Skip to content Skip to footer

مِن حُجّة السُّلطَة إلى تَسَلُّط التَّأويل في استعمال الشعبوية الدينية لـ”آية السَّيف”

د. بدر الحمري

مقدمة:

كثيرة هي التحليلات التي تناولت ظاهرة الشعبوية، لكن ما يشدنا إليها كونها بلاغة سياسية واجتماعية شديدةَ الحساسية؛ بلاغةٌ تخاطب الانفعالَ العاطفي للجمهور عمومًا، وتستثمرُ في مذهبه أو قوميتهِ أو عرقهِ أو هويتهِ الدينية، واعدةً إيَّاهُ بخلاصٍ نهائي يطبِّبُ جراحاتِه الحضارية، وفتح أفق لم يسبق إليه التاريخ! وما يهمنا في هذا السياق هو الشعبوية الدينية، وصلتها المباشرة بالنص القرآني. فما المقصود بالشعبوية الدينية؟ ما هي إستراتيجيتها في الخطاب بوصفها أسلوبًا سياسيًّا دعويًّا شعبويًّا؟ وكيف تستعملُ النص القرآني من خلال أنموذج ما سمي بآية “السيف” في استثارة الجمهور، فتنتقلُ بذلك من “حجة السلطة” إلى “تسلُّط التأويل”؟ وما هي القراءة السلمية لآية “السيف” التي تمنحنا أفقًا رحيمًا في مخاطبة الغير؟

1.من الشعبوية إلى الشعبوية الدينية

على العموم، يمكن القول إنَّ الشعبوية ظهرت -على الأقل في صورتها المعاصرة- منذ ستينيات القرن الماضي في خضم النقاشات الحادَّة حول تفكيك الاستعمار وإرثه السياسي. أما اليوم، فإن الشعبوية في أوروبا ترى نفسها على أنها تصحيحٌ لمسار سياسي لم يهتم بالشعب، وهنا تشكل عداؤها السياسي للأيديولوجيات الكبرى؛ فهي تنظر إلى اللِّيبرالية مثلا على أنها تفسِح المجال أمام الأجانب على حساب الشعب، وبالتالي فإنها تقدم حلولا بعيدة عن المواطنين، تضعِفُ سيادة الشعب بدلا عن تعزيزها.

بالرغم من ذلك، فإننا نستصعب إيجاد الفوارِق بين اللِّيبيرالية والشعبوية من بلدٍ إلى آخر، كما هو الحال في التجربة الأميركية مثلا؛ فــ«كما هو معروف، يشير مصطلح “ليبرالي” في أميركا الشمالية إلى ما يشبه الاجتماعية الديمقراطية، وتوحي “الشعبوية” هناك بنسخة أكثر حِدّةً وعدم مساومة في هذه السياسة. أمّا في أوروبا، فالجمع بين الشَّعبوية والليبرالية غير ممكن أصلًا، إذا كان المقصود بالليبرالية احترام التعددية وفهم الديمقراطية بوصفها ممارسةً تستلزم آليات الضبط والتوازن، أي -بوجه عام- قيودًا على الإرادة الشعبية»[1].

 مع إضافة ملاحظات أساسية منها أنّ هذا المفهوم زاد غموضًا بعد ظهور حركات احتجاجية في الفضاء العمومي مثل حركة حزب الشاي  (Tea Party) سنة 2009، وحركة “احتلوا وول ستريت (Occupy Wall Street) سنة 2011، «وقد وُصفت كلّ منهما بطرق مختلفة على أنّها شعبوية، إلى درجة أنه تم اقتراح تحالف بين قوى يمينية ويسارية تنتقد السياسة السائدة، يكون مصطلح الشعبوية هو القاسم المشترك المحتمل بينهما».[2] الأمر الذي زاد من تعميق التناقض حول هذا المفهوم خاصة في الانتخابات الرئاسية التي شارك فيها كل من دونالد ترامب وبرني ساندرز سنة 2016، فكلاهما شعبويان، تتغذى حملتاهما الانتخابيتان من إحباطات الشعب واستياءاتهم وغضبهم. وهنا تتكثف المفارقة النظرية: هل تعني الشعبوية العمل من أجل الشعب فعلا أم استغلال عواطف الشعب من أجل مآرب سياسوية؟ وفي كلتا الحالتين هل تسهم الشعبوية في تقوية البناء الديمقراطي للدولة، أم تضعفه عبر اختزال الفعل السياسي في الانفعال بدل المشاركة والتداول؟

يلاحظ جان فيرر مولر ( Jan-Werner Müller) أن الشعبوية تمتلك منطقا داخليًا غير مفيد للديمقراطية، لأنها مدفوعة بالنخب بشكل مفرط، فالأغلبية الصامتة يمكنُ أن تستدرج بخطاب شعبوي يسهم في تخريب دولة الحق والقانون، لأن التملق السياسي ضار بأسسها، فغالبًا ما نصطدم بواقع يفيد بأن منطق الدولة الديمقراطية صلب، أما الشعبوية فسهلة، وجماهيرُها تعيش إسهالا سِياسِيًا لا يمكن إيقافهُ؛ ففهم احتياجات الشعب لا تعني أبدًا دغدغة مشاعره، بحجة القاعدة الشعبية أو التاريخ والهوية والدين، أو استدعاء فكرة الشعب في ذاتها، وغيرها من الأسلحة الفتاكة القائمة على الوعود القصيرة، والتي لو استخدمت في الخطابات السياسوية (الديماغوجية) لقضت على البناء الديمقراطي تمامًا. فهل تقف الشعبوية ضد جودة السياسات التي تفشل في الاحتكام إلى المنطق بدَل العواطف؟ وهل ينطبق ذلك على الشعبوية الدينية عند الجماعات الإسلاموية التي تنتج سيولة سياسوية هائجة لا تلقي بالًا للسلام أو الاستقرار اليوم؟

للإجابة عمَّا سبق، لا بدّ أولا من تسجيل الملاحظة الآتية: الشعبوي الديني خطيب ذكيّ، يتميز بالدهاء الدبلوماسي، يحصد كل شيء ويزرع كل شيء في الآن نفسه، لأنه خطيب مفوّه، تمرّس على البلاغة في الخطاب، يُغذي الأمل ويعِدُ بتحقيق الأحلام والوعود، وفي مواقف كثيرة نجده يزرع الخوف[3] من الآخر المختلف، حتى تسهلُ عليه عمليات التَسلُّط الرمزي على المخاطبين، واستدرارُ مزيد من التعاطف الغاضب، لذلك تجد أفكاره واسعة الانتشار، سهلة الاختراق، قريبة من “الشَّعب”، خاصة من الفئات الأكثر تدينًا، لأنها أفكار تقدّمُ بكلمات بسيطة وشعبية ووجدانية. وهكذا نجِدُها تتوسَّل السَّرد الشَّفوي، والخيال الخطابي والاستثارة الهُويّاتية، حتى تكون قريبة من الشعب.

 يتلاعبُ الشَّعبوي الدِّيني بالكلام في مساحات الغُموض، ونقط الالتقاء مع الأيديولوجيات المخالفة له؛ فهو عندما يدافع عن الحرية مثلا، يدافع عنها بمنطقه الشعبوي الليبرالي المزيف، وعندما يتعاطف مع الضعفاء والعمال والمقهورين يظهر وكأنه اشتراكي شيوعي تقليدي، وعندما يستحضر التاريخ المجيد أو البطولات المنسية يفعَل ذلك وكأنه قائد أصيل قد بُعث من جديد، وعندما يدافع عن الأمهات والجدّات بوصفهما ضحايا “العولمة” و”الحداثة” و”التكنولوجيا المعاصرة”، يفعل ذلك وكأنه واحد من المظلومين الافتراضيين الذين سحقتهم أنظمة “الذكاء الاصطناعي الإمبريالي”. والحال أنه لا يفعلُ ذلك لقناعات أيديولوجية محددة، بل لأنه شعبوي يريد المزيد من المتعاطفين معه، والمزيد من المنخرطين في ناديه، أي المزيد من الضحايا. وحتى يوسِّع من فرص نجاح خطابه ينزل بشلالات من “الاستدلالات الزائفة” على هؤلاء الضَّحايا؛ كأن يصرخ بأن جميع مشاكلنا سببها الآخر، وأننا نعيش مؤامرة كونية على هويتنا وأمّتنا وديننا وخُبزنا وأرضنا، والحال أنّ جميع مشاكلنا الإنسانية في الخطاب الشعبوي تبدو فارغة من كل محتوى؛ لأنها لا تفصح عن حقيقتها التاريخية أو الاقتصادية أو الثقافية أو التربوية إلاّ باسم المؤامرة، حتى عُدّت المؤامرة هي المغذي الرسمي للخطابات الشعبوية.

 ورغم ما يمكنُ أن تقدمه من حلول عقلانية لتلك المشكلات، فإنّ الخطابات القائمة على الانتماء إلى الدِّين أو العقيدة أو الأمة أو الوطن أو الأصل أو اللون – أو أي -إطار آخر يدغدغ مشاعر الجمهور- غالباً ما تخنق إمكانات الحلول المنطقية الحضاريةِ، لأن الشَّعبوي لا يستخدمها إلاّ بوصفها إستراتيجيات تضليلية وذخيرة حية للاستمالة، لذلك غابًا ما يظهر الشعبوي الديني بوصفه واحدًا من خُبراء الحجج المزيفة، أو كما يسميهم باسكال بونيفاس «خبراء الكذب»[4]؛ يبتعدون عن تطبيق المنطق الحجاجي السليم من إستراتيجيتهم في إقناع الجمهور، لصالح التَّمويه والخداع والتضليل.

بناء على ما سبق، اخترنا في هذا السياق وصف هذا النمط بـ«الشعبوية الحجاجية» وهو مفهوم يشير إلى كل خِطاب سياسي شعبوي يقومُ على الاستدلالات الزائفة، والمغالطات المنطقية، والتعبئة العاطفية، بدل المنطق الذي يقوم على البرهنة العقلية والحجة السليمة.

 وهكذا تفتعلُ الشعبوية الدينية العداء لمسار البناء الحضاري، وتتمدّدُ جغرافيًا داخل سياسات متعددة حول العالم، حتى لتبدو ظاهرة اجتماعية متناقضة أو مُتباينة في تمظهراتها بين التيارات السياسية لتلك البلدان؛ فالشعبوية الدينية في إفريقيا والمشرق العربي، ليست هي ذاتها في آسيا أو أمريكا اللاتينية أو أمريكا الشمالية مثلا؛ غير أنّ المشترك الجوهري بينها هو توظيف توصيفاتٍ دينية ممزوجة بقيم التنوير، كالمساواة والتسامح والتعايش والعدالة الاجتماعية والرخاء والأمن. إلخ. مع العلم أنّ هذه القيم -على ضروراتها الحضارية- تتحولُ في الخطابات الشعبوية الدينية إلى بلاغة مفخَّخة، إنها مجرد خطب رنّانة لا تمتّ للحقيقة وقيم الخير والسلام والحرية بصلة، بل تستثمر بوصفها “دِيكُور” بلاغيًّا لغويًّا يخدمُ شعبوية سياسوية قصيرة المدى، تنتهي مدة صلاحيتها بعد حين.

بناء على ما سبق، تشكّل البلاغة الشعبوية في الخطاب السياسي الديني خطرًا كبيرًا على الديمقراطية نفسها، وتماسك المجتمعات، وصحة المتلقين العاطفية؛ فالتلاعب التضليلي بالتدين -خاصة التدين الشعبي- يؤثر سلبًا على سياسات الحقيقة، ويشتِّتُ كل الإمكانات السِّلمية للتعايش. ولا تقف البلاغة الشعبوية الدينية عند تَفتيت المجتمعات، بل تحرض على العنف وإقصاء المختلف؛ فتضخمُها البلاغي يعزز أيديولوجيتها الأصولية العنيفة، رأينا ذلك عند تنظيم جماعة داعش مثلا، وكيف تُخاطِب الذئاب المنفردة بأشبال الدولة الإسلامية وأسودها، والمجاهدين في سبيل الله .. إلخ. والحال أنّ هذا الخطاب يقف عند حدود بلاغية متسلطة، وشعبوية دينية تفرغ الحقيقة من ماهيتها الأخلاقية. لذلك، فالشعبوية الدينية تقتنص العاطفة، وتلغي العقل الناقد لبُناها الخطابية ومآربها التَّسلطية؛ لذلك فلن تجد الشعبوية الدينية حرجًا في أن تستعمل فائضًا من الاستعارات والتمثيلات والمجازات في التواصل مع ضحاياها المفترضين، فتُحيِي في أنفسهم هُوية مُزيفة، لا تعترف بوجود الهويات الأخرى، لتبقي فقط على الهُويات التي تقسّمُ العَالم إلى محوري الشر والخير، النخب الفاسدة والنخب الطاهرة، دار الكفر ودار الإيمان.

وغالبًا ما تعملُ الشعبوية الدينية في هذا السياق على تحويل الدين إلى مشروع سياسي محتكر من طرفها، يُشرعنُ للعنف والإكراه والتسلُّط من جهة، ويؤسس لخطاب بديل عن فشل الأيديولوجيات الكبرى من جهة ثانية. فما هي الإستراتيجيات التضليلية التي توظفها الشعبوية الدينية في خطابها من أجل التَّسلُّط على الجُمهور ومُغالطتهم؟

2.العــقــــــل والاجتهاد الديني

بدايةً، نسلّم بأنّ العقل البشري لم يكتمل بعدُ، وربما لا سبيل إلى تحقق اكتماله في الأفق الإنساني الممكن. وهذه المسلّمة على ما تنطوي عليه من مفارقة بديعة في ذاتها، تمثّلُ وجهًا من وجوه الحكمة الوجودية في بنية العقل الإنساني ذاته؛ إذ في نقصانه حماية له من شرور اكتماله، وإلاّ فالعقل الذي يبلغ غاية كماله المنطقي أو الأداتي، يغدو مهدَّداً بالتحوّل إلى قوّة مغلقة على ذاتها، متوحِّشة، فاقدة لتوازنها القيمي والإنساني.

هذه المفارقة جليّة في عصر العقلانية الحديثة، وهي ترافق مَسير التقدّم التقني في نزوعه التدميري، حيث أفضت نتائج العقل الأداتي إلى اختلال البيئة، وتدهور الصحة العامة، وتفاوت العدالة الاجتماعية، وأعادت إنتاج العنف في صور جديدة من الحروب واللامساواة! من ثَمّ، فإن عدم اكتمال العقل ليس نُقصانًا بالمعنى السّلبي، بل شرط ضروري لاستمرار إمكان المراجعة والنقد والتصحيح، أي: لاستمرار إنسانيّته ذاتها.

وإذا كانت محدوديّة العقل البشري تَحُدّ من قدرته على إدراك الحقيقة في مجالات العلم والفكر، فإنّ الأمر لا يختلف حين يتعلّق بالفهم الدينيّ للنصّ المقدّس؛ فها هنا تنكشف نسبيّة الفهم البشريّ أمام إطلاق الحقيقة الإلهيّة أيضًا. من ثَمّ فقراءتنا للقرآن مثلا، هي قراءةٌ بشريّةٌ لنصٍّ إلهيّ، تخضع لما يلازم الجهد الإنساني من نقصٍ مسلّم به، واحتمالِ الخطأ مصرح به. أمّا النصّ الإلهيّ نفسه، فأسمى وصفٍ يليق به هو التقديس. وهنا نسأل: هل كان المفسرون الأوائل على دراية بهذه المسلَّمة؟ وهل رؤية حقيقة الآيات كانت ممكنة وفي متناول الجميع؟ وهل فعلا النَّص القرآني كشف عن حقيقته للمفسِّرين الأوائل، فأنتجوا لنا نصوصًا “جامعة مانعة” لا يأتيها الخطأ في تفسيراتها أو الاعوجاج في تأويلاتها البتة؟ أم تم رفع هذه التفاسير للقرآن إلى مقام التقديس من دون سؤال أو تقويم أو حتى «تحيِين» يُلائم صيرورة الواقع وتقلّبات المجتمع؟  ألم تكن هناك تأويلات للنص القرآني فاسدة في حجاجها، مُغالِط منطقُها، تقلِب القيم، وتروج لأخلاقيات ضيقة معتمدةً في ذلك على التضليل والتسلُّط الخطابي؟ 

3.آيةُ “السيف” بين سلطة الحجّة وتسلُّط التأويل الشّعبوي الدينيّ

لا شكّ أنّ القرآن خزّان للمعاني، يفرّق المــُـشكِل، ويُوضّح الغامض، حتى لا يتزلزل يقينٌ، ولا يضعف حقّ، ولا يتيه عقل. من هنا تتجلّى في الخطاب القرآني قوّةً حِجاجية راحِمة، وبلاغةً تُدير شؤون الحياة الإنسانيّة باليسر لا بالعسر، ومنطق تعِين آلياته على تحقيق ما نصبو إليه من تعايشٍ وتراحمٍ وتسامح، وأخلاقيّاتٍ راقية للحوار، وسائر القيم الإنسانيّة الجامعة لا المفرِّقة. وهو النَّصّ المؤسِّس للإسلام ولعالميته الممتدة عبر العصور. لكن، ألا يمكنُ أن توظف آيات القرآن في الخطابات الشعبوية الدينية من أجل التسلط على عقول المخاطبين وقمعهم بطريقة مغايرة لجوهر القرآن الرحماني، وهي التوظيفات التي نجدها في الخطابات المتدينة العنيفة المشهورة باستدلالاتها الفاسدة، مع العلم أن المقصود هنا بالحجاج الفاسد هو «الحجاج الذي يستحضر القهر والاستبداد ونفي العقل والحرية»[5]؛ فإذا كان الحجاج في الأصل موجَّهًا إلى حلّ الخلافات بطريقة حوارية عقلانية منطقية سليمة، قائمة على الإقناع لا على الإقماع، فإن الحجاج القرآني ليس أقل من تِلْكُمُ العقلانية المنطقية الحجاجية، لأن الأطر القيمية العامة التي يجب أن ينطلق منها كل تأويل لآي القرآن يجب ألّا تخالف ما جاء به القرآن نفسه، ومن ذلك الإطار القيمي الأكبر وهو الرّحمة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ [الأنبياء: 107]. وهذا عكس ما تفعله الشعبوية الدينية من محاولات إظهارها لبعض الآيات على أن الإسلام جاء بعدم الرحمة على العالمين. وهذا ما يجعل القارئ للنص القرآني يستشعر وكأن فيه تناقضًا، والحال أن التناقض في النصوص التفسيرية التي تحاول تفسيره بعيدًا عن القيم الكبرى المؤطرة له والتي تضبط فهوم العالمين لآياته العظيمة.

وهكذا، فإنّ المنطق الحجاجي القرآني قائم على رحمة العالمين وبناء حضارتهم المتماسكة، من خلال سلامة الإنسان الروحية والعقلية والنفسية والجسدية. وأي منطق تفسيري يحاول الخروج عن هذا الإطار العام، فهو منطق مغالط وحِجاج شعبوي ديني زائف بالضرورة.

فكيف تستغل الشَّعبوية الدِّينية النَّص القرآني في تزييف الاستدلالات الحِجاجية وتوهيم المخاطبين بأن هناك حقائق تاريخية لا تقبل الدحض من خلال آية “السيف”؟

 

لا غرو أنه من جملة النصوص التي درج الخطاب الشعبوي الديني على تزييف سياقاتها الاجتماعية واتخادها ذريعة للقتل نصّ آية “السيف” كما جرى تسميتها في أدبيات الفقه السلفي مثلا- التي يقول فيها الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴿التوبة: ٥﴾‏. هذه الآية تعدّ من بين الآيات التي أثير حولها جدل في الفكر الإسلامي، إذ تحوّلت من نصّ له سياقه التاريخي إلى آية ناسخة لكثير من الآيات التي دعت إلى السِّلم والسَّلام، فكانت بذلك حُجَّة تأويلية فاسدة لها سلطتها على العقل الإسلامي، يمكنُ أن نطلقَ عليها في المنطق غير الصوري Informal logic حُجة السُّلطة Argument from Authority التي تنتمي إلى مذهب السُّلطة  authoritarianism بعدّها أحد أنواع المغالطات المنطقية التي «يقع فيها المرء عندما يعتقدُ بصدق قضية أو فكرة لا سند لها إلاّ سلطة قائلها، قد تكون الفكرة صائبة بطبيعة الحال، وإنما تكمن المغالطة في اعتبار السلطة بديلا عن البيّنة، أو اتخاذها بيِّنة من دون البيِّنة»[6]، من ثَمّ لا بأس من أن نحتكم إلى رأي المتخصصين، لأننا غالبًا ما نلجأ إلى ذلك عندما تعترضنا مشكلة ما؛ كأن نسأل خبيرًا في التقنيات حول مشكلة في الهاتف. لكن الأمور لا تسير دائمًا بهذه البساطة، ولا تسلك الطريق الآمن إذا لم يكن هناك نقد وتمحيص وبيان وتبيُّن، وإلاّ فإن الارتماء في رأي «الخبراء» يمكن أن تكون له نتائج عكسية، على سبيل المثال القول بالنسخ عند كثير من الفقهاء (الخبراء) الذين فسروا الآية السابقة -آية السَّيف- فكانت حجتهم سلطة تأويلية فاسدة على العقل الإسلامي. وأمثلة ذلك على الشكل الآتي:

قال الطبري: «وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ هِيَ آيَةُ السَّيْفِ الَّتِي قَالَ فِيهَا الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: إِنَّهَا نَسَخَتْ كُلَّ عَهْدٍ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكُلَّ عَهْدٍ، وَكُلَّ مُدَّةٍ»[7].

لننظر إلى تعبيرات الحكم الفقهي وهو بصدد الاحتجاج بآية “السيف”؛ لقد فسخت آية واحدة كل عهد مع المشركين، فلم يعد هناك إلاّ القتل والدم والسيف، بعد أن تنتهي الأشهر الأربعة. ثم يتابع الطبريّ قوله محتجًا بقول العوفي وابن أبي طلحة وابن أبي حاتم عسى أن تكتملَ سلطة الخطاب وقوته الحجاجية، حيث يقول: «وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ وَلَا ذِمَّةٌ، مُنْذُ نَزَلَتْ بَرَاءَةُ وَانْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَمُدَّةُ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، مِنْ يَوْمِ أُذِّنَ بِبَرَاءَةَ إِلَى عَشْرٍ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَضَعَ السَّيْفَ فِيمَنْ عَاهَدَ إِنْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَنَقْضِ مَا كَانَ سَمَّى لَهُمْ مِنَ الْعَقْدِ وَالْمِيثَاقِ، وَأَذْهَبَ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ»[8]. بل إن خطورة تفسير هذه الآية تمتد إلى إلحاق الطبري كلام من سبق بكلام علي بنُ أبي طالب، حيث قال الطبري في هذا السياق: «وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ موسى الأنصاري قال: قال سفيان قال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَرْبَعَةِ أَسْيَافٍ: سَيْفٍ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَب قَالَ اللَّهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [وَخُذُوهُمْ]﴾»[9]. وبهذا نكون قد انتقلنا من توظيف الآية القرآنية – آية السيف- في تمامها إلى الاستشهاد بجزء محدود منها، جرى اقتطاعه من سياقه النصي والموضوعي، ليُستثمر في تكريس دلالةٍ جزئيةٍ تدعو في ظاهرها إلى قتل المشركين. ويؤدي هذا الاقتطاع إلى انحراف الدلالة عن مقصدها الأصلي، بحيث يصبح القارئ أو المتلقي غير المتسلّح بأدوات التفكير الناقد عرضةً للتأثّر بهذا النَّزع السِّياقي وما يترتب عليه من توظيفٍ إيديولوجي للنص. ومن هذا المنطلق يمكن تفسير بعض حوادث العنف الفردي التي شهدتها بعض الدول الأوروبية، والتي ارتكبها من يُعرفون بـ«الذئاب المنفردة» كما في حادثة الدهس التي وقعت في باريس[10] وغيرها من الوقائع المشابهة.

ثم يتابع الطبري القول السابق: «هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا، وَأَظُنُّ أَنَّ السَّيْفَ الثَّانِيَ هُوَ قِتَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التَّوْبَةِ:٢٩] وَالسَّيْفُ الثَّالِثُ: قِتَالُ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ]﴾ ]التَّوْبَةِ: ٧٣، وَالتَّحْرِيمِ:٩ [وَالرَّابِعُ: قِتَالُ الْبَاغِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾] الْحُجُرَاتِ:٩[ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي آيَةِ السَّيْفِ هَذِهِ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [مُحَمَّدٍ:٤] وَقَالَ  قَتَادَةُ بِالْعَكْسِ ».[11] وهكذا ننتقلُ من قتال المشركين إلى قتال أهل الكتاب والمنافقين والباغين من المؤمنين، مع إشارة ضعيفة في كلمة واحدة جاءت في آخر التفسير تشير إلى أنّ هناك من يفسر الآية عكس ما سبق (قول قتادة).

التفسير الذي قدّمه الطبري يعتمد على حُجَّة السُّلطة، وفي ضمنها يعتمدُ على بلاغات حِجاجِية ومنطقية حتى يقنعنا بما يقول؛ ومن جملتها مثلا:

·     استحضارُ التقسيم والترتيب  (Sequential Categorization) المتمثل في الأسياف الأربعة.

·     حجة السلطة من الطبقة الثانية أو الاستشهاد المباشر بالنصوص (Textual Evidence) وهي على الشكل الآتي: (التوبة: 29، التوبة: 73، التحريم: 9، الحجرات: 9) لتقوية الحجة. مما يوحي للقارئ أو المخاطب أنّ الحجة من صميم النص الأصلي وهو القرآن، وبالتالي لا مجال للشك أو الاعتراض، ثم الاستشهاد بأقوال الفقهاء (العوفي وابن أبي طلحة وابن أبي حاتم وقتادة).

·     المقارنة والتحليل (Comparative Reasoning) يقارن بين رأي المفسرين حول النسخ وآية السيف.

كل هذه الأنواع الحجاجية التي تنتمي إلى الاستدلال الفاسد غرضها هو تحقيق التسلط على العقل الإسلامي، وإن بدت في ظاهرها حججًا بلاغية أو منطقية. الأمر الذي يفسر كيف أن النص التفسيري الطبري حضر بشكل قوي في بعض الأدبيات الحركية، بل إنّ سيد قطب، منظّر جماعة الإخوان اعتمد عليه ليخلصَ إلى نتيجة تسلُّطية مفادها: «حق الإسلام المطلق في أن ينطلق في الأرض لتحرير البشرية من العبودية للعباد، وردها إلى الله وحده، حيثما كان ذلك ممكنا له، بغض النظر عما إذا كان هناك اعتداء على أهله داخل حدودهم الإقليمية أم لم يكن.. فهو يستبعد هذا المبدأ ابتداء. وهو المبدأ الذي يقوم عليه الجهاد في الإسلام. وبدونه يفقد دين الله حقه في أن يزيل العقبات المادية من طريق الدعوة، ويفقد كذلك جديته وواقعيته في مواجهة الواقع البشري بوسائل مكافئة له في مراحل متعددة بوسائل متجددة، ويصبح عليه أن يواجه القوى المادية بالدعوة العقدية! وهو هزال لا يرضاه الله لدينه في هذه الأرض!»[12]. نرى هنا أن تأويل آية السيف قد بلغ مداه التسلُّطي مع سيد قطب بناء على التفسيرات التاريخية المتسلطة بدورها منطقيًا، حيث يرى قطب أنّ الإسلام له “حقٌ مطلق” في الانطلاق في الأرض لتحرير البشرية وإزالة العقبات المادية أمام الدعوة، وبغياب هذا الحق يفقد الدين “جديته” و”واقعيته“. مما يجعلنا نؤكدّ على الحجة التسلُّطية الاستباقية التي وصل إليها الفكر الإسلاموي الحركي مع الإخوان ومن سار على نهجهم؛ فمن تفسير آية “السيف” استنبطت الشرعية الإلهية المطلقة في قمع المتلقي، ومنعته التردد في القتل، فألزمته القَبولَ أو صنّفتهُ معاديًا، وهذا تكفير ضمني لكل مخالف.

نضيف إلى ما سبق الاستدلال الفاسد لقياس مبدأ تكافؤ الوسائل من دون أن يفصح عنها أو يحددها، والاكتفاء بالانطلاق من حق كلي مقدس بآلية استدعاء السلطة (Appeal to Authority) بصيغة دينية غير قابلة للنقاش: “حق الإسلام/ لا يرضاهُ الله” تُستخدم كحكمٍ نهائي، إلى نتائج جزئية تضرب حق سيادة الدُّول في الفراغ والعبث.

فضلا عن أنّ تلك الصيغتين “حق الإسلام/ لا يرضاهُ الله ” تندرجان ضمن الشعبوية الدينية، حيث يحتكر من خلالهما سيد قطب الكلام باسم الإسلام/ الله، واختزالهما في تأويل أُحادي متطرف عنيف، وهنا تمحى التعددية التفسيرية، ويقصى منطق الرحمة من المحاججة التسلطية التي يعتمد عليها سيد قطب. وهذا استبداد أخلاقي يريد أن يفرض منطقًا يقينيًا مُزيفًا، على سبيل المثال: أنت ضد حق الإسلام إذن أنت لا يرضى عنك الله. فيقسّمُ المسلمون إلى جماعتين هما: نحن ندافع عن حق الإسلام وبالتالي يرضى عنا الله، وأنتم لا تدافعون عن حق الإسلام إذن أنتم لا يرضى عنكم الله. مما يمرر ثنائية ميتافيزيقية مغشوشة، قائمة على التفرقة بين: نحن/ هم. فينتج شعورًا دينيًا مطمئنًا لمن يلتزم بالدخول في منطق ال(نحن) لأنه منطق الرضا الإلهي حسب سيد قطب، أما من يخالفه أو يرفضه أو ينتقده فهو يتهم بمخالفة الإسلام ورضا الله، وهي تهمة شعبوية دينية مخيفة.

إنّ تسَلُّط التأويل عند سيد قطب جعله يتكلم باسم الله عندما لا يجد المسلم الوسيلة والشجاعة لنقد تفكيره المغالط، والاستفزاز الديني الذي ينهجه كوسيلة عاطفية لطمس البصيرة حين قال «وهو هزال لا يرضاه الله لدينه في هذه الأرض!»[13]. من ثم فإن تفسير سيد قطب لآية “السيف” وتوظيفه الأيديولوجي الإخواني لها قد انسلخ عن الرحمة والمعروف والحسنى التي يدعو إليها النص القرآني. مما يدعونا إلى السؤال: هل نسخت آية السيف السِّلم والسَّلام مع الأمم الأخرى؟ وبالتالي فما مصير منطق الرحمة الذي تدور عليه رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟

4.آية “السيف” ومصير السِّلم والسَّلام

لإدراك حجمِ التسلُّط الذي مارسته تفسيرات آية “السيف”، وفخ التبرير الأخلاقي الأيديولوجي للعنف الذي أسقطت فيه كثير من التنظيمات والجماعات والتيارات الإرهابية، يكفي أن نستحضر الآياتُ التي ادّعت هذه التفسيرات بأن آية “السيف” قد نسختها، أي ألغتها، والمفارقة أن هذه الآيات المنسوخة هي ما يتوافق تمامًا مع المنطق الحجاجي الرحيم للنص القرآني، أما بيان ذلك فعلى النحو الآتي:

·     ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ ﴿البقرة: ٨٣﴾‏

·     ﴿وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ ﴿البقرة: ١٩٠﴾‏

·     ﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِ﴾ ﴿البقرة: ٢٥٦﴾‏

·     ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ ﴿المائدة: ٩٩﴾‏

·     ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ﴿الكهف: ٢٩﴾‏

·     ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿الأنعام: ٦٦﴾‏

·     ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿الأنعام: ١٠٨﴾‏

·     ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا َشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿الأنعام: ١٠٧﴾‏

·     ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ﴿الأعراف: ١٨٣﴾‏

·     ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿الأعراف: ١٩٩﴾‏

·     ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الحجر: ٩٤﴾‏

·     ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يونس: ٩٩﴾‏

·     ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿يونس: ١٠٨﴾‏

·      ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ﴿هود: ١٢﴾‏

·      ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ﴿آل عمران: ٢٠﴾‏

·     ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ﴿الحجر: ٨٥﴾‏

·      ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ﴿النحل: ١٢٥﴾‏

·     ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ ﴿المؤمنون: ٩٦﴾‏

·     ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ ﴿الفرقان: ٦٣﴾‏

·     ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿الشورى: ٤٠﴾‏

·     ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ﴿الشورى: ٤٣﴾‏

·     ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿الممتحنة: ٨﴾‏

·      ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿الغاشية: ٢٢﴾‏

·      ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ﴿الكافرون: ٦﴾‏

وآيات أخرى تجاوزت 120 آية، مُجملها تدور في فلك الدعوة إلى معاملة الناس بالحسنى، والصفح الجميل، والتسامح، ونفي الإكراه في الدين، ونفي الإكراه على الإيمان، وعدم سب المخالفين، والدعوة إلى الجدال بالتي هي أحسن، ومسالمة الجاهلين، والعفو والصفح، والصبر والمغفرة.. وغير ذلك من القيم القرآنية العالمية التي تنسجمُ مع منطق القرآن الحجاجي من دون أن تتسبب في تناقضات منطقية، بل تدفع المسلم إلى العيش في الإنسانية، وليس خارجها، بسلم وسلام وأمن وحرية. كل تلك الآيات تم إهمالها أو نسيانها من أجل انتقائية فاسدة، تعلل الاستدلال الفاسد الذي يحتكم إليه التفكير المتطرف العنيف وهو بصدد “التموقُف” من الآخر. فأصبح المسلم في حيرة من أمره: هل الإسلام يدعو إلى الرحمة والمغفرة والسلم والسلام، أم يدعو إلى السيف ومحاربة الناس وقتالهم وترعِيبهم فقط؟

الإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا بداية بيان رحمة الإسلام ثم سياق القتل في القرآن، حتى يتضح لنا كيف أن الاستدلال الفاسد بآيات القتل يمكنُ أن يخرجنا عن الفهم السليم للقرآن، بل يخرجنا من الحضارة الإنسانية حتمًا؛ مثلا قول الله العظيم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ﴿البقرة: ٢٥٦﴾‏ يثير غموضًا عند بعض المسلمين الذين ليست لهم دراية بسياقات القرآن إذا ما وازنوها بآية “السيف”، واجتزأت منها بعض الكلمات، كما تفعل بعض الخطابات الشعبوية الدينية المتوحشة، فأصبحت عندهم على الشكل الآتي: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ﴿التوبة: ٥﴾‏ وبالتالي يظهر بالحجة أن القرآن يدعو إلى قتل المشركين في أي مكان وُجدوا بدليل الآية، غير أنّ هذا الاستدلال فاسد، وبيانُ فساده من الجهات التالية:

·     الأولى: أن آية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ﴿البقرة: ٢٥٦﴾‏ هي من آيات الرسالة المحمدية، أما آيات القتال فهي من القصص المحمدي تدخل في الأنباء، لا في الأحكام، وتؤخذ منها العِبر فقط، ولا تؤخذ منها أحكام شرعية، تمامًا كما في آيات قصص موسى وعيسى ويوسف وبقية الرسل والأنبياء[14]. بمعنى آخر إنّ آيات القصص هي أخبار لأصحابها، وأنباء لمن بعدهم، وأحداث وقعت لا خيار لنا فيها. أما آيات الأحكام ومن جملتها آيات الإرث، “ولا إكراه في الدين”، فلنا الخيار فيها إلى يومنا هذا.

·     الثانية: قد يحتج علينا من يرى بأن النسخ مذكور في القرآن، وهذا صحيح! لكن بأي معنى؟

إنّ كل من يحتج بأن النسخ ذكر في القرآن يستشهدُ بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴿البقرة: ١٠٦﴾ وقوله تعالى: ﴿‏وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾﴿النحل: ١٠١﴾‏ لكن النسخ هنا ليس بمعنى تعطيل الآيات وإبطالها وتعديلها، وإلاّ سنسقط في عشوائية التعامل مع التنزيل الحكيم، وهذا محال قطعًا في حق كلام ربّ العالمين. إنّ النسخ المقصود في الآيتين هو «نسخ الشرائع والرسالات وليس بين آيات الرسالة الواحدة بدلالة السياق في آية ﴿البقرة: ١٠٦﴾ حيث الإشارة إلى هذا المعنى واضحة في قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿البقرة: ١٠٥﴾‏ وبدلالة السياق في ﴿النحل: ١٠٢‏﴾: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وبدلالة قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾﴿المائدة: ١٥﴾ ‏»[15].

·     الثالثة: أنّ قراءة آية السيف في سياقها النصّي والتاريخي والاجتماعي تجعلنا نقف على الظروف الواقعية التي واجهت الجماعةَ المسلمة في السنة التاسعة للهجرة، ومن ثَمّ يتبيّن أنّها ليست قاعدةً تشريعيةً مطلقة، بل حكمًا ظرفيًّا ارتبط بمرحلة مخصوصة من مراحل تشكّل الدولة الإسلامية؛ وعليه فآية “السيف” كانت «تعالج وضعية خاصة بهذه الجماعة، التي كانت بالفعل في حالة حرب تتداخل فيها اتفاقيات أو عهود هدنة بعضها محدد الأجل وبعضها غير محدد الأجل مع القبائل العربية المناوئة»[16]، لكن الوضع الجديد حتّم الحسم العسكري، بإمهال الطرف الآخر أربعة أشهر، كوسيلة «ضغط سياسية أدت بالفعل إلى توقف القبائل في معظمها عن القتال وانضمامها إلى الدولة والدين الجديدين»[17].

بناء على ما سبق، تعدُّ الآليات الحجاجية الفاسدة، ومن جملتها حجة التسلُّط، ضد منهاج الإسلام الموضوعي الواسع لحكم الحياة[18]، وبابًا من أبواب تزييف تأويل النص القرآني، وقمع التفكير الناقد بلغة قطعية ومرجعيات مطلقة تعدم التساؤل والشك والمراجعة عند عامة المخاطبين. مما يبرر أخلاقيًا العنف القوي، أي يبرر استعمال القوة، بل وينظر إليها على أنها خيار شرعيّ مستند إلى الحق الإلهي، فيضرب بذلك كل حكمة في السلم والسلام والتعايش والحرية الدينية والعقدية، بل وتلغى الشرعيات القانونية الوطنية والدولية.

في حين، إذا كانت بلاغة الحجة تُعتقَل عند الخطابات المتطرفة العنيفة في صندوق منطِقها المتسلِّط[19]، فإنّ ما ينطقُ به النص الإلهي في ميدان الحجاج هو “الحجة البالغة”[20]، التي لله وحده، فيقدّم بذلك القرآن مثالا على رحمانية الخطاب المقدس في إقناع المخالفين، قالَ تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾﴿الأنعام: ١٤٩﴾‏. أي الحجّة التي تبلغُ مقاصدها السنية من دون إهلاك الخصم، أو إرهاقه بالجدل العقيم، أو تضليله في الإقناع وإقامة البرهان، فهي حجَّة عالية لا يعتريها نقصٌ في الدلالة، ولا قصورٌ في البيان، إذ تخاطبُ العقل السّليم والفطرة الصَّافية، وهدفها بيان الحق، وترسيخ اليقين عند المخاطبين بدل التردد والحيرة. ومن هذه الحجة القرآنية البالغة يكتسب الفكر الإنساني الآليات الحِجاجيّة في تنظيم خطابه الديني وإدارة الحوار مع المخالفين، إذ توفّر نموذجًا للحجاج العقلي والأخلاقي يجمع بين قوة المنطق ورحمة الخطاب.

5.قراءة أخرى في آية “السيف”

قال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾﴿التوبة: ٥﴾‏.

السؤال الأصعب هنا، ما المقصود بالمشركين في الآية؟ ولماذا الله تعالى يأمرنا بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، بل وأن نأخذهم، ونحصرهم، ونقعد لهم كل مرصد، والشرط الوحيد الذي يمكنُ بسببه أن نُخليَ سبيلهم هو: توبتهم، وإقامتهم الصلاة، وإيتاء الزكاة؟ ألا يتعارض ذلك مع الآيات التي دعت إلى السِّلم والرحمة ونفي الإكراه في الدين والقول الحسن للناس أجمعين مثلا؟

للإجابة عن الأسئلة السابقة لا بدّ لنا أن نقف عند دلالة ألفاظ الآية، والتي تشكلّ في نظرنا أطرًا مفهومية تدعونا إلى القيام بمجموعة من الأفعال، قد تبدو للفُهوم الأولى أنها تتعارض مع مقاصد النص العليا التي ذكرنا بعضها سابقًا.

 هذه الأفعال الكلامية جاء ترتيبها في الآية على الشكل الآتي:

·    فعل “قتل” في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا﴾. 

·    فعل “وجد” في قوله تعالى: ﴿وَجَدتُّمُوهُمْ﴾.

·    فعل “أخذ” في قوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾.

·    فعل “حصر” في قوله تعالى: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾.

·    فعل “قعد” في قوله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.

·    فعل “تاب” في قوله تعالى: ﴿تَابُوا﴾.

·    فعل “أقام” الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.

·    فعل “آتى” الزكاء في قوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾.

·    فعل “خلّى” في قوله تعالى: ﴿فَخَلُّوا﴾.

·    فعل “غفر” في قوله تعالى: ﴿غَفُورٌ﴾.

·     فعل “رحم” في قوله تعالى: ﴿رَّحِيمٌ﴾.

الملاحظ أن الأفعال التِّسعة الأولى كلها تدور حول طبيعة العلاقة التي ستكون بين المسلمين و ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾، بينما الفعلان الأخيران، المغفرة والرحمة، صفتان للحق سبحانه وتعالى، مع الإشارة أن ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ جمع وليس مفردًا، فمن هم المشركون المقصودون في الآية؟

6  . في دلالة ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾

لو عدنا قليلا إلى بداية سورة براءة، أي قبل الآية الخامسة (التي سميت بآية “السيف”!) سيتضح أنه سبق ذكر المشركين، قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾‏ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿٢﴾‏ وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ  وَرَسُولُهُ  فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾‏ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٤﴾‏﴿ التوبة:٤-١﴾ 

الآيات الأربعة السابقة من سورة التوبة تتكرر فيها لفظة ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ ثلاث مرات، بمعدل لفظ واحد لكل الآيات الثلاثة، وهي على التوالي: الآية الأولى والثانية والرابعة. أما الآية الثالثة، التي لم يذكر فيها ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ تصريحًا مُباشرًا فقد ذكر فيها لفظ ﴿الْكَافِرِينَ﴾، مع العلم أن هذه اللفظة الأخيرة ذكرت مرتين، وذلك في أواخر الآيتين الثانية والثالثة.

إنّ موقع لفظ ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ من جهة الكمّ -أي التَّكرار الذي حصل عليه في السورة، وبصيغ مختلفة، ومن دون أن نحتسب الضمائر أو الأسماء المتصلة به-، يُبيِّن مركزيته المفهُومية في فهم مقاصد الآيات، خاصة وأنّ اللفظة نفسها ستتكرر للمرة الرابعة عند الآية الخامسة، موضوع بحثنا! وبيانُ ذلك على الشكل الآتي:

·   ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿التوبة: ١﴾‏

·   ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿التوبة: ٣﴾‏

·   ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿التوبة: ٤﴾‏

·   ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿التوبة: ٥﴾‏

·   ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿التوبة: ٦﴾‏

·   ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿التوبة: ٧﴾‏

·   ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ﴿التوبة: ١٧﴾‏

·   ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿التوبة: ٢٨﴾‏

·   ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ﴿التوبة: ٣٣﴾‏

·   ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿التوبة: ٣٦﴾‏

·   ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ﴿التوبة: ١١٣﴾‏

 هذا التكرار الوجيه في النصوص السابقة، لا بدّ أن يكون له ثقل دلالي في السورة ككل، من ثم وجب الوقوف عند ماهية الكلمة والفروقات التي تضمنتها حسب السياق القرآني في سورة التوبة.

 

7. براءة من المشركين، لكن من هم؟

 إنّ المتدبر في الموقع الأول للفظة المشركين في سورة التوبة، يتبيّن صلتها الدلالية مع براءة الله ورسوله، فما معنى براءة؟ ومن هم المشركون الذين يتبرأ منهم الله ورسوله؟

ورد في النص القرآني الجذر الثلاثي (ب، ر، أ) في كثير من المناسبات، وبكثير من الصيغ والمعاني، أهمها: (بَراءة، بَراءٌ، بُرآءُ، بَريئًا، بَريءٌ، تَبرَّأ، فنتبرَّأ، أبرئُ، تُبرئُ، أُبرِّئُ، مُبرَّؤُون، تَبَرَّأْنَا، فَبَرَّأَهُ، نَّبْرَأَهَا، البَريَّة)[21]. وما يهمنا هنا هو دلالة لفظ ﴿بَرَاءَةٌ﴾‏ التي أتت في مناسبتين من القرآن الكريم، فما دلالتهما؟ وهل هذا التكرار يفيد المعنى نفسهُ؟

أما التكرار فعلى الشكل الآتي:

·     ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿التوبة: ١﴾‏

·     ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَـٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ ﴿القمر: ٤٣﴾‏

من خلال الآيتين السابقتين نلاحظ أن معنى ﴿بَرَاءَةٌ﴾‏ في سورة ﴿التوبة: ١﴾‏ تدلّ على التخلص من العهد، والانفصال عنه وفسخه، وبالتالي فما أُبرمَ سابقًا يُصبح لاغيًا وبلا معنى، إنّ دلالة براءة هنا تعني بالجملة إنهاء العلاقة التعاقُدية وإسقاط لكل بنودها. أما معنى ﴿بَرَاءَةٌ﴾‏ في سورة ﴿القمر: ٤٣﴾‏ فيدلّ على الميثاق، أو الوثيقة، أو الشهادة، أو الحجة وما يثبتها، وبالتالي يُعفى بسببها أصحابها من العذاب أو الحكم أو العقوبة. وهكذا فاختلاف المعنى بين الآيتين وارد رغم تشابه المبنى؛ فإذا كانت (براءة) في الآية الأولى تعني الانفصال عن العهد وإلغاءه، فإن (براءة) في الآية الثانية تعني الاتصال بالعهد وتسجيله ﴿فِي الزُّبُرِ﴾. النتيجة أن الكلمة القرآنية تُقرأ حسب سياقها الآياتي حتى يظهر الفرق ولا نسقط في العبث. فمن هم المشركون الذين يتبرأ منهم الحق تعالى ورسوله وبالتالي يفسخ معهم العهد؟

من خلال قراءتنا للآيات الخمسة الأولى من سورة التوبة، يتضح لنا ما يلي:

·      أن المشركين ينقسمون إلى قسمين: الأول المشركون الذين نقضوا العهد، وبدؤوا بالاعتداء، والثاني المشركون الذين لم ينقضوا العهد، ولم يعتدوا.

·     الآيات تبين أنّ القتل ظرفي مقيّدٌ بنكث العهد من بعض قبائل المشركين الذين بادروا بالاعتداء على المسلمين، بدليل «الخطاب الموجه إلى المكنى عنهم بضمير المخاطبين «تُّم» في ﴿عَاهَدتُّم﴾»[22].

·     القتل ليس حكمًا مطلقًا يخفي دعوةً لنشر الإسلام بالقوة، كما ادعى سيد قطب أو سائر الجماعات المتطرفة التي نحت نحوه، بل تشريع متصّل بأسباب ومحكم بقيود، ولا يقدّم دليلا على التعميم أو الإكراه في الدعوة.

·     الفروقات السابقة بدليل القرآن الكريم نفسه، إذ قال تعالى في سياق يحمي المخالف ويضمن حقه في الأمن والحوار:﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾﴿التوبة:٦﴾‏ وقوله أيضًا: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿الممتحنة: ٨﴾‏، لذلك قلنا سابقًا: إنّ ما قدمه سيد قطب من قراءة لآية “السيف” ليس قراءة تأويلية سليمة للنص، بل هو استعمال شَعبوي ديني، يقوم على اقتطاع الخطاب القرآني من سياقه التنزيلي وعلته التاريخية، وهو اقتطاع يسقطه في التعميم التاريخي والعبث بأرواح العباد، ويحوّل ما هو سياقي إلى كلّي مطلق، من دون مراعاة لروح الإنسان وكرامته.

خاتمة:

إن  ما تقومُ به الشعبوية الدِّينية عندما تقتطعُ النص القرآني وتحوله إلى أداة تأويلية تسلُّطية وتحريضية ضد الآخر،  كما في مثال آية “السيف” في سورة التوبة، ليس ذودًا عن الدين، بل إرادة لامتلاك السُّلطَوية، وارتداء متعمّدٌ  للديماغوجية السياسوية، ومغازلة فجّة لعاطفة الجمهور وشعوره الديني الجمعي المتهالك الذي يعاني من الخيبات السياسية في بناء دولة ديمقراطية، والتخلف التاريخي في مواصلة الركب، والفضل الحضاري في أن يكون الوعي الجمعي على أهبة الاستعداد لمواجهة التحديات الثقافية والإنسانية بحجم الأفق الذي تمنحه إياه رحمة النص الإلهي، من ثم فالشعبوية الدينية تعمل من خلال استغلال تلكم الظروف من أجل تطويع وعي المتدين لا تحريره، والإيقاع به في شراك الحروب والقتال والويلات، وهي من صور التحكم في مصير حياته وسلامه وأمنه؛ فحين يعلنُ الحرب باسم آية السيف في موضع يستدعي السلم، فإن المقصود هو إخضاعه لأطر تأويلية متصلّبة، تتنكّرُ لروح النص القرآني القائمة على حرية الاعتقاد، وتنقلب على مبدأ التراحم والتفاهم والتعايش، وتحول المسلم إلى مشروع طبيعي للعداء ضد نفسه والعالم، وأنّ الحرب مكتوبة عليه منذ الخلق.

لكن، إذا كان الوحي القرآني لا يكره أحدًا على العقيدة، امتثالا لقول الرحمن الرحيم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾‏ فليس من المنطق السليم أن يساق النّاس إلى مذابح التسلط الشعبوي الديني، أو يتحوّل الاختلاف مع الآخر إلى مناسبة للشيطنة والتحريض، إلاّ إذا كان إيمانهم إيمانًا أعمى وأصم وأبكم، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ﴿الحج: ٤٦﴾‏. وهنا نطرحُ السؤال الجوهري: أي دين هذا الذي تطالبُ به الشَّعبوية الدينية؟ وأي تأويل هذا يرادُ له أن يقوم على سحق الإنسان واستغلاله بدل تكريمه؟

إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة لا تعني منازعة النص القرآني، بل محاورة هادئة، لا متشنجة أو متطرفة، لكل القراءات المتسلطة التي حولت قراءة النص القرآني إلى قراءة مقدّسة ومطلق تعنيفي لا يقرّهُ القرآن، ولا يعضِّدهُ منطقه الأخلاقيّ والحضاريّ، ولا منطق الحس السليم.

 

 

 

 

الهوامش:


[1]-Jan-Werner Müller, What Is Populism? , University of Pennsylvania, Press , 2017 ,p 13.

[2] -Jan-Werner Müller, What Is Populism? , University of Pennsylvania, Press , 2017 ,p 13.

[3] يمكن العودة إلى كتاب روث وداك، سياسة الخوف، التطبيع السافر لخطاب اليمين المتشدد، ترجمة عاطف سيد عثمان، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 2024.

[4] باسكال بونيفاس، المثقفون المزيفون، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، ترجمة روز مخلوف، ورد للطباعة والنشر، سورية، دمشق، الطبعة الأولى، 2013.

[5] عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضا، المغرب، الطبعة الثانية، 2000، ص:12 .

[6] مصطفى عادل، المغالطات المنطقية، المغالطات المنطقية، فصول في المنطق غير الصوري، دار رؤية، القاهرة، الطبعة الأولى، ،2013، ص: 65.

[7] الطبري، تفسير ابن كثير، 4/ 111.

[8]الطبري، تفسير ابن كثير، 4/ 111.

[9]الطبري، تفسير ابن كثير، 4/ 111.

[10] حادثة دهس الجنود في باريس وقعت في 9 أغسطس 2017 صباحًا، في ضاحية لوفالوا-بيري (Louvres-Bèrie أو لوفالوا-بيري) شمال العاصمة باريس. https://ar.le360.ma/monde/114309/?utm_source=chatgpt.com

[11]ابن كثير، تفسير ابن كثير، 4/ 111.

[12] سيد قطب، في ظلال القرآن، 1591.

[13]سيد قطب، في ظلال القرآن، المرجع السابق، 1591.

[14]محمد شحرور، تجفيف منابع الإرهاب، مؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص59.

[15]محمد شحرور، تجفيف منابع الإرهاب، المرجع السابق، ص: 60.

[16]عبد الجواد ياسين، الدين والتدين، التشريع والنص والاجتماع، المركز الثقافي العربي ومؤسسة مؤمنون بلا حدود، المغرب، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2014، ص: 113.

[17] عبد الجواد ياسين، الدين والتدين، التشريع والنص والاجتماع، المرجع السابق، ص: 113.

[18] -عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام، المرجع السابق، ص 11

[19] -ينظر: بدر الحمري، منطق التسلط، في بلاغة الكذب والتطرف وخطاب ما بعد الحقيقة، دار المرهج للنشر والتوزيع، العراق، بغداد، الطبعة الأولى، 2025.

[20]– تعرضنا للفرق بين الحجة البالغة وبلاغة الحجة بشكل مفصّل في أطروحتنا للدكتوراه، ينظر: بدر الحمري، بلاغة الحجاج في الخطاب القرآني: سورة طه أنموذجًا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، المغرب، الموسم الجامعي 20162017.

[21]– لمزيد من التفصيل يمكن تدبر الآيات الآتية: ﴿الزخرف: ٢٦﴾﴿‏الممتحنة: ٤﴾﴿النساء: ١١٢﴾‏﴿الأنعام: ١٩﴾‏ ﴿الأنعام: ٧٨﴾‏﴿الأنفال: ٤٨﴾‏﴿التوبة: ٣﴾‏﴿يونس: ٤١﴾‏﴿هود: ٣٥﴾‏﴿هود: ٥٤﴾﴿‏الشعراء: ٢١٦﴾‏﴿الحشر: ١٦﴾‏ ﴿البقرة: ١٦٦﴾‏ ﴿البقرة: ١٦٧﴾‏﴿آل عمران: ٤٩﴾‏﴿المائدة: ١١٠﴾‏﴿التوبة: ١١٤﴾‏﴿يوسف: ٥٣﴾﴿طه: ٩٤﴾‏﴿النور: ٢٦﴾‏﴿القصص: ٦٣﴾‏﴿الأحزاب: ٦٩﴾‏ ﴿الحديد: ٢٢﴾‏﴿البينة: ٦﴾ ﴿البينة: ٧﴾‏.

[22] سعد كموني، آيات الجهاديين، قراءة أخرى، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2018، ص 65.

المصادر والمراجع:

·    القرآن الكريم.

·    روث وداك، سياسة الخوف، التطبيع السافر لخطاب اليمين المتشدد، ترجمة عاطف سيد عثمان، المركز القومي للترجمة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 2024

·    سعد كموني، آيات الجهاديين، قراءة أخرى، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2018.

·    بدر الحمري، بلاغة الحجاج في الخطاب القرآني: سورة طه أنموذجًا، أطروحة دكتوراه نوقشت في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، المغرب، الموسم الجامعي 20162017.

·    باسكال بونيفاس، المثقفون المزيفون، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، ترجمة روز مخلوف، ورد للطباعة والنشر، سورية، دمشق، الطبعة الأولى، 2013.

·    عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضا، المغرب، الطبعة الثانية، 2000.

·    عبد الجواد ياسين، الدين والتدين، التشريع والنص والاجتماع، المركز الثقافي العربي ومؤسسة مؤمنون بلا حدود، المغرب، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2014.

·    مصطفى عادل، المغالطات المنطقية، المغالطات المنطقية، فصول في المنطق غير الصوري، دار رؤية، القاهرة، الطبعة الأولى، ،2013.

·    محمد شحرور، تجفيف منابع الإرهاب، مؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2008.

·    سيد قطب، في ظلال القرآن، إسلام ويب. نيت

·    ابن كثير، تفسير ابن كثير، إسلام ويب. نيت

 

 

Leave a comment