Skip to content Skip to footer

هل لا نزال قادرين على الصفح؟ | د. نبيل فازيو

اهتدى الإنسانُ إلى الدولة مُذ استقرت في وعيه فكرة تنظيم اجتماعه؛ إذ إن الدولة ليست شيئاً أكثر من تنظيم الاجتماع البشري وتهذيبه. وإن كانت فكرةُ الدولةِ قديمةَ قدمِ الاجتماع السياسي، فإن فكرة الدولة الوطنية، بخلاف ذلك، حديثةٌ؛ نشأت في المجتمعات الغربية بعد الثورة الفرنسية.

أما في مجتمعاتنا العربية، فلم تنشأ إلا بعد الحقبة الكولونيالية. في النموذجَين معاً، العربي والغربي، كان طريق الدولة الوطنية الحديثة وعراً؛ اعترضته مشكلاتٌ؛ أهمها وجود أنظمة سياسية تقليدية حكمت الاجتماع السياسي قبل نشأة الدولة الحديثة، وهي أنظمةٌ تقوم على أسس ثقافية عرقية أو لغوية أو دينية.

من هذه المشكلة، تناسلت أطروحاتٌ في الفلسفة السياسية المعاصرة، تتناول شكلَ العلاقة الأسلم الذي يمكن للدولة إبرامه مع الأنظمة تلك؛ بما هي تراث الأمة الثقافي؛ كالأطروحة القاضية بضرورة تعايش الدولة الوطنية الحديثة مع التراث ذاك، والاستفادة من دمج ما يُفيد، منه، في دساتيرها وقوانينها؛ لضمان ولاء المواطنين؛ بالنظر إلى ما للموروث الثقافي، عليهم، من سلطان.

إن كان للموروث الثقافي ما له من سلطان على أفئدة المواطنين، فللسلطان ذاك مجاله الذي لا ينبغي أن يبرحه ويتجاوزه إلى مستوى الدولة؛ الدولة الوطنية الحديثةُ نظامٌ متعارضٌ، بالضرورة، مع الأنظمة السياسية التقليدية، لا يمكن أن تتجاور مع أحد هذه الأنظمة في المجالِ، عينهِ، من دون أن يسعى الواحد منهما، أبداً، إلى تدمير الثاني؛ الصراعُ بين الأنظمة الثقافية الساعية إلى الهيمنة، وبين الدولة هو صراعٌ على السيادة. والسيادة ركن أركان الدولة الوطنية الحديثة، إن هي فرَّطت فيها وتقاسمتها مع غيرها سقطت مشروعيتها.

لا بد من استعادة الدرس الهيغيلي للتشديد على أن العلاقة بين الدولة والجماعات الثقافية، هي عينها العلاقةُ بين الإرادة الجزئية والإرادة الكلية؛ السيادة لهذه الأخيرة، حصراً، بما هي إرادةٌ تستوعب الأولى وتتجاوزها. في مجتمعاتنا العربية، تتردد الأطروحة القاضية بحاجة الدولة إلى موروثها الثقافي -العرقي أو اللغوي أو الديني- خلف السؤال عن حاجة الدولة إلى الدين. فهل تحتاج الدولة إلى الدين، حقاً؟ على من يُفكر في هذا السؤال، أن يفكر في سؤال سابق عليه، منطقياً: هل أوجد الدين الدولة؟ بعبارة أخرى، هل كانت الدولة في حاجة إلى الدين لتوجد؟

الدولة “اختراعٌ بشريٌّ”، ما أوجده الدين، بل أوجدته ضرورات الحياة التي أشار إليها أرسطو، في السياسة، والمتمثلة في حفظ النوع البشري وضمان أمنه واستقراره. نشأت الدولة، من حاجة إلى تنظيم الاجتماع البشري، وليس من فكرة دينية أو أخلاقية. ثم أتى على النظام ذاك حينٌ من الدهر، سقط، فيه، في يد جماعات جزئية -تحلَّت بزيٍّ دينيٍّ في كثيرٍ من الأحيان-، سيطرت على سلطة الدولة وأخضعتها؛ حصل هذا في التاريخ العربي والغربي -وغيرهما-.

 قام نظام الحكم في هذه المراحل، بلغة ناصيف نصار، على السيطرة وما تتضمنه من قهر وإخضاع قسري وغلبة لا على السلطة وما تُشير إليه من توافق واعتراف بين الحاكم والمحكوم؛ لكن الأدعى إلى الانتباه، أن الدولة ظلت، حتى في هذا الجزء من عمرها، ظاهرةً دنيويةً، في عمقها، وستظل كذلك على الدوام؛ إذ لا يُغيّر “إلباس الدولة ثوباً دينياً… في شيءٍ من طبيعتها… كما لا يُضيف إلى علم الفيزياء مثلاً، وصفه بأنه مسيحيٌّ، أو إسلاميٌّ، أو بوذيٌّ..” على حد تعبير الأستاذ عبد الإله بلقزيز. بناءً عليه، نشدِّد على أن تلوُّن الدولة بدينٍ معيّنٍ، عبَّر في تاريخ الدولة عن حاجة أيديولوجية، لا أكثر. ومنه نستنتج أن الأدق والأسلم، الحديث عن “أيديولوجيا دينية لنخبة حاكمة”، بدلاً من الحديث عن “دولة دينية”، ببساطةٍ؛ لأن هذه الأخيرة لم توجد، قطّ، في التاريخ.

إن كانت الدولة قد تأسست وفقاً لمنطق المصلحة، فإن المنطق، عينه، هو الذي أدَّى إلى التفكير في تصحيح مسارها، وتقويم ما لحقها من اعوجاج. من خلال السعي إلى الحدّ من سيطرة الجماعات الجزئية لصالح الدولة، بما هي الكلُّ الجامع الذي يستوعب الجزئي ويتجاوزه. ليست الدولة الوطنية الحديثة، إذن، سوى تقويم وتصحيح لمسار الدولة، بما هي نظامٌ دنيويٌّ يهدف إلى خير الجميع، لا خير فئةٍ، بعينها. وليست الديمقراطية سوى شكل الحكم الذي اهتدى إليه الفكر البشري لتصحيح المسار ذاك وتقويمه.

وإن كُنتَ غير واجدٍ على الأرض، عند العرب أو الغرب، دولة وطنية حديثة ذات نظام ديمقراطي، فلحت في تحقيق خير الجميع، وتجاوز عوائقها، جميعها، فلأن فكرة الدولة تلك، مشروعٌ لا تنجح الدول في تحقيقه إلا نسبياً.

الدولة الوطنية الحديثة، كما أشرنا آنفاً، نظامٌ سياسيٌّ يسعى إلى خدمة الجميع، من خلال قواعد تنظيم العيش المشترك بين المختلفين، تستمدّ مشروعيتها من حاجة البشر الواقعية إليها، وليس من معتقداتهم الدينية، لذلك هي علمانيةٌ، بالضرورة. تستدعي علمانيتها عدم تعريف الدولة بما هي كيانٌ جامعٌ بلونٍ دينيٍّ معين، والاعتراف، في المقابل، بأن مصدرها وضعيٌّ وأن سلطتها وضعيّةٌ وأن شرائعها غير متعاليةٍ عن الزمان والمكان، بل قوانينٌ بشريةٌ تتغير بتغير أحوال العمران.

 غير أن الدفاع عن العلمانية لا يستقيم من دون التنبيه إلى حدودها؛ فهي، كغيرها، من مبادئ الدولة الوطنية الحديثة، ذات حدودٍ، إن هي تجاوزتها قوَّضت بنيان الدولة الوطنية الحديثة بدلاً من معاضدته. وحدودها حريات الأفراد الدينية داخل المجتمع؛ لكل فردٍ الحق في أن يتديَّن ويمارس طقوسه وشرائعه، وينتمي إلى جماعة دينية، تسند معتقده. لذلك لا تدعو العلمانية المعتدلة إلى طرد الأديان ومحاربتها، كما هي الحال عند كارل ماركس. العلمانية مجرد أداة من أدوات الدولة الوطنية الحديثة، تحقق الهدف، عينه، الذي قامت من أجله الدولة: النظام؛ من خلال تنظيم الاختلاف بين الأديان والمعتقدات، وضمان حق كل واحدٍ منها في الوجود داخل المجتمع من دون أن يُقصيه الدين أو المذهب الغالب، كما حصل في مراحل مختلفة من التاريخ.

العلمانية في واحدٍ من أدقّ تعاريفها هي عقل الاختلاف الديني وتهذيبه؛ تُهذّبه بقوة القوانين التي تفرض على الجماعات الدينية أن تقبل التعايش مع غيرها من جماعات دينية مختلفة، وأن تحترم الاختلاف ذاك وتوقره. لا تزدري العلمانية الأديان؛ بل تحميها إذ تخلصها من نوازع السيطرة والهيمنة. وإنها لتنهض، في ذلك، بمهمة دقيقة وعسيرة، تجعلها عرضةً للنقد والهجوم؛ ينتقدها كل غيورٍ على الدولة الوطنية الحديثة، حين تتجاوز حدود الاعتدال، كما هي الحال في النموذج العلماني الفرنسي المتطرف. ويُهاجمها كل أيديولوجي تُغيظه سيادة الدولة الوطنية الحديثة، ويتمنى السيادة لجماعة دينية من جماعات المجتمع الثقافية الجزئية.