(من الإيديولوجيا الدينية إلى المكبوت الثقافي)
يتأسس المقال من افتراضٍ رئيسي مفاده: أنَّ حضور الدين في الفكر العربي مفهوماً ونقداً هو جزءٌ تكوينيٌّ من مسار تشكُّل الفكر العربي معرفياً وتطوره اجتماعياً؛ إذ يعكس من جهة التطور الداخلي للفكر في علاقته مع التوجهات الفلسفية والمنهجيات النقدية المعاصرة، وهو من جهة أخرى يعكس المساعي التحررية للواقع العربي ثقافياً وسياسياً. ولعلَّ المطالع للمشاريع التي خُصّت بظاهرة التدين في حضورها الاجتماعي والثقافي سيلاحظ تعدديتها المفهوميَّة والأيديولوجيَّة. ومن هذا التعدّد كان مشروع: (نقد الفكر الديني) لـ(صادق جلال العظم)، ونقد (الخطاب الديني) لـ(نصر حامد أبو زيد)، ونقد (العقل الديني) لـ(محمد أركون)، ونقد (المكبوت الديني) لـ(إدوارد سعيد).
هذه المشاريع على اختلافها تشترك بدالَّين لفظيَّين، هما: (النقد)، و(الدين)؛ إذ يغدو الدال النقدي في مجاورة تركيبية مع الدين، مما يفتح أفق التساؤل الإشكالي حول العلاقة بين مفهومية النقد والدين أو بعبارة أخرى نصوغها افتراضاً بحثياً: كيف يشتغل الفكر العربي نقدياً على المسألة الدينية؟ وما مفهوميَّة الدين في ضوء هذا الاشتغال النقدي؟ في ضوء هذا الافتراض المُركَّب يسعَى المقالُ إلى وعي حدود التواصل والتفاصيل بين المشاريع الفكرية العربية المخصوصة بالمسألة الدينية في مسعى لترسيم نماذج تصوريَّة أوليَّة.
أولاً: الدين بوصفه فكراً أيديولوجياً (من الوعي التلفيقي إلى النقد الجذري)
يحيلنا عنوان كتاب (نقد الفكر الديني) على منهجيَّة صادق جلال العظم، فهو يتأسس من داخل المرجعية الماركسية، مفترضاً أنَّ الدين بناء فكريٌّ فوقيٌّ يعكس البِنى الاجتماعية، وهو إذْ يشتغلُ نقدياً على الفكر الديني، فإنَّه لا يتعامل معه بصفته “جوهراً روحياً خالصاً”، بل وجوداً اجتماعياً محكوماً بالقوى السياسية المهيمنة. ولو تتبعنا خطاب العظم سنجد أنه يُؤطِّر حضور الدين اجتماعياً بمصطلح (الأيديولوجيا)؛ أي بوصفه وعياً زائفاً يتمايز من الوعي العلمي من جهة مفارقته الواقع، وهو وعي مرهون بطبقة اجتماعية معينة ومرتبط بمصالحها. وضمن هذا التحديد يشتغل العظم نقدياً على الدين في حضوره الاجتماعي السياسي، فيغدو نقد الفكر الديني نقداً للسياسة المهيمنة على المجتمع، والقوى الطبقية المتحكمة فيه، وهو ما سعى إلى إظهاره بالكشف عن ترابط الطبقة السياسية الحاكمة بالأيديولوجيا الدينية المهيمنة.
وفي الوقت الذي يسعى العظم إلى مساءلة الفكر الديني يعيب على القوى التقدمية مواقفها التلفيقية، ويحمِّلها مسؤولية فشل مشروع النهضة، فمن منظوره ظلت الحركة التحررية العربية واقفة: “على رأسها بدلاً من قدمَيها”، فأنتجت وعياً مقلوباً مُشوِّهاً للواقع العربي بدلاً من أن يكون مُثوِّراً نقدياً له. وتتساوق مع هذه النزعة الراديكالية اجتماعياً نزعة علموية وضعية يلخصُها تصور العظم للعلاقة بين تقدُّم العلم والدين، فمن منظوره أن تطور العلم كفيلٌ بتجاوز الفكر الديني، والقطع معه. وفي هذا الحكم يصدر عن وعي علموي لا يراعي خصوصية التجربة الدينية واستقلاليتها عن البنى الاجتماعية أو النظريات العلمية؛ إذ يجعل من الاجتماعي ملازماً للديني، ومن العلمي الشرط المعياري الناقد للديني. وإزاء ذلك يتخذ (النقد) طابعاً تقييماً تقويمياً، ويتحدد غائياً بالمنحى السياسي- الاجتماعي. ولعل قوة مشروع العظم في نقد الفكر الديني هي نقطة ضعفه في آن معاً؛ إذ إن تفسير الدين على أرضية الصراع الاجتماعي السياسي قد أسهم في فهم ترابطية الدين بالأيديولوجيا، لكنَّه من جانب آخر قد اختزل البنية المركبة للدين بتصورٍ أحادي مغفلاً جوانب منهجيَّة عدّة في مقاربة الظاهرة الدينية.
ثانياً: الدين بوصفه بنية معرفية (من الأيديولوجيا الدينية إلى العقل الديني)
إذا كان مشروع العظم ينهض على نقد الفكر الديني وتفسير موقعه من الصراع الاجتماعي- السياسي، فإنَّ مشروع أركون يتجه صوب البِنى المعرفيَّة المُنتِجة للخطاب الديني، فالنقد يتأسس على الفحص الإبستمولوجي، فننتقل من الأفكار بوصفها معطيات أوليَّة صوب العقل المُنتِج لهذه الأفكار؛ إذ إننا “في نقد العقل يتعدّى الفكر المستوى الأيديولوجي في المعالجة إلى المستوى الإبستمولوجي، أي ينتقل من نقد المعارف إلى فحص أسس المعرفة وأنظمتها وأدواتها”. يتخذ أركون من مفهوم (العقل) محوراً تأسيسياً لمقاربته النقدية؛ إذ يفترض أن ثمة نسقاً معرفياً يهيمن على الفكر الديني ويوّحده ضمن أطر معرفيَّة وثقافيَّة مشتركة، لذا فإنَّ فحص العقل الإسلامي يلزم عنه فحص العقل الديني عموماً، فلا يمكننا أن نفهم الأصولية داخل الإسلام إلا إذا قارناها بالأصوليات داخل الأديان الأخرى، ولا يمكن تحليلها بشكل صحيح إلا إذا طبَّقنا عليها المناهج التاريخية التي طُبِّقت في الغرب على الأصولية المسيحية مثلاً .
فالعلاقة بين العقل الإسلامي والديني علاقة تضمن وشمول، “فالإسلام، كظاهرة دينية، لا يختلف بشكل مطلق عن بقية الظواهر الأخرى المتعلقة بالأديان” (المصدر السابق، 326). وما يحاول أركون القيام به هو “نقد عام للعقل الديني من خلال النموذج الإسلامي” (المصدر السابق، 218). ومهمة النقد الإبستمولوجي الكشف عن هذه الأنساق التي تتحكم بالعقل الديني. ويتأسس نقد العقل الديني على وعي تاريخية الظاهرة الدينية، فهو عقل ذو طبيعة تاريخية؛ إذ “ليس جوهراً ثابتاً يخرج على كل تاريخية وكل مشروطية، فللعقل تاريخيته أيضاً” (أركون، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، صفحة 237). وتاريخية العقل تجعله محايثاً للتاريخ بأبعاده المتجادلة (الاجتماعية، والسياسية، والمعرفية)، ولأنَّ العقل منخرطٌ ومتشكِّل في التاريخ فهو مرهون ومُعبِّر عن علاقات القوى، لذا “ينبغي البحث عن الشروط الاجتماعية التي تتحكم بإنتاج العقول وإعادة إنتاجها” (أركون، تاريخيَّة الفكر العربي الإسلامي، صفحة 66).
وفي هذا السياق يفهم أركون تشكّل المعرفة الدينية وتطوّرها على نحو تندغم فيه المعرفة الدينية بالسلطة بمعناها الواسع (السلطة الثقافية والاجتماعية) أو الخاص (السلطة السياسية). إذ يسعى أركون إلى القطع مع المفهوم الميتافيزيقي المتعالي للعقل بترسيخ تاريخية العقل. ومن هذا التداخل المفاهيمي بين العقلي والتاريخي نفهم العدول غير المُخل عن العنوان الأساسي لكتاب: من أجل نقد العقل الإسلامي (Pour Une Critique De La Raison Islamique) إلى تاريخيَّة الفكر العربي الإسلامي، فهذه الترجمة وإنْ جاءت نتاج ضغوطات خارجية فرضتها محددات الثقافة الإسلامية، فإنها تعبّر من جهة أخرى عن التداخل المفهومي بين العقلي والتاريخي. وإذا كان مفهوم النقد لدى العظم قد تأطر بالمساعي السياسية، وتحدد بالمرجعية الماركسية، فإن النقد لدى أركون، مفهوماً وغاية، ذو طبيعة إبستمولوجية، فالنقد يتحرّك من مسعى مساءلة المعارف المهيمنة على الإسلام سواء من جهة ما أنتجه المسلمون أم من جهة ما أنتجه الخطاب الاستشراقي التقليدي عن الإسلام، فهو نقدٌ ذو طبيعة مزدوجة، وعلى الطرف الآخر هو نقدٌ ذو طبيعة بنائية؛ إذ لا يقف في فهم الظاهرة الدينية عند حدود نقد المعارف التقليدية، بل يسعى إلى استئنافها نقدياً، فالهدم هنا هو لحظة تأسيسية في عملية البناء المعرفي. إنَّ هذه النقلة صوب المقاربة الإبستمولوجية لا تنفي الغاية الاجتماعية؛ إذ يتلاحم البُعدان الاجتماعي والمعرفي، فمن منظور أركون أنَّ شرط كبح التلاعبات السياسية في الدين هو مساءلة الخطاب الديني معرفياً ومنهجياً.
من هنا تأتي مستلزمات نقد العقل الديني للانتقال من حيز التوظيف الأيديولوجي للدين إلى حيز الوعي العلمي المنهجي. ويوجه في سياق ذلك نقداً لدولة ما بعد الاستعمار، ويرى أنها أمسكت بالعصا من المنتصف، فهادنت الخطاب الأصولي من جهة، ووظفت الرأسمال الديني من جهة أخرى، فتحول الدين إلى رهان سياسي بيدها، وبدلاً من مساءلة الظاهرة الدينية وإخضاعها للمقاربة العلميَّة جرى في الواقع العربي العكس؛ إذ أخضعت المؤسسات البحثية للخطاب الهوياتي السياسي. تأسيساً على هذا التشخيص، يغدو نقد العقل الإسلامي مدخلاً لتحرير الوعي الإسلامي، فإن كان نقد العظم يُفهم على مستوى التثوير الاجتماعي السياسي، فإن نقد أركون ينقل الرهان التحرري إلى الوعي الإبستمولوجي المنهجي.
ثالثاً: الدين بوصفه خطاباً (من العقل الديني إلى الخطاب الديني)
إذا كان مشروع أركون تأسس على مفهوميَّة (العقل الديني)، فإنَّ مشروع نصر حامد أبو زيد تأسس على مفهوم (الخطاب الديني)، ومن الفارق المفهومي يتأسس التمايز المنهجي بين المشروعين. فأبو زيد إذ يستبدل بمصطلح (العقل) مصطلح (الخطاب) يؤسس مشروعه على مسلمة ضمنية مفادها: أن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة (النص)، بمعنى “أنها حضارة انبنت أسسها وقامت علومها وثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز النص فيه” (حامد أبو زيد، الصفحة 9). وما دام القرآن نصاً محورياً في الثقافة العربية، فإنَّ تحليل القرآن نصاً وإنتاجاً وتأويلاً هو مدخل لفهم الثقافة العربية، وموقع المسألة الدينية فيها.
ويعدُّ مشروع (نقد الخطاب الديني) نتاجَ تراكمٍ معرفيٍّ، إذ بدأت ملامحه الأولى في الاشتغال على قضية (المجاز) و(التأويل العقلي) لدى المعتزلة، ثم انعطفت صوب (التأويل الصوفي)، هذه المرحلة وإن كنّا لا نلتمس فيها مرجعية منهجيَّة محددة، إلا أنها رسخّت قناعة رئيسة مفادها: أن الخطاب القرآني ليس معطى ثابتاً مستقلاً عن سياقات إنتاجه وتأويله، فهو متعددٌ بتعدّد الجماعات التأويلية، وتعدّد الجماعات المؤولة يعكس التطورات الاجتماعية والسياسية. إنَّ المرحلة الثانية مثّلها كتاب (مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن)، وفيه انتقل من دراسة علاقة المُفسِّر بالنص وجدله معه إلى دراسة النص نفسه بوصفه بنية لغوية- ثقافية. وفي المرحلة الثالثة ينتقل من النص إلى الخطاب على نحو ما يعلن بدراسته (مقاربة جديدة للقرآن من النص إلى الخطاب نحو تأويلية إنسانية)، في هذه النقلة يشتغل على القرآن بوصفه خطاباً تداولياً أُنتِج ضمن سياقٍ تاريخيٍّ، وفهمه يقتضي الوعي بالعناصر الخطابية (المرسل- النص- المتلقي) بأبعادها المتجادلة. هذه النقلات على تعدديتها ذات طبيعة جدلية تواصلية، فكلُّ مرحلة تستوعب المرحلة السابقة تركيبياً، وتضيف عليها، مما يجعلنا ننظر إلى مفهوم (الخطاب) على أنه جامع للمفاهيم التصورية السابقة. ويحيلنا مصطلح نقد الخطاب الديني على عملية تحليليَّة نقديَّة مزدوجة؛ إذ ينطلق أبو زيد من أن الخطاب هو بنيَّة نصيَّة يعكس بنية اجتماعية تاريخية، فتحليل الخطاب يبدأ من اللغوي، ثم ينتهي إلى الاجتماعي التاريخي، أي من المنطوق إلى المفهوم إلى فحوى المفهوم، هذه العمليَّة تطبّق على النص التأسيسي (القرآن)، ثم تتوجه صوب النصوص الشارحة له (التفسيرية والفقهية والكلامية والسياسية) (حامد أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجيَّة الوسطيَّة، الصفحة 13). يكتسب مفهوم النقد على المستوى الأوّل دلالة تحليليَّة تشخيصيَّة يسعى بها إلى تحليل البنيات النصية للقرآن، ثم ربطها بسياقاتها التداولية تلقياً وإنتاجاً.
ومن جهة أخرى، يمتد نقد الخطاب الديني من تحليل الخطاب القرآني إلى نقد الخطابات الثانوية الشارحة له، مفترضاً أن الخطاب عن الإسلام قد أصبح حجاباً عليه؛ إذ “تحولت النصوص الثانوية إلى نصوص أصلية (…) تمثل إطاراً مرجعياً في ذاتها” (المصدر السابق، 13). فجرى “التوحيد بين تلك الاجتهادات وبين الدين في ذاته”(حامد أبو زيد، 1994، الصفحة 84). إنَّ مهمة نقد الخطاب الديني هي الكشف عن تاريخية تلك الخطابات، وتفسير تعالقاتها بخطابات القوى، فعلى نحو ما يكشف أبو زيد أن الصراع على تأويل القرآن في جزء منه صراعٌ على سياسات القوى والهيمنة السياسية والاجتماعية.
لعلَّ مبدأ الحاكميَّة الذي كان مجال شدّ وجذب بين حركات الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين) و(نظام عبد الناصر) يعدُّ نموذجاً دالاً على التداخل بين الخطاب الديني والخطاب السياسي الأيديولوجي؛ إذ يبرز هذا المصطلح مع ستينيات القرن العشرين دالاً على أن: “لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد، لأن السلطان كله لله”(المصدر السابق، الصفحة 106). في الظاهر نحن أمام خطاب ديني، إلا أن مضمره سياسي. وتتحدد دلالة الخطاب بسياقات توظيفه؛ إذ استدعيت مقولة الحاكمية في سياق الصراع على السلطة، فانتقل الصراع من الجانب السياسي الدنيوي صوب الصراع الديني، ومُورس على النص الديني إكراهات تأويلية خاضعة لغايات السياسية، فغدت حاكمية الله ضمنياً حاكمية القوى السياسية الساعية إلى الاستيلاء على الحكم، ونزع المشروعية عن الخصم.
إزاء ذلك تكون مهمة نقد الخطاب الديني مزدوجة، أولاً: الكشف عن تاريخية المقولات السياسية المُتسربلة بالغطاء الديني. ثانياً: إنتاج معرفة تأويلية علمية منهجية بالنص القرآني. ويكتسب النقد ضمن هذا المسار دلالتين: أولى تشخيصية تأويلية موضوعها (الخطاب القرآني)، والثانية تقييمية تقويميَّة موضوعها (الخطابات الأيديولوجية). تأسيساً على ذلك يمارس أبو زيد ضرباً من ضروب النقد ونقد النقد، فهو من جهة يسعى إلى بلورة خطاب منهجي علمي لفهم النص القرآني بوصفه خطاباً مفتوح الدلالات متعدد التأويلات. ومن جهة أخرى يسعى إلى نقد القراءة الأيديولوجية للنص القرآني، فينزع القشرة الدينية عن جوهرها الأيديولوجي- السياسي، ومن هاتين المهمتين المعرفيَّة والأيديولوجية يكتسب نقد الخطاب الديني رهاناته التحررية.
رابعاً: الدين بوصفه مكبوتاً ثقافياً (من الخطاب المُعلن إلى الخطاب المُضمر)
يرتحل النقد في خطاب إدوارد سعيد من الوعي الديني الظاهر صوب اللاوعي الديني المضمر، وتعدُّ هذه النقلة لحظة استئناف نقدي للمشروع الحداثي الغربي. وإذا كنّا لا نجد كتاباً مخصوصاً بالمسألة الدينية لدى سعيد، إلا أنه يصحُّ القول مع أستاذ علم الأديان المقارن (وليم د. هارت): إنَّ ثنائية (العلمانيّ والدينيّ) “تحتوي على روح نقد سعيد الثقافي، [و] تشكّل فيه مفاتيح نقده الثقافيّ” (هارت، 2011، الصفحة 23). وفي سياق بلورة الثنائية التقابلية بين الديني والعلماني يعود إدوارد سعيد إلى الجذر الدلالي لمصطلح العَلمانية (Secularism) المنسوب إلى العَالم، وما يلزم عنه من دلالات اشتقاقية: دنيويٌّ (Worldly)، زمنيٌّ (Temporal).
وفي ضوء ذلك يستمد تعريفه للعَلمانيّة، إذ يشير: “أعني بالدنيويّة [العَلمانيّة] مستوى ثقافياً أكثر تحديداً يقول إنّ كل النصوص وكلّ التصوُّرات كامنة في هذا العالم ومحكومة بوقائعه العديدة والمتغايرة” (سعيد، 2005، الصفحة 70-71)، وفي سياق آخر يؤكّد الترادف بين العلمانية (Secularism)والدنيوية (Worldliness)، ويقابل بينهما وبين الديني واللاهوتي، فينسب كلاً من العلمانية والدنيوية إلى “عالم القرون والزمان والتاريخ، وليس بمعنى العالَم اللاهوتي” (سعيد، 2008، الصفحة 80)، فيضعُ بذلك العلمانية مقابلاً للاهوتي أو الديني أو أي شكل من أشكال المفارقة التاريخية. فكلُّ مذهبٍ يؤسِّس ذاته على مقولة المفارقة التاريخية هو بالضرورة دينيٌّ، وكلُّ منظومةٍ ثقافيّةٍ تدّعي أنها خارج التاريخ ستؤول في النهاية إلى تمركزٍ ثقافيٍّ. ومن جانب آخر، يرحّل إدوارد سعيد مصطلح (المكبوت/ الكبت) من الحاضن المعرفيّ الذي تشكّل فيه وهو (التحليل النفسي الفرويدي) إلى حاضن معرفيّ جديد يتمثّل بالثقافة بمختلف تجلياتها المكبوتة، ومنه يتنزّل مصطلح (المكبوت الديني)، ومن هذا الأفق التأسيسيّ تتقدّم أطروحته “كمنطلق معرفي لتمديد الرؤية النقدية لكلّ المساعي التدينيّة المغموسة في وعاء المكبوت متعدّد الأوجه والمتلون من حيث الضروب” (بن ربوح، 2016)، فالدين “الذي كان قد تعرّض للقمع سابقاً عاد متنكراً بالستار العلماني” (هارت، 2011، الصفحة 25)، وما التعميمات من مثل الشرق أو الغرب أو خطر الشيوعية إلا دليلٌ على مدى استحكام المعتقدات المغلقة والتعميمات الإقصائية على حساب الوعي العلمانيّ.
إنَّ الإشكالُ الذي يطرحه إدوارد سعيد أنَّ العَلمانيّة داخل المشروع الغربي بقيت مشروعاً غير منجزٍ، فإذا أنجزت مشروعها التنويريّ على مستوى الوعي بالذات، فإنَّها لا تزال أسيرةَ التصورات اللاهوتيّة في وعيها للآخر، وهذه الازدواجية قد انعكست على اللحظة التأسيسيّة لولادة الاستشراق الحديث أي مع انبثاق (الفيلولوجيا) بوصفه علماً تأسيسياً يُعاد به خلق البِنى التصوريَّة عن الآخر (الشرقيّ)، فإذا كانَتْ اللحظةُ التأسيسيّة لـ(الفيلولوجيا) ارتبطت بالتصور العلمانيّ القائم على “الرفض النهائي للاعتقاد بالأصول الإلهية للغة” (سعيد، 1995، الصفحة 155)، فإن الاستشراق لا يزال يختزل تصورات دينيّة لا تاريخيّة عن ثقافة الآخر ولغته. فهو وإنْ كان مبحثاً عَلمانياً إلا أنَّه حينما نزع عن ذاته تاريخيته وأصدر أحكاماً جوهرانيّة (Essentialist) سقط في سياجات العقيدة. إنّ موقع القوة الذي يمتاز به المستشرق أضمر في الوقت ذاته تصوراً لاهوتياً دينياً حول الاستشراق وموضوعه المعرفي، فالمستشرقُ إذ نقل “الشرق إلى الحداثة، كان يستطيع أن يحتفل بمنهجه، وبمكانته باعتباره خالقاً علمانيا” (المصدر السابق، الصفحة 144).
من هنا نفهم المفارقة الضدية التي عزّزها أرنست رينان، ففي الوقت الذي “يشجعنا على معاينة اللغات بوصفها تتطابق بطريقة ما مع (موجودات الطبيعة الحية)، فإنّه في موضع آخر من عمله يبرهن على أن لغاته الشرقية، اللغات السامية، لا عضوية، متعطلة، النمو” (سعيد، 1995، الصفحة 163). وإنْ كان رينان قد استبدلَ اللغة الدينيّة باللغة العلميّة إلّا أنّه ما يزال محافظاً على الثنائيَّة الضديّة أو المانويّة عن الذات والآخر، فهو علمانيٌّ في أدواته المنهجية، دينيٌّ في تصوراته عن الآخر. تأسيساً على ذلك تسعى استراتيجية إدوارد سعيد النقدية إلى تبيان الطبيعة التعالقية بين مختلفِ أشكالِ التمركزات الثقافيّة التي تقوم على إهدار البُعد التاريخي، فتؤسس استراتيجيتها الإجرائية على الكشف عن المكبوت في المعلن، وعلى استئناف المتحقق الحداثي بالبحث عن إمكانه المهدور.
ومع الجذرية النقدية التي تمسّك بها إدوارد سعيد، فإنه ظلَّ على الطرف الآخر متمسكاً بالعلمانية مبدأ موجهاً لخطابه النقدي، فإذا كانَ الحفر في الطبقات المعرفيّة والثقافيّة قد بيَّن الطبيعة الازدواجية والمفارقة التأسيسيّة في الخطاب الغربيِّ من جهة إضماره لمُسلَّمات لاهوتيّة بأدوات علمانيّة، فإنَّ ذلك لا يعني التخلِّي عن المنجز التنويريّ العلمانيّ، بل الانتقال من العلمانية بسياقها المُتحقِّق إلى سياقها المُمكن، فتغدو مشروعاً مستمراً وراهناً متجدداً، إنّها “إحدى مكتسبات وفتوحات الروح البشرية” (أركون، 1996، الصفحة 9) في نضالها في وجه خطابات القوة والاختلاقات العقائديّة التي هي “أصفاد من سبك العقل وصياغته” (سعيد، 1995، الصفحة 325)، مما يستلزمُ شكّاً دائماً ومستمراً حيال مختلف أنواع الأوثان الرسميّة التي تَحْظَى بالتوقير من الثقافة.
الخاتمة:
من مسعى ترسيم ملامح تصوريَّة أُولَى لاشتغال الفكر العربي على الظاهرة الدينية خلُصَ البحثُ إلى النتائج الآتية:
إنَّ المصطلح المُركَّب من (النقد) و(الدين) قد اتسمَ بطابعٍ مُتحولٍ في الفكر العربي؛ إذ تحدّد (الدين) بناء على مفهوميَّة (النقد)، وكذلك تطور الوعي النقدي تبعاً لتطور وعيه بالظاهرة الدينية. وتأسيساً على هذه النتيجة أظهر البحث أربع استراتيجيات نقديَّة، كلُّ استراتيجية تستبني تصوراً خاصاً، ويمكن ترسيم خطاطة أوليَّة لكيفية اشتغال الفكر العربي نقدياً على الظاهرة الدينيَّة:
هذه المشاريع وإن تعددت مفهومياً ومنهجياً وإيديولوجياً، فإنها قد ارتهنت جميعاً بغايات تحررية متعددة الاستراتيجيات (السياسية، والإبستمولوجية، والتأويلية)؛ فسعت من جهة إلى توسيع مفهوميَّة النقد، والانتقال بالظاهرة الدينية من حيز التسليم العقائدي صوب الوعي النقدي المنهجي، فلم يكن نقدها للدين نقداً دينياً، بل نقداً يأخذ بحسبانه المنهجي وعي المحددات الإيديولوجية والسياسية، من هنا كان رهانها مزدوجاً؛ أولاً: إنتاج معرفة نقديَّة بالظاهرة الدينية، ثانياً: تقويض الإكراهات الإيديولوجية الممارسة على الوعي الديني بحضوره الاجتماعي والسياسي.
فهرس المصادر والمراجع:
1. إدوارد سعيد. (1995). الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية.
2. إدوارد سعيد. (2000). العالم والنص والناقد. ترجمة عبد الكريم محفوض، اتحاد كتاب العرب.
3. إدوارد سعيد. (2005). الأنسنية والنقد الديموقراطي. ترجمة فواز طرابيشي، دار الآداب.
4. إدوارد سعيد. (2008). السلطة والسياسة والثقافة. ترجمة نائلة قلقيلي حجازي، 2008.
5. بشير بن ربوح. (2016). ما بعد الما بعد. مقال منشور على مجلة الجديد الإلكترونية.
6. صادق جلال العظم. (1969). نقد الفكر الديني. دار الطليعة.
7. علي حرب. (2000). ممنوع والممتنع نقد الذات المفكرة. المركز الثقافي العربي.
8. محمد أركون. (1986). تاريخيَّة الفكر العربي الإسلامي. ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي.
9. محمد أركون. (1990). الفكر الإسلامي نقد واجتهاد. ترجمة هاشم صالح، دار الساقي.
10. محمد أركون. (1996). العلمنة والدين. ترجمة هاشم صالح، دار الساقي.
11. محمد أركون. (1998). قضايا في نقد العقل الديني كيف نفهم الإسلام اليوم؟. ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة.
12. نصر حامد أبو زيد. (1994). مفهوم النص دراسة في علوم القرآن. المركز الثقافي العربي.
13. نصر حامد أبو زيد. (1994). نقد الخطاب الديني. سينا للنشر.
14. نصر حامد أبو زيد. (2003). الإمام الشافعي وتأسيس الأيديلوجيَّة الوسطيَّة. مكتبة مدبولى.
15. هارت وليام. (2011). إدوارد سعيد والمؤثرات الدينية للثقافة. هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث دار كلمة.