بين العرب والدولة مُشكل دائم، لم يمكن تفكيكه أو تجاوزه. ولا تزال أسئلة الدولة، والسجال حول طبيعتها ودورها وموقعها في حياة الناس حاضرةً، كما كانت في لحظة تأسيسها الأولى، بالمعنى الذي نعرفه؛ أي في اللحظة الكولونيالية وما بعدها.
وأقام العرب أو أُقيمت لهم دول كثيرة؛ منها ما مضى عليه مئة عام تقريباً، ولكنهم مُولعون بالحديث عن “أمة واحدة”، وربما “دولة واحدة”، ليس في أفق عربي فحسب، وإنما في أفق الدين والإسلام أيضاً، وأحياناً أولاً. حديث يحيل صراحة أو ضمناً إلى “مخيال إمبراطوري”، إن أمكن التعبير، يزيده الإخفاق المتكرر والمزمن استمرارية وقوة!
لكن واقع الدولة العربية اليوم، أقرب إلى واقع سلطة أو طيف من سلطات متداخلة، منه إلى واقع الدولة بالتمام، أو واقع الأمة، بالمعاني التي نعرفها أيضاً. يقول عبد الله العروي، “مَن عانى السلطة، أية سلطة، يسمع في نهاية المطاف كلمة دولة التي تتجمع فيها ينابيع جميع السلطات”. (العروي، مفهوم الدولة، ص 5).
ووصف العروي نفسه الدولة العربية بأنها كذا سلطانية. دقق؛ لدى العرب عشرين دولة. وهذا رقم كبير نسبياً، ومع ذلك “لم يشبعوا” من الدولة، في خط المعنى الفرويدي لكلمة “إشباع”، طالما أن الدولة الراهنة ليست “نهاية المطاف” أو “كياناً نهائياً” بالنسبة إلى شريحة كبيرة منهم، وبالتالي لم يتصالحوا معها، بل عَدُّوها “صنيعة الاستعمار”، وثمة مَن عدها “ضد الأمة”، وأنها لم تكن الجواب الصحيح عن أسئلة السياسة لديهم، منذ ما عُرِفَ بـ”عصر النهضة”.
والدولة العربية الراهنة هي واقع “غير مرغوب فيه”؛ خصوصاً أنها ليست في أفضل حال، وباعتبار حالة الضعف في ميزان القوة في الإقليم والعالم، وتراجع القابلية الاجتماعية والشرعية، على ضعفها بالأساس، وإخفاق الدولة في تلبية الحد الأدنى مما وعدت به أو المؤمل منها، وربما في “تبرير نفسها”، في الداخل والخارج. والواقع أن الدولة العربية -على علاتها- ليست السبب الحصري في كل يشهده العرب اليوم؛ إذ ثمة عوامل أو فواعل كثيرة، منها ما يعود إلى طبيعة المجتمعات والشعوب نفسها، ومنها ما يعود إلى طبيعة النظام الإقليمي والعالمي وتجاذباته وإكراهاته الكثيرة.
وتتمركز ولاءات العرب واهتماماتهم حول هويات واتجاهات قيم وفعل مختلفة: منها ما دون الدولة، وقد لا يكون في أفقها: أي القبيلة والعشيرة والطائفة والجهة/ المنطقة.. إلخ، ويعد الدولة قوة قاهرة وعقبة تحول دون تحقيق “الذات”، وبالتالي يجب إضعافها وربما الانفصال عنها أو إعادة بنائها، أو الإمساك بها، بما يحقق المطلوب هووياً ومصلحياً وكيانياً.. إلخ. ومنها ما فوق الدولة؛ أي العروبة والإسلام، ويعدان الدولة عقبة يجب تجاوزها، وفي كل الأحوال “جائزة” يجب الفوز بها.
لا تزال تجربة الدولة ومنظورها والتفكير فيها مشوشاً ومأزوماً. ويقع القارئ على تعبيرات وتسميات وأوصاف للدولة العربية تنطوي على دلالات مهمة في هذا الباب؛ فهي: “تسلطية”، بتعبير خلدون النقيب. و”متضخمة”، بتعبير نزيه الأيوبي. و”مشلولة”، بتعبير محي الدين صبحي. (يتحدث صبحي عن العرب بوصفهم “أمة مشلولة”). و”رخوة”، بتعبير جلال أمين، استعاره من الاقتصادي السويدي غونار ميردال. و”تنين” أو “وحش”، بتعبير فالح عبد الجبار، استعاره من توماس هوبز. و”دولة الخوف”، بتعبير كنعان مكية. (يتحدث مكية عن “جمهورية الخوف”، ويعني بها العراق قبل عام 2003)، و”دولة العنف”، بتعبير فاضل الربيعي. (يتحدث الربيعي عن “الجماهيريات العنيفة”).
وثمة تسميات أخرى كثيرة؛ قد لا تخص الدولة العربية بالتمام، لكن يمكن إسقاطها أو سحبها إلى المجال العربي؛ مثل: “الدولة الهشة” أو “الفاشلة”، إذ يحتَلُّ عدد من الدول العربية موقعاً متقدماً في مؤشر أمريكي يصدر سنوياً عن “الدول الفاشلة” و”الدول الهشة” و”المهددة بالفشل”.
الدولة في العالم العربي مطلوبة ومرفوضة في آن. مطلوبة عندما تُعطي وتَحمي، ومرفوضة عندما تأخذ وتقمع. والعكس صحيح، من منظورها هي للمجتمع، فهو (أي المجتمع) أمر لازم؛ إذ لا دولة من دون مجتمع. والمجتمع جيد عندما يكون هادئاً وملتزماً بما يراد منه وله، ويسكت عن المطالبة بالموارد والمشاركة في السلطة. وهو غير جيد -من هذا المنظور- عندما يطالب بتوزيع الموارد المادية والمعنوية وتداول السلطة أو تنشأ فيه حركات معارضة أو نزعات كيانية.. إلخ، يا لها من أزمة!
ولا بد من الإشارة إلى وجود نوع من “التماهي” بين الدولة والسلطة في أكثر العالم العربي، وبين السلطة والنظام السياسي، وبين النظام السياسي ورأس الدولة.. إلخ، وكل ذلك يتكثف بتعبير واحد أو كلمة واحدة؛ هي: الدولة.
والواقع أن ثمة قدراً كبيراً من “الإهمال” في دراسة الدولة وفهمها، وقدراً أكبر من الالتباس والتعقيد في ظاهرة الدولة، ويمكن التركيز هنا على النقاط الرئيسة الآتية:
أولاً:
أن الأمة، بالمعنى الديني والقومي، قَوَّامَة على الدولة. (نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية). كما لو أن الأمة وليس الدولة، هي “كمال المعقولية” السياسية، بتعبير مستعار من هيغل، وهي (الأمة) إطار السياسة وأفقها. ويتأكد ذلك من تركيز الكتابات السياسية في الماضي أو ما يُعرف بـ”الآداب السلطانية” و”مرايا الملوك” على النصائح وأحكام الوزارة والسلطة، وليس الدولة، بالمعنى الذي نعرفه. وفعلت مثل ذلك الكتابات والسرديات الأيديولوجية القوموية المعاصرة. وإخفاق الدولة وفواعلها في أن تكون “إطاراً نهائياً” بالنسبة إلى مَن تحكمهم.
ثانياً:
وينسحب ذلك على أولوية من نمط آخر؛ هي أولوية الملة أو الجماعة على الدولة، ونعني بالملة والجماعة هنا، وهذا مجرد تحديد أولي وإجرائي: الجماعة الدينية أو العرقية أو اللغوية أو المناطقية في إطار الدولة وتحت سلطتها. هذا ما تشهده المجتمعات متعددة الهويات وخطوط الانقسام والاستقطاب في ما بينها أو بينها وبين الدولة نفسها. والتي عادة ما تتطور الحال فيها إلى صراعات داخلية وحروب واتجاهات كيانية أو انفصالية أو هندسة السلطة والحكم بكيفية تجعله مفخخاً بالعنف وقابلاً للانفجار عند محاولة أي طرف تغيير التوازن القائم، كما هي حال لبنان مثلاً، ويمكن أن ينسحب جانب من ذلك على العراق.
وأحياناً ما تكون الملة -بهذا المعنى- عابرة للدولة، كما هي الحال في عدد من بلدان المنطقة. ويتعلق الأمر مثلاً بوجود الكرد في مناطق الحدود بين العراق وسوريا، وبالطبع تركيا وإيران، ومثل ذلك بالنسبة إلى وجود القبائل والجماعات اللغوية والدينية والمذاهب والطوائف العابرة للحدود في عدد من دول الإقليم؛ مثل: الأمازيغ في شمال إفريقيا. والامتدادات القبلية في دول المشرق العربي والجزيرة العربية، وجنوب وادي النيل بين السودان وجنوبه، وبينه وبين كينيا.. إلخ.
ثالثاً:
أن الدولة، بطبيعتها وبنيتها وشروطها وتجربتها.. إلخ، ليست “نتاجاً طبيعياً” لواقع اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي أيضاً، بقدر ما أنها “نتاج” اللحظة الكولونيالية وخرائط سايكس- بيكو وسان ريمو ولوزان.. وغيرها، قبل أكثر من مئة عام. لكن تجربة الدولة لم تقف عند لحظة ولادتها أو تأسيسها الكولونيالي، وليست محض نتاج كولونيالي، بل غالباً ما تأسست على قابلية جنينية محلية، عمل الغرب نفسه على تعزيزها وتصعيدها وتنميتها. (الأيوبي، تضخيم الدولة العربية، ص192).
رابعاً:
لا تزال كائناً “غريباً” و”وافداً”. (بهجت قرني، تناقضات الدولة العربية، المستقبل العربي العدد 105). لم يتم التصالح معها بالقدر المناسب لوجود دولة آمنة وقابلة للاستمرار والاستقرار، كما أن الدولة القائمة لم تتصالح مع نفسها أو تطبع مع مجتمعها، أو هي لم تتمكن من إقامة علاقة متوازنة أو تنفصل بين تصورها عن نفسها وبين تصورها عن المجتمع، وبالطبع بين ذلك وتصور المجتمع لها وتوقعاته حيالها وانتظاراته منها.
وبدت صورة “مستنسخة” من تجربة الدولة في ماضي أوروبا، إنما بشكل مشوه أو غير مطابق للدولة هناك. (برتران بادي، الدولتان، السلطة والمجتمع في الغرب وبلاد الإسلام، 2017).
خامساً
إخفاق تجربة الدولة؛ إذ لم يتقدم العرب خطوة واحدة نحو “الدولة المأمولة” أو “المتخيلة”. وتمسكت نظم الحكم بالدولة القائمة، على الرغم من “تأثيمها” لها بوصفها “دولة تجزئة” و”صنيعة الاستعمار”، كما سبقت الإشارة، والقول إنها عقبة، وإنها ليست نهاية المطاف أو قل: مرحلة أو خطوة في طريق طويل!
سادساً:
والواقع أن ثمة نوعاً من “التفكير المضاد للدولة”؛ إذ عندما تضعف السلطة تصبح الدولة موضوعاً لـ”الغنيمة”. وهذه مسألة خلافية على أية حال، وتتطلب المزيد من التقصي والتدقيق.
سابعاً:
تجربة الصراع على السلطة (قُل: الصراع على الدولة) في عدد من البلدان العربية. والاتجاه لـ”بناء الدولة” في مرحلة ما بعد الحرب، عادة ما يكون نتيجة تسويات وتفاهمات بين فواعل الأزمة والصراع: فواعل ورهانات الخارج قبل الداخل، بكل ما يعنيه ذلك من توزيع للقوة، والحيلولة دون عودة نظم حكم ودول قوية.
ثامناً:
صحيح أن مركزة السلطة أدت إلى أنماط مختلفة من التسلط والديكتاتورية، وبالتالي الإخفاق في بناء دولة قابلة للاستقرار والاستمرار، إلا أن مجتمعات الصراع والحرب، تحتاج إلى مركزة للقوة (وليس توزيعها) بقدر حاجتها إلى توزيعها أو ضمانات للحيلولة ودون عودة التسلط. وثمة حاجة لتأكيد فكرة الدولة، ومركزة القوة والمعنى، وإلا بقيت الدول والمجتمعات “مفخخة بالعنف”، وذات شرعية ضعيفة، وانقسامية عالية.
تاسعاً:
أظهر الحدث العربي في عام 2011 والحروب والأزمات التي تلته، إلى أي حد أخفق العرب في بناء دولة قابلة للاستمرار والاستقرار. وأنهم بحاجة إلى تأكيد وخرائط حدود الدول الراهنة، بما هي منجز يجب الحفاظ عليه وحمايته، ليس في مقابل “الدولة المتخيلة” أو “المأمولة” قومياً وعروبياً، وأحياناً دينياً وإسلاموياً، وإنما في مقابل النزعات والهويات ما دون الدولة والتي أخذت تصيغ مقولات وتطلق مشروعات كيانية ودولتية، في نوع من “التقسيم الناعم” لعدد من الدول العربية.
أخيراً:
يبرز سؤال الدولة لدى العرب، في لحظة تشهد الدولة فيها تغيراً في مفهومها ودورها في النظام العالمي. ثمة اجتهادات كثيرة في هذا الباب؛ منها ما يتحدث عن صعود متزايد للفواعل والشبكات من غير الدول على حساب الدول؛ ومنها ما يتحدث عن استمرار أو “إعادة إنتاج” لفكرة الدولة ودورها في كل ما يجري.
إذا كان وضع الدولة في المنطقة العربية مُحاطاً بقدر كبير من الالتباس والاختلال، وأحياناً الرفض، والبلدان العربية ليست سواء؛ فذلك ليس لأن العرب لا يريدون الدولة، بل لأن ثمة عوامل عديدة تجعل من الدولة مشكلة مركبة، تكاد تكون مستعصية على الحل: من الصعب قبولها على ما هي عليه، بكل ما فيها من ضعف واختلال؛ ومن الصعب إعادة بنائها أيضاً، باعتبار الإكراهات الكثيرة في الداخل والخارج.