Skip to content Skip to footer

مضامين الزُّبر وزَبور داود مع د. يوسف أبو عواد

ما معنى دلالة الزُّبر والزَبور؟ وما الفرق بينهما وبين الكتاب؟ كيف وثقت الزبر تجارب الأمم السابقة لتكون مرجعًا للأنبياء؟ وما شروط وراثة الصالحين للأرض في زبور داود؟ وكيف نفهم مصطلح البينات في التنزيل الحكيم؟ أسئلة مهمة يجيب عنها د. يوسف أبو عواد باستخدام آلية اللسان العربي المبين، في #بودكاست_مفاهيم، على #منصة_مجتمع

 

ما الدلالة اللسانية لمصطلح “الزبر” وكيف يختلف عن الكتاب؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”، وكالعادة مع الدكتور يوسف أبو عواد. دكتور أهلًا وسهلًا بك،

يوسف: أهلًا وسهلًا.

باسم: صار لنا فترة لم نلتقِ.

يوسف: يا أهلًا وسهلًا.

باسم: إن شاء الله يكون في جعبتك أشياء جديدة.

يوسف: إن شاء الله.

باسم: نحن في الحلقات السابقة طبعًا تطرقنا إلى مفهوم الكتاب والوصايا، وما هي الوصايا، وتعرفنا كيف يمكن التعرف على الوصايا من خلال النص. الآن نريد أن ندخل بتفصيل أكثر في المقصود بالزُّبَر أو الزُّبُر؛ لأنه توجد لفظتان، توجد ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: 96]، و﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163]، أو الزبر التي أعطيت للأنبياء، منهم النبي داود.

يوسف: نعم، أهلًا وسهلًا بك دكتور، وبالسيدات والسادة المشاهدات والمشاهدين. هو طبعًا في الحقيقة فعلًا هذا هو التسلسل للوصايا والتوراة والإنجيل، نلاحظ ذكر الزبر تأتي مقترنة بالبينات وبالكتاب، ولذلك هذا هو الرابط الموضوعي بينها وبين ما سبق شرحه.

لكن من طريقة القرآن التي لاحظتها أنه أحيانًا يأتيك بنفس الجذر أو قريبًا جدًا منه بأحد مشتقاته، فيساعدك جدًا على بيان مفهوم الكلمة. هذا بُعد لساني نراه مثلًا في قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: 96]، طبعًا ليس زُبُر الحديد، زُبَر بفتح الباء، وزُبَر الحديد جمع، مفردها زُبْرَة على وزن شُقَق مفردها شُقَّة، وتُحَف مفردها تُحْفَة.

باسم: يعني مفرد زبر زبرة.

يوسف: أي نعم.

باسم: زبَرة أم زبْرة؟

يوسف: زبْرة بسكون الباء، مثل شُقّة وتُحْفة تمامًا، شقة شقق وتحفة تحف، فهي القطعة، يعني قطع الحديد التي استخدمها ذو القرنين، لما عمل السد، استخدم قطع حديد، ثم أضاف لها القطر المصهور. الآن هنا نحن صار لدينا تصور ما هو الجذر، على ماذا يدل؟ يدل على القطع المنفصلة الصغيرة من شيء كبير.

فلما نذهب مثلًا: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ…﴾ [آل عمران: 184]، هذه مثل رُسُل. رسل ما مفردها؟ رسول. طيب زُبُر مفردها زبور. ولذلك قال في آية خاصة بداود: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163]. لكن تشكل المعنى الآن الذهني أن هذه قطعة من شيء أكبر، أو من جنس كبير. فهمنا الآن أن معناها الزبور هو قطعة.

باسم: من شيء.

يوسف: قطعة، بالنسبة للكتاب هو قطعة، لكن فيها بعد مادي. دكتور إذا لاحظنا نحن لما تكلمنا عن نزول الكتاب الأول على موسى كانت الآيات تقول: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 145].

فكانت الآيات قد كُتبت في ألواح، ذكرنا بعد ذلك أيضًا الصحف، أن هذا وجود بُعد مادي لإنزال الكتاب، هذا طبعًا لم يحصل في الكتاب الخاتم. طيب إذن هو الزبور قطع مكتوب عليها تعليمات معينة، ولكنها مختصرة جدًا تناسب حالة عرضية، هذا معنى الزبر.

 

متى ظهرت الزبر وهل اقتصر نزولها على النبي داود؟

باسم: الزبر جاءت بعد التوراة لموسى؟

يوسف: بعد الكتاب لنقل.

باسم: يعني أوتيت النبي داود؟

يوسف: أي نعم، النبي الوحيد الذي خُصَّ بذكر زبور خاص به في القرآن هو النبي داود. لكن القرآن يشير إلى أن هناك أكثر من زبور، فهي إذن فيها، تضمنت بعض الأشياء. صحيح؟

باسم: نعم.

يوسف: مثل ما تضمنت الوصايا، مثل ما تضمنت التوراة والإنجيل، وهذه الزبر، طبعًا القرآن شرح، لم يترك شيئًا إلا شرحه.

باسم: فصّله.

يوسف: بالضبط: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: 184]. طبعًا كلمة البينات سنأتيها بالتفصيل لأنها تقترن بموضوع الكتاب اقترانًا موضوعيًا.

ولكن قبل ذلك نلاحظ أن الزبر ذكرت هنا وبعدها الكتاب، وهذا دليل على أنها قطعة صغيرة من ماذا؟ من الكتاب. كما أن زبر الحديد قلنا قطع…

باسم: من شيء.

يوسف: ولكن قطع مادية بحتة، يعني هنا اختلفت طريقة وزن الكلمة، لأنه أصبح فيها بعد معنوي وليس فقط بُعدًا ماديًا. تمام؟ يعني كما تقول أنت الرسول، فأيضًا فيه بعد معنوي، أنه هو إيصال الرسالة، وليست فقط مجرد رسالة مادية. فالزبور أيضًا فيه بعد معنوي وليس مثل زبر الحديد التي مفردها زبرة.

 

ما الدور الحقيقي الموكل لـ”أهل الذكر” حيال النص؟

يوسف: الآن في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ…﴾ [النحل: 43]، وهذه الآية مهمة جدًا لأن فيها جملة: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهذه الجملة محدودة، لأنها تستخدم أحيانًا للتحكم في الناس بالتوسع الكبير في الفتاوى كما تعرف دكتور، خاصة لدينا في المجتمعات الإسلامية استغلت هذه الآية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، بماذا نسألهم يعني؟ نسألهم بماذا أو لا نعلم بماذا حتى نسأل؟

مرة أخرى تقول الآية: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: 44]، هو سماهم ماذا أصلًا؟ أهل الذكر، يعني المطلوب منه فقط أن يذكرك بما هو موجود في هذه البينات وهذه الزبر، لا يوجد سلطة أكثر من هذا في هذه الإشارة التي يُطلب فيها السؤال. يعني إذا كنت أنت تريد أن تسألني، فأنا من أهل الذكر، غاية ما في الموضوع أني ألفت انتباهك إلى البينات وإلى الآيات الموجودة في الزبر والكتاب، فقط هذا هو.

 

هل البينات مجرد آيات أم صفة ذاتية تحمل بيانها؟

باسم: استخدام البينات والزبر وكأنه نتحدث طبعًا عن شيئين مختلفين، أو شيئين يعني يوجد فصل بينهما، هل البينات أقل من الزبر؟ هل البينات جزء من ماذا؟

يوسف: البينات موضوعها أوسع ونحن سنأتيها؛ لأنها تكررت 52 مرة في النص القرآني، لكن لأنها غالبًا ليست شيئًا ماديًا، يعني لا تقترن بالكتابة المادية كما قلنا عن الكتابة في الألواح، والكتابة في الصحف، والكتابة في الزبر، فهو ذكرها من باب التنوع في شكل الإنزال، وليس من باب اختلاف المضمون بالضرورة.

باسم: هل يمكن مثلًا اعتبار البينات هي الشروحات لشيء ما مثلًا؟

يوسف: البينات هي الآيات، انظر، ستجد 52 موضعًا في القرآن الكريم وردت فيها كلمة البينات تقترن بالآيات دائمًا وأبدًا، وهذا طبعًا هذا كالصاعقة، لماذا؟ لأن كلمة بينة في حد ذاتها هي ماذا؟ هي صفة مشبهة يسمونها في علم الصرف، صفة، صفة مشبهة باسم الفاعل، بمعنى هي تكتنز فاعليتها في داخلها وبطبيعتها.

يعني أبسط للسادة المشاهدين، أنت لما تقول مثلًا هذا الرجل ذاهب وراجع، كلمة ذاهب تشير إلى فاعلية، صح؟ يعني هو يفعل يقوم بفعل الذهاب، ويقوم بفعل الرجوع. لكن لما تقول مثلًا فلان بخيل أو كريم، هذه الآن تُسمى في الصرف العربي صفة مشبهة باسم الفاعل، لماذا قالوا عنها صفة مشبهة باسم الفاعل؟ فيها معنى الفاعلية؛ لأن الكريم يقوم بفعل الكرم، لكنه موجود في طبعه، أو كما يقال بالإنجليزية (Built in)..

باسم: هي جزء من بنيته.

يوسف: نعم جزء من بنيته. وهذه كما أقول مرة أخرى هي كالصاعقة على كل من يدعي عدم بيان واكتمال القرآن. لماذا؟ لأنه أنت لما تقول آيات بينات، إذن هي فاعلة في حد ذاتها، تُبين، والصفة فيها في بنيتها الأصلية، يعني صفة مدمجة في بنيتها.

باسم: لو وضعناها في مستوى المبين، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، يعني الإبانة جزء من البنية، بنية التركيب اللفظي أو النصي الذي في القرآن.

يوسف: بالضبط.

باسم: وهي أيضًا في البينات، الإبانة هي جزء من البنية الموجودة في البينات نفسها.

يوسف: أي نعم. مبين دلالتها أقل على الإبانة من كلمة بيّن، لماذا؟ لأن مبين هي، مرة أخرى، هي اسم فاعل، يعني يقوم بالإبانة، لكن بيّن يقوم بالإبانة ومع ذلك البيان في ذاته، يعني بُنيت الآية أصلًا بطريقة تكون فيها بيّنة واضحة، بنيتها الأصلية، طبيعتها. وطبعًا هذا الوضوح له آلة، وهي اللسان مرة أخرى.

يعني هذا الوضوح، البيان، بماذا يحصل؟ كيف أصل لهذا البيان؟ باستخدام اللسان، هي الآلية الحصرية التي تحدث عنها القرآن، لم يتحدث عن آلية أخرى. لأنه يأتينا يا دكتور طبعًا كما قلنا، نحن نتابع كل التعليقات حتى إن لم نستطع الرد، يقول لك أنت لماذا تتمسك بالتحليل اللساني، التحليل اللساني أو يقولون اللغوي طبعًا لا يكفي. لست أنا من قرر أنه يكفي، القرآن نفسه هو الذي قرر أنه يكفي.

باسم: أنا يبدو لي الشخص الذي يقول لا يكفي لأنه هو أيضًا قدرته على الفهم قليلة، وبالتالي يحتاج إلى شيء خارج النص حتى يفهم النص، وبالتالي قرر أن هذه الآلية لا تكفي لإشباع رغبته المعرفية في النص.

يوسف: أي نعم، هو نوع من المتابعة والتقليد، وعدم القدرة… أيضًا فيه نوع من عدم الثقة، عدم الثقة ناتج عن عدم امتلاك الآلة طبعًا. النص يقول لك: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 193-195]، فهو قرن الإبانة بماذا؟ باللسان العربي. لكن اللسان العربي كما قلنا اسم فاعل، ماذا يفعل؟ يعطيك وسيلة للإبانة. الإبانة موجودة في بنية الآية نفسها، ليست في شيء آخر، في نفس بنية الآية. الإبانة موجودة.

 

كيف يسهم الترتيل والتحليل اللساني في استنطاق مقاصد القرآن؟

باسم: تبين معنا أثناء تدبر أو ترتيل الآيات القرآنية ضمن مواضيعها الخاصة بها، أن الآيات أفصحت عن مكنونها المعرفي وفق هذا التسلسل الترتيلي.

يوسف: أي نعم، بالضبط. وقلنا للسادة المشاهدين يمكنكم أن تحذفوا الكلام، نحن غاية ما في الموضوع أننا فقط نلفت انتباه السادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات للآيات. يعني الكلام المستنتج هذا، فقط أعد صف الآيات وانظر لوحدك، ستستنتج هل هذا مجرد رأي نحن نريد أن نضيف رأيًا مثلًا للآراء الموجودة، آلاف ومئات الآلاف من الآراء؟ لا، نحن نريد إعطاء آلية فقط.

والتأكد أيضًا يبقى على عاتق من يتابع أن يتأكد من صحة ما نقول، ليكون مبدأ يعني مبدأ ينطلق منه الجميع.

 

من هم “أهل الذكر” وفقًا للمعيار القرآني الموضوعي؟

يوسف: لكن أيضًا مرة أخرى دكتور نذكر أنه ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، ما مهمة أهل الذكر عندما يسألون؟ أن يذكروا فقط، هذا هو، عملية التذكير، ليس له سلطة إضافية غير تذكير الناس بمضمون البينات والزبر.

باسم: من هم أهل الذكر هنا؟ يعني في كتب التراث يوجد مجموعة من الأجوبة التي كل جواب يعارض الآخر، هناك من قال بني إسرائيل، هناك من قال الذين كانوا حول الرسول الكريم، هناك من قال الذين يعرفون الكتب القديمة. يعني يوجد أكثر من جواب، في مضمون من هم أهل الذكر، هل أهل الذكر هو مثلًا شيخ القرية مثلًا نفترض؟ هل هو الحاخام؟ هل هو مثلًا القس؟ يعني هل هو رجل الدين هو من أهل الذكر؟ هل العالم في مجاله هو من أهل الذكر؟ أم العالم بالنص القرآني هو من أهل الذكر؟

يوسف: طيب جميل، هي الكلمة كما قلنا بينة في ذاتها ومن ذاتها. كلمة أهل سبق لنا أن شرحنا أن الأهل هو المؤهل لشيء ما، ومنه أُخذت كلمة التأهيل والأهلية. طيب، والذكر هو ضد ماذا؟

باسم: ضد النسيان.

يوسف: بالضبط. إذن أهل الذكر هم المؤهلون للتذكّر من غير أن يتخلل ذلك نسيان ولا حذف ولا إخفاء ولا تحريف.

باسم: يعني أي شخص عالم في موضوعه يُعتبر، يمكن أن يُعد من أهل الذكر؟

يوسف: أي نعم، لكن هو يعطيك المعلومة الموجودة في الموضوع نفسه؛ لأن القرآن يعيد تحميل المسؤولية الفردية للإنسان، أنه ليست أبوية، يعني ليس تقليدًا ولا تقديسًا لبشر. المقصود مثلًا لو أنت أردت أهل الذكر في علم الفيزياء، هو من ينقل لك حقائق الفيزياء أو النظريات أو الفرضيات كما هي، هو يقول لك علم الفيزياء اليوم أثبت كذا وكذا، وعندنا نظرية نسبة إثباتها تسعون بالمئة كذا وكذا، وعندنا فرضية ما زلنا نبحث فيها هي كذا وكذا، هذا من أهل الذكر في الفيزياء.

إذا جئت إلى موضوع الكتاب من هم أهل الذكر؟ لاحظ الآية مرة أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: 43]، إذا أردت أن تتأكد فعلًا أن من قبل الرسول كانوا رجالًا شأنهم شأن الرسول؛ لأنه كان مشكلة عند الأقوام، مشكلة أنه لماذا الرسول يأتي رجلًا؟ يعني لماذا يأتي بشرًا؟ لماذا لا يأتي ملكًا مثلًا؟ لماذا لا ينزل لكل إنسان كتاب؟ فهذه الآية جاءت نوعًا من الرد أنه أصلًا كل من قبلك من المرسلين هم كانوا على نفس النمط بنفس السنة الإلهية أنهم يأتون رجالًا.

باسم: هل هنا رجالًا يقصد بها ذكورًا، أم رجالًا يقصد بها ذكورًا وإناثًا؟

يوسف: والله نحن لا نجد، هو كلمة رجل أصلًا لسانيًا هو يشير إلى من يتحرك نحو شيء ما. لماذا؟ لأننا كما قلت إذا أردنا أن نفهمها نفهمها من العضو المرتبط بها وهي الرِّجْل. الرِّجْل تشير إلى الحركة، مثل تقدم فلان من القدم، لاحظ اللسان فيه بُعد حسي وفيه بُعد تجريدي أو معنوي. الآن أنت لما تقول أيدته، ما معنى أيدته؟ يعني وضعت يدك مع يده، ثم صار لها بُعد معنوي أكبر يعني ليس بالضرورة أن توجد يد بعد ذلك. وتقول ساعدته، يعني وضعت الساعد مع الساعد، وعاضدته، يعني وضعت العضد مع العضد.

 

ما الفرق بين اليد والكف لسانيًا في القرآن؟

باسم: هناك آيات القرآن تشير إلى وجود الكف.

يوسف: أي نعم.

باسم: لم يسمِّ الكف يدًا، بينما اليد مثلًا سمّاها في مواقع أخرى. مثلًا ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ…﴾ [الكهف: 35]، وهو ﴿… يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: 42].

يوسف: ممتاز. الآن أنت أخذت أحد وجهي اليد وليس اليد بكاملها وكامل قوتها. إذا أخذت اليد بكامل قوتها تشتق منها بعد ذلك موضوع التأييد. لكن الكف أنت أخذت منه أحد الوجهين الذي يشير إلى القَلْب، أنت أخذت أحد وجهي الكف فقط هذا هو.

 

هل اشترط القرآن الذكورة في الرسل أم قصد فاعلية الحركة؟

يوسف: فإذن الرجال يشير إلى حركة وفاعلية الرسل في السعي إلى إيصال الرسالة إلى أقوامهم.

باسم: لكن الرسل لا تعني فقط موضوع أهل الذكر بالتأكيد سيشمل الذكور والإناث، لأنه أيضًا توجد إناث أيضًا من أهل الذكر.

يوسف: مئة بالمئة، موضوع أهل الذكر لا يوجد فيه أي إشارة، هو حتى اقتصار الرسل على الذكور ليس من هذه الآية، هو من التتبع، نحن لم نجد من تتبع النص القرآني أنه ذكر رسول أنثى، لكن الآية هنا تشير إلى الرجال بحكم الفاعلية، وليس بحكم أنه ذكر أو أنثى.

باسم: ليس حكم الجنس.

يوسف: أما أهل الذكر فهو موضوع شامل كل من يذكر الآيات البينات والكتب والزبر بدون نسيان، فإنه من أهل الذكر.

 

كيف حدد النص القرآني طبيعة تبيين الرسول للوحي؟

يوسف: لذلك نجد في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 197]، صحيح؟ يعني هنا يخاطب فيمن عارض الكتاب بنزوله الثاني، يقول أليس له آية أن علماء بني إسرائيل يعلمون به؟ علماء بني إسرائيل كما قلنا بني إسرائيل هم من أسروا بفكرة الرسالة السماوية فهم يعلمون أن هذا الرسول ليس غريبًا، يعني هو لم يكن بدعًا من الرسل، هذا هو، ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9]، إذن هو نفس الفكرة الرسل الذين قبله وبنفس المحتوى ونفس التوحيد البشري الذي يشير إليه النص. فإذن هذا معنى أهل الذكر بالبينات والزبر.

ولذلك بعد ذلك قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ…﴾

باسم: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].

يوسف: ممتاز. إذن تبيين الرسول، هذه نقطة مهمة شديدة الأهمية، هو يكون تبيين الرسول بالذكر نفسه، بإخبار الناس بهذا الذكر أم بشيء آخر؟ إذا كانت البينات صفة من بنية الآية أصلًا، فإن تبيين الرسول يحصل فقط بذكر الآية.

باسم: وليس كما يشاع في كتب التراث أن هذا دليل على أن القرآن يُفهم بالاستعانة بما يُسمى بالروايات المنقولة عن الرسول مثلًا.

يوسف: أي نعم، وهذا يمكن إثباته أنا أقول بآلاف الطرق من القرآن الكريم، وليس بآية ولا عشر آيات ولا مئة، يمكن أن نستخدم أكثر من ألف طريقة لإثبات هذا الموضوع. من ضمنها هذا موضوع البينات، كما قلنا؛ لأنه لما قلنا الآية بيّنة، بنية البيان من داخل الآية نفسها، هذا البعد اللساني.

باسم: يعني هذه الآية لا تحتاج لشخص أن يجتهد ويبين ما فيها.

يوسف: لا. ولذلك هو لما قال لك في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، خلاص، الآن أنت موضوع الذكر لا تحتاج إلى أهل الذكر ليوصلوه لك، لأنه موجود ومحفوظ.

باسم: طيب إذن أين الخطأ الذي وقع فيه الأقدمون؟

يوسف: أي نعم، الخطأ…

باسم: في فهم هذا أنه تبيّن أنه تحتاج لآخر أن يبين ما موجود فيه مثلًا، أو يشرح، وأن يفسر النص.

يوسف: الخطأ عدم جمع الآيات التي تتحدث عن الموضوع نفسه، يعني أنا لما أقرأ الآية: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا﴾ [النحل: 89].

باسم: ﴿لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89].

يوسف: أي نعم، ﴿تِبْيَانًا﴾ من ناحية بنية وزن الكلمة تبيان أعلى من بيان وأعلى من تبيين. البيان هو البداية، تبيين أبلغ من الفعل بيّن، تبيان من الفعل تبيّن. فإذن أعلى درجات البيان في الكتاب نفسه، الكتاب هو التبيان. فلما يقول لك: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ﴾، ما الذي سيفعله الرسول عندما يبين؟

باسم: لا يشرح ولا يفسر.

يوسف: يقرأ الآية فقط.

باسم: نص الآية.

يوسف: أي نعم، هناك مهمة أخرى سنأتيها لما نشرح موضوع الرسول، لكنها مهمة عملية متغيرة بتغير الزمان والمكان. أما من ناحية الذكر، فهو بيّن في ذاته، وتبيين الرسول له هو فقط قراءته على الناس كما هو، هذا هو التبيين.

باسم: يعني تلاوة النص كما جاء.

يوسف: دكتور لو كان شيء آخر إذن النص ليس بيّنًا. يعني أنت النص يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]، صح؟ وآيات بيّنات كما قلنا تكررت 52 مرة. طيب إذا كان الكتاب نفسه غير بيّن، يمكن أن أقول أن الرسول بيّنه بشيء آخر. لكن أنا لما بحثت في كامل مساحة النص القرآني وجدت الكتاب بيّنًا، والآيات بيّنات، والكتاب الذي أُنزل على موسى بيّن، إذن ما معنى أن يبين الرسول؟

باسم: يتلو الآيات للناس.

يوسف: فقط، هذا معناه، هو في آية أخرى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لاحظ الآن الحكم النهائي، ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾، العكس ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]. خلاص فقط.

باسم: وإن كتم عكس تبين.

يوسف: بالضبط. إذن عكس البيان الذي يتحدث عنه القرآن والتبيين هو الكتمان.

باسم: حتى الآية التي تلي: ﴿إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 23].

 

ما الفرق الجوهري بين النذير والرسول في الأمم الأولى؟

يوسف: ممتاز جدًا، ﴿إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 23]، يعني مهمته فقط الإنذار، وكلمة نذير أعم من كلمة رسول طبعًا؛ لأنه أيضًا بعض المشاهدين سألوا عنها، قالوا أنت قلت إن بين آدم ونوح لا يوجد أنبياء، وأن الناس كانوا أمة واحدة، وحتى آدم نفسه لم يكن نبيًا ولا رسولًا، ولا توجد ولا آية في النص القرآني تقول إن آدم نبي ولا رسول.

طيب قالوا ولكن توجد آية أخرى تقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]. طيب والآية التي تقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: 213]، نحن قلنا لا يوجد رسل، لسنا نحن الذين قلنا، الآية قالت لك: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 213]، يعني في مرحلة لاحقة.

طيب كيف تحل هذا الإشكال؟ قالوا هذا إشكال يعني صار تضارب، لكن التضارب هذا ليس من القرآن، من عدم فهم اللسان مرة أخرى. لماذا؟ لأن الآية تقول لك: ﴿إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾، و﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، هل الآية قالت رسول أو نبي، أم قالت نذير؟

باسم: نذير.

يوسف: طيب كلمة نذير هي نفس كلمة رسول؟ أم هكذا نكون قد رجعنا للاعتباطية ونفسر الكلمات ببعضها؟

باسم: صحيح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24].

يوسف: ممتاز. هل النذير شرط أن يكون رسولًا أم الفطرة قد تكون نذيرًا؟ تجربة سابقة قد تكون نذيرًا، يعني فترة البشر بين آدم ونوح كان النذير فيها فطرة الإنسان الصافية والنقية، زائد التجربة البشرية السابقة لآدم وزوجه وابني آدم، فقط. هذا هو النذير الموجود في هذه الفترة. وهذا النذير كافٍ، كان كافيًا لأنه لو حصلت أخطاء فردية، يعني هذه الأمة الواحدة التي هي بداية البشر، نحن لا نقول إنها منزهة، لكن كان لما يحصل خطأ ترده الفطرة، ويرده معرفة البشر بتجربة أبويهم وتجربة ابني آدم، انتهى. لما أصبحت الفطرة لا تردع، بدأ بعث الرسل.

باسم: وإنزال الكتب.

يوسف: أي نعم، فهكذا تتكامل الفكرة، لكن لو قالت الآية: وإن من أمة إلا خلا فيها رسول، لدخلنا في مشكلة، لكن هذا ليس موجودًا في القرآن، أرأيت كيف؟

بخصوص قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [يونس: 47]، فإنّ الآية هنا لا تشمل الأمة الواحدة بين آدم ونوح، وإنما تتحدث عن الأمة التي وقع بينها اختلاف، بدليل قوله في الآية نفسها (قضي بينهم).

 

كيف تدرج الوحي الإلهي من البينات إلى الكتاب المنير؟

طيب: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: 25].

هذا هو التدرج كما قلنا. البينات وصف لكل الآيات التي جاءت لكل الرسل. الزبر وصف للقطع التي هي أصغر من الكتاب التي كانت تنزل بشكل عرَضي لسبب عرَضي. وثم: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ  فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: 26]، هذه السنة التي كنا نقول إنه كان الله ينزل عقوبات سماوية فتنهي الأقوام قبل، يعني كان آخرها إغراق فرعون.

باسم: تُستخدم صفة المنير للكتاب، هل المقصود فيه الكتاب مثلًا الذي أنزل على النبيين موسى والنبي محمد عليهما السلام؟

يوسف: أي نعم طبعًا، مئة بالمئة، هذا أصلًا جاء في نصوص الآيات، وصف الكتاب بأنه نور وهدى. هذا جاء في حق موسى، وجاء في حق الكتاب الذي أنزل على النبي محمد عليه السلام. نعم هو فيه نور وهو منير، كما قلنا فاعل بمعنى متحرك.

باسم: يعني منير، مبين، مجير، نفسها.

يوسف: نعم نعم نعم، هذه اسم فاعل. نحن ممكن بدأنا نستخدم بعض المصطلحات اللسانية، ولكن حتى يفهم السادة المشاهدون أن هذا ليس بحثًا، عشوائيًا دكتور. نحن نستخدم أسسًا وما نقوله بمثابة، سامحني سأستأذنك، بمثابة التحدي أن يُنقض باللسان نفسه وبالكتاب نفسه، بالعكس إذا اكتُشف خطأ، جلّ من لا يسهو، نحن ليس عندنا مشكلة، لكن نحن نحاول قدر الاستطاعة جمع كل الآيات التي تتحدث عن الموضوع واستخدام قواعد لسانية معروفة عند علماء العربية، لست أنا… لا نأتي بقواعد من رؤوسنا.

 

ماذا حوت الزبر من أحداث وتجارب للأمم السابقة؟

يوسف: طيب، ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ﴾ [القمر: 43]، الآن سيشرح لك مضمون الزبر. لاحظ النص كيف عجيب، أول شيء لما ترتب الآيات بطريقة صحيحة أعطاك فكرة ما هو مفهوم زبر الحديد. بدأت بشيء محسوس، الإنسان عادة تفكيره يفهم المحسوس ثم ينتقل إلى المعاني المجردة. ثم راح للزبر، صار هناك نوع من التجريد.

الآن ماذا في الزبر؟ طيب أنا أسأل أهل الذكر، أين أهل الذكر الآن لأسألهم بالكتب السابقة؟ ما هو الكتاب خلاص نزل مهيمنًا حتى يحفظ لنا كل ما سبق، صح؟

باسم: صح.

يوسف: طيب جميل، إذن ماذا كان في الزبر التي أنزلت على بعض الأنبياء؟

لاحظ: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: 43]، إلى أن قال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ [القمر: 51]، هنا يخاطب من كفروا بالرسالة الخاتمة، ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: 52]، ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ [القمر: 53]، من الاستطار يعني أصلها سطر، يعني مسطور في الزبر. بمعنى أن ما كان يحدث مع كل قوم يكذبون رسولهم يكتب في الزبر للنبي اللاحق حتى يكون تجربة يستفيد منها اللاحق من السابق ولا يقع في نفس الخطأ.

باسم: يعني عبارة عن أرشفة للأحداث التي كانت تتم في الأمم السابقة وتُنقل إلى الأمم اللاحقة أو للرسول اللاحق، حتى مثلًا يعتبر منها أو يتعلم منها، أو يتعظ الآخرون منها.

يوسف: أي نعم، ولا يقعوا في الخطأ الذي وقع فيه من سبقهم، هذه هي طريقة الزبر. لاحظ كيف القرآن وضحها وأنهى الموضوع وأقفل عليه خلاص، يعني لا أحد بعد ذلك يستطيع أن يدخل فيغير أو يحرف.

 

هل مثلت الزبر أرشيفًا سماويًا لحفظ تجارب الأنبياء؟

باسم: طيب هذه الزبر، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾، هل هذه مثلًا موجودة عند رب العالمين، أم كانت موجودة عند البشرية أو عند النبي المستقبل؟

يوسف: ممتاز جدًا جدًا، قبل نزول الكتاب الخاتم كانت تنزل على كل نبي بعدُ تجربة لنبي سابق، الآن لما نزل الكتاب الخاتم جاء بكل هذه المضامين ووضعها أين؟ في الكتاب.

باسم: يعني الزبر سابقة على الكتاب؟

يوسف: أي نعم طبعًا، الزبر سابقة على الكتاب. نحن قلنا بالبينات والزبر والكتاب، لاحظوا التسلسل: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.

 

كيف كانت الزبر السابقة دليلًا حاضرًا وقت نزول الرسالة الخاتمة؟

يوسف: هذه سورة القمر دكتور، هي أصلًا بدأت تتحدث عن قصص السابقين صح؟ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: 9] إلى آخره، ثم بعد ذلك يذكر قصة قوم عاد، ثم يذكر قصة ثمود، ثم يذكر قصة لوط، ثم يذكر فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر: 41]، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر: 42]. ثم يقول: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ﴾ [القمر: 43].

باسم: ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ﴾ [القمر: 43].

يوسف: يعني لماذا لا تعتبرون؟ هو هذه الأخطاء التي وقعوا فيها أنا شرحتها لكم في الكتاب، ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: 43]؟ هل هذه الزبر التي تذكر هذه المعلومات لكم براءة فيها؟ ثم قال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: 52]. طيب كيف نرجع إلى الزبر؟ قال لك أنا ذكرته خلاص انتهى، ذكر قصص الأقوام كلها بتفاصيلها.

باسم: ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾، بمعنى الزبر كانت بين أيدي الناس، لأنه وكأنه مطلوب للناس ارجعوا، هل توجد براءة في الزبر التي بين أيديكم مثلًا؟

يوسف: نعم، صحيح، هذا كما قلنا في التوراة والإنجيل، أنه على الأقل في وقت نزول الكتاب الخاتم كانت موجودة من غير تحريف، لماذا يحيل إليها؟ لأنها موجودة، قال لهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: 43-44]، فكانت شاهدًا على توافق الكتاب الخاتم مع مضمونها في وقت النزول على الأقل.

باسم: يعني حتى في وقت النزول كان هناك أناس يعرفون ما كان في الزبر وما كان في البينات.

يوسف: أي نعم، بالضبط هذا استنتاج صحيح مئة بالمئة. وما في التوراة وما في الإنجيل كما سبق وشرحنا.

باسم: طيب أين ذهبوا؟

يوسف: دكتور، نعم، هنا هذه أيضًا نقطة سأل عنها الآن السادة المشاهدون، يسقطون كلامنا على ما يقال في التاريخ التلمودي إن هذه التوراة، أنت إذا لاحظت مثلًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]. طيب نحن لما رتلنا الآيات المتعلقة بالتوراة مضمونها لا يتجاوز صفحة فقط، لا يتجاوز صفحة واحدة. كيف النص يقول: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾؟ الأسفار مفردها سِفر، والسفر ليس كتابًا عاديًا، كتاب ضخم، وجمعه أسفار يعني مجموعة كبيرة من الكتب تحتاج أصلًا في نقلها إلى دابة حتى تنقلها لاحظ، لأنها من شدة ثقلها. إذن هم لما نزلت التوراة كتبوا كتبًا كثيرة جدًا، ثم ماذا عملوا في الكتب؟ خلطوها. الآن أن تُسمى هذه توراة الآن، هذه ليست مشكلتي أنا، ولا أنا أقصد التوراة التي يسميها النص.

باسم: هي ليست هذه التوراة التي أنزلت.

يوسف: ولا هذه التوراة التي يقول عنها النص غير محرفة، لكن هي في وقت التنزيل كانت معروفة مئة بالمئة، والإنجيل كان معروفًا وغير محرف، والزبر كانت معروفة عند العلماء الذين يعرفون بهذا، الذين قال عنهم النص أهل الذكر، كان كله معروفًا، ثم خُلط به ما خلط، وصارت العودة إلى التراث التلمودي، وخُلط حتى بالقرآن، لولا حفظ النص نفسه لكنا نحن دخلنا الآن في نفس الإشكال، لكن النص القرآني أصلًا تميز بأنه حُفظ.

 

أين نجد مضامين “زبر الأولين” ضمن رسالة الكتاب الخاتم؟

يوسف: طيب، هناك مضمون آخر وُجد فيه “زبر الأولين”، وهو المضمون الثاني والأخير. يعني الزبر الآن فهمنا أنها كانت تحتوي التجربة، كل زبر ينزل على نبي…

باسم: كان ينقل تجربة النبي السابق مع قومه.

يوسف: مئة بالمئة. الآن في سورة الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196]. الضمير هنا عائد على آيات سابقة: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 193-195]، ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾. بمعنى أن هذا الكلام الذي أُنزل على الرسول الخاتم أين موجود؟

باسم: في زبر الأولين.

يوسف: نعم، فالناس قالوا كيف تقول الكتاب واحد، يوجد أناس عندهم عقدة من أن يروا المجتمع البشري يعود إلى حالة الوحدة، الأمة الواحدة. لا أعرف لماذا؟ كيف تقول الكتاب؟ لست أنا الذي قلت الكتاب واحد، هذه الآية تتحدث ﴿إِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 192] عن ماذا؟ عن القرآن، ثم يقول لك ﴿وَإِنَّهُ…﴾

باسم: وإنه القرآن نفسه.

يوسف: ﴿… لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ﴾ [الشعراء: 196-197]، علام يعود الضمير؟ على التنزيل، ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 197]. لماذا علماء بني إسرائيل؟ لأنهم هم من أسروا فاعتنوا بموضوع الكتاب والرسالة وكذا، ونحن قلنا هذا مفهوم، يعني كلمة مفهومية وليست عرقية.

فكل من أسرى إلى الله ففهم مضامين الرسالة كان يعلم أن القرآن الذي نزل هو موجود أصلًا في الزبر، وموجود في التوراة، وموجود في الإنجيل، وموجود في الكتاب. هو جمعها لم يزد على أن جمعها وأظهر ما أُخفي وصحح ما حُرّف.

 

لماذا لجأ المفسرون للتراث بعيدًا عن بيان القرآن لذاته؟

باسم: يعني كل مرة أستغرب أن الآيات واضحة مثل وضوح الشمس، لماذا هذا اللبس في كتب التراث، في سوء فهم مقاصد النص أو مقاصد آيات من هذا النوع؟ يعني الآيات لما ترتلها واضحة، ليست بحاجة لوسيط ولا بحاجة لشخص متخصص في شيء، أي واحد يستخدم آلية اللسان العربي المبين ويقوم بعملية ترتيل وتدبر الآيات بالشكل الجميل، سيصل إلى المعنى الذي تقصده الآيات بوضوح بدون أي عناء.

يوسف: أي نعم، وكأن الشعور بالنقص الثقافي إن صح التعبير، يعني عند من تولّى النظر في القرآن قياسًا مع أهل الكتاب الذين كان عندهم أسفار كثيرة، جعلهم… وهؤلاء عندهم علوم كثيرة وأسفار كذا، فذهبوا يأخذون منهم العلوم، ولم يسيروا مع حرفية النص الذي يقول لهم أنا كافٍ لتفسير ذاتي بذاتي وبيان ذاتي من ذاتي، فلم يفعل هذا الشيء للأسف الشديد.

 

كيف تسببت “الزبر” المصطنعة في تمزيق وحدة الأمة؟

يوسف: طيب، ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ [المؤمنون: 52-53]. هذا في جواب على سؤالك يا دكتور، إنه حتى بعدما نزلت الكتب وكان الناس أمة واحدة، الآن الزبر التي تفسد على ما أنزله الله، كتب يعني، تؤلف كتب، هذه الكتب ماذا تفعل؟ تذهب بالناس عن النص الأصلي، فتصطنع نصوصًا جديدة، وكل فرقة لها ماذا؟ لها زبور خاص. هذا ليس الزبور الذي أنزله الله.

باسم: هذا موجود حاليًا عندنا، نفسه موجود.

يوسف: للأسف، أنت تلاحظ أن النص حي ويتحدث عن قضايا حية.

باسم: يعني موجود عند المذاهب، موجود عند أهل الطوائف، السنة، عند الشيعة، عند ملة اليهود، عند ملة النصارى، عند ملة البوذيين.

يوسف: كل أناس لهم زبور.

باسم: كلهم لهم زبورهم الخاص.

يوسف: بالضبط هذا هو.

باسم: ولكل زبور شيخ.

يوسف: نعم، مئة بالمئة، نظام كامل، ولاية. ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾، الله يحدث الناس يقول لهم أمتكم يا بشر.

باسم: أمة واحدة.

يوسف: ما الذي فرقكم؟ هذه الزبر التي كل فرقة تصنع لها زبورًا. يقول لك فلسفة الحزب، أبجديات الفرقة، أصول المذهب، لا أعرف ماذا، هذا هو.

باسم: أو اختيار نوع من اللباس، مزركش، أحمر، وأخضر، وأصفر.

يوسف: طبعًا يتحول بعد ذلك إلى لباس، إلى أشكال، وإلى آخره.

 

لماذا اعتنى القرآن بتفصيل زبور داود وميزه عن غيره؟

يوسف: طيب، الآن هناك زبور واحد مفرد كما قلنا اعتنى به النص وهو الذي يتعلق بالنبي داود، نجده لما قالت الآية: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]، إلى أن قال في الآخر: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163]. لماذا؟ لماذا اعتنى بزبور داود تفصيلًا؟ ونحن قلنا التفصيل أن تفصل جزءًا. لاحظ هذا مثال على التفصيل، كنا شرحنا دكتور أن البيان هو شرح تفريعات الشيء الواحد، يعني أنا أكشف لك عن شيء واحد كشفًا تامًا، مثل ما يكون شيء فيه “غباش” فتزيل عنه “الغباش”، هذه عملية التبيين. الآن التفصيل أنه تكون هناك مجموعة أشياء فتفصل كل واحد وحده حتى يزداد وضوحًا. طيب، فالآن هنا فصّل أو فصل الزبور، زبور داود عن الزبر الأخرى؛ لأن له قضية خاصة، فجاء النص ففصله هذا التفصيل.

باسم: هنا إشكالية، لاحظ الآية تقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ إلى آخره. و﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ۖ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وكأنه لم يوحَ إلى داود.

يوسف: لا، هو هذا مشمول بالوحي، لكن ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ﴾ [الإسراء: 55]، يعني بعض الأنبياء لهم فضل من الوحي، على بعض الأنبياء لما يناسب حاجة القوم الذين هو معهم.

لكن هذه الآية نص في أن آدم ليس نبيًا ولا رسولًا ولا أتاه وحي أصلًا. الوحي من أين يبدأ؟ من نوح: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]. ففترة البشر من آدم إلى نوح لم يكن فيها أنبياء، صحيح، نذير الفطرة موجود، نذير تجربة الأبوين وابني آدم موجود، وهذا كما قلنا أكبر دليل على عدم الحاجة الضرورية للبشر لا لأنبياء ولا لكتب لو أنهم ساروا على الفطرة.

باسم: ما كان هناك حاجة إلى كتب صحيح.

يوسف: هذا الدليل القاطع.

 

من هم “الصالحون” المؤهلون لوراثة الأرض وإعمارها؟

يوسف: طيب، الآن هذا زبور داود، ماذا كان فيه؟ لنقرأ، هل النص شرح؟ أم قال لي اذهب ابحث عن الزبور في الكتب والروايات والإسرائيليات: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]. خلاص، شرح لك ماذا كان في الزبور جملة: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.

طيب، لنربط يا دكتور، لما خلق الله آدم ماذا قالت الملائكة؟ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30]. إذن المطلوب أن يُصلح فيها ويحقن الدماء، من الذي سيرث الأرض ليقوم بواجب الخلافة إذا حصل العكس؟ الصالحون.

هذا كنا قد شرحناه لما تفشل تجربة قوم في خلافة الأرض بالصلاح يُهلكون ويأتي من يرث الأرض من الصالحين.

باسم: هنا يُفهم لفظة “الصالحون” ليس الذين يكثرون من الصوم والصلاة والتعبد أو إدامة الطقوس أعتقد.

يوسف: هذه الطقوس كما قلنا كثيرًا جاءت في آخر الوصايا؛ لأنه شأن فردي تمامًا، أنت…

باسم: أما الإنسان الصالح هو الإنسان الذي يعلم بالضبط كيف مثلًا، كيف يرث الأرض.

يوسف: أي نعم، كلمة صالح فاعلة، يعني هل هي كلمة فاعلة؟ وزنها ماذا؟ فاعل، يعني ماذا؟ يقوم بالفعل.

باسم: صح.

يوسف: يقوم بفعل. هناك علاقة بينه وبين الأرض، علاقة إعمار وعلاقة إصلاح.

باسم: علاقة علم ومعرفة وتطبيقات.

يوسف: أي نعم طبعًا سيكون عن علم ومعرفة.

 

ما دلالة نزول زبور داود في حقبة التدافع البشري؟

يوسف: طيب، لماذا قال، لاحظ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: 105]، لماذا قال: ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾؟ الذكر لما ذُكر، ذُكر في عهد مَن؟ في عهد موسى، صحيح؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: 48]، صحيح؟

إذن الزبور جاء بعد موسى أم قبله؟ ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾، إذن هو بعد موسى، جميل جدًا.

باسم: لأن داود بعد موسى.

يوسف: مئة بالمئة. طيب، لو ذهبنا لسورة البقرة هنا سنربط مجموعة حلقات مع بعضها بعضًا. في سورة البقرة كان عندنا سياق: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246]، وهذه كانت أول آيات تذكر موضوع القتال في سبيل الله، بعد ما موسى طلب من قومه ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 21]،  فرفضوا.

الآن الآيات في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ﴾، قلنا إن المجتمع البشري بدأ يكثر، الذي هو كان يُسمى في هذه الحقبة بني إسرائيل، وصار في وسعهم هم أن يتكفلوا مسؤولية نفسهم، ويوقفوا من يظلمهم ويعتدي على حقوقهم عند حده، بدون ما تكون هناك عقوبات سماوية.

في آخر هذا السياق جاءت الآية: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: 251]، تمام؟ هذا السياق الذي يتحدث عن مرحلة أخرى، حقبة التدافع في حياة البشر، حين توقفت عقوبات السماء.

 

كيف انتقلت مسؤولية الإصلاح من التدخل السماوي للاعتماد البشري؟

باسم: يعني داود، النبي داود شكّل مرحلة جديدة مثلًا؟

يوسف: أي نعم، هو شكل قيادة هذه المرحلة، المرحلة الجديدة التي هي مرحلة أن يدفع أهل الحق أهل الباطل.

طيب ألم نقل توقف العقوبات، كان لنا حلقة كاملة عن توقف العقوبات السماوية؟

باسم: صح.

يوسف: أي نعم، هذه المرحلة، نقطة الانتقال إلى النبي داود بدأ فيها موضوع التدافع، فقال لك: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، بعدُ ماذا قال لك؟ ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. طيب ما الرابط؟ الرابط هنا، أثبتنا أن داود بعد موسى أم قبل؟

باسم: بعد أكيد.

يوسف: لأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ﴾ [البقرة: 246]، وداود كان بعد موسى. طيب لماذا قال إذن ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]؟ لأنه كان في الأقوام السابقة عندما يهلك الله قومًا، يبقى من؟ عدد قليل جدًا من الصالحين، فيبدأ التكاثر مرة أخرى ويبدأ انتشار البشر. طيب لما أصبحت مرحلة التدافع، هل استمرت سُنة الله في أن الأرض لابد في النهاية أن يرثها من هو صالح لإعمارها، أم أُلغيت هذه السنة؟

باسم: مازالت.

يوسف: استمرت. نعم، لكن الوسيلة هي التي تغيرت، صار فيها اعتماد على البشر، طُلب من البشر أن يعتنوا هم بما يُصلح أحوالهم، خلاص، لا تنتظروا تدخلًا سماويًا.

باسم: ولهذا جاء ذكر التدافع بين الناس.

يوسف: ولهذا جاء التدافع، ولهذا قُرن الأمر بالزبور، ولهذا قُرنت بداود، ولهذا كانت الجملة ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ تحديدًا على داود وفي زبور داود، لأنها تتحدث عن هذا الأمر الذي هو موضوع التدافع.

 

هل تنحصر العبادة في الطقوس أم تتسع لتشمل إعمار الكون؟

يوسف: وطبعًا عندنا نحن آية في التنزيل أيضًا تقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55]. طبعًا سيقول قائل، لكن نحن الآن نجد أننا في آخر القائمة في العالم. نحن لا نطبق هذا الكلام، بالغالبية العظمى -يعني حتى نستثني- لا علاقة لنا بإصلاح الأرض. من يصلح الأرض الآن هو من يملك، الزمام في قضية الحضارة والتحكم وإلى آخره صح؟ يختلط به فاسدون وإلى آخره، ولكن نحن لا علاقة لنا إلى الآن بشكل عام في موضوع إصلاح الأرض، لا بناء ولا تقنية ولا منتجات ولا صناعة آلات ولا…

باسم: ليس عندنا المعرفة الحقيقية.

يوسف: أي نعم، ليس عندنا هذه المعرفة الحقيقية التي تنطبق السنة عليها، والتي هي سنة لن تكذب، هي سنة ربانية ﴿الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، لها، هذا معنى “الصالحون” لإعمارها يا دكتور، ليس الصالحين…

باسم: المهيّؤون للقيام بالمهمة.

يوسف: نعم، نحن بتقييمنا كما ذكرت قبل قليل أصبح الموضوع الذي صلى أكثر والذي صام أكثر والذي حج أكثر.

باسم: أصبح صالحًا، هذا رجل صالح.

يوسف: لأنه لو كان هذا معنى صالح فعلًا، إذن نحن لا نرى تطبيق هذه الآية في الواقع، هل يُعقل؟ مستحيل، إذن نحن ما فهمنا الآيات أصلًا، ما فهمناها، لم نفهمها حتى نطبقها، فتحصل الوراثة الحقيقية للأرض بالصلاح.

﴿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 106]، هذه نقطة أيضًا في غاية الأهمية. قال لك ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، ﴿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. يعني ما العبادة؟ يعني أجلس في المحراب وأتنسك وأصوم ثلاثة أيام، ولا أعرف ماذا، أرأيت كيف؟ العبادة التي تجعل الناس يرثون الأرض هي السير وفق سنن الله وفهم قوانين الله وإصلاح الأرض.

باسم: يعني الذين يسيرون وفق سنن الله في كيفية إصلاح الأرض.

يوسف: مئة بالمئة.

باسم: الذين لديهم معرفة مثلًا في قوانين الفيزياء والكيمياء التي تتعلق مثلًا بكيفية التعامل مع الله.

يوسف: ويطبقونها طبعًا، ليس معرفة بدون تطبيق؛ لأنه فاعلة، الكلمة فاعلة، صالح وعابد الكلمة في حد ذاتها تشير إلى شخص فاعل.

طيب وهذا الكلام يخص أمة دون أمة؟ لا، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، الكلام موجه للعالمين.

باسم: البشرية بشكل عام.

يوسف: ثم عاد فوحدهم، قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: 108].

وهنا ما معنى إله واحد؟ واحد يعني جامع، بمعنى يجمع، النقطة التي تجمع كل قوانين الكون، فأنت لما تدرس شيئًا لا تدرسه بمعزل عن شيء آخر، الكون كله متناغم وقوانينه كلها متداخلة، وفهمك لهذه التداخلات بين الأشياء هو ما يحقق مفهوم العبادة الحقيقية والصلاح.

باسم: فالإله واحد.

يوسف: ماذا جاءت الكلمة الآن؟ ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. هذا الإسلام؛ لأنه يقول لي لماذا فسرت الإسلام بتفسير جديد لم يسبق إليه أحد؟ يا أخي النص واضح تمام الوضوح، كلمة مسلم كلمة فاعلة، ما هو المطلوب منك بعد أن فهمت كل هذا الأمر؟ أن تسلم. ما معنى أن تسلم؟ يعني أن تبذل السلم تجاه كل هذه الأشياء التي تحدثت عنها الآيات بما يؤدي إلى الإصلاح.

باسم: بما فيها السلم تجاه الأرض.

يوسف: تجاه الأرض وتجاه الكون كله والبيئة وإلى آخره طبعًا. هو هذا الذي يصلح الأرض، أنت لما تمشي عكس الاتجاه الذي تريده الأرض، مثلًا في الحرارة فتؤدي إلى زيادة الغازات التي تخرج من المصانع بكمية هائلة فيثقب الأوزون، هل أنت هكذا أسلمت؟

باسم: بالتأكيد لا، صح.

يوسف: سرت عكس القانون الذي تتطلبه الأرض للإعمار. النتيجة؟

باسم: استخدام مثلًا القنابل الذرية مثلًا في الحروب أيضًا له علاقة بتخريب الأرض.

يوسف: طبعًا مئة بالمئة، وتخريب الجينات، وكل شيء. هذا يسير عكس اتجاه القوانين الكونية التي السير معها هو الذي يُصلح الأرض، السير معها هو الذي يجعلك عابدًا، السير معها هو الذي يجعلك مسلمًا، السير معها هو تحقيق معنى كلمة إله واحد.

باسم: فمسالمة قوانين أو سنن الله في الأرض تجعل من الفرد أن يكون مسلمًا.

يوسف: هذا هو الإسلام بالضبط مئة بالمئة.

باسم: وليس من يطبق الأركان الخمسة.

يوسف: طبعًا لا، يا دكتور الموضوع يُشرح من كم مرة، من كم زاوية أتينا إلى الموضوع. من زوايا كثيرة جدًا، الموضوع ليس والله قرأنا كلمة أو جئنا بجذر من معجم، كما يعني بعض الذين يقول لك أنت تمسك معجمًا وتأتي تقرأ معنى الكلمة من معجم، وبعد تشرحه. كل هذه الآيات التي نأتي بها من جوانب وزوايا كثيرة…

باسم: توضح بشكل جلي معنى مسلم ومعنى…

يوسف: بحيث لا تدع لك شكًا، وهذا معنى أنها بيّنة، هذا معنى أنها بيّنة.

طيب، إذن هكذا شرحنا لماذا اختُص داود بهذه الرسالة، وشرحنا لماذا جاء الكلام ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾.

 

كيف تتبعت الآيات تسلسل حقبة “القرى” في تلقي البينات؟

يوسف: الآن نأتي بالتفصيل إلى كلمة البيّنات والمبيّنات. كما قلنا تكررت كلمة البيّنات في النص القرآني 52 مرة، وكلها مقترنة بالآيات. لكن من المهم جدًا أن ننظر إلى التسلسل العجيب في النص مرة أخرى.

مثلًا: ﴿تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الأعراف: 101]، هذه تتكلم عن حقبة القرى، حقبة القرى التي كانت قبل تشكل المدائن في عهد موسى. لأنه في عهد موسى كان عندنا ليست مدينة فقط، مدائن، صحيح؟

باسم: وكان المجتمع ممتدًا.

يوسف: أي نعم. “أُرسل في المدائن”، هذا الذي جعلنا نقول إن انتشار المجتمع البشري حصل في عهد موسى. لماذا؟ لأن النص هكذا يقول، طبعًا الناس يقولون لي يا أخي علميًا هذا خطأ، لأن موسى كان قبل ألفي سنة. من قال إن موسى كان قبل ألفي سنة؟ النص قال هذا؟

باسم: من حقّب هذه الحقبة؟

يوسف: من الذي حقّب؟ الآن علم الأنثروبولوجي يقول لك إن تاريخ البشر بدأ في نقطة مركزية في أفريقيا قبل 150 إلى 300 ألف سنة هكذا يقول، ثم منها بدأ انتشار البشر باتجاه اليمن أولًا ثم باقي نواحي الأرض. الآن أنا لو أردت فعلًا أن أربط حقبة موسى أربطها بهذه الفترة بالضبط، ليس بما يقال في الروايات التلمودية، النص ما حدّد التاريخ، النص أعطاك ملمحًا، اذهب أنت ابحث في العلوم الطبيعية متى بدأ انتشار البشر وهذه حقبة موسى. ولذلك يقول لك دكتور لم نجد أي دليل أركيولوجي على الأنبياء. طبعًا؛ لأنك بحثت في الفترات والأماكن الخطأ.

باسم: الفترة الزمنية الخطأ والمكان الجغرافي الخطأ بالتأكيد.

يوسف: مئة بالمئة، لكن أنا متيقن أنه لو حصل البحث في الفترة الصحيحة أو المكان الصحيح، ستكون هناك الأدلة الأركيولوجية على هذا؛ لأنه لا يمكن أن يتعارض الكتاب الكوني مع الكتاب المنزل.

طيب، إذن هل كان أهل القرى تأتيهم بينات؟ نعم.

في الحقبة الثانية: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ..﴾، قبل ذلك لاحظ التفصيل الآن كيف سيشرح لك كل قوم لوحدهم من أهل القرى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾، الذين هم قوم لوط، هذه سبعة. ماذا قال بعد ذلك؟ ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [التوبة: 70]. والله لو وضعنا الآيتين معًا وتحت بعضهما: ﴿تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الأعراف: 101]، وبعدُ تحت: ﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم﴾.

باسم: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.

يوسف: تلاحظ كيف النص يشرح نفسه بنفسه؟ هذا الاكتفاء الذاتي الذي أتكلم عنه، يعني شيء عجيب. هو قال لك أهل القرى، كانت الكلمة ليست مفصلة، راح فأعطاك فصولها فصلًا فصلًا، ففصّل نفسه بنفسه بدون ما يحتاج لأحد يأتي إليه من الخارج فيفصله.

باسم: يعني تلك القرى هي عبارة عن قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات، هذه هي القرى التي كانت.

يوسف: مئة بالمئة، وقال لك: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم﴾ و﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾. انظر تطابق التراكيب أو التشابهية حتى يسهل عليك الفهم.

باسم: هل هنا استخدام لفظة قرى للتدليل على أن هذه القرى كانت مثلًا قليلة العدد، أم أن القرى كانت متشابهة في الفكرة، أو متشابهة في شكل الحياة؟

يوسف: أي نعم، هي ركنت إلى الاستقرار، ولكن لم يكن فيها مبدأ دين. الدين هو نظام الجزاء، يعني مدينة كلمة مدينة من ماذا اشتقت؟

باسم: من دين.

يوسف: الآن في كثير من المعجمات يقول لك المدينة مشتقة من المَدَن وهذا خطأ، مدين مشتق من الدين، يعني هي مكان أصبح فيه نظام جزائي، لكن هذا النظام الجزائي ليس بالضرورة أن يكون عادلًا. فرعون ماذا قال؟ ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: 26].

باسم: النظام الذي كان فاعلًا فيه.

يوسف: مئة بالمئة. فالآن القرى ليس فيها دين، الموضوع موضوع تجمع -كما ذكرت- تقريبًا على فكرة واحدة، يعني يركنون إلى فكرة أنه نحن مستقرون مع بعضنا ومتقوقعون على أنفسنا. لكن أهم فكرة أنه لا يوجد نظام ديني جزائي واضح يساوي بين الجميع ويجازي من يظلم، هذه هي الفكرة، هذا الفرق الرئيسي جدًا في الاشتقاق اللساني.

يعني قرى أصلها الثنائي قَرَّ، قَرَّ بمعنى استقر، ثبت يعني، ثبت بمعنى قَرَّ، لا يوجد نوع من الحركة، تمام؟ وبالتالي ثبت على شيء هو فيه ولم تمتد ولم يكن فيها نظام دين، نظام جزاء.

 

ما الرابط بين الآيات البينات وتأسيس البيت الحرام؟

يوسف: طيب الآن، نصل إلى مرحلة إبراهيم وهذه نقطة مهمة جدًا، نجد كلمة بينات جاءت في سياق مختلف نوعًا ما، والسياق له دور مهم جدًا في تفسير المعنى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: 97]، الكلام على ماذا؟ على البيت: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]، بعدُ جاءت هذه الآية: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾، يعني أين؟

باسم: في البيت.

يوسف: طيب، هذه الآيات، ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. الآن هنا يوجد احتمالان.

باسم: يعني البينات هي مقام إبراهيم، أم مقام إبراهيم أحد البينات؟

يوسف: جميل جدًا. الآن الكلمة جمع أم مفرد؟ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾.

باسم: البينات آيات، جمع.

يوسف: جمع، لا مفرد ولا مثنى، على الأقل يجب أن يذكر النص ثلاث آيات. طيب، لنسير مع النص، ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ هذه واحدة.

باسم: ﴿وَمَن دَخَلَهُ﴾ [آل عمران: 97].

يوسف: ﴿كَانَ آمِنًا﴾، اثنان. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، ثلاث. انتهى. هذه هي الآيات البينات التي في البيت. طيب، الآن ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ آية معنوية أم مادية؟

باسم: تكون معنوية هنا.

يوسف: معنوية، لكن هو البيت الذي رفع إبراهيم قواعده، ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾[البقرة: 127]، ماذا كان الأصل فيه؟ يعني ماذا كان الهدف منه؟ بداية إنشاء المجتمع الآمن. أليس كذلك؟

باسم: صحيح.

يوسف: في عهد إبراهيم لما ترك ما كان يعبده قومه وأراد تأسيس مجتمع آمن، أول شيء عمله أن قانون هذا البيت، مهما كانت الظروف من يدخله يكون آمنًا، ليكون نموذجًا للأمن، إذن الموضوع معنوي.

طيب: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، هذا أيضًا أمر معنوي. لماذا على الناس وليس على المؤمنين مثلًا؟ لأنه يراد لكل الناس أن يأتوا فيشهدوا فكرة الأمن كيف تحصل في هذا المكان، ينظروا إلى نموذج حقيقي عملي لما نحقق الأمن في بقعة ما النتيجة.

 

هل “مقام إبراهيم” أثر مادي أم دلالة معنوية لترسيخ الأمن؟

باسم: عودة إلى مقام إبراهيم.

يوسف: نعم بالضبط، هذا، تفضل.

باسم: هل المقام هنا المكان المادي لأن هناك فيه مُقام.

يوسف: أنا لماذا سألت عن المادي والمعنوي؟ إذا كان أمن الناس الداخلين أمرًا معنويًا، اتفقنا على هذا، وكان ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، هذا أيضًا أمر…

باسم: معنوي.

يوسف: إذن معنى مقام إبراهيم معنوي أم مادي؟

باسم: معنوي.

يوسف: يُفترض مني أن أنظر في معنى ما فعله إبراهيم حين قام في هذا المكان فأسس لفكرة الأمن العالمي، هذا ما يراد أن يُنظر إليه في فكرة البيت.

باسم: فهنا مَقَام من المَقَام.

يوسف: من قَامَ.

باسم: من قَامَ.

يوسف: مَقَام بفتح الميم من الفعل قَامَ، أَقَامَ تعطيك مُقَام، لكن هذه جاءت مَقَام بفتح الميم تمام؟ يعني لما تقول مَنزِل من الفعل نَزَل، أما مُنزَل من الفعل أَنزَل، طبعًا قاعدة تفصيلية نوعًا ما في الصرف العربي.

طيب فإذًا مُقام إبراهيم أو مَقَام، ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، بفتح الميم، هي من الفعل ماذا؟ قام، يعني المكان الذي قام فيه إبراهيم فرفع القواعد من البيت. لماذا؟ لأنه أنا هنا لست مهتمًا بإقامة إبراهيم في المكان، أنا مهتم بما قام به إبراهيم في المكان، مرة أخرى. هل أنا مهتم بإقامته أم بما قام به؟ هناك فرق.

باسم: بما قام به إبراهيم بالتأكيد.

يوسف: ممتاز، قام الفعل…

باسم: لكن عادة هناك لبس، كما حادث حاليًا أن الدائرة أو نصف الدائرة أو النصف الموجود حول الكعبة…

يوسف: مكان قدمين.

باسم: قالوا هذا هو مقام إبراهيم.

يوسف: هذا في الحقيقة مُقَام وليس مَقَام المكان الذي أقام فيه. ما الذي سأستفيده من موضوع إقامة وعدم إقامة، أنا أنظر ما الذي قام به إبراهيم.

باسم: لو كان المقصود فيه مكان إقامة النبي إبراهيم كان سماها مُقَام إبراهيم.

يوسف: مئة بالمئة، هذا هو. صارت مشتقة من الفعل أقام التي تعني اللبث والإقامة، فهم حولوها إلى معنى ماذا؟ مادي تمامًا. أنه والله هذه آثار قدمين هنا، تحول المعنى، وصلِّ ركعتين…

باسم: غير ممكن، النبي إبراهيم…

يوسف: يقول لك ماذا؟ إنه هذا هنا صلِّ ركعتين وإلى آخره. فقدت الكلمة جوهرها، الجوهر المطلوب ما الذي قام به إبراهيم لما أسس، أنه أسس بيتًا آمنًا يأمن فيه الناس، هذا هو الجوهر الذي فُقد عند التناول هذا.

 

كيف تحولت تجربة إبراهيم التأسيسية إلى آيات بينات للعالمين؟

باسم: يعني الآيات البينات في البيت هي: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾…

يوسف: جميل.

باسم: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.

يوسف: والآيات الثلاث لإعطاء العالم نموذجًا للمكان الآمن فيروا ثمرات ذلك فيقتدوا به، فتتوسع الفكرة.

باسم: وكأن الآية توضح أن هناك ثلاثة أشياء مطلوب منها، مطلوب من الداخل إلى البيت أن يعملها، أن يتمثّل مقام إبراهيم، وهذا الداخل الذي يتمثل مقام إبراهيم سيكون آمنًا.

يوسف: أي نعم، هذا مطلوب من غيره لما يدخل هو، أن يعطوه الأمن.

باسم: وأن لله على الناس حج البيت والباقي يأتوا ليشاركوا.

يوسف: بالضبط، هذا هو، هذا هو. طيب، لكن لماذا قال ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾؟ لأنه هل هذا تحقق نموذجًا عمليًا في عهد إبراهيم على الأقل؟ نعم تحقق، فأصبح آية للعالم.

طيب، وعلى كل حال يعني في ما بعده، لكن من غير أن ندخل في موضوع الجغرافيا.

إذن الآن نحن ماذا فعلنا؟ جئنا بدليل أن الآيات البينات كانت في عهد القرى، وجئنا بدليل أن الآيات البينات كانت في عهد إبراهيم، بعد ذلك جاءت حقبة موسى صح؟ هل كانت الآيات بينات؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: 101]. طيب جميل جدًا…

باسم: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، هذا الخطاب موجه لمن؟ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم مثلًا؟

يوسف: مخاطب، موجه لكل من يقرأ النص.

باسم: لكل من يقرأ النص.

يوسف: أي نعم.

باسم: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾، من الذي جاءهم هنا؟

يوسف: جميل جدًا، ﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ موسى. لكن يمكن الناس تقول لماذا بني إسرائيل؟ هذه الآية تقول إن بني إسرائيل هم البشر، كيف يعني نحن نسأل بني إسرائيل؟ معناها صار يوجد جزآن من البشر صح؟

باسم: صح أكيد.

يوسف: سؤال شرعي.

باسم: تمام صح.

يوسف: طيب دكتور ألم نقل بني إسرائيل فكرة مفهومية وليست عرقية؟ يعني اسأل كل من أسرى بهذه الفكرة، بالكتاب الذي جاء به موسى فحمله وحمل همه وأراد الدعوة إليه فهو الخبير به.

باسم: يعني كل من صدّق فكرة الإسراء إلى الله يمكن أن نسأله.

يوسف: ليس صدّق عملها، فاعل.

يوسف: نعم، قام بها بشكل فاعلي، وليس فقط صدّق، يمكن أن تسأله لتتأكد من الموضوع.

باسم: هل نسألهم عن… يعني تسأل بني إسرائيل عن الموضوع الذي هو عن التسع آيات؟

يوسف: عن التسع آيات وعن… نعم؛ لأنهم من توارثوا هذا الذكر. يعني لاحظ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، هذا الترابط النصي.

الآن أنا لو أنا لم أكن عالمًا بهذه الأشياء، ثم دخلت فتعلمت، هل يصدق علي بعد ذلك مصطلح بني إسرائيل وعلماء بني إسرائيل؟ طبعًا، طبعًا. لكن المصطلح انتهى بنزول الرسالة الخاتمة، خلاص، لما جاءت الرسالة الخاتمة وضعت حدًا فجاء عندنا مصطلح يا أيها الذين آمنوا وخلاص.

 

لماذا وجه القرآن خطابه بسؤال “بني إسرائيل” عن آيات موسى؟

باسم: عودة للآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾، نعم. يعني هنا لاحظ، لأن الجواب قال: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ﴾، هنا جاء بني إسرائيل أم جاء قوم فرعون؟

يوسف: نعم، هذا السؤال في غاية الجمال. قالوا لي كيف تقول إن فرعون من بني إسرائيل؟ فرعون هو من ذُرية من حُمل مع نوح، لو آمن فرعون لأصبح من بني إسرائيل. لما آمن سحرة فرعون، أصبحوا من بني إسرائيل، فقال الله: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان: 30]، من فرعون، ومن ضمن مَن نجى مَن؟ السحرة. ففرعون لو آمن لدخل ضمن من؟ بني إسرائيل.

باسم: كان أصبح من المجموعة ذاتها.

يوسف: كان أصبح من بني إسرائيل، انتهى الموضوع. خطاب موسى موجه لبني إسرائيل، يعني لكل من آمن بفكرة موسى فأسرى بها.

باسم: يعني كل مرة أُذهل بدقة الآيات وأنه عند تطبيق آلية اللسان، يعني هذه الآيات تفصح بشكل فعلًا جلي عن مقاصدها لأي شخص يريد أن يستنطقها.

يوسف: أي نعم. لكن هي تحتاج أن تُرتل بطريقة صحيحة ويوضع بعضها وراء بعض، فتجد أن النص كاشف، ليستحث العقل. أنا أقول يعني هذه الآلية اختارها التنزيل الحكيم، أعتقد لو أنا جئتك بالأشياء جاهزة سيتبلد العقل، والنص يريد إحياء العقل حتى يبقى مستيقظًا.

باسم: فعلًا يوجد حفز عقلي جميل وممتع في تتبع مقاصد النص.

يوسف: نتيجته النهائية ستخرج إلى الحياة وأنت مستيقظ، في كل شيء يصبح عندك يقظة وانتباه وتركيز وتدقيق. لكن لو أعطاك كل شيء جاهزًا فأنت سيتعود العقل على البلادة بعد ذلك.

باسم: دكتور طبعًا الوقت داهمنا.

يوسف: فقط دعنا نشوّق السادة المشاهدين أن التسع آيات لازم نشرحها في بداية الحلقة القادمة، لأن فيها كلام كثير.

باسم: إذن إن شاء الله التسع آيات التي أوتيت للنبي موسى لبني إسرائيل ولقوم فرعون أيضًا، إن شاء الله نُبقيها للحلقة القادمة. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم” مع الدكتور يوسف أبو عواد. إلى اللقاء.