Skip to content Skip to footer

إدوارد سعيد ونقد الاستشراق | د. يحيى بن الوليد

تحدث الدكتور يحيى بن الوليد، الأكاديمي المغربي المختص في قضايا التراث والنقد الثقافي، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن كتابه “الوعي المحلق إدوارد سعيد وحال العرب”، وعن إدوارد سعيد، ابن التغريبة الفلسطينية، الذي خرج على العالم شاهراً سرديته في وجه الاستشراق؛ حاملاً عدة استقاها من تخصصه الأكاديمي في مجال النقد الأدبي، وتمرسه بتحليل الخطاب مع معرفة عميقة للثقافة والفكر الغربيَّين، والنتيجة مقاربة تفكيكية للاستشراق معرفةً وخطاباً مؤسسةً وأيديولوجيةً ونقداً ثقافياً وسياسياً؛ نجح في تفكيك بنية الاستشراق وتعرية أهدافه الأيديولوجية، وكشف تناقضاته..

الاستشراق وعلاقة المعرفة بالسلطة وسر نجاح إدوارد سعيد

وأجاب الدكتور يحيى بن الوليد، الأكاديمي المغربي المختص في قضايا التراث والنقد الثقافي، عن سؤال “يطرح الاستشراق سؤال علاقة المعرفة بالسلطة؛ كيف تنشأ المعرفة؟ ما معرفة الشرق في هذه الحالة، استجابةً لطلب سياسي، طلب المشروع الكولونيالي على تلك المعرفة، كيف تبلور تلك المعرفة جدول أعمالها الأكاديمي تحت الطلب؟ وكيف تتبادل المعرفة والسلطة المصالح بينهما؟”، قائلاً: “فعلاً هو بالنسبة إلى هذا السؤال، المعرفة في علاقتها بالسلطة؛ فهو سؤال كبير، سؤال إشكالي؛ هو أظن أن سر نجاح إدوارد سعيد من هذا التزاوج، كيف أنه جمع بين المعرفة والسلطة؛ فمن دون شك أن الاستشراق من قبل لم يكن يطرح بصيغة المعرفة في علاقتها بالسلطة، كان الاستشراق كما هو متداول، كان يطرح بطريقة تقليدية. إذا أردنا أن نتوسع بعض الشيء، فبالنسبة إلى جيل طه حسين أو غير طه حسين من الرواد ومن الليبراليين ومن التنويريين العرب الكبار، مسألة الغرب لم تكن مطروحة؛ إنما الغرب كانوا داخل في إطار تصورهم الإيجابي للثقافة بصفة عامة أو مستقبل الثقافة كما سماها طه حسين في ما بعد، هو أن الإشكال طرح، طرح مشكل الاستشراق في سياق تصادم مع الغرب؛ ولكن الاستشراق دائماً طرح بصفته غزواً أو اختراقاً؛ يعني يصير في هذا الاتجاه، فكانت الكتابات كلها هي عبارة عن ردود قومية، ردود متشنجة؛ تركز على استشراق كسموم، كشبهات، كأباطيل.. إلى غير ذلك من الأشياء. فمن هناك كان هذا الرد رداً قومياً ورداً متشنجاً بالنسبة إلى إدوارد سعيد”.

قوة إدوارد سعيد في تفكيك الاستشراق

وأضاف الدكتور يحيى بن الوليد: “المسألة طُرحت في سياق آخر، وهو أن الاستشراق يتوافر عليه هذه المعرفة، كما أن هذه المعرفة كانت في خدمة السلطة؛ كانت في خدمة الاستعمار، فهذا هو الجديد بالنسبة إلى إدوارد سعيد، أنه لمّا تعامل مع الاستشراق؛ أولاً الاستشراق فيه جانب معرفي، الاستشراق ليس فقط غزواً كما قُلت أو اختراقاً؛ ولكن فيه معرفة، هذه المعرفة هي معرفة في إطار مؤسسة الغرب، يُسهم فيها التعليم، تُسهم فيها الصحافة الكنيسة، الأدب، المعاجم، الفيلولوجيا؛ فنجد أنفسنا أمام مؤسسة مكتملة الأركان، وبالتالي أمام معتمد أو مكرس في جانب المعرفة.. صحيح أن الاستشراق فيه هذا الجانب المعرفي، هو نقاش طويل جداً، مهما كان فالاستشراق فيه جانب معرفة، قدم أشياء كثيرة بالنسبة إلى الشرق؛ ولكن بالنسبة إلى إدوارد سعيد، هذا هو التميز؛ هو أن هذا الاستشراق لم يكن في الهواء أو لم يكن في الفراغ، وإنما جاء موازياً للاستعمار ومواكباً للاستعمار. من هنا كان، كما أشرت إلى ذلك، قوة إدوارد سعيد على هذا المستوى؛ تفكيك هذا الاستشراق أو بنيان هذا الاستشراق”.

مسألة المعرفة وخطورة إدوارد سعيد

وتابع الأكاديمي المغربي المختص في قضايا التراث والنقد الثقافي: “مسألة المعرفة هي معرفة واسعة أو معرفة فيها خلاف؛ ولكن بصفة عامة أن الاستشراق هذا هو جانب مهم؛ يعني قدموا معرفة، فمن دون شك أعطى أمثلة كثيرة. من جهتنا يمكن أن نعطي أمثلة ماسينيون مثلاً، كيف استشرق على الحلاج؟ شربيل كيف اشتغل على الجاحظ مثلاً؟ 50 سنة وهو يشتغل على الجاحظ رغم أنه كان إذا أردنا أن نقول في الحالة المغاربية طبعاً أنه كان تابعاً للاستعمار أو ما شاكل ذلك.. ولكن مع ذلك قدم أشياء كثيرة في المغرب؛ مثلاً هناك ضباط جاك بيير مثلاً أو روبير مونتاني؛ اشتغلوا كثيراً على المغرب، حتى وإن كانوا من المؤسسة العسكرية. مع ذلك قدموا معرفة عميقة بالمغرب؛ في عاداته وتقاليده، في أسواقه، في الزوايا.. إلى غير ذلك من الأشياء. فإدوارد سعيد أيضاً سار في هذا الاتجاه، يعني أنه ركز على هذا الجانب المعرفي؛ ولكن هذا الجانب المعرفي كما قُلت إنه لم يكن محايداً، وخطورة إدوارد سعيد هو أنه بحث عن نصوص وفكَّك هذه النصوص، وهي نصوص كبيرة جداً؛ مثلاً كتاب (وصف مصر) للجبرتي، مثلاً؛ كيف أنه فككه إدوارد سعيد؟ وهذا النص لم يكن كما قُلت نصاً يعني، صح أنه يصف مصر؛ ولكنه نص مهَّدَ للاستعمار.. أقصد (وصف مصر) الذي كُتب مع نابليون”.

لماذا حمل نابليون المطبعة معه على السفينة؟

وقال د.يحيى بن الوليد: “لمّا نريد أن نتكلم عن فوكو، هذه فكرة مهمة أيضاً، جرامشي، وهناك أسماء أخرى كثيرة استند إليها إدوارد سعيد.. وليام استند إلى نيتشه أيضاً ميرلو بونتي.. كلها أسماء، وهنا ماذا نلاحظ؟ نلاحظ أن إدوارد سعيد، وهذه نقطة أساسية؛ هو أنه منسوج الغرب في آخر المطاف، وهذا هو الأساس. من هنا كان سر نجاحه على مستوى التعامل مع الاستشراق، يعني يخاطب الغرب بلغته وأدواته أيضاً ومن داخل، كما يمكن أن نقول، من داخل منظومته، طبعاً المخارج والخلاصة التي كانت لإدوارد سعيد كانت مغايرة طبعاً؛ هي أزعجت الغرب وأزعجت مؤسسات الاستشراق، لدرجة أن الاستشراق كان في حال وصار بعد كتاب إدوارد سعيد على حالة أخرى مغايرة جذرية؛ لدرجة أن العديد من المستشرقين صاروا يعني في حرج من هذا التوصيف؛ توصيف مستشرق، والسبب كما قُلت هو يعني هذا السند الغربي الذي استند إليه إدوارد سعيد، في فك أو في التعامل مع نصوص يعني استشراق مسألة ديال فوكو فعلاً، طبعاً ما نتكلم عن فوكو، فوكو هو الآخر اشتغل على موضوعات قوية جداً؛ ولكن فوكو هو أنه يبقى هو الآخر منتوج الغرب، هو صحيح أنه يطرح السلطة، ميشيل فوكو؛ ولكن يطرحها في سياق آخر، السلطة المنتجة في سياقات محددة، فوكو اشتغل على قضايا كبرى؛ الجنس، السجن.. إلى غير ذلك من الأشياء؛ ولكن هنا طرح مسألة ديال الخطاب بصفة عامة، معناها خطاب بالنسبة إلى فوكو هو أن التأثير يأتي انطلاقاً من الخطاب، انطلاقاً من النصوص، وهذه هي الفكرة التي كانت أساسية بالنسبة إلى الغرب، بالنسبة إلى الاستشراق. يعني الاستعمار العسكري في حد ذاته أو التدخل العسكري لن يؤتي أكله، لا يمكن أن يقدم نتائج ملموسة، فلذلك كان لا بد أن يمهد لهذا التدخل العسكري بخطاب، مثلاً أشرنا إلى نابليون، نابليون كان يحمل معه المطبعة وهو على السفينة، وهذه المطبعة كانت تطبع منشورات تروج للمهمة التحضيرية التي سيقوم بها، وكان معه أيضاً فريق من العلماء في نفس الوقت.. حتى أعود إلى فوكو، فوكو لمّا يتكلم ينتابه الخطورة، الخطاب، الخطاب، وإنه كالتالي: أن الذي يؤثر هو الأفكار؛ ولكن الأفكار لم تكن في خطاب ما معين، وبالتالي يصير المجتمع مجالاً لهذا الخطاب، وإدوارد سعيد سقط هذا المفهوم من خلال ما يُسمى بموقف النصوص. معنى ذلك أن هناك نصوصاً تؤثر، لما نقرأ هذه النصوص يعني تؤثر في المجتمعات.. إلى غير ذلك، الاستعمار دخل أيضاً بأيديولوجيات، هذا هو مسار ديال الخطاب”.

الاستشراق وصياغة النصوص وقوة الغرب

وعلَّق د.يحيى بن الوليد بشأن أن “إدوارد سعيد تكلم حتى عن خطابات أنتجها ناس زاروا الشرق واستعادها آخرون لم يزوروه؛ لأنه صار الشرق قد تشكَّل عبر تلك النصوص، صورته تشكَّلت في النصوص وليس في اختبار الشرق عبر الزيارة المباشرة أو اللقاء المباشر”، قائلاً: “لا؛ فعلاً هي عند مسألة النصوص، كيف تشكَّل؟ هناك أيضاً أدب الرحلات، هناك أطباء قاموا برحلات إلى بلدن كثيرة جداً، وصاغوا نصوصاً؛ ولكن هذه النصوص هي تعكس في آخر المطاف قوة الغرب، علاقات القوة. إذن بالنسبة إلى إدوارد سعيد، كان هذا هو الأهم؛ هو أن هذا الاستشراق فيه جانب الخطاب ومسألة المعرفة. طبعاً لمّا نتكلم، كما يقول فوكو، المعرفة هي رأسمال؛ مَن يمتلك المعرفة يمتلك السلطة، فهذا الغرب كان يمتلك كل هذه الأشياء، ولا يمتلك هذه المعرفة، كما قُلت، يمتلك المعاجم مثلاً، كان يحث على أشياء كثيرة، مثلاً مفاهيم محددة دائماً هي محكومة بتصور الغرب بالمعجم الغربي، بالتصورات، بالخلفيات الغربية. فإدوارد سعيد كان يشتغل على هذه المسألة. من هنا على هذه المعرفة؛ هي معرفة لم تسِر في اتجاه أُحادي أو في اتجاه مهمة تحضيرية كما كان يدَّعي الغرب، لأ.. ولكن سارت باتجاه آخر، هو أن وقت تنمية هذا الإنسان الشرقي، تنمية الشرق، وأن هذا الشرق هو يعيش في التخلف، يعيش في الظلام؛ ولكن هذا الاستشراق كان مغلفاً بالسلطة، كان مغلفاً بنوع من الأنا والآخر؛ لأنه مهما كان هناك الغرب وهناك الشرق، لما نتكلم عن الغرب، يعني الغرب كأوروبا والغرب كأمريكا في ما بعد في إطار المؤسسات الاستشراقية، وهناك هذا الآخر الذي هو هذا الشرق؛ الشرق الأدنى، الشرق الإسلامي، الشرق العربي، فهو كلٌّ فيه تخلف”.

خطورة الاستشراق وإدوارد سعيد

وتابع الأكاديمي المغربي: “إذن؛ لا بد من أن يتقدم هذا الغرب؛ ولكن هذه خطورة إدوارد سعيد، أن الغرب هو الذي يتقدم نحو الشرق. فمن هنا كان لإدوارد سعيد هذا المدخل، مدخل كيف أنه يفكك هذه الأمثال. أيضاً بالنسبة إلى إدوارد سعيد تعامل مع فوكو، وفوكو كما يُقال وكما يقول هو لم يقرأ الاستشراق حسب بعض الباحثين، قبل أنه كان سيقرأه؛ ولكن الوقت لم يمهله، ولكن بالنسبة إلى فوكو كما قُلت استطاع أن يقدم، وهذه خطورة إدوارد سعيد؛ أنه أخذ من الغرب، استطاع أن يعجن النظرية الفرنسية. من هنا كانت خطورة الاستشراق؛ إدوارد سعيد كان في أمريكا، نحن نعلم أن (مصطلح فرنسي)؛ ولكن ضجة كبرى حول النظرية الفرنسية؛ فوكو بارتس، دريدا.. إلى غير ذلك، هؤلاء كانوا مثل الأساطير في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولكن بالنسبة إلى إدوارد سعيد، آنذاك، قبل هزيمة 67 كان يفطن إلى الأشياء. صح أنه لم تكن علاقته بالعربية قوية في تلك الفترة؛ ولكن كان يعلم، آنذاك، أن المعرفة الغربية أو النظرية الفرنسية هي نظرية بقيت بقدر ما هي قوية؛ ولكنها نظرية لا يمكن أن تساير تصور إدوارد سعيد. فهذه المعرفة هي معرفة بالنسبة إلى فوكو الإنسان، لا يطرح مسألة الاستعمار، لا يطرح.. صح يتكلم عن القوة وعلاقات القوة ويتكلم عن أشياء كثيرة في هذا الاتجاه؛ ولكن بالنسبة إلى المسـألة ديال الاستعمار، لم تكن مطروحة، وهذه المسألة ربما داخلة في التقليد الفرنسي ككل بالنسبة إليه، ولذلك نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي لم تنتشر في فرنسا، وحتى إدوارد سعيد ظل وجوده محدوداً في فرنسا، وهذه نقطة يمكن مناقشتها في ما بعد”.

إدوارد سعيد وتهمة تسييس الاستشراق

وأجاب د.يحيى بن الوليد عن سؤال “ما رأيك في تهمة تسييس الاستشراق التي وجهت إلى إدوارد سعيد؟”، قائلاً: “هذه ليست تهمة، وإدوارد سعيد يقر بذلك؛ يقول إن الاستشراق كما يعرفه طبعاً بشكل أو بآخر، هو هذا الفرق الوجودي أو الأنثروبولوجي المعرفي بين الشرق والغرب؛ ولكن يقول هو منطلق فكري أيضاً لا يخلو من أبعاد سياسية بالنسبة إلى إدوارد سعيد، هو منسجم مع ذاته في هذه النقطة؛ كل ما هناك هو أنه يحلل بعدة معرفية، بعدة نصية، يفكك الأشياء، لا يثرثر، هذا هو المشكل. هناك كثير مَن كتب عن الاستشراق قبل إدوارد سعيد؛ لكن لم تُكتب لهم هذه الشهرة وهذا الارتكاز، أن يكون في واجهة العمارة، في إطار نهج الاستشراق، لماذا؟ لأن إدوارد سعيد كانت له هذه العدة، وطبعاً هو كان قاسياً بعض الأشياء، حتى مع مكسيم رودنسون، والذي أشرت إليه؛ فانتقده بعنف إدوارد سعيد، وانتقد آخرين أيضاً؛ إدوارد سعيد انتقدهم بعنف مثلما مثلاً إرنست ديرنر، أيضاً انتقده بشراسة.. وهؤلاء هم الآخرون لا أقول كان رد فعل؛ ولكن انتقدهم آخرون بقسوة أو بشكل أو بآخر؛ ولكن فعلاً بالنسبة إلى إدوارد سعيد، هو أنه كما يُقال إنه لا أقول بالغ وإنما مضى بعيداً في النقد، فانتقد، كان يمكن أن نقول أحياناً بشدة وبقساوة أمثال هؤلاء، هو سجال السخرية بالنسبة إلى إدوارد سعيد، يشترطها في المثقف؛ هو عنصر من عناصر تكوين المثقف، لكي يكون مثقفاً لا بد من أن تكون هناك سخرية، لا بد من أن يُسمِّي الأشياء. هنا كانت خطورة إدوارد سعيد. إدوارد سعيد كان لا يخشى يذهب إلى الألغام مباشرةً، ويُسمِّي الأشياء هذا، فأظن أن هذه تحسب له؛ فكرة أخرى ربما اللي بدنا نناقشها هي مسألة ديال اللي أشرت إليها، أي مسألة ديال اللي اتكلمنا على رودنسون.. إلى غير ذلك الفكرة التي أردتها هي كالتالي؛ هو أنه لم ينتقده فقط المستشرقون، وإنما انتقده أيضاً المثقفون العرب؛ إذن هذا هو صادق جلال العظم أيضاً..”.

إدوارد سعيد جبهات متعددة

وأجاب الأكاديمي المغربي عن سؤال “إدوارد سعيد وسَّع المدار وفكر في الأدب، واعتبر أن نصوص الأدب من شعر ورواية ورحلة هي مادة بحثية أساسية، هل لأن إدوارد سعيد كان ناقداً بالأساس؛ جعله يستحضر الأدب ويصر عليه؟ وكيف كشف الأدب عن طبيعة التمثلات الغربية للشرق؟”، قائلاً: “أشياء كثيرة تحضرني؛ ولكن هذا السؤال، سؤال النقد فعلاً هو أولاً لمّا نتكلم عن إدوارد سعيد فهو جبهات متعددة؛ إدوارد سعيد، ولكن الجبهة الأولى هي أنه هذا الذي ننساه هو النقد الأدبي. إدوارد سعيد أول ما برز بصفته ناقداً أدبياً، النقطة التي تمثله منظراً، لا أقول نظرية، وإنما منظراً لوعي نقدي. أيضاً الجبهة الثالثة هي نقل الاستشراق، أيضاً إدوارد سعيد هو ناقد ثقافي، هو أيضاً ناقد ما بعد كولونيالي؛ يعني فجَّر أو أسهم في سجال على طريقة الخطاب ما بعد الكولونيالي، أيضاً الرجل اشتغل على النقد الموسيقي، وأيضاً الثقافة الشعبية في مقاله الشهير حول تحية كاريوكا، وأيضاً كتابه الأول لم يُنسَ حول القضية الفلسطينية والمجتمع الأمريكي؛ فيه يتحدث عن الثقافة الشعبية أيضاً، مسألة المثقف كما أشرنا إليه، فإدوارد سعيد كان مثقفاً بارعاً، كان يتقن الحديث المفوه، وبلغة نقية، وبسجالية.. إلى غير ذلك. إدوارد سعيد سار في جميع هذه الاتجاهات؛ ولكن الذي حصل هو أن إدوارد سعيد غطى عليه موضوع الاستشراق بخاصة في العالم الثالث؛ لأن هذا الاستشراق صح أنه يرجع إلى القرن الثامن/ التاسع عشر، إلى حدود النصف الأول من القرن العشرين؛ ولكن بالنسبة إلى الاستشراق، تم تلقفه أكثر من الواجهات الأخرى، لماذا؟ لأن الثقافة العربية والثقافة الشرقية بصفة عامة، هي ثقافة مغلوبة، وثقافة كانت ترزخ تحت الاستعمار، وإدوارد سعيد وجه هذه الضربة القوية إلى الاستعمار، ولذلك كان هذا الميل إلى الاستشراق أكثر من جبهات أخرى لإدوارد سعيد. طبعاً إدوارد سعيد ونحن نتحدث عنه لا نلخصه فقط بسبب الاستشراق؛ إنما هناك كتاب آخر، وهو الكتاب الذي تلي الاستشراق، كتاب المسألة الفلسطينية، وهو كتاب خطير سنة 1973؛ يعني بعد سنة واحدة من الاستشراق، فقط هذا الكتاب لا يلتفت إلى تغطية الإسلام؛ أنت تتحدث عن وسائل الإعلام أيضاً، مسألة أخرى هي كتاب الثقافة والإمبريالية أيضاً. إذن هذا كما قلت هو يتحرك في هذا الإطار؛ ولكن كما أشرت في نظري أنا أو في نظر دارسين كثيرين، هو أن إدوارد سعيد لماذا برع في نقد الاستشراق؟ لأنه برع بصفته ناقداً أدبياً؛ وهو كان يمتلك أسلوب النقد الأدبي، وأكد أننا لا نتكلم عن الناقد هنا كشخص يتابع أو يعلق أو يصف. لأ؛ إدوارد سعيد يتكلم عما يُسمى بعمل ناقد، يعني الناقد الذي يتدخل في النقد، يصبح ناقداً؛ هو يزلزل الهيمنة ويزلزل أشكال التراتب. ونقد يفكك الأشياء؛ يذهب إلى الهيمنة، إلى السيطرة.. كل هذه الأشياء”. 

إدوارد سعيد.. النقد الأدبي على مستوى آخر 

وأضاف د.يحيى بن الوليد: “إذن خطورة أو أهمية إدوارد سعيد جاءت من هذا الأسلوب؛ أسلوب كما قُلت النقد الأدبي على مستوى آخر. بالنسبة إلى الأدب هو هذه، فكرة نادراً ما يلتفت إليها ممن يهتمون على الأقل من الطلبة ومن بعض الدارسين، أيضاً هو أن إدوارد سعيد كان يركز في المقام الأول على الأدب؛ مثلاً على الصعيد الفلسطيني فهو يعتبر أن الأدب استطاع أن يخدم، طبعاً هو يشك في الهوية؛ ولكن استطاع أن يكون أكثر التباساً وأكثر تعبيراً وأكثر ارتباطاً بالهوية الفلسطينية، مقارنةً مع السياسة التي يعتبرها ترفيهاً أو ما يصير في هذا الاتجاه. فهنا جاءت مسألة ديال الأدب، سؤال الأدب، صح إن إدوارد سعيد اشتغل على الرواية الأوروبية، اشتغل على غير هذا في إطار هذه المنظومة الغربية؛ ولكن أيضاً اشتغل على الرواية العربية، اشتغل على نجيب محفوظ، على الطيب صالح، على إلياس خوري، على حليم بركات، وأعطاهم دفعة جديدة جداً في هذه القضية، وكذلك مسألة ديال محمود درويش”.

التقاطع والتلاقي بين محمود درويش وإدوارد سعيد في إطار الأدب

وتابع الأكاديمي المغربي: “أظن أن الكلام عن محمود درويش مع إدوارد سعيد قصة طويلة، وأيضاً هناك أيضاً مسألة أخرى ينساها الكثير منا، ينسى خصوصاً في إطار النقد الشعبي؛ المقال البارع الذي كتبه إدوارد سعيد عن محمود درويش، تلاحم عسير للشعر والذاكرة الجمعية. أنا في نظري مقال قصير؛ ولكن يعني كباقي مقالات إدوارد سعيد؛ هو مقال كثيف استطاع أن يلخص فيه محمود درويش بمرجعيته العربية، وأيضاً بمرجعيته الإسرائيلية، نادراً ما نلتفت إلى أن محمود درويش له مرجعية إسرائيلية محدودة إلى حد ما. طبعاً الرجل اشتغل في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكان محرراً يتكلم أيضاً عن صداقات محمود درويش الموثقات، يتكلم عن القلق بالنسبة إلى محمود درويش، يتكلم أيضاً عن قبوله الانخراط في منظمة التحرير الفلسطينية على مضض، يتكلم عن كل هذه الأشياء، وطبعاً هو إدوارد سعيد ومحمود درويش يتقاسمان كما أسميها فكرة فلسطين فقط.. إدوارد سعيد بصفته أكاديمياً، ودرويش بصفته شاعراً؛ ولكن مع ذلك نجد الشعر بلغ في كلام إدوارد سعيد، كما نجد الفكر عند محمود درويش، هناك إشراقات فكرية في حواراته، في مقالاته، حتى في شعره، حتى في قصيدة الطباق لمّا تلاحظ يعني لما إدوارد سعيد في الصباح يلعن جنرالاً.. إلى غير ذلك, فمحمود درويش لم يكن يكتب بطريقة عن طريق الوحي أو الانطباع؛ كان يقرأ ويستند إلى مراجع في الكتابة”.

وأضاف د.يحيى بن الوليد: “من هنا التقاطع والتلاقي بين محمود درويش وإدوارد سعيد في إطار الأدب كما قُلت بمعناه الجذري، والأدب، صحيح أن يبقى في آخر المطاف إدوارد سعيد يميل إلى الرواية..”.

الاستشراق كمؤسسة والاستعمار

وأجاب الأكاديمي المغربي عن سؤال “كيف تفسر تشوش التحديد التاريخي لبداية الاستشراق لدى إدوارد سعيد؟”، قائلاً: “لما نتحدث عن الاستشراق كمؤسسة؛ فهو يأتي متزامناً مع بدايات الحركة ديال الاستعمار. نتحدث عن الاستشراق بصفته مؤسسة، أما أن نتحدث عن أفكار تدخل في إطار تصور الآخر للآخر؛ فهذه مسألة ربما نجد أمثلة كثيرة.. أنا أعطيك مثالاً في التراث العربي، الجاحظ لما نقرأ في (البخلاء)، مَن هم البخلاء؟ يسخر من الأقوى، من الآخرين الذين هم غير العرب. إذن، يمكن أن نعتبر هذا استشراقاً إذا أردنا أن نتكلم بهذا المعنى”.

وأيَّد د.يحيى بن الوليد القول “أو رد على الاستشراق؛ لأن الجاحظ سيكتب الرد على النصارى، رداً على مجموعة مما كتبه النصارى، حينها النصارى في الفضاء العربي الإسلامي، في انتقاد الإسلام والمسلمين”، قائلاً: “هذا فعلاً كما قلت، هذا المثال؛ هناك أمثلة كثيرة جداً، ولكن لمّا نتكلم كما قُلت هو إدوارد سعيد، هو وضع هذه المسألة، نتكلم عن الاستشراق كمؤسسة تسهم فيه، كما قلت؛ في التعليم، تسهم فيه الكنيسة أيضاً، هذه مسألة أخرى، تسهم فيه كما أشرت إلى النقاد، إلى الأدباء، برامج تعليمية، تهويد مثلاً.. تحدثنا عن فلسطين، تهويد فلسطين عن طريق ماذا، ثم وزارة الأديان أسهمت فيها أيضاً، إلى جانب المثقفين. إذن بالنسبة إلى إدوارد سعيد هو لا يهمه فقط، ربما هذه بدايات أو إشارات أو إلى غير ذلك؛ ولكن هو الاستشراق كمدفعية بهذا المعنى أو كما قُلت كتضخم الاستشراق، كقوة جاء في تزامن مع هذا كما أشرت. هذا الغرب الذي بمعناه الاصطلاحي الجغرافي، بمعناه المكتمل، هذا الغرب الذي أصبح في حاجة إلى التقدم إلى الشرق، وهذا التقدم كما قُلت هو عبر الاستعمار، عبر القوة، عبر علاقات القوة العارية. طبعاً هي مسألة فيها تزامن، يعني القوة بمفردها لم تكن صالحة؛ لم تؤتِ ثمارها.. عندنا في المغرب مثلاً ليوتيه، هو عنده هدف واحد، لماذا نجح ليوتيه في المغرب؟ لأن ليوتيه كان نجح على مستوى المعمار، على مستوى مراعاة مجموعة من الأشياء، هو كانت له سياسة إظهار القوة؛ لكي لا تستعملها، معنى ذلك أنه استند بالرصامي، استند بالعلوم الاجتماعية، بصفة عامة آنذاك صعيب باش نقولوا هذا علم، شي عندنا علم النفس؛ نتكلم في إطار العلوم الاجتماعية بصفة عامة، وفي هذا التدخل قد تكون هناك الأنثروبولوجيا أو الأدنوغرافية؛ هي الغالبة أو السائدة”.

عبد الله العروي.. التاريخانية ونقل الحداثة

وأجاب الأكاديمي المغربي عن سؤال “ليوتيه في المغرب؛ صحيح فيه شيء من نابليون في مصر، محاولة لاستعادة تجربة نابليون. كيف تذهب ثقافياً وتتجذر وتنغرس وتمكِّن للاستعمار ثقافياً؟”، قائلاً: “لا، إذا هذه الفكرة التي انتقد فيها إدوارد سعيد، إدوارد سعيد على هذا المستوى، وأنه ماذا ربما على ذكر المغرب، هنا يمكن أن نستحضر النقد الذي وجهه عبد الله العروي إلى إدوارد سعيد. بالنسبة إلى العروي هو أن الاستشراق أثرى في الثقافة العربية.. وطبعاً لمّا نتكلم عن عبد الله العروي، نتكلم عن التاريخانية ونقل الحداثة. وبالنسبة إلى العروي من هنا نقده كما يمكن أن نقول؛ نقده الوجيه، وأعتبره نقداً واضحاً ومهماً جداً؛ وهو أنه بالنسبة إلى عبد الله العروي طبعاً هو أن إدوارد سعيد كما قُلت يشير إلى عبد الله العروي؛ سواء في كتابه الاستشراق، أو في كتابه الثقافة الإمبريالية، ويخصه بهذا التوصيف، باعتباره أهم مؤرخ في شمال إفريقيا، وهو يشير إليه في سياق آخر، هو سياق المستشرق بون جور باون، بالنسبة إلى عبد الله العروي هو أن إدوارد سعيد لم يميز بين شيئَين في الغرب؛ الغرب التاريخي والغرب في لحظة تاريخية متأخرة، التي هي لحظة الاستعمار. إذن لا يمكن أن نقول إن إدوارد سعيد يخلط، من الصعب أن نقول هذه المسألة؛ ولكن بالنسبة إلى العروي في ذهنه أنه ينبغي التمييز بين الشيئَين؛ ولكن حتى بالنسبة إلى إدوارد سعيد هو الآخر يميز إذا أردنا أن نسأله لماذا؟ فهو يقول إنه يركز على الغرب الإداري، لا يركز على الغرب؛ ولكن بصفة عامة أن إدوارد سعيد؛ أنهم في آخر المطاف أشرك الثقافة بأكملها في الاستشراق على مستوى الرواية. هناك روائيون بعيدون كل البعد عن الاستشراق، وتلاحظ أن إدوارد سعيد يجلبهم.. فيكتور هوجو أو أسماء أخرى، هي كولاجين أوستن، هذه الروائية الشهيرة، هي بعيدة كل البعد؛ هذا هو النقد الذي وُجِّه. حتى ألبير كامو من ناحية اللا شعور الكولونيالي، فيه نقاش. إذن هنا كما يمكن أن نقول إن هذا هو الخلاف، الخلاف كون أن يعني إدوارد سعيد يعني استند إلى نظرة تكاد تكون موحدة، وأدرج الاستشراق الألماني، مع أنه كان يظهر بعيداً؛ ولكن بالنسبة إلى إدوارد سعيد هو أنه كان في إطار هذه المؤسسة بصفة عامة، التي تتحمل كما قُلت هذا النقد”.

هل أهمل إدوارد سعيد الاستشراق الألماني؟

وقال د.يحيى بن الوليد بشأن “إهمال إدوارد سعيد الاستشراق الألماني”: “هناك كتاب يتحدث عن إدوارد سعيد والاستشراق في ألمانيا، هو قال إنه لم يهتم بالاستشراق، مش لم يهتم؛ هو لم يدرج الاستشراق، لأنه لم يكن يساير طريقة الاستشراق بشكل موازٍ مع الاستعمار؛ ولكن في نظره هو الآخر كان في إطار النسق بالنسبة إلى إدوارد سعيد، هذا التصور هو أنه وحَّد الاستشراق في مجموعه ككل”.

وأجاب الأكاديمي المغربي عن سؤال :”وجدت عبارة لإدوارد سعيد يقول فيها الحديث عن الاستشراق هو أساساً لا حصراً حديث عن مشروع بريطاني وفرنسي؟”، قائلاً: “لأ؛ إحنا نتكلم عن ظواهر استعمارية، ظواهر إمبراطورية؛ هو كل ما في الأمر أيضاً سأقول لك إن إدوارد سعيد لم يهتم بالاستشراق الإسباني أيضاً، لماذا لم يهتم؟ لسبب بسيط؛ هو أن بالنسبة إلى أسبانيا كانت هي من الظواهر الاستعمارية، لكنها لم تبلغ إلى الإمبراطورية الفرنسية أو الإنجليزية، لأن إدوارد سعيد كان يركز بالنسبة إلى هاتين الإمبراطوريتَين، كان لها مفكرون، كان لها أدباء، كان لها مجموعة من الأشياء، الظاهرة الإسبانية أنها لم تكن تتوفر حتى على الأنثروبولوجيا، هناك الأدب الذي اشتغل عليه أستاذنا محمد أنقار، بناء الصورة إلى غير ذلك، وهو أدب يكاد يكون لا أقول أدباً مهمشاً؛ وإنما سياق آخر. وبالنسبة إلى ألمانيا أيضاً، حتى وإن كان هذا الاستشراق؛ ولكنه لم يكن أيضاً في الواجهة الاستعمارية. هذا هو المفارقة التي يمكن أن يشير إليها ديال له، وذلك كان هذا التركيز؛ التركيز على فرنسا والتركيز على بريطانيا، وفي ما بعد، بعد الحرب العالمية الثانية، سوف تدخل أمريكا إلى حلبة الاستشراق؛ ولكن بفهم آخر عندما نتكلم عن أمريكا، هو هذا الميل الأنثروبولوجي، كان ميلاً واضحاً، ومن هنا يأتي جوتفريد، وتأتي أسماء أخرى كثيرة التي تعامل معها إدوارد سعيد، طبعاً هو غير من النظرة لما نتكلم عن جوتفريد؛ فهو يحترمه إدوارد سعيد بشكل كبير جداً، ويعده يفهم الإسلام بشكل أو بآخر مقارنةً مع آخرين من أنثروبولوجي الذين واصل كما يمكن أن نقول إدوارد سعيد فيهم سيوفه الخشبية والحديدية؛ مثل إرنست غارنييه مثلاً الذي انتقده بشدة، وانتقده أيضاً بعنف؛ لدرجة أنه قال لا يفهم الأمازيغية، وبالتالي يكتب على أولياء الأطلس، ربما يصير في هذا الاتجاه؛ فهنا كان الرد أيضاً، ربما هذه مسألة مايمكنش لها العروي بشكل آخر هو أن إدوارد سعيد على هذا المستوى بالضبط هو أنه كما يتصور برنارد لويس، وهو أحد الأعداء الكبار، أن إدوارد سعيد كان أسوأ من المستشرقين، أو صور الشرق بطريقة سيئة من المستشرقين، كما يقول طبعاً هذا برنارد لويس، طبعاً فيه بعض التزيد، فيه بعض الانزياح؛ ولكن فعلاً كما قلت إن إدوارد سعيد كانت له هذه الآلة الأكاديمية التي كانت هي الأخرى عارية أحياناً في لحظات مع المواقف”.

إدوارد سعيد والبعد الشخصي في الاستشراق

وأجاب د.يحيى بن الوليد، عن سؤال “هل ما كان يهم إدوارد سعيد ليس الاستشراق بشكل عام، وإنما رؤى الغرب الاستعماري إلى العرب والإسلام؟”، قائلاً: “في نظري أولاً لا يمكن أن نطالب مفكراً بأنه، أكاديمي، يشتغل على جميع الواجهات، وأن يسير في جميع الاتجاهات؛ أظن فيها نقاش، وبالنسبة إلى أي أكاديمي ومفكر لهم منطلقات.. بالنسبة إلى إدوارد سعيد، لما نقرأه، هذه قوته في الاستشراق؛ أن الرجل له منطلق، انطلق منه، له نصوص واختار أسماء محددة. أيضاً بالنسبة إلى إدوارد سعيد وهو يشير إلى ذلك في كتاب (الاستشراق- الطبعة الخامسة 1995) أرى أن هناك مقدمة قوية أشار فيها إلى البعد الشخصي في الاستشراق، وهذه مسـألة واردة أنه أحياناً يبدو لنا المفكر أنه يتعامل مع موضوعي أو مفارقي؛ ولكن دائماً هناك الذات حاضرة. مثلاً تكلمت عن العروي في كتابه سماه (الإصلاح)، يقول وما من مفكر بهذه الطريقة يعني من المواضيع التي اشتغل عليها، لا بد من أن تكشف عن محل الهموم الذاتية بالنسبة إليه. أشرنا إلى فوكو أيضاً، هذه المسألة فيها واردة بالنسبة إلى إدوارد سعيد، أنه لما اشتغل على الاستشراق كانت القضية الفلسطينية واضحة جداً، وعلى مستوى الحفريات؛ حفريات هذا الاستشراق نادراً ما يتم الالتفات إلى أن إدوارد سعيد أولاً لم يكن يتقن اللغة العربية، وأنه لما درس في مصر، درسَ في المدارس الكولونية، كما يصف، ولم يكن مسموحاً له على الإطلاق الكلام باللغة العربية، ودرس في جامعة فيكتوريا، آنذاك، كانت تُسمى، وتخرج فيها كبار علية القوم، درس معه ملك الأردن الحسين، ودرس معه الممثل عمر الشريف، كان يُسمى (شلهوب)، آنذاك، اسمه إذن في ما بعد.. حتى أعود إلى هذا البعد الشخصي، هو أن هناك المقال، مقال الذي أردت أن أتحدث عنه؛ هو أن إدوارد سعيد بعد 67، آنذاك، ذهب في إجازة إلى لبنان. وآنذاك، سوف يتمكن من اللغة العربية؛ كان عنده منحة دراسية، وهنا هذه نقطة يمكن نناقشها في ما بعد، هو أن إدوارد سعيد رغم منتوج الغرب ورغم أنه كان خريج جامعة كولومبيا، رغم الإمكانات المالية والإدارية، كثيرة جداً، غير متوفرة للآخرين، على الرغم من المضايقات التي تلقاها على أن هي بالنسبة إلى إدوارد سعيد هنا في هذا الإطار، كان كتب مقالاً، هو أول مقال له عن العرب، سماه بـ(التمنع التعجب والتعرف)، نشره في مجلة ديال مواقف ديال أدونيس، آنذاك، بمنحاها النقدي، ومنحاها التساؤلي، وإلى غير ذلك من أشياء، آنذاك، كان بالنسبة إلى هذا المقال هو يتكلم فيه عن هذه الأسئلة البسيطة التي يطرحها العرب على أنفسهم, وآنذاك، كسب هذا المقال، وهذا المقال الآن هو مقال يشكل شرارة ديال إدوارد، ديال كتاب الاستشراق، كان بمثابة البذرة التي طبعاً هناك مسألة ديال هزيمة 67 هي الأخرى التي أسهمت في هذه المسألة، غير فقط كما ربما الموضوع اللي هنا الحديث ذو الشجون بالنسبة إلى الاستشراق. في إطار هذه الأشياء بمعية إذن كما قُلت بالنسبة إلى إدوارد سعيد، فيه هناك سؤال يُطرح وسؤال وجيه أيضاً: لو لم يكن إدوارد سعيد فلسطينياً؟ هل كان ستكون له كل هذه الشهرة؟”.

لو لم يكن إدوارد سعيد فلسطينياً.. هل كان ستكون له كل هذه الشهرة؟

وأجاب الأكاديمي المغربي عن سؤال “لو لم يكن إدوارد سعيد فلسطينياً؛ هل كان سيكتب الاستشراق؟ لو لم يكن فلسطينياً مسيحياً، كيف كان سيكتب الاستشراق؟”، قائلاً: “في نفس الوقت أيضاً هناك فلسطينيين في أمريكا، لا داعي لكي أدخل في الأسماء، أسماء كثيرة؛ هم الآخرون كتبوا، ولكن إدوارد سعيد استطاع كما يُقال أن يسقط التاج من الاستشراق، وأن يدك عمارة الاستشراق، فهنا المسألة دخلت فيها عوامل كثيرة جداً؛ تكوينه الشخصي، تكوينه، إتقانه اللغة الأجنبية، بارع المسألة ديال كما يشير هو أنه مسألة ديال لغة المكان، طبعاً هو أنه اشتغل على وثائق، على نصوص عديدة لم تكن متوفرة آنذاك، إلا في كما قُلت، في جامعات كولومبيا، أيضاً مناخ جامعة كولومبيا هو مناخ كان يسير في هذا الاتجاه، أنه بالنسبة إلى التعليم الجامعي في أمريكا كل جامعة متخصصة في فرع، هناك الجندر، هناك الأرسطية الجديدة، هناك التفكيكية. كولومبيا شعرت بأبناء العالم الثالث، الذين يأتون هنا، وبالتالي هنا كان ظهور ديال خطاب ما بعد الاستعمار، أو ما بعد الكولونيالية، وكان كتاب الاستشراق، هو كان إذا أردنا أن نقول، كان هو الحجر الأساس في هذا التأسيس”.

الدفاع عن فلسطين ومواجهات المنظمات الصهيونية- الأمريكية

وتحدث د.يحيى بن الوليد بشأن ما قاله في كتابه عن إدوارد سعيد “بأن الرجل تحول إلى جهاز ثقافي إعلامي؛ يعني صار الرجل أشبه ما يكون بمؤسسة إعلامية تترافع يومياً لصالح فلسطين، وهذا ربما في قلب جامعة كولومبيا، وما يعني بقيمتها ووزنها الأكاديمي، سيجد نفسه في مواجهات مباشرة مع المنظمات الصهيونية- الأمريكية”، مجيباً عن سؤال “كيف عاش هذه المحنة من داخل جامعة أساسية يجهر بالدفاع عن فلسطين ويترافع ويأتي بالحجج التي حتى الفصائل والفرقاء السياسيون الفلسطينيون عاجزون عن إنتاج حجج مثلها أو سردية بقوة السردية التي صنعها هناك، وأيضاً المضايقات التي عاشها من طرف الصهيونية- الأمريكية؟”، قائلاً: “بالنسبة إلى إدوارد سعيد، هو أدرك كيف يوفق بين هويته الفلسطينية والأمريكية أيضاً؛ فعلى مستوى التصنيف، نقول إدوارد سعيد هو الأكاديمي الأمريكي ثم نقول المفكر أو الكاتب الفلسطيني؛ فهو جمع بين هذين، عرف كيف يوفق. ثانياً بالنسبة إلى إدوارد سعيد حتى وإن كان محسوباً على المجلس الوطني الفلسطيني ابتداء من 1977 إلى 1991، عندما قدم استقالته ما كان يشفع له أو يشهد له هو أنه كان يترافع عن القضية الفلسطينية طوعاً، لم يكن محسوباً على أي تيار أو ما شابه ذلك.. هذا ساعده في أن يقنع الآخرين؛ ولكن مع ذلك أزعج في الأطراف المعنية هناك كما قلت؛ سواء في الجامعة أو في نيويورك، لما نتكلم عن نيويورك فنيويورك هي أكبر تجمع للوبي الصهيوني، آنذاك، وكان يدرس مع هؤلاء، وبالتالي أدرك كيف، لا أقول كيف يساير أو يناور؛ ولكن دائماً ظل محافظاً، طبعاً الرجل كان له امتداد عالمي، وطبعاً احنا لما نتكلم عن أمريكا، أمريكا ليست بالطريقة التي نتصورها، هناك مَن ينتقد أيضاً وهو تشومسكي، انتقده هو الآخر بقسوة في طبعاً المسألة؛ كانت فيها مضايقات بلغت إلى حد إحراق مكتبه، بلغت تصفية أسماء أخرى فلسطينية في نيويورك أيضاً؛ ولكن بالنسبة إلى إدوارد سعيد أنه كان له امتداد عالمي، فكان يكتب في (نيويورك تايمز)، كان يكتب خارج أمريكا في (اللوموند)، ونتكلم عن (اللوموند)، مسألة كبرى. إذن الرجل كان له هذا الصيت الكبير جداً، وبالتالي من الصعب جداً يعنى مواجهته بطريقة مباشرة أو غير ذلك من الأشياء”.

بروفيسور الإرهاب

 وأضاف الأكاديمي المغربي: “هذا نقطة، وطبعاً الصفة المعروفة هي فيلسوف أو بروفيسور الإرهاب، التي ظلت ملازمة له في جميع الأحوال، وقد برع في تفكيك هذه المسألة لمّا نلاحظ؛ نلاحظ هو أنه حتى ببرامج تلفازية في (سي إن إن) يمنحونه أحياناً دقيقة يتكلم عن الإرهاب، فيتكلم، يلخص الأشياء، وفي كتابه الاستشراق فكَّك واستطاع أن يعمل على تقشير هذا الربط الجزافي بين الإسلام والإرهاب، ويسمى هو يعني هذا الإرهاب المزعوم، ويركز، وطبعاً هو الآخر دافع عن صعود (حماس) فقط, طبعاً إدوارد سعيد لم يكتب له أن يرى (حماس) وهي تصعد إلى السلطة، وكذا إلى غير ذلك. وفي أحد كتبه أنه على صور الغلاف كان شعار لـ(حماس)، ولكن كيف هو وجه أن إدوارد سعيد قال أنا مع كل مَن هو ضد الظلم؛ ولكن في نفس الوقت، وهذه نقطة مهمة بالنسبة إلى إدوارد سعيد، هو أنه كان ضد الأصولية، سواء الأصولية الدينية أو الأصولية الثقافية أو الأصولية القومية، وكان على مستوى الأصولية الدينية هو أنه ضد الأصولية؛ سواء الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية”.

استشراق إدوارد سعيد والحق في فلسطين

وأجاب د.يحيى بن الوليد عن سؤال “ألا ترى أن استشراق إدوارد سعيد يجب أن تعاد طباعته اليوم، وتعاد قراءته اليوم؟ ولعله سيكون نافعاً لنا كأداة صد لهذه الخطابات وهذه السرديات التي تتكالب على الحق في فلسطين؟”: “بالنسبة إلى هذا الموضوع وعلى ذكر كتابي (الوعي المحلق إدوارد سعيد وحال العرب)، هو كتاب طبع سنة 2010، وطبع أيضاً طبعة ثانية خارج مصر في الأردن، وقيل لي إنه بيع.. طبعاً أنا لا أمجد نفسي على اعتبار كتابي متواضعاً؛ ولكن تم توزيعه على نطاق واسع، بخاصة في الأردن، وطبع في مصر طبعة شعبية في مكتبة الأسرة، نتكلم عن مكتبة الأسرة، طبعة شعبية تطبع نسخاً كثيرة جداً.. إذن هذا الموضوع، دار الخطوط، هي الطبعة الثالثة، والكتاب هو في أفق عربية بالنسبة إلى الطبعة الثالثة. ليش أنا ذكرت الطبعة الثالثة؟ هو أنه في الفصل الأخير أضفت له بحثاً سميته (إدوارد سعيد والربيع العربي)، في هذا البحث أفصل في هذا الموضوع؛ يعني مع أول شرارة للربيع العربي، طُرح سؤال (أين إدوارد سعيد؟)، وأحصيت ما يزيد على خمسين مقالاً في ظرف وجيز، كلها تتحدث عن إدوارد سعيد، وعن براعة إدوارد سعيد، وكيف كان سيلتقط هذا المشهد؟ وكيف بالتالي صوره الغرب؟ والغرب الذي دعم هذه الديكتاتوريات، والغرب الذي شكل العالم الثالث وتخلى عنه وتركه، كما قُلت، للحكام الذين انقلب عليهم”.

أمريكا تقود العالم إلى تبرير ما لا يُبرر في فلسطين

وقال الأكاديمي المغربي بشأن أن “أمريكا الآن تقود العالم إلى تبرير ما لا يُبرر في فلسطين، ولماذا الحاجة إلى إدوارد سعيد اليوم؟”: “هذا سؤال رائع ربما قد يخرج بنا عن الإطار الأكاديمي؛ ولكن قبل أن أجيب، هو أنه فعلاً أن هذه فكرة أو خاصية يمتاز بها إدوارد سعيد في الوقت نفسه؛ ينبغى أيضاً أن ننتقد هذه الحاجة إلى إدوارد سعيد. لا بد من أن تكون مسافة في نظري، وبالتالي هذا لا يغيِّب مفكرين آخرين؛ سواء من الأموات أو من الأحياء، نتكلم عن جابري، نتكلم عن العروي، نتكلم عن أسماء أخرى كثيرة جداً تفيد، وهذا ما اشتغلت عليه في الكتاب (كتاب إلى المثقفين العرب.. واحة الفصل)، يعنى كيف هذه الحاجة إلى مفكرين كثيري الكتلة التاريخية بالنسبة إلى الجابري، لأن الجابري أكثر ارتباطاً بالواقع العربي، هاشم صالح أيضاً، علي حرب.. أسماء كثيرة جداً. هذا ما نتحدث عن إدوارد سعيد، يعني هذا لا يعني أن نغيب؛ ولكن فقط بالنسبة إلى إدوارد سعيد، لماذا هذه الحاجة؟ لأن إدوارد سعيد كان مثقفاً عالمياً. هنا ربما قد أتفق معك، ما يحز في النفس هو الآن مثلاً ليس فقط بالنسبة إلى أمريكا، فأمريكا الآن ما يقع في غزة هو بصفة عامة صناعة حربية أمريكية.. في آخر المطاف، ما يلفت الانتباه أكثر هو المسألة ديال فرنسا، هذا التحول الذي حصل، لا أقول تحولاً فقط في الموقف الرسمي، وإنما حتى على مستوى يعني ما يُسمى بفلاسفة اليوم في فرنسا، وكما نلاحظ يعني أن العمق الفرنسي مع سارتر، مع جون جيلين، مع ميشيل فوكو؛ الناس تخرج إلى الشارع، تغيرت المعادلة، وبالتالي صارت هذه السردية، صارت سردية الغربية، والسردية تزداد توسعاً تجاه ما يحصل ربما في فلسطين؛ ولذلك هنا تبدو الحاجة إلى إدوارد سعيد، وتبدو الحاجة أيضاً إلى مدى قدرة إدوارد سعيد لما نقرأ كتابه، وطبعاً هذا موضوع صعب جداً. كنا نتكلم عن فرنسا أيضاً، هو إدوارد سعيد لمّا يتكلم لا يتكلم بطريقة سياسية مباشرة، هذا هو خطورة إدوارد سعيد، لما يتكلم عن فلسطين هنا هو أنه يحكي مسألة السرد، الحكاية الفلسطينية، كيف نتكلم عن فلسطين. أنا أظن أن إدوارد سعيد كان يحرج من هذا الاتجاه، حتى كتابه (المسألة الفلسطينية) هو لا يتكلم عن فلسطين كجغرافيا، لأ؛ يتكلم، وإنما يتكلم عن فلسطين كفكرة، يتكلم عن فلسطين كحكاية، وكيف أن الفلسطيني في حاجة إلى هذه الحكاية؛ لكي يسردها من جديد، ولكي يكررها طبعاً؛ التكرار الإيجابي، ولكي يعكس وجهة النظر الضحية أيضاً، ولكي يقدم تاريخاً بديلاً للأشياء أيضاً..”.

إدوارد سعيد يجعل اسم فلسطين بارزاً في الغرب

وتابع د.يحيى بن الوليد: “ولكن هنا إدوارد سعيد، هنا خطورته أيضاً؛ هو أنه كما قُلت إنه لا ينتقد أو يضع الأشياء بأكملها في سلة واحدة على مستوى اليهود، فهو يقول بالتعايش بين اليهود أيضاً، يقول بالدولة، ثنائية القومية، أيضاً هي الفكرة، أيضاً بالنسبة إلى محمود درويش أيضاً، خطورة إدوارد سعيد أيضاً في هذه المسألة هو أنه لمّا يتكلم عن فلسطين أو أشياء أخرى، ربما نخرج هذا الموضوع؛ ولكن فقط لا ينبغي أن نختزل الأشياء فقط في المقاومة، وهذه المسألة كانت واردة عند محمود درويش أيضاً أن الشعر لا يمكنه أن يواجه الحرب بالنسبة إلى درويش، رواية درويش؛ لأن الشعر قوته في الكلمات بالبلاغة، وبالنسبة إلى إدوارد سعيد أيضاً هو سرديات الحكاية الفلسطينية. هذا هو كتاب الصراع الثقافي الكبير على الرواية. هنا كان تأثير إدوارد سعيد في ما يُسمى بالمؤرخين الجدد في إسرائيل، والذين احتضنهم أيضاً محمود درويش في مجلة (الكرمل)، والذين أيضاً قدم لبعض كتبهم لإدوارد سعيد اختراق إسرائيل القديمة أو الكبرى، على حسب اختلاف الترجمات حول إسقاط التاريخ الفلسطيني. كيف قدمه ببراعة؟ وطبعاً هؤلاء المؤرخين الجدد كانوا قد أزعجوا الإسرائيليين؛ لأنهم انحدروا من المؤسسة الأكاديمية، ولكن للأسف صعود (حماس) خلخل هذه الموازنة، ثم أيضاً كما قُلت بالنسبة إلى الرد على ما يحصل في فلسطين، هو أن هذه القوة، قوة إدوارد سعيد، أنه يستطيع أن ينفذ إلى عمق الأشياء، كيف تتعامل مع  مجتمع يميل إلى اليمين؟ مجتمع يميل إلى الانغلاق؟ مجتمع لا يؤمن بالحوار أو بالتفاوض؟

من هنا ربما كان محمود درويش واضح الانتفاضة.. أولاً بعد الحوار، إدوارد سعيد لقي المسألة مغايرة بعض الشيء؛ ولكن هو الآخر رفض الحوار، رفض كل الأشياء، وقدم استقالته كما هو معروف، وكتب مقالات نارية في انتقاد السلطة الفلسطينية؛ لدرجة أنه شبههم بالمافيا، وقال حكومة فاشية، وكتب مقالاً واضحاً؛ غزة أريحا السلام الأمريكي.. في هذه الأشياء، حتى بالنسبة أيضاً إلى إدوارد سعيد هنا ما خشي يكون تبايناً كما قُلت؛ لأنه في آخر المطاف هنا كان النقد الذي جبه به إدوارد سعيد، هو أن السياسة أيضاً فيها تكتيك، فيها إكراهات يومية، وهذا ربما ما أُخذ أيضاً على إدوارد سعيد من طرف ياسر عرفات.. وإلى غير ذلك، فقيل له يمكن أن تفهم في شكسبير، لكن أن تفهم في الانتفاضة أو في اليومي أو في التكتيك أو في هذه الأشياء، ولكن مع ذلك في نظري، يبقى إدوارد سعيد هرماً؛ أنه صحيح هناك مَن يقول يعيش في المنفى في مانهاتن.. إلى غير ذلك، وليتأنقوا أناقة هذيك كما قال محمود درويش في القصيدة؛ ولكن مع ذلك الرجل خاطر بحياته، واستطاع أن يجعل اسم فلسطين اسماً بارزاً في الغرب، وهذا الغرب اللي هو غرب متصهين في آخر المطاف، لا أقول جميع الغرب، وإنما نحن لاحظنا لمّا كنا في فرنسا لمّا كتب روجيه جارودي ذلك الكتاب، حول الأساطير المؤسسة؛ كانت مشكلة، أوقفوه في المحكمة عن عمر يناهز 84 سنة، وكانت المفارقة أن إدوارد سعيد انتقد روجيه جارودي. هذا الموقف اعتبر موقفه، يكاد يسير في الأصولية، في هذا الاتجاه المعين. طيب هنا، كما قُلت الخطورة، أن إدوارد سعيد هو مثقف طباقي مركب، إدوارد سعيد لا يمكن أن يسير في اتجاه واحد، فهو يتعاطف مع تيودور أدورنو، يتعاطف مع اليهود؛ يعتبرهم ضحية الضحايا، طبعاً في مواقف محددة ليست يعني المواقف ما معينة”.

الماركسيون العرب يتصدون لإدوارد سعيد

وقال د.يحيى بن الوليد، بشأن “ما معنى أن يتصدى الماركسيون العرب لإدوارد سعيد؟”: “هناك مستويان في نظري بالنسبة إلى ماركس؛ هو أولاً كما يُقال لحد الآن، كما يناقش، كيف نقرأ ماركس؟ هناك القراءة الأمريكية، تختلف لماركس عن القراءات الأخرى. في نظري هذه مسألة أخرى، وإدوارد سعيد تحضر من هذا الإطار كمسألة أخرى؛ هو أنه بالنسبة إلى الاستعمار هو أنه كان مرحلة ضرورية بالنسبة إلى ماركس، باش تمر من نمط إلى نمط آخر. وقت العروي كما نتكلم عن العروي، العروي رغم أنه يتكلم عن الاستعمار، كان يقول لك (ماذا لو لم يكن الاستعمار في المغرب؟ لكان المغرب مثله مثل اليابان أو إلى غير ذلك)، لا فالاستعمار في آخر المطاف خلق أشياء كثيرة، الجسور، مفهوم المدينة، مفهوم الهندسة.. أشياء كثيرة وراء الاستعمار، ما كانش الاستعمار فقط أنه جاء لتخريب الناس.. (مقالات ماركس تتحدث هكذا بأنه الاستعمار البريطاني في الهند ينجز مهمة لصالح التاريخ ولصالح التمدين ولصالح التغيير)؛ كان طبعا لهذا الاستعمار.. لم يكن يخلو أيضاً، هنا كيف يجمع إدوارد سعيد ما بين الأيديولوجية القادرة والإمبريالية؟ كيف ما كان يتكلم؟ إذن هذا في هذا الموقف وحَّد المستوى أيضاً، غير أي واحد، فساعدنا نتوقعه ذات يوم، وقت نقولش طموح فرنسا عن الاستعمار.. إلى غير ذلك. وبالنسبة إلى الفرنسي أن تناقش معه المغرب، تعرض للاستعمار، تأتيه مسألة غريبة، قال لي فرنسا بدورها تعرضت إلى الاستعمار آنذاك، في تلك الفترة كان الاستعمار تياراً عالمياً، كانت حدود سنة 1930، 85 في المئة من اليابسة كلها كانت تابعة للاستعمار، كان الاستعمار، آنذاك، ظاهرة في هذه اللحظة. ما يمكنش طيب مثل نتكلموا عن أمريكا، أمريكا منطق الحرب داخل في الحضارة. هناك كتاب الحرب تلد أخرى، الحرب إحنا نشوفوها أحد طرق النهب؛ ولكن هي بالنسبة إلى الاستراتيجية ديال هاد الإمبراطوريات المتواصلة العظمى، كانت تضع الحرب عنصر تكوين في التصرف ديال الأشياء المعينة”.

أمريكا متشبثة بالحلف الأطلسي.. غزة مثالاً

وقال الأكاديمي المغربي بشأن أنه “على كل حال أمريكا مصرة ومتشبثة بالحلف الأطلسي، وبه عملياً تصادر حتى المبادرة الأوروبية، وترهنها إلى يومنا هذا، رغم اختفاء مبررات ذلك الحلف، وبالتالي كما قُلت هي مسألة استراتيجية”: “هذا ما حصل في غزة الآن، تلاحظ لأول مرة بلدان فرنسا، لا نتكلم على مستوى الموقف الرسمي، كانت ممكن تكون الأمور؛ لكن ليس بهذه الطريقة بعد.. إلى غير ذلك من الأشياء، ولكن كما أشرت هذا بحال الشرط، هذه الحاجة إلى إدوارد سعيد، أنه يستطيع أن يفكك هذه السردية كما أشرت إليه بالنسبة إلى الماركسيين العرب، هو أن إدوارد سعيد، هذه نقطة أخرى؛ هو أنه كان يسخر منهم مثلاً صادق جلال العظم، كيف يسخر منه إدوارد، لا أقول بهذه الطريقة؛ ولكن هو أن إدوارد سعيد كان يتصور دائماً أنه ينبغي مخاطبة أمريكا، وينبغي إتقان اللغة الأمريكية، وطبعاً إدوارد سعيد هو الذي صاغ بيان تأسيس الدولة الفلسطينية سنة 1988 كمسألة أخرى، هو أنه بالنسبة إليه صادق جلال العظم، هو إدوارد سعيد.. هناك بعض العرب يشير إلى موت ماركس.. إلى غير ذلك، يأتون إلى بلدانهم ويعودون إلى أمريكا؛ لكي يدرسوا لصغار الأمريكيين، ويقصد صادق جلال العظم في هذه المسألة؛ هو بالنسبة إليه كماكس روبينسون، وكان ينتقده بخلفية ماركسية. إذن كما أشرت هذه هي بالنسبة إلى هذا الخيط اللي كما يمكن أن نقول لماركس، وطبعاً تكلموا على ماركس كيف ما قال جاك دريديه، في يعني لا مستقبل دون ماركس، كما يمكن أن نقول الآن بالنسبة إلى العالم العربي هو أن إدوارد سعيد يقدم نوافذ كثيرة؛ ولكن مع ذلك إدوارد سعيد هو الآخر إحنا اتكلمنا على نوع من الصغار، إنه في تديير ديال التعقيد في الاستشراق لم يشير بتاتاً إلى الاهتمام العربي بالاستشراق. وطبعاً هذه مسألة واردة؛ أن استشراق إدوارد سعيد أثر خارج العالم العربي وخارج الشرق الأوسط.. كيف ما قال إدوارد سعيد هذه التسمية، أثَّر في الهند كما أشرت، في جنوب شرق آسيا، أثر في مناطق أخرى كثيرة جداً، ويعني كان مفروض يكون فيه تأثير أكثر في البلد اللي تحضر منه”.

Leave a comment

0.0/5