Skip to content Skip to footer

مفارقةُ المشروعيّة الديمقراطيّة بين الإجرائيّة والمعياريّة | مصطفى إنشاء الله

يُقدَّم القانون نفسه بوصفه الركنَ الذي عليه تقوم الدولة الحديثة، والسلطانَ الأسمى الذي لا يعلوه سلطان. غير أنّ هذا الادعاء، على بداهته، يفتح النقاش على معضلة فلسفية وسياسيةٍ في الآن نفسه، أكثر تركيبًا وتعقيدًا: من أين يستمدّ القانون مشروعيّته؟ لماذا على الفرد، بوصفه ذاتًا حرّة، الانصياع إلى قاعدة تُلزمه وتكبل إرادته؟ فالإكراه القانوني لا يتجسّد في قدرة الدولة على فرض الخضوع بالقوة، فحسب، بل باعتباره أيضًا –وأساسًا–، رضًا جماعيًّا للخضوع لقاعدة هي بالأحرى “واجبٌ” يستحقّ الالتزام به.  من هنا مفارقة الديمقراطيّة: فهي، من جهة، نظامٌ يُبشّر بأن السلطة لا تُمارس إلا برضا وموافقة المحكومين (=المواطنين)، غير أنها، في المقابل، تحمل في ثناياها قوانين من شأنها تقييدُ حرّية المواطن وإكراهه واستباحة العنف في حقه باسمه؛ باسم إرادة غالبية المواطنين.

بذلك تتأسس مفارقة الديمقراطيّة على توتر داخليّ بين نمطين من المشروعيّة: المشروعيّة الإجرائيّة والمشروعيّة المعياريّة. لا تلتفت الأولى إلى مضمون القانون وعواقبه، وإنما تكترث، فقط، لطريقة إخراجه ومدى انضباطها للقواعد الديمقراطيّة المسطريّة: انتخابات حرّة، تمثيلٌ سياسيّ، تصويتٌ، مؤسّسات تكفل الشفافيّة والتداول على السلطة. بذلك، يصير القانون، الذي يحظى بالمشروعيّة، كلّ قاعدةٍ خرجت من رحمِ الإرادة العامّة وفقَ المتَّفق عليه من القواعد الديمقراطيّة والإجرائيّة لسنِّها وإخراجِها وتنفيذِها.

لكن هل تكفي سلامةُ الإجراء للتسليم بعدالة النتائج؟ ماذا لو أنجبت هذه السيرورة الإجرائيّة، المستندة إلى الأغلبيّة، قوانين تأتي على حقوق الأقليات، أو شرعنت التمييز واللاتسامح؟ أليس في إمكان طغيان هذا الوجه الإجرائيّ، ذو النزعة الأغلبية في الديمقراطيّة، أن يُودِيَ بالديمقراطيّة نفسها؟ هكذا يفصح الوجه الإجرائيّ في الديمقراطيّة عن تهديدٍ، كامنٍ فيه، بالتحول إلى “استبداد الأغلبية” مُعلَّبٍ في شرعيّة ديمقراطيّة إجرائيّة، تحترم حقّ الأغلبيّة في تقرير مصيرها، لكنها تُهدّد حقوقَ الإنسان والمعايير الإنسانيَّة.

في مقابل هذا الملمح الإجرائيّ الأغلبيّ في الديمقراطيّة يبرز بعدُها المعياريّ لتلافي انزلاق فحش إجرائيّتها على نحوٍ يهدد الحقوق وينفصل عن كل مبدأ. تصل المشروعيّة المعياريّة القانون بمعايير أسمى تعلو الإرادة العامّة والدستور ورأي الأغلبيّة، ولا تقبل أن توضَع موضع اقتراع. هي بمثابة معايير ناظمة على كلّ قاعدة قانونيّة الوفاء بها. من تلك المعايير: العدالة، الحقوق الأساسية، المساواة، الكرامة، عدم التمييز… إلخ.

ليس يكون القانون مشروعًا، في التصوّر المعياريّ للديمقراطيّة، فقط لأنه نجم من الأغلبيّة واحترمَ المساطر الإجرائيّة الشرعيّة لسَنِّه، بل عليه أن ينضبط، قبل هذه وتلك، إلى قيَمٍ ومبادئ تبرِّرُ للأفراد ضرورةَ وفائدة الالتزام به، وتمنحُ الخضوعَ له معناه الأخلاقيّ والسياسيّ. غير أنّ هذا المسار ليس يخلو من مطبَّات. من يملك حقّ وضعِ هذه المعايير والمُفاضلةِ بينها ورفعها فوق الدّستور والأغلبيّة؟ هل تؤول الجوانب المعياريّة، حكمًا، إلى حماية الديمقراطيّة وصيانةِ الحقوق الأساسيّة، أم أن المعايير الحاكمة للإرادة العامّة تُضعف الديمقراطيّة وتُفرغ الإرادة الشعبيّة من مضمونها؟ كيف السبيل إلى الحيلولة دون استحالة المعايير نفسها وسيلةَ إقصاءٍ للأغلبيّة وأداةً قانونيّة لوصايَةٍ نخبويّةٍ (قضائيّة؛ خبرائيّة..) فوق سلطة المجتمع؟

تتحدّد المعضلة المركزيّة، إذن، على النحو التالي: إلى أيّ حدّ يمكن للصيغة الإجرائيّة للديمقراطيّة (سلامة مسطرة سن القانون وصدورها عن الأغلبية) ألا تدفع بالمشروعيّة القانونية باتجاه استبداد الأغلبيّة وطغيان الجماعة السياسية على حقوق الأفراد والفئات والقلّات في المجتمع؟ في المقابل، أيضًا، كيف تُكبحُ الصيغة المعياريّة الحقوقية للديمقراطيّة من الاستحالة إلى حالةٍ فوق دستوريّة تُبدّد الإرادة الشعبيَّة وتُرجِّح الجزئيَّ (=الأفراد والفئات) على الجماعة السياسية الكبرى (=الدولة)؟

هي محاولة لتفكيك شروط التوازن الدقيق والممكن، بين الإجرائيّة والمعياريّة، على نحو يتجاوز التركيب الاستسهاليّ بين متلازمتين (=إجرائيّة ومعياريّة) تبدوان على قدرٍ عالٍ من التوتّر، وذلك بما يضمن إمكان قيام نظام دستوريّ ديمقراطيّ يحترم الإرادة الشعبيّة من دون أن يكون على حساب حقوق الأفراد والجماعات.

  • القانون وسؤال الإلزام

سؤال الخضوع للقانون في الدولة الحديثة هو سؤالٌ عن حدود الطاعة وحدود السلطة في آن واحد، وهو سؤالٌ راهنٌ، لأن أزمة المشروعيّة في الديمقراطيّات المعاصرة تتبدى، في الغالب، في لحظةٍ تتسع الفجوة فيها بين “شرعية الصندوق” و”شرعية الحقوق”، ويصبح القانون ذاته ساحة صراع بين منطق الإرادة العامة والأغلبية، من جهة، ومنطق القيمِ المؤسِّسة للعيش المشترك والعدالة والأخلاق.

يُجسّد القانون، في الدولة الحديثة، الإطارَ الذي يجعل السلطة “عقلانيّة” غير شخصيّة، ويضمن مبدأ المساواة أمام القاعدة العامّة. غير أنّ هذه الفكرة التي تبدو واضحة، لا تحسم السؤال المركزي: لماذا نطيع القانون، هل لأن مبرر إلزامه مأتاه من قوّة الإرادة العام التي تجسدها الدولة، أم لأن طاعتَه استجابةٌ لوازعِ الواجب واقتناعٌ معياريّ يرى فيه تعبيرًا عن العدالة والحقّ؟ يقع سؤال الإلزام، إذن، في القلب من التوتر البنيويّ بين الإجرائيّة والمعياريّة، في الديمقراطيّة الحديثة؛ فقد تكون القاعدة القانونيّة “سليمةً” إجرائيّا ومع ذلك تُستقبل بالرّفض بحجة أنها غير “عادلةٍ” أو منافيَةً لمبادئ دستوريّة عليا (Dworkin, 1977; Habermas, 1996). وإذا كان العنف الشرعيّ، الذي تحتازه الدولة، يكفل الالتزام بالقانون كرها، فإن طاعة القاعدة القانونيّة يمكن أن تتجاوز الرضوخ بقوة العنف إلى القبول الناجم من الثقة في فائدة القانون للاستقرار الاجتماعي والسلم الأهليَّة (Hart, 1961). غير أن هذا القبول يظلّ متأرجحًا، قابلًا للتأثُّر بالتفاوتات الاجتماعية أو انتقائيّة التنفيذ أو فساد السلطة… إلخ. يستلزم رسوخ القاعدة القانونية، بالتالي، تجاوز الخضوع لها خوفًا أو كرهًا، أو قبولها المشروط، إلى الاقتناع بطاعتها. وليست تُدرك هذه الدرجة من الامتثال الواعي الإراديّ بالقانون (=درجة الاقتناع) إلّا حينَ يُوعى به كأداة لتحصين الحقوق وصونِ الكرامَة، حينها تُجسّد القاعدة القانونية العدالة (Rawls, 1971). يُدرَكُ الاقتناع بالقانون حين تستحيل طاعته إلى وازعٍ داخليّ أخلاقيّ، إلى واجب بلغة كانط. ليس يكفي، إذن، وجود القانون، لكن ينبغي أن يكون هذا القانون جذيرًا بالطاعة (Raz, 1979). الخضوع تحت طائلة الإكراه، والقبول المشروط، والاقتناع هي مستويات متدرجة تكشف عن درجات من المشروعية التي قد ينالها القانون، تتجه من صلة موضوعية خارجية به، إلى رابطة معياريّة أخلاقية ذاتية تؤمن بأهليّة القاعدة القانونية في أن تُطاع.

  • حدود المشروعية الإجرائيّة

التوتر الذي يكتنفه القانون في الدولة الحديثة، والمومأ إليه أعلاه، إنّما مأتاه من التوتر الأصل في نمط مشروعيّة نظام إخراج القانون ذاك: نمط المشروعيّة الديمقراطيّة؛ إذ تقوم الديمقراطيّة الحديثة على وعدٍ مزدوج، قد يبدو على قدرٍ من التناقضِ واضحٍ: أن تنجم السلطة من إرادة المواطنين؛ أي من طريق الانتخاب والتمثيل حتى تُجسّد “إرادة الشعب”، من جهة، وأن تُمارسَ هذه السلطة، في الآن نفسه، ضمن إطار يصون الحقوق ويكفل عدالة القانون والقرارات. وقد تأتي على الناس لحظةٌ تتعارض فيها إرادة الأغلبية مع حقوق أفراد أو فئات من المجتمع، وتتقابل فيها قاعدة قانونية سليمة إجرائيّا مع عدالة مهدورة لهؤلاء أو أولئك. يقتضي حلّ هذه المعضلة الوعي بالتوتر الأصل؛ التوتر بين صيغة الديمقراطيّة الإجرائيّة وصيغتها المعياريّة.

تُشدّد المشروعيّة الإجرائيّة على القانون الذي يكون مشروعًا فقط حين يستجيب، خلال سيرورة سنه، إلى الشروط السياسيّة والمؤسساتيّة، وعلى رأس الشروط هذه صدوره عن سلطةٍ منتخبةٍ ممثّلةٍ لإرادة أغلبيّة المواطنين. من فضائل الأطروحة الإجرائيّة أنها موضوعيّة تُجرّد السلطة في مؤسّسات ومساطر، وتنتزعها من الشخصنة. بذلك لا يلبي القانون مصلحة فردٍ أو فئةٍ بعينها في المجتمع، إنّما يجسّد الحاجة الموضوعيّة منه. على ذلك تتحاشى الديمقراطيّة الإجرائيّة انزلاق القانون إلى أداةٍ بيد حاكمٍ أو نخبةٍ حاكمةٍ، تتدرّج به نحو نظام استبدادٍ يضفي على ذاته المشروعيّة باسم الديمقراطيّة وحكم القانون. للنموذج الإجرائيّ، أيضًا، مزيَّة تَجَاوُز مأزق الإجماع والتوافق في مجتمعات تعدّديّة؛ إذ تتعدّد القضايا والمواقف بين مكونات المجتمع الواحد، ويعسُرُ العثور على مناطق التقاء في ظلّ تعدّد المعايير واختلاف القيم. بهذا يحسم النموذج الإجرائيّ التنازعات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، ويجنّب الدّولة أزماتِ السياسة حين تحتكم إلى المساطر المجردة والموضوعيّة.

لكن، وإلى جانب هذه الفضائل، يعتور الوجه الإجرائيّ للديمقراطيّة معايبَ منها –بل على رأسها –: خطر الانزلاق إلى استبداد الأغلبية، وتحت طائلة “الأغلبيّة” يمكن أن تشرّع هذه الآلية الإجرائيّة ما يكفي من قراراتٍ تنالُ من حقوق القلّات، أو تنقلب على الديمقراطيّة نفسها. الاختزاليّة الشكلانيّة للديمقراطيّة بما يستحيل معه معنى الديمقراطيّة إلى مجرّد عمليّة انتخابيّة، يكون “الصندوق” فيها المبتدأ والمنتهى. إهدار العدالة والإنصاف للفئات الأضعف والأقلَّ حيلة في المجتمع. النيل من الحرّيّات والحقوق الأساس باسم الديمقراطيّة؛ إذ قد تكون القاعدة القانونيّة الناجمة من السيرورة المسطريّة سليمة وديمقراطيّة، إجرائيًّا، إلّا أنها قد تنهض، في الوقت عينه، على جثَّة الحرّيّات والحقوق الأساس. سهولة التلاعب بالديمقراطيّة الإجرائيّة والتحكم في مخرجاتها، من طريق: الهيمنة على الإعلام والدعاية، وحضور المال السياسيّ، والأنظمة الانتخابيّة غير المنصفة، وتقسيمات غير عادلة للدوائر الانتخابية.. إلخ؛ فتفرزَ نتائج غير ديمقراطيّة بأدواتٍ ديمقراطيّة.

  • حدود المشروعية المعيارية

في المقابل، تنطلق المشروعيّة المعياريّة من أن القانون ليس يحوز “استحقاق الطاعة” فقط لأنّه من الأغلبية نَجَمَ، بل لا تستقيم مشروعيّته إلا حين يُعثر على مبادئ تسنده وتَخلع عليه مشروعيّة تتخطى “شرعية الصندوق”. النموذج المعياريّ، إذن، يتجاوز الشكلانيّة الاختزاليّة و”الديمقراطيّة العدديّة” أو “الديمقراطيّة التجميعيّة” (Aggregative democracy) كما وصفها بيير بورديو (Bourdieu, 2001, p. 9)، أو “ديمقراطية العدد”، بوصف أنطونيو غرامشي Gramsci, 1975, pp. 557–561))، إلى نظام أكثر إنصافًا وعدالةً. من فضائل المعياريّة، بالتبعة، إدراك منزلة الرضى والاقتناع بالقانون الناجم من المؤسّسات الديمقراطيّة، طالما احترم حقوق الفرد وحقّق العدالة. تختلف المعايير أو المبادئ التي تتأسّس على قاعدتها المعياريّة الديمقراطيّة، وأبرزها حقوق الإنسان والحرّيّات وحماية الأقلّيّات (Taylor, 1993) والحقوق الاجتماعية. وتختلف تراتبية هذه المعايير، أيضًا، باختلاف النظم السياسيّة وطبيعة المجتمع.

وإذا كان من حسنات النموذج المعياريّ كبح البعد الإجرائيّ في الديمقراطيّة من الاستحالة إلى طغيان باسم الأكثريّة، وصيانة الحقوق الفرديّة وحماية الفئات التي قد تتأذى من “قانون غلبة العدد”، فليست تخلو، هذه الصيغة المعياريّة، هي الأخرى، من مثالب: مَن يحدّد هذه المعايير، ومن يرتِّبها حسب الأهمّيّة؟ هل هي معايير كونيّة فيها تشترك الأمم جميعها، أم أنّها محلّيّة تستجيب لكلّ جماعة سياسيّة على حِدة؟ أليس يقود تسقيف الإرادة الشعبيّة بمبادئ فوق دستوريّة، إلى نمط من الوصاية القضائيّة Waldron, 2006))، ويفرغ الديمقراطيّة من جوهرها (=المساواة)؟ ألا يحمل الغرق في الترضيات الفئوية والسعي خلف توافقات وإجماعات شبه مستحيلة على تشظية الجماعة السياسيّة؟

ينجم من التطرف في الجوانب الشكليّة الإجرائيّة، في النظام الديمقراطيّ انزلاق نحو الشعبويّة أو استبداد الأغلبيّة. ويدفع تطرفٌ مقابلٌ في البعد المعياريّ الحقوقيّ إلى فردانيّة مُذرّرَةٍ لمجتمعٍ البقاء فيه للأقوى. فهل من سبيل، بالتالي، إلى الخروج من مفارقة الديمقراطيّة هذه، أو الفصل بين تناقضها بين الإجراءات والمعايير؟

  • هل تُفلح ديمقراطيّةٌ مدنيّةٌ في حل المعضِلة؟

إذا كانت الديمقراطيّة، في معناها العام، آلية لتَسْيِيدِ المواطن وصناعته، بنفسه، لمصيره؛ أي أنها مواطنة حين تتجسّد على صعيدها السياسيّ، فلِمَ لا يعُود حلّ هذه المعضلة إلى هذا المعنيّ بها: إلى المواطن؟ يمكن لـ”ديمقراطيّة مدنيّة” ــ بمعناها الواسع، الذي يجعل وعي المجتمع برمته وعيًا مدنيًّا ينهض على فضاء عامّ مفتوحٍ، ونقاشٍ عموميٍ، وصحافةٍ حرّةٍ، ورقابةٍ مدنيّةٍ ــ أن تجسّد المخرج النظريّ والعمليّ من معضلة التوتّر بين المشروعيّة الإجرائيّة والمشروعيّة المعياريّة. ينطلق هذا المخرج من تجاوز السؤال الإجرائيّ: “هل احتُرِمَتِ القوانين والقرارات والمساطر والسيرورات الإجرائيّة الديمقراطيّة؟”، ولا يقف كثيرًا عند سؤال: “هل القانون هذا عادلٌ؟” بل يضيف إلى هذين السؤالين سؤالًا حاسمًا: هل القوانين والقرارات هاته قابلةٌ للتبرير والتسويغ بين مواطنين أحرار ومتساوين؟

لكن ماذا تضيف كلمة “مدنيّة” للديمقراطيّة، أليست كلّ ديمقراطيّة مدنيّة؟ نعم ولا؛ يحضر المدنيّ والمواطن في الديمقراطيّة الإجرائيّة والمعياريّة، على السواء، لكن على نحو غير مباشرٍ. ينتدب المواطن من ينوب عنه ليضطلع بمهمّة تمثيله والمرافعة عنه في ما يعنيه من قضايا. يمارس المواطن مدنيّته أو قل، يكون “مواطنًا بالفعل”، فقط يوم التصويت لاختيار من يُفوّضُه مصيره. تسود في الديمقراطيّة الإجرائيّة نخبةٌ محدودة تمثل الأغلبيّة باسم الشعب، بينما تكون، في الديمقراطيّة المعياريّة السيادة للخبراء والقضاة بوصفهم حماة الحقوق وضمانة في وجه تغول الأغلبيّة. في النموذجين المعياريّ والإجرائيّ يتوارى المدنيّ وتخفتُ فاعليّة المواطن في ممارسة مواطنته. المواطنة مفوضةٌ إلى ممثلين، ليس يُضمن ولاؤهم إلى الصالح العامّ حين يتعارض مع مصالحهم الخاصّة.

تُتيح “الديمقراطيّة المدنية” مجالًا أرحبَ لممارسة مواطنةٍ فعليّةٍ من طريق المجتمع المدنيّ. يمثّل هذا الفضاء المدنيَّ الحيّزَ الأمثل للنقاشِ والفعل والتأثير في القوانين والقرارات السياسيّة؛ أي فضاءَ المواطنة والديمقراطيّة بالممارسة والفعل، لا بالوكالة. حين تعثر القوانين، في النظام الديمقراطيّ، على صدًى لها في الفضاء العموميّ (Habermas, 1996)، وتحظى بالنقاش الحرِّ والمفتوح بين مواطنين متساوين، تُحرزُ رضاهم، وترقى درجة الالتزام بها إلى الاقتناع، لأنّها ناجمةٌ من نقاشهم وتداولهم فيها. إننا نخضع للقوانين بوازع الواجب طالما نحن الذين أسهمنا في بلورتها. تمثل الديمقراطيّة المدنيّة مخرجًا حين تعيد تعريف المشروعيّة على قاعدة التداول العموميّ؛ فلا يصير القانون مشروعًا فقط لأنّه مرّ عبر البرلمان، أو احترمَ معيارًا أخلاقيًا، وإنّما لخروجه من سيرورةٍ تبريريَّةٍ اجتماعيّةٍ متواصلةٍ تنظرُ في الحجج وتكشف الآثار وتُصغي إلى المتضرّر من هذه القوانين. هكذا يُتداول في القوانين في رحاب فضاءٍ عامٍّ مفتوحٍ بدلًا من أن تظلّ حكرًا على قلّةٍ مُشَرِّعةٍ أو فئةٍ من القضاة والخبراء، المنفصلين عن المواطنين وعن هواجسهم الفعليّة. لا تُلغي الديمقراطيّة المدنيّة دورَ المؤسّسات التمثيليّة ولا تتخطَّى المعايير الأخلاقيّة والحقوقيّة، إنَّما تُجسِّد المرآة الاجتماعيّة التي تحرص على عدالة القانون وخدمته للمصلحة العامّة والعدالة (Cohen & Arato, 1992; Keane, 2009).

لكن هل العمليّة بهذه البساطة؟ كلّا؛ لا بدّ من تعيين ما المقصود بـ”المجتمع المدنيّ”، وهل هو فضاء حصينٌ من مطبّات من شأنها أن تحرِفَ أدواره إلى نقيضها؟ إنّ من ينظرُ اليوم إلى ما يسمّى المجتمع المدنيّ قد يعثر فيه على تناقضاتٍ قد تجعل منه المعضلة بدلًا من أن يكون الحلّ. حين انتظم المجتمع في هيئات مدنيّة صغرى –وسمت نفسها بالمجتمع المدنيّ– أضحى من اليسير تفريخها واحتضانها وتجنيدها خدمةً لأجندات غير مدنيّة. هكذا خرجت من عباءة العمل المدنيّ منظماتٌ طفيليَّةٌ على المدنيّة، مُرتَهَنَةٍ، في أهدافها ومواقفها، لمن يدفع أكثر. فكيف تخدم منظّمات كهذه الديمقراطيّة وتفتقر إليها في ممارساتها؟ وهل يصون المصلحة العامّة من كان بُنيانه على مصالح فئويّة خاصّة؟ وكيف يكفلُ الحرّيّة من أعوزته الاستقلاليّة؟

على هذا النحو، إذن، لا يخلو هذا المخرج من مخاطر، ولا يعمل بالتلقاء. تستلزم الديمقراطيّة المدنية فضاءً مدنيًّا تعدّديًّا شاملًا لا يُقصَى منه أحدٌ (Fraser, 1990)، وإلّا استحال إلى فضاءٍ نخبويٍّ تتلاعب به سلطة المال والإعلام؛ فيصير النقاش العمومي صدًى باهتًا تسويغيًّا، يُعيدُ تدوير نقاش المؤسّسات السياسيّة والتمثيليّة، ويضفي عليه الشرعيّة.

نعم، يمكن للديمقراطيّة المدنيّة أن تمثل جوابًا عن معضلة التوتّر بين البعد الإجرائيّ الموضوعيّ للديمقراطيّة أُفُقها الحقوقيّ المعياريّ، إلّا أنّها ليست ذاك الحلّ السحريَّ. هي مشروعٌ طويلٌ في سيرورة تشيِيد المواطنة والتربية على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في رحاب المؤسّسات الاجتماعيّة والسياسيّة. بهذا يمكن بناء مواطنٍ يراقب ويشارك وينافح عن الحقّ العامّ في ظلّ ديمقراطيّة مدنيّة “إجرائيّة” في تنظيمها، “عادلةٍ” في معاييرها “تداوليّةٍ” ناجمةٍ من نقاش عموميٍّ داخل فضاءٍ مدنيٍّ عامٍّ ومفتوح.

 

المراجع

Bourdieu, P. (2001). Le mystère du ministère : Des volontés particulières à la « volonté générale ». Actes de la recherche en sciences sociales, 140, 7–11.

Cohen, J. L., & Arato, A. (1992). Civil society and political theory. MIT Press.

Dahl, R. A. (1989). Democracy and its critics. Yale University Press.

Dworkin, R. (1977). Taking rights seriously. Harvard University Press.

Gramsci, A. (1975). Le nombre et la qualité dans les régimes représentatifs. Dans Gramsci dans le texte (pp. 557–561). Éditions Sociales.

Habermas, J. (1996). Between facts and norms: Contributions to a discourse theory of law and democracy (W. Rehg, Trans.). MIT Press.

Keane, J. (2009). The life and death of democracy. Simon & Schuster.

Taylor, C. (1993). Multiculturalisme: Différence et démocratie. Aubier.

Waldron, J. (2006). The core of the case against judicial review. Yale Law Journal, 115(6), 1346–1406.

 

 

Leave a comment