بين الطبقات، فانحسار هذه الطبقة وانهيارها يؤشر بانهيار كبير يقود إلى ما لا يحمد عقباها.
أخيرًا إن الطبقة الوسطى هي صمام أمان المجتمع، هي التي تقود التغيير وتساهم فيه.
هل يمثل العدل مفهومًا نسبيًا أم ثابتًا؟
واستمرارًا لموضوع الأمن والشعور به، يدعي الانتقال من الكلام عن الاستقرار والطريق إليه، العدل أساس الملك كما جاء في المثل الشهير. بالحقيقة هو يحاول أن يفند مجموعة من الخرافات حين يتحدث عن العدل ونسعى إليه: عن أي عدل؟ ما هو المفهوم بصفة عامة؟ هل التحدث عن تجربة تاريخية معينة لجهة بشرية؟ بالتالي هو يتكلم عن العدل بصفته النسبية الذي يختلف في المجتمع إلى آخر، ومن تيار إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى. فلا يمكن الحديث عن عدل ما عند جهة ما، وعند شكل تيار ما.
وفي الكتاب يتناول قضية قد تكون خطًا أحمر هي قضية العدل عند المسلمين الأوائل، وأن هذا العدل كما يضرب مثلًا بعدل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب هو عدل نسبي متغير قائم على تجربة شخصية لا يمكن تعميم هذه التجربة إلى الآن. فالعدل مفهوم نسبي متغير يختلف باختلاف الزمان والمكان والقوانين التي تحيط به، ولا يمكن الارتهان إلى تجربة معينة يجري المسلمون وراءها فيقولون إننا يجب أن نسير وراء التجربة.
وهنا أذهب إلى مقولة للكاتب الليبي الصادق النيهوم، هذا كاتب جدير بالقراءة، عندما يتناول مسألة عدل شخصية مهمة في التاريخ الإسلامي، يقول إن ما كُتب عن هذه الشخصية لو خرج من قبره لمات ضحكًا على هذه الأقاويل، لأن هذه المسألة خاصة بزمان ما ومكان ما ولا يمكن تعميمها.
يذهب تركي الحمد في هذا الفصل إلى أن الإحساس بالعدل والأمن يعزز روابط الانتماء للبلد. ولكن عن أي عدل؟ العدل في المساواة في القوانين، في منح الفرص للجميع، في القوانين التي تكون مناسبة بحسب الزمان والمكان. لا يمكن للمعاصرين أن يستلهموا تجربة معينة، فالعدل في جنوب أفريقيا غيره في أمريكا، غيره في العراق، غيره في أفريقيا. يلتزم بظروف الزمان والمكان، وبالتالي لا يمكن للمسلمين أن يكونوا مرتهنين لتجربة معينة يحاولون استنساخها بحذافيرها، فذلك ضد مبدأ العدل والمساواة.
ملخص هذا الفصل باختصار، أذكر هذه القصة الطريفة التالية، كان عندي صديق نتبادل الأفكار، قال عبارة طريفة ويجب أن أذكرها، وإذا يسمعني الآن ويضحك، يقول إن الألفاظ والمصطلحات المتداولة في العالم العربي لا تدل على الحقيقة. قلت له كيف؟ قال عندما تسمع كلمة الأمن يجب أن ترتاح، لكن عندما تسمع كلمة الأمن في الدول العربية تتذكر الكرباج. فالتطبيق الواقعي يختلف عن الأمن.
الأمن شعور نفسي، نفسي داخلي، يحصل عند الفرد عندما يتأكد أن له حقوقًا وواجباتٍ ومصانٌ ولا يختلف عن مواطنه الآخر باختلاف العرق والدين والجنس والطائفة، وإن كلنا نرى غير ذلك في الواقع. لكن لأننا ننظر وهذا كتاب تنظيري “من هنا يبدأ التغيير”، يرى الكاتب ويضع يده على الجرح: الأمن ليس حصرًا بالأمن البوليسي وبالقرارات وبالمحاكم العرفية وغير ذلك.
الأمن هو شعور بالعدل. المجتمع المستقر يعتمد على أن أفراد المجتمع يشعرون بالانتماء لمجتمعهم بغض النظر عن اللون والدين والجنس والطائفة. وإن مفهوم العدالة مفهومها جدًا مهم: نسبي متغير يصنعه الأفراد بأنفسهم. فالعدالة صناعة محلية صرفة، لا يوجد نموذج أعلى يذهب إليه المسلمون لكي يقتبسوا هذا العدل.
وعندما قال القرآن: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58] تكلّم عن مفهوم نسبي يختلف باختلاف الزمان والمكان، فلا يوجد عندنا عصر ذهبي لجهة ما كالعصر الأموي أو العباسي أو الراشدي نذهب نقتبس منه العدل ونحاول أن نفرضه بحذافيره. العدل يختلف، فما نراه عدلًا اليوم يكون ظلمًا غدًا وهكذا.
كيف يؤدي غياب الطبقة الوسطى لدمار مجتمعاتنا؟
ويذهب الكاتب إلى أن الطبقة الوسطى وجودها بالمجتمع صمام أمان فهي تفصل بين قلة ثرية متخمة وأكثرية فقيرة مدقعة، وغياب هذه الطبقة يؤشر بانهيار المجتمع وقيام الثورات والانهيارات. الطبقة الوسطى هي طبقة تحمي المجتمع وهي مؤشر الاستقرار، فمن هذه الطبقة يخرج المفكرون ويخرج المبدعون وهذه الطبقة تساهم في حركة السوق.
اضرب مثلًا: لو أنت عندك سوق كبير وأن هناك عشرة بالمئة تتحكم بواردات هذا السوق وتسعين بالمئة لا يمتلكون، ستعاني من مشكلة ركود اقتصادي. نحن هذه المسألة شاهدناها مثلًا في العراق، لأن الطبقة الوسطى وجهة نظري قد انسحقت تمامًا، فلا توجد حلول وسطى. فحتى أبو الطبقة الوسطى بسبب زيادة الأسعار، بسبب غياب الفرص، بسبب زيادة البطالة انحسرت وصارت طبقة فقيرة. فبالتالي غياب هذه الطبقة مؤشر اجتماعي خطير لزيادة الجرائم وزيادة الانهيارات والمشاكل السياسية.
وإن العدل كما أسلفنا مفهوم نسبي، لا يوجد نموذج أو ما تسميه التيارات الإسلامية “العصر الذهبي” لكي نذهب إليه وثم نأتي بمثال يحتذى به. لا يوجد. العدل صناعة محلية يصنعها الناس وفق واقعهم وزمانهم وتاريخهم.
أخيرًا الأمن ليست حلولًا بوليسية، وهذا كلام موجه لكل الأنظمة العربية المعاصرة: هناك وسائل للأمن والاستقرار تبدأ بتحقيق العدالة الاجتماعية بتوفير فرص العمل للجميع، بتقليل الفوارق الطبقية بين المجتمع، إحساس الإنسان بانتمائه لمجتمعه. كل هذه الأمور تعطي مناعة وتدل على وجود مجتمع صحي متنور قادر على حل مشكلاته ومعضلاته.
كيف يمثل التعليم المتطور طريقنا نحو التغيير؟
ختامًا “من هنا يبدأ التغيير”، وهو وضعه في الخاتمة، يعني الكتاب يبدأ عندك من هنا يبدأ التغيير غلاف، وينتهي من هنا يبدأ التغيير. ما هو التغيير؟ بتعبير تركي الحمد: التغيير لا يبدأ من خارج المجتمع بل ينبع من الداخل، من فهم العلاقة بين الدين والدولة، ومن بناء عقل وفكر جديد عبر التعليم. كما علمتنا التجارب عبر التاريخ: المجتمع الذي يربط التعلم بالوعي والحرية والإبداع هو من يصنع مستقبله، لا من يكتفي بالتلقين والجمود. هذا هو الطريق الحقيقي نحو التغيير.
من هنا يبدأ التغيير، ولافتة جدًا مهمة قد تهملها الأنظمة المعرفية والسياسية المعاصرة نحو خطاب جديد للتعليم: بتعبير تركي الحمد من أجل الخروج من دائرة التخلف والجمود لا بد من عقل جديد وثقافة جديدة وفكر جديد. ويعبر هذا العقل وتلك الفكر وتلك الثقافة عن التعليم الواقعي المعاصر. فالتغيير لا يأتي من خارج الذات بل من جوهر الذات في تعاملها مع ما هو خارجها.
ولكن يبقى السؤال والتحدي كيف نصل إلى ذلك؟ وبالحقيقة الطريق الوحيد، الطريق الملكي هو التعليم. عندما قام أفلاطون بوضع مشروع دولته المثالية القائمة على فكرة العدالة الطبيعية والفطرية، فقد جعل من التعليم العمود الفقري المحقق لتلك الدولة، وأن القارئ لكتاب “الجمهورية” لأفلاطون سيجد أن الكتاب في التربية والتعليم من حيث دور ذلك في تحقيق القيم والمثل التي نسعى إليها. وعندما طرح جان جاك روسو أفكاره الثورية في العودة إلى الطبيعة كان طريقه الأمثل والأكثر فعالية هو التعليم والتربية القائمة على معرفة حقيقة طبيعة الإنسان. من أجل ذلك كتب روسو كتابه الشهير “إيميل” في التربية.
والحقيقة أنك لا تجد مفكرًا قديمًا كان أم معاصرًا إلا وكان التعليم هدفه وهيكله كجزء لا يتجزأ من مشروعه الفكري. وأضرب مثالًا بالمفكر الراحل طه حسين في مصر، عندما حاول جعل التعليم كالماء والهواء، وأيضًا محاولة تحريك سكون الحياة من حوله.
ففي تراثنا أسماء -بتعبير الكاتب- مثل ابن سينا وابن خلدون والفارابي احتلت قضية التعليم حيزًا كبيرًا في مشاريعهم الفكرية. وأيضًا في الفكر الغربي تجد أسماء مهمة مثل جون لوك وديدرو وأيضًا فلاسفة عصر التنوير، وإيمانويل كانط ووليام جيمس وجون ديوي وغيرهم. كانت التربية والتعليم الطريق الأكثر فعالية.
ولك أن تعرف أن النظام الأمريكي التعليمي المعاصر مبني على الفيلسوف الراحل جون ديوي الذي رحل في منتصف القرن العشرين.
أيضًا التعليم بالقول بصفته أحد وسائل التنشئة الاجتماعية. يعتبر التعليم من أخطر العمليات الاجتماعية، لأنه في نهاية المطاف يشكل العقل والسلوك القائم على ذلك العقل ومن ثم طبيعة المجتمع وشكله إلى ذاته وإلى من حوله.
بإيجاز: قل لي ماذا تعلم وكيف تربي أقول لك أي مجتمع وأي فرد يكون بين يديك. في الخاتمة، ولنأخذ أمثلة على بؤس التعليم في عالمنا العربي: يأتي الطفل إلى المدرسة وهو على فطرته، لا حرج في الحركة، ولا حرج في الكلمة، ولا حرج في السؤال لأنه يتوق إلى المعرفة ويكون عنده فضول معرفي كبير. وبدلًا من أن تقوم المدرسة بتوسيع مدارك هذا الطفل وجعل الحياة أمامه كتابًا مفتوحًا بأن يبدأ بالقراءة والمناقشة، نجدها تقول له هذا يجوز وذلك لا يجوز، وهذا سؤال مشروع وهذا سؤال غير مشروع، إلى أن يتحوّل الطفل إلى مجرد آلة تستقبل دون أن ترسل، ويتحول عقله المفتوح إلى صندوق مغلق غير قادر على إبداع أي شيء. ويكبر الطفل ويبدأ في تلقي معارف لا رابط بينها ولا فلسفة تجمعها. يدخل فصلًا فيقال له إن الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس مثلًا، ويدخل فصلًا آخر فيقال له إن الأرض ثابتة لا حركة فيها. ويدخل فصلًا يلقن فيه أن المجتمع جاهلي وأن العالم كله جاهل وأن الأعداء في كل مكان ونظرية المؤامرة. ويدخل فصلًا آخر يتعلم فيه تاريخ حضارة الإنسان بصفته إنسانًا.
هذا الطفل في عملية انتقال يهيم هذا التناقض الجذري من درجة الصفر إلى الغليان وبالتالي ما يؤدي إلى انعزاله وإلى أن يصبح آلة للتلقين وتفريغ المعلومات بدل أن يصبح يمتلك عقلًا وفكرًا نقديًا. ويخرج الطالب إلى الحياة وقد امتلأ عقله بكم من المعلومات المتناقضة وأساليب وسلوكيات متعارضة ونظرات إلى العالم متعجبة فتصدمه الحياة نفسها، إذ يجدها خلافًا لكل ما تعلمه. وبالتالي تكون النتيجة السلوك غير السوي أو الفكرة غير الصحيحة والمنفصلة، فينقلب هذا الطفل وبالًا على الجماعة والمجتمع. إذا ما تعلمنا اكتسبنا وإذا ما جهلنا فقدنا، بل إنه يكون غير قادر على التواؤم مع أي شيء.
في نهاية عرضنا لهذا الكتاب الجميل أفكار كثيرة مكثفة، الكاتب قال الكثير ونحن نحاول أن نصفّي هذا الكلام بكبسولة. نقول ما هو التقدم وما هو التخلف؟ جوهر التقدم هو امتلاك الوعي وقدرة المجتمع عن التعبير عن مشاكله وأخطائه بدون تخوين. كما قلنا الرأي لصاحبه والوطن للجميع، وبدون محاربة امتلاك منظومة اجتماعية وسياسية واعية، وتعليم عصري، وقانون يشمل الجميع وفرص متاحة تصل إلى ما عليه من استحقاق عمله.
وأيضًا الآن قوة المجتمعات تتكلم عن الجانب الاقتصادي والطبقة الوسطى وكم دخل الأفراد. أنا قبل فترة شاهدت برنامجًا يتحدث عن الدول العظمى، لماذا عظمى؟ دخل الفرد السنوي. فمثلًا لا على التعيين، قرأت أن أمريكا المتحدة دخل الفرد السنوي 70 ألف دولار وهناك دولة دخل الفرد السنوي 400 دولار. هنا جوهر التقدم والتخلف: بوجود طبقة وسطى واعية، بوجود تعليم عصري جيد يحاول حلول مشاكل العصر، بوجود حلول فكرية غير أمنية لمعالجة مشاكل الإرهاب وغيره.
في الكتاب نقاط كثيرة، أقول في نهاية المطاف المجتمع لا يتقدم إلا بالفكر، وأن التاريخ تقدمي، وأن النافع يثبت. فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
