تتنازع الضمير الأخلاقي العالمي مدرستان في الفلسفة الأخلاقية: تقوم الأولى على الاعتصام بأخلاقيات الروح أو الاقتناع الوجداني الذاتي، وترتكز الثانية على أخلاقيات المسؤولية والحس التدبيري الواقعي العملي.
أما المثال على هذا التنازع فيتجلَّى كلما انبثقت دعوةٌ روحيّةٌ أخلاقيّةٌ تحثّ الناسَ على التخلُّق بأخلاق التضامن والأخوة ونصرة المضطهدين، وإسعاف المعوزين، وإيواء المنبوذين. من الدعوات الروحية هذه دعوةُ بابا الكنيسة الكاثوليكية فرانسيس الذي كلما زار بلداً أوروبياً، استحثّ الناسَ على الاعتصام بأخلاق الإنجيل، واستنهضهم إلى الاضطلاع بمسؤولية إسعاف المهاجرين واستقبالهم وتمكينهم من الانتماء الهني إلى المجتمعات الجديدة. لا ريب في أن مثل هذه الدعوة تنطوي على معاني الرفعة الإنسانية وقيَم التسامي التي تؤيِّدها جميعُ الأديان والحضارات. غير أن واقع الأمور يختلف اختلافاً خطيراً يجعل مثلَ هذه الدعوة عرضةً للتأويلات الرديئة التشويهية. لذلك لا بد من النظر المتأنِّي في خلفية النداء البابوي الإنساني الكريم هذا.
منذ الاجتهادات النظرية التي أفرج عنها عالمُ الاجتماع والاقتصاد الألمانيُّ ماكس ڤيبر (1864-1920)، وعالمُ اللاهوت والاجتماع الفيلسوفُ الألمانيُّ إرنست ترولتش (1865-1923)، وعالمُ الاجتماع الفيلسوفُ الألمانيُّ ماكس شيلر (1874-1928)، شاع التمييزُ الحصيفُ بين أخلاق الروح أو الاقتناع أو الاعتقاد أو الرسالة (Gesinnungsethik)، وأخلاق المسؤولية أو أخلاق الحسّ الواقعيّ أو أخلاق التمكُّن والتدبير الإداري (Verantwortungsethik). تعتني أخلاق الروح بصوغ المبادئ المثالية التي ينبغي أن يقتدي بها الناسُ في مجتمعاتهم حتى تستقيم المعية الإنسانية الراقية، في حين تتبصَّر أخلاق المسؤولية في الإمكانات الإدارية المتاحة والسبُل العملية الواقعية التي تجعل المثالَ الأخلاقي يتجسَّد في حياة الناس، من غير أن يعطل التسويات الحكيمة والترتيبات الدقيقة التي فرضتها أحوالُ التاريخ، وذهنيّاتُ الجماعات، وطبائعُ المؤسسات، ومسلكيَّاتُ الأفراد، ومصالحُ الدوَل.أعود إلى دعوة البابا فرانسيس التي تنسلك حتماً في سياق أخلاق الروح، لأبيِّن أن ما انطوى فيها من حكمةٍ دهريّةٍ يتجاوز عبارات الاستنهاض الإنساني الروحي الرفيع. ثمّة حقائقُ ثلاث انحجبت عمداً في خطاب البابا. أبدأ بالحقيقة البديهية الأولى التي تتعلَّق بحرص الكنيسة على انغراس الناس في أوطانهم وبيئاتهم ومجتمعاتهم. لا يُعقل أن يحرِّض البابا الناسَ على الاقتلاع الجماعيّ الذاتيّ، والهجرة الكثيفة العشوائية، والتغرُّب المضطرب والارتحال عن الأرض. ومن ثمَّ، ينبغي التمييز بين التواصل الكوني الطوعي الإغنائي، والتهجير القسري الظالم. حين يدعو البابا المجتمعات الغربية إلى استقبال المهاجرين، فإنه يحرِّض الجميع على تدبُّر معاني التمييز الجوهري هذا. تدلُّنا الحقيقة الثانية المكتومة على ضرورة المشاركة العالمية في معالجة جذور مشكلة الهجرة التي تصيب أوطان العالم الثالث. لا يخفى على أحدٍ أن معظم المهاجرين يأتون الغربَ طلباً للكرامة الإنسانية، والسلام الحياتي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الذاتية. أما الأسباب التي تمنع هذه الأوطان من التمتُّع بمنجزات الحداثة هذه، فيَعرفها الجميع ويدركون أسبابها الظاهرة والخفية. لن أستفيض في شرحها، بل أكتفي بالإصرار على الجدلية المعقَّدة الناشبة بين العوامل الداخلية التخلفية، والعوامل الخارجية الاستعمارية. المبحث في هذا السياق خطيرٌ يوشك أن ينزلق بنا في متاهات التنظير العرقي. لذلك لا بد من التأنِّي والبحث الرصين عن مجموعتَين من الأسباب: عوامل الاستبداد والفقر والجهل في بعض المجتمعات، ومسوغات الدِّموقراطيا الناشطة داخل أسوار المجتمعات الغربية وعناصر الغنى والتنمية والعلم الناشطة فيها.
بمعزلٍ عن أحقية هذا التحليل أو ذاك، أعتقد أن المطلوب اليوم الكفُّ عن مساندة الاستبداد في الأوطان الفقيرة المظلومة المضطربة حتى تستطيع أن تختار السبيلَ الذي يلائم ذهنيّتَها. لا بد أيضاً من تدبير الاستثمارات الضخمة التي تستثيرها الموارد الطبيعية فائقة الوصف التي تزخر بها هذه البلدان، ولكن من غير أن تجري الهيمنة عليها بالتضليل الأيديولوجي. أما إذا اختارت بعض هذه المجتمعات أن تناصر التصورات الأيديولوجية الإقصائية العنفية، فيجب الالتئامُ في محفل الأمم للنظر في أساليب الردع التي تصون كرامة الإنسان الفرد وتحفظ أسباب الحياة الكريمة في حدِّها الأدنى. لا أعتقد أن الناس يريدون أن يحيوا في الذل والمهانة. جلُّ ما في الأمر أنهم يخضعون لاستغلال الطبقات الحاكمة المستبدة التي يجب خلعها من الداخل، أي بقوة الاعتراض الشعبي الذاتي. أما الحقيقة الثالثة المكتومة في خطاب البابا فتُبيِّن لنا أن الهجرة، حين تحصل طوعيّاً، أي حين تتحوَّل إلى تواصلٍ حرٍّ بين الشعوب فيتغيَّر اسمُها ومدلولُها، ينبغي أن تحرص على صون الهوية الثقافية في الذات المرتحِلة والذات المضيفة. بيد أن صون الهوية لا يعني الانغلاق التشنُّجي والتصلُّب العقائدي والتشبُّث الأعمى بما انطوت عليه ثقافاتُنا من تصوّراتٍ، وأحكامٍ وتقاليدَ وأعرافٍ وموروثاتٍ ومسالكَ وطرائقَ ومناهج. ذلك بأن الهوية طاقةٌ حيّةٌ من التفاعل البيني المطّرد لا تَظهر آثارُه إلا بعد انقضاءِ قرونٍ من الاحتكاك الحضاري المغني. ومع ذلك، لا يليق بالضيف أن يَفرض على المضيف تصوّرَه الثقافيَّ في جميع ميادين المنظورية الاجتماعية والقانونية والاقتصادية والفنية، وما سواها. كذلك لا يليق بالمضيف أن ينهال على الضيف تضييقاً وإحراجاً واستنزافاً حتى يخلع جلدَه عن عظمه ويتخلَّق مُكرَهاً بأخلاق الغربة. تقتضي الحكمة الإنسية الروحية السامية أن يصبر الجميعُ على الجميع، وأن تُتاح للجميع فرَصُ التعبير عن ذاتيّاتهم الحرّة، شرطَ ألا يُفضي التعبيرُ إلى إهانة الآخرين أو أَذيَّتهم أو إقصائهم. ليس في حياة الحضارات الإنسانية أجمل من التواصل والتلاقي والتساكن. غير أن ذلك كلّه ينبغي أن يخضع لأصول المعاملات الإنسانية، وفي مقدمتها رعاية الاختلاف وتنويع الحراك في الاتّجاهَين، بحيث تصبح أوطانُ العالم الثالث، بهنائها وسلامها وأمنها ونموِّها وازدهارها، محطَّ أنظار الجميع، يتقاطرون إليها من أجل الاستمتاع بغربتها الخلاقة. ليس من الحكمة إطلاقاً أن تجري سفنُ الارتحال في اتّجاهٍ واحدٍ، إذ إن هذا المنحى يشير إلى ابتلاء البشرية بعاهات الانحراف الأخلاقي الجماعي والاختلال الكوني الفادح.
خلاصة القول في هذا كلّه أن البابا، شأنه شأن جميع المرشدين الروحيِّين الأنقياء المنفتحين في المسكونة، لن يستجلي في خطابه سوى الأبعاد الأخلاقية الاستنهاضية التي تحثّ الجميع على اعتناق مبادئ الرفعة الإنسانية الروحية. ليس البابا المسيحي من سيَذكر في الخطابات الروحية العامة أن الفقر له أسبابٌ بنيويّةٌ يجب معالجتها في جذورها العميقة. يكفينا الاطلاع على مضامين الرسائل البابوية الرسمية التي نشرتها دوائرُ الڤاتيكان تعزيزاً لتعليم الكنيسة الاجتماعي. من أبرزها رسالة البابا ليون الثالث عشر، الأمور الجديدة (Rerum Novarum) الصادرة في عام 1891، ورسالة البابا بيّوس الحادي عشر، السنة الأربعون (Quadragesimo anno) الصادرة في عام 1931، ورسالة البابا يوحنّا الثالث والعشرين، سلامٌ على الأرض (Pacem in terris) الصادرة في عام 1963، ورسالة البابا بولس السادس، ترقّي الشعوب (Populorum Progressio) الصادرة في عام 1967، ورسالة البابا يوحنّا بولس الثاني، ممارسة العمل (Laborem exercens) الصادرة في عام 1981، ورسالة البابا بنديكتُس السادس عشر، الله محبّة (Deus caritas est) الصادرة في عام 2006. جميع هذه الرسائل تعكف على تحليل أسباب الفقر والظلم في المجتمعات الإنسانية، وتقترح السبُل الأخلاقية النظرية والعلمية الواقعية التي يجب انتهاجُها من أجل تحقيق العدالة والسلام بين الناس. أمّا ميزتُها الأساسية فالجمع الحصيف بين أخلاق الاعتقاد وأخلاق المسؤولية. ذلك بأن أخلاق الاعتقاد عمياء إنْ جُرِّدت من حكمتها العملية، وأخلاق المسؤولية فارغةٌ إن انتُزِعت من سياقها المثالي المتطلِّب.
لا ريب في أن الإنسانية المعاصرة أحوج ما تكون اليوم إلى تعزيز صلات الأخوّة والتضامن والتكافل؛ حتى يتعاون الجميع ويتآزروا في حل معضلات الحياة المضطربة في الأرض. إذا نظر المرءُ في أوضاع المسكونة، تَبيَّن له أن الحروب الإفنائية التي نشهدها اليوم، ومن أفظعها حربُ الإبادة في فلسطين، ناجمةٌ عن اختلالٍ خطيرٍ في وعي الإنسان المعاصر الذي بات يفرض تصوراته الأيديولوجية القومية والدِّينية والسياسية على جميع أبناء البشر. فات الجميع أن كلَّ اضطرابٍ في صقعٍ من أصقاع الأرض إنما ينجم عن إخضاع أخلاقيات الاقتناع والمسؤولية لمصالح الذاتيات الفردية والجماعية المنتفخة المريضة. آن الأوان لكي نحرِّر الإنسان من الافتتان المرَضي بالقوة الظالمة حتى يُعيد للمثُل الأخلاقية الرفيعة مقامَ الصدارة في التاريخ.
نعرفُ الكثيرَ عن الأندلس. عن هندستِها المعمارية، وعن تاريخها الطويلِ والمليء بالصراعات، وعن مآثِرها الحربية وثورتها العلمية. وكذلك عن هندستها الهيدروليكية الاستثنائية، وعن أسماء خلفائها، وحكَّامها، وطوائفها، وأطبائها، ورجالها، وشعرائها، ومقاتليها، وفلاسفتها. هذا كلّه معروفٌ إلى حدٍّ ما. لكن، ماذا عن نسائها؟ من كنَّ؟ وما دورهن؟ وكيف كنّ يفكرن؟ وهل أسهمن حقّاً في بناء الأندلس؟ لطالما كانت سردية الأندلس ذكوريّةً بامتياز. سواء من الجانب العربي أو الإسباني.
وفي حال تضمَّنت أيّة إشارة إلى النساء، فقد كانت في غالبيتها تدور في فلك الرجال، أو في أحسن حالٍ، تقتصرُ على الطّبقات المسيطرة والحاكمة، متجاهلةً بشكلٍ كامل ثراءَ المجتمع الأندلسي، وتعقيداته، وتعدديّته. اليوم، في ظلِّ التطوّرات الاجتماعية والثقافية، ينبغي إعادة قراءة تاريخ الأندلس، أو بالأحرى إعادة بناء سرديته، على أساس الأثر أو الدور الذي لعبته النساء في نسج ثوب هذا التاريخ. ولن نستغرب، في هذا الإطار، حضور المرأة بشكلٍ مستمر في الخطاب التاريخي، الذي يتشابك، أحياناً، بشكلٍ وثيقٍ، مع الأسطورة، على مدى ثمانية قرون.
وقد لا يكون من باب الصدفة أنَّ علم التأريخ العربي الإسلامي قد ذكر، على وجه التحديد، شخصيَّتَين نسائيَّتَين لـ”فتح” تاريخ الأندلس و”إغلاقه”. أمّا عن الفتح، فقد كان عند فلوريندا، ابنة يوليان حاكم سبتة. المرأة التي لعبت دوراً مركزيّاً في سقوط مملكة القوط الغربيين في إسبانيا عام 711. تقول القصَّة إنَّ الملك القوطي الغربي رودريغو، شاهد فلوريندا تستحم في نهر تاجة (خارج طليطلة)، وبعد ذلك اغتصبها، وتركها حاملاً. ما دفع والدها يوليان، حاكم سبتة، للانتقام، طالباً مساعدة جيوش المسلمين بقيادة طارق وموسى. وفي نهاية المطاف هزيمة رودريغو وبداية التاريخ الأندلسي. لقد كانت فلوريندا – المرأة؛ سبب سقوط مملكة القوط ووقوعها في يد العرب المسلمين! وعلى غرار البداية، كانت النهاية أيضاً مرتبطةً بثريا الرومية. كما يُذكر اسمها في المصادر العربية. وهي إيزابيلا دي سوليس. المرأة التي أُخذت أسيرةً في إحدى المعارك. سُمِّيت ثريا وألحقت وصيفةً داخل قصر الحمراء. سحرت بجمالها الآسر أبا الحسن، ملك غرناطة، فتزوَّجها واصطفاها على زوجته. بعد ذلك لعبت دور البطولة في مؤامرات كبيرة؛ لإنهاء حياة أبي عبد الله وحكمه، وكانت مسؤولة عن إنهاء مملكة غرناطة ووضع نقطة النهاية على قصة تاريخ الأندلس.
هاتان الأسطورتان الأنثويتان ليستا سوى “الألفا” و”الأوميغا” في تاريخ الأندلس. أي سبب ونتيجة مسار اجتماعي غني ومعقَّد للغاية مثل المسار الأندلسي. لكنهما، لا تجسدان، في أفضل الأحوال، سوى قمة جبل الجليد الذي ظلَّ جسده الأنثوي مطموساً في ثنيات مصادر العصور الوسطى لعدة قرون؛ حيث حُجّبت نساء متنوّعات للغاية، صنعن التاريخ أيضاً، وكنّ فاعلات في جوانب الحياة المتعدّدة: الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والاقتصادية، والتجارية، والحربية، والفكرية، والعلمية، والثقافية والمعمارية.
من هنا كان لا بد من العودة إلى السرديات التاريخية الراسخة وإعادة قراءتها، والبحث فيها، وإعادة تفسيرها وكتابتها بما يتناسب مع تطوُّر المجتمعات، وتقدُّم العلوم، وانتشار التكنولوجيا. وقد كثرت في الآونة الأخيرة في إسبانيا الدراسات العلمية والتاريخية التي تعود إلى تاريخ الأندلس؛ من أجل قراءته وتفسيره بما يتناسب مع النوع الاجتماعي. وقد نستغرب عندما نقرأ في هذه الدراسات أن باحثيها وباحثاتها لا يتحدثون عن المرأة في الأندلس؛ بل عن النساء فيها. وهذا معناه أن ثمة حركات نسائية مهمة في صلب التاريخ الأندلسي، وأنَّ النساء كان لهن دورٌ بارزٌ على اختلاف الطبقات الاجتماعية التي ينتمين إليها أو المكان الريفي أو الحضري الذي عشن فيه. لفتتني في هذه الدراسات، وأهمُّها، في تقديري، كتاب “نساء الأندلس” للباحثة مانويلا مارين، مجموعة من الأفكار التي تُخرِجُ الأندلسَ من السرديات الذكورية، والتي ألخّصها كما يلي:
عند البحث في المصادر التاريخية سنلاحظ وجود حركة نسائية مهمة على مدى ثمانية قرون، ولا يمكن فهم تاريخ الأندلس دون الحضور النسائي فيها. وليست المسألة موضوعاً كميّاً. إنّه وجودٌ نوعيٌّ تجسَّد في أشكال مختلفة وأدوارٍ تأسيسية لتلك الفترة الزمنية.
ثمّة الكثير من المعلومات في المصادر الأندلسية عن النساء الحضريات من الطبقة الثرية، أكثر بكثير عن النساء في المناطق الريفية. ولا تشير المصادر التاريخية العربية أو غير العربية إليهن، إلا ما ندر.
غالبية المصادر التاريخية الأندلسية كتبها الرجال. وهذا طبيعي في المجتمعات التقليدية؛ لكنه يكشف سبب مرور النساء على مدى ثمانية قرون “كنسمة خاطفة” أو “كسبب خاص”.
نَسبت الثقافةُ السائدة في العصور الوسطى إلى المرأة دوراً منزليّاً بشكلٍ رئيسي. ولكن، يمكن الحديث عن نساء تمكَّن من كسرِ هذا المشدِّ الأبوي والاجتماعي، وعملن في حقول العلوم والثقافة في الأندلس. وقد مارسن دوراً سياسياً بارزاً، رغم استياء الرجال ومعارضتهم الأمر. مثال على ذلك، والدة هشام الثاني وزوجة الحكم الثاني، التي كان اسمها صبح، وحكمت الأندلس إلى جانب المنصور قرابة عشرين عاماً. حصل هذا الأمر أيضاً في الممالك المسيحية الشمالية، وخير مثال على ذلك الملكة كاثرين.
تميَّزت المرأة المسلمة على المرأة المسيحية في العصور الوسطى بأوروبا؛ حيث تمتَّعت بالاستقلال الاقتصادي في المجتمعات الإسلامية.
تفوَّقت المرأة الأندلسية في مجالات الشعر والفن والغناء والأدب والقانون والخط والسياسة والسلطة، رغم محاولات تحييدها وإخضاعها لسلطة الرجل.
تبيِّن هذه المُلاحظات ضرورة إعادة دراسة التاريخ الأندلسي، وإخراجه من السردية الذكورية المُسيطرة عليه. وهي سردية كتبها رجالٌ في مجتمعات، رغم تطوُّرها حضارياً وثقافياً، إلّا أنّها بقيت رهينة التقاليد، والأعراف، والدين، والعادات، والذكورية، والأبوية. وليس من باب الصدفة أن تُربط سردية الأندلس، بدايةً ونهاية، بخطيئة المرأة، تماماً كقصة الخلق نفسها، التي ارتبطت بخطيئة أُمِّنا حواء، التي أنزلتنا من الفردوس إلى الأرض. إنها المرأة، مرَّة أخرى، تطرد المسلمين من “الفردوس المفقود”: الأندلس. في التاريخ كما في الحياة، لا يتوقف الأمر على تصميم إرادتنا فحسب، وإنما يجب قبول مجريات ومقتضيات الحقب التاريخية. إذا كانت الحقبة الأندلسية ذكورية، وكتبت بريشة الرجال، فلماذا لا نقرأها اليوم من منظور نسوي؟