لماذا لم ينتج العرب فلسفة حقيقية منذ ابن رشد حتى يومنا هذا؟.. وهل ترفض المجتمعات العربية بطبيعتها النقد والسؤال، أم أن هناك معيقات ثقافية وسياسية تمنع العقل العربي من الانطلاق؟.. في هذا اللقاء من #بودكاست_مجتمع على #منصة_مجتمع ، يفتح الإعلامي د. باسم الجمل حواراً عميقاً وجريئاً مع د. حسن حماد، أستاذ الفلسفة المعاصرة في مصر، ليفككا معاً أسباب غياب الفكر النقدي، وكيف تضافر الاستبداد السياسي والديني لتجمد العقول، وما هو دور المثقف في عصر تسليع الثقافة وسيادة التفاهة
المعتزلة وغياب الفلسفة: كيف جُمِّد النص؟
باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور حسن حماد، أستاذ الفلسفة في مصر. أستاذ، أهلاً بك. حسن: أهلاً بحضرتك.
باسم: أنت مشتغل ليس فقط في الفلسفة، أكثر من فلسفة. دائماً أنا لما نتحدث عن الفلسفة يؤرقني سؤال: لماذا لم ينتج العرب فلاسفة منذ ابن رشد حتى الآن؟ هل أن المجتمعات العربية ترفض الفلسفة؟ سؤال مطروح دائماً على الحياة. هل أن المجتمعات العربية لا تسأل ولا تنتقد؟ هل أن العقل العربي جامد لهذه الصورة مثلاً؟ أم أن هناك معيقات ثقافية أخرى تعيق إنتاج فلاسفة أو إنتاج الفلسفة في المجتمعات العربية؟
حسن: أولاً أنا سعيد بالوجود مع حضرتك، وسؤالك هو سؤال رئيسي وسؤال مهم جداً وسؤال يؤرقني أيضاً: لماذا اختفت الفلسفة من العالم العربي حتى هذه اللحظة؟ لا أستطيع أن أقول العقل العربي؛ لأن العقل العربي هو مثل أي عقل، لكن العقل دائماً مرتبط بالبيئة، بالواقع السياسي، وحتى الواقع البيئي، المناخي. كل هذا يؤثر في العقل الإنساني.
لكن فيما يتصل بسؤالك تحديداً، نجد أنه للأسف الشديد جداً أن الفكر السلفي أو الفكر السني تحديداً هو ما ساد معظم فترات التاريخ العربي الإسلامي. الفترة المزدهرة كانت الفترة الخاصة بالمعتزلة، والمعتزلة كانت -في رأيي- من أخطر التيارات الفلسفية التي ظهرت في الواقع الإسلامي. المعتزلة عندهم فكرتان أساسيتان: الفكرة الأولى هي فكرة الحرية، المعتزلة دافعت عن الحرية ودافعت عن العقل. وأيضاً المعتزلة قالت بفكرة مهمة جداً، هي فكرة نخبوية لكن في رأيي شديدة الأهمية، وهي فكرة “خلق القرآن”. هذه الفكرة تفسح المجال لفكرة التأويل، وتفسح المجال أيضاً لعدم مطلقية الحقيقة؛ لأن سيطرة المذهب السني أدت إلى تجميد النص القرآني وأدى إلى فهم أحادي لهذا النص، وهذا الفهم هو الذي سيطر على معظم فترات التاريخ.
نقطة أخرى اسمح لي أكملها، وهي أن الفيلسوف ملعون في هذه الثقافة، وليس الفيلسوف فحسب بل العلماء أيضاً. برغم أننا حالياً نتغنى بأسماء بعض العلماء، لكن هؤلاء لو حضرتك رجعت إلى كتب التراث وكتب التاريخ ستجد أنهم دائماً ما يوصفون بأنه الملحد، أو المهرطق، أو المشكوك في ديانته.. إلى آخره. فأي إبداع لا ينمو إلا في وسط من الحرية والتسامح.
فيه نقطة مهمة جداً، وهي أن العقل دائماً ما يقف في مواجهة السلطة. الفلسفة نفسها هي مصدر قلق لرجال السلطة، ولهذا دائماً هناك رغبة من السلاطين ومن رجال الحكم أنهم دائماً يحتضنون رجال الدين؛ لماذا؟ لأن رجل الدين لديه مقدرة على تبرير كل شيء، لكن الفيلسوف هو مصدر قلق. ولهذا تجد أن الفلاسفة دائماً ما يلاقون نوعاً من القهر، ونوعاً من الإقصاء، ونوعاً من الاغتيال. كثير طبعاً، لو ذكرنا بعض الأسماء التي اغتيلت: الجعد بن درهم وغيره يعني.. أنا لا يحضرني.
المفكر المنبوذ: محاكم التفتيش وإحراق الكتب
باسم: وأنا كنت أريد أن أسأل هذا السؤال: هل هناك أمثلة على بروز فلاسفة عرب وتم طمسهم سواء من قبل النظم السياسية أو السلطان السياسي الذي كان قائماً، أم من قبل سلطة رجال الدين مثلاً أو المؤسسة الدينية بغض النظر عن طبيعتها أو شكلها؟ أم أنه كما تفضلت أن هذا الفكر السلفي بشكل أو بآخر غير قادر على التعامل مع المعرفة، غير منتج للعقل المعرفي، وبالتالي لا يحتمل أي نقد لسرديته، أخاف الناس، وبالتالي الناس توقفت عن التفكير؟
حسن: أريد أن أكمل الفكرة، أن هذا الفكر أدى إلى مثلاً وأد بعض الفلاسفة المهمين جداً مثل محمد بن زكريا الرازي، مثل ابن الراوندي. يعني ابن الراوندي فلسفة كبيرة على فكرة. نحن نتكلم عن التنوير في الغرب، ونتكلم عن بعض الفلاسفة في مرحلة عصر التنوير الذين هم أدوا دوراً في نقد التراث وفي نقد الخطاب الديني مثل هولباخ وهيلفيتيوس وغيرهم، أنت عندك ابن الراوندي كان سبق كل هؤلاء.
باسم: سبقهم كلهم، صح.
حسن: ومع ذلك أنت لا تجد كتاباً واحداً لهذا الرجل، أنت تعرف أفكاره من خلال نقاده.
باسم: مثل معظم الكتب، ربما من الكتب التي أُحرقت بمحاكم التفتيش.
حسن: ربما. (حذف للضرورة)
حسن: وتجد كتب ابن رشد، فيه كتب كتير ضاعت. حتى كتب.. حتى أبو حيان التوحيدي برغم أنه لم يكن ضد الخطاب الديني بشكل مباشر وكان لديه هذا الحس الصوفي الجميل، ومع ذلك قالوا إن أبا حيان التوحيدي وضع كتبه في الماء. يعني أنت تعرف الكتب قديماً كانت تكتب بالمداد، وضعها في الماء يعني تخلص منها لإحساسه: من سيقرأ في هذه الثقافة؟ ولمن سيقدم هذا الفكر؟ فأنت تتحدث عن واقع يهزم المفكر ويهزم الفيلسوف ويحوله إلى كائن منبوذ بهذه الصورة.
السردية السلفية وثقافة الموتى
باسم: معقول إلى هذه الدرجة كانت قوة السردية السلفية في قمع العقول من أن تنضج فلسفياً؟
حسن: السردية السلفية مشكلتها في أنها: ماضوية، نصية، وثوقية أو توكيدية التي هي “الدوغما”، جامدة. لا تؤمن بالآخر، لا تؤمن بالمغاير، لا تؤمن بالعقل، لا تؤمن بالإنسان نفسه؛ لأن الإنسان داخل هذه السردية هو لا قيمة له.
باسم: مجرد سن في ترس.
حسن: الإنسان في مقابل المقدس لا وجود له ولا قيمة له، وبالتالي هذه السردية من أخطر ما يكون. ولن أكون مجاوزاً للحقيقة لو قلت إن سبب تخلف هذه الأمة هو تسيد هذا الفكر السني؛ لماذا؟ لأنه ضد كل ما هو جديد، ضد الحداثة. تخيل يا سيدي الفاضل أنه لدينا أساتذة فلسفة يتخذون موقفاً معادياً وصريحاً من أي فكر حداثي، ويكفرون الحداثة. ويستغلون الحدث الدائر الآن في العالم في الحرب الإيرانية الأمريكية بأن المشروع الحداثي كله انهار، سواء نتحدث عن عصر النهضة أو التنوير.
باسم: سأطرح نفسي كمحامي للشيطان لا أدافع عن رأي. ربما، أنه هذه المجموعة التي تتحدث عنها الذين عندهم نقد للحداثة الأوروبية، أنهم شعروا أن الحداثة الأوروبية أيضاً أُقحمت إقحاماً للثقافة العربية ولم تكن منسجمة معها. يعني ما كانت جزءاً منتجاً حقيقياً من الثقافة العربية حتى تُحدث نفسها، وبالتالي صار فيه نوع من الاصطدام. لا أخفيك، أنا التقيت الكثير من الشخصيات أو من المفكرين أو الأعضاء الأكاديميين ليتحدثوا أيضاً عن الحداثة الأوروبية وشكلها، وكيف تعامل العرب الأكاديميون مع هذه الحداثة. لم تنتج شيئاً في المجتمعات العربية ولم تؤثر إلا على مستوى الذين اشتغلوا بها. نعم، أحد الانتقادات التي وُجهت لهذا أنه: أنتم أحضرتم شيئاً وقع في ثقافة مختلفة، في بيئة ثقافية مختلفة وحاولتم تقحمونها عندنا. لماذا لم يتم البحث عن أدوات تنوير أو تجديد أو تحديث آخر ضمن الثقافة العربية نفسها وضمن المجتمعات العربية نفسها؟ ربما هذه الانتقادات.. أنا لا أحاول أن أبرر موقفهم إنما أحاول أن أبحث عن تساؤل: لماذا يقف البعض ضد الحداثة الأوروبية لتكون أحد المعاول لمساعدتنا للتحديث في حياتنا المجتمعية؟ ربما لأن هذه الحداثة الأوروبية المستجلبة أوروبياً لم يتم التعامل معها وفق ما يجب أن تكون أكاديمياً ضمن -على الأقل- بيئتنا الثقافية.
حسن: هو طبعاً أنا رأيي أن الحداثة هي منتج إنساني، يعني هي ليست ملكاً للغرب وحده، ليست خاصة بالغرب فقط ولكنها خاصة بالإنسان. ثانياً: أهلاً بأي مشروع حداثي سواء في العالم العربي أو لدى الصين أو لدى روسيا أو لدى أي دولة في العالم، أنا لا أمانع. لكن الفكرة، حتى ما أقوله فيما يتصل بنقد المشروع الحداثي هو ليس أمراً جديداً، يعني ليس وليد هذه اللحظة، يعني هو له جذوره القديمة جداً.
ثانياً: أنا شخصياً أفهم الحداثة لا كمرحلة في التاريخ ولكن كحالة.
باسم: طريقة حياة.
حالة. حالة. الإنسان طالما يتقدم في هذا التاريخ لا يستطيع أن يتخلى عن فكرة الحداثة بمعنى القطيعة مع الماضي وبمعنى أنه فيه جديد يولد. طبعاً القطيعة مع الماضي ليست قطيعة نهائية، حتى نحن كأفراد أنا لا أستطيع أن أتخلص من الماضي؛ لأن الماضي هو ربما كما قال بعض الفلاسفة “اللحظة الأصيلة” لأنه أنا هذا الوقت أنطلق من الماضي. وهكذا المجتمعات. لكن الفكرة هي عندما يتحول هذا الماضي إلى “تابو” أو إلى مقدس، هنا تأتي الكارثة لأنك تتحول إلى كائن ميت. وأنا دائماً أردد هذه العبارة:
“مشكلة العالم العربي أن الموتى يحكموننا من وراء شواهد قبورهم، تلك هي المأساة.”
باسم: وأنا أتفق معك بهذا التعبير، أن الموتى رحمهم الله بما فكروا في مرحلتهم الزمانية ما زالوا يحكموننا، ما زالوا يوجهوننا. أنا سؤالي: من أوصلنا لهذه المرحلة؟ من الذي فرض أن يكون ميتٌ حاكماً لأحياء؟
الاستبداد المزدوج والفرار من الحرية
حسن: نقطتان: النقطة الأولى هي الاستبداد السياسي، والنقطة الثانية هي الاستبداد الديني، وكلاهما وجهان لعملة واحدة. تلك هي المشكلة: الاستبداد السياسي والاستبداد الديني. تاريخ العالم العربي هو تاريخ الاستبداد. متى تحررنا؟ ستجد أنه ربما ينسحب أيضاً على البشرية كلها أن لحظات التحرر في حياة البشر هي لحظات محدودة جداً، محدودة جداً. ولذلك اسمح لي أن أكون متشائماً بعض الوقت؛ أنا أرى أن تاريخ البشرية هو تاريخ الهروب والفرار من الحرية. رغم أنه ظاهرياً تبدو المسألة وكأن الإنسان يبحث طيلة الوقت عن حريته، لكن في واقع الأمر أن الناس لا تطيق الحرية، والناس دائماً تفتش عن الديكتاتور. وحتى لدينا في العالم العربي عندما يأتي حاكم لين بعض الشيء يقول لك: “هذا ضعيف”. ونحن اخترعنا مصطلحاً عجيباً وهو “المستبد العادل”.
باسم: فعلاً هذا.
حسن: المستبد المستنير، أو يقول لك المستبد المستنير أو الديكتاتور المستنير.
باسم: جمعنا متناقضين في طريقة فهمنا للحياة، وهذان المتناقضان لا يمكن أن يسيرا سوياً ولا يمكن أن يؤديا لنتيجة معقولة، لا يمكن أن يقوداننا حتى إلى العدل.
حسن: وأعتقد أن الذهنية الدينية -وأنا أقصد كلمة الذهنية وليس العقلية لأن الذهنية أقل من العقل- الذهنية الدينية هي ذهنية تقبل هذا التناقض وتحتويه وتعيش داخل هذا التناقض بصورة مريحة جداً؛ لأنها قائمة على فكرة التبرير. هذه الذهنية دائماً تتوجه إلى فكرة التبرير.
صعود “المثقف المديوكر” (الوسيط الآلي)
باسم: ألا يمكن أن يكون هناك مثلاً عقلية ذهنية، مثقفين أو أكاديميين أن يشكلوا طبقة للضغط أو إقناع السلطان أو الإدارة السياسية الحاكمة في مجتمع ما أن نتفق نحن كبشر بحاجة إلى مستوى ما من الحرية، بحاجة إلى مستوى لممارسة العقل والتعقل، بحاجة لنحدث حياتنا؟ هل تعتقد أن هذا سيتم رفضه مطلقاً؟
حسن: أعتقد أننا نحيا الآن في مرحلة يعاني فيها المثقف من حالة من البؤس الشديد جداً لأسباب كثيرة: أسباب اقتصادية وأسباب سيكولوجية وأسباب سياسية أيضاً. المثقف.. يعني أعتقد أن أحد المثقفين كان يسأل الرئيس المرحوم حسني مبارك، كان في معرض الكتاب، فالرئيس يسأله يقول له: “أنت من؟” قال له: “أنا مثقف”، فقال له: “ماذا يعني مثقف؟” فهو السؤال فعلاً: ماذا يعني المثقف؟
باسم: فعلاً، ماذا يعني؟
حسن: هي مسألة طبعاً الموضوع ليس موضوعنا لكي لا نخرج من السياق، موضوع في غاية الصعوبة، فكرة مدى حاجة الدولة للمثقف هذه مسألة. المثقف النقدي تحديداً صاحب المشروع. المثقف الحالي هو المثقف التكنوقراط، الذي هو قاعد وراء جهاز الكمبيوتر وتدخل عليه وتقول له: أنا أحتاج أعمل كذا يقول لك “السيستم واقع”. وأنا قبل كذا عملت محاضرة عن هذا الموضوع سميته الـ (Mediocre) (المديوكر)، والمديوكر يعني هو الإنسان الوسطي، الذي هو ليس لديه خيال، الذي هو ضحل في مشاعره، عقله راكد، عقله آلي. يعني يتوحد بالآلة يصبح جزءاً من هذه الآلة.
هذا هو المثقف الذي تجده في معظم المؤسسات حالياً، الذي هو المثقف الذي هو عبد للآلة، عبد للبيروقراطية وللتقاليد، غير قادر على التمرد، غير قادر أن يقول “لا”. هو ذا المثقف الذي موجود هذا الوقت، أو رجل الدين. هذا هو النمط السائد. هذا النمط لا يستطيع أن يغير الواقع، لا يستطيع أن يحدث تغييراً في رأيي.. رأيي الشخصي يعني.
باسم: أنا أتفق معك كلياً، أنا أتفق معك كلياً بأنه فيه مواءمة ما بين هذا المثقف المديوكر الذي أنت سميته الموظف الوسطي أو الآلي.
حسن: لدرجة أنه أنا عجبتني الفكرة، عملت مرة أيضا محاضرة ثانية بعنوان “المديوكر الإسلامي”؛ لأنه أحياناً يعني أنت عارف جاءت فترة من الفترات في تاريخنا في مصر كانت تيارات الإسلام السياسي مهتمة جداً بالتقنيات الجديدة، حتى عملوا كمبيوتر سموه “صخر”، يعني حاجة جديدة.
باسم: لكن الذي عمله تاجر، وليس عقل إسلامي.
حسن: لكنها عقلية، هو أنت عارف العقلية السلفية بطبيعتها عقلية تتاجر. حتى تصف العلاقة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى..
باسم: بالعدد والحسابات.
لا بأنها متاجرة مع الله. يعني حولوا الله من عليائه إلى مستوى أنه يبقى تاجرًا معهم. فهذه المسألة.. مسألة أن المثقف الذي يسود هذا الوقت هو المثقف الذي هو الوسطي، هذه مشكلة كبيرة. لكن المثقف صاحب المشروع، المثقف النقدي، غير موجود.
باسم: غير موجود. نحن اتفقنا سؤالنا الافتتاحي كان لماذا لا يوجد مثقف بمعنى لا يوجد فيلسوف قادر أو متفلسف قادر أو مشتغل بالفلسفة قادر يطرح السؤال الذي يؤخذ جدياً في المجتمعات؟ يعني أنت تدرس الفلسفة وعندك طلاب وأكاديميون لا نرى أي فاعلية لهذا النمط من التثقيف في المجتمع، يعني حتى الطالب الذي يخرَج، بخرَج ينسى.
عصر التفاهة وإعلام التسلية
حسن: أنا أقول لحضرتك على حاجة، البعد الإعلامي مهم جداً في هذه المسألة. أولاً أنا أحييك على هذه المنصة الثقافية؛ لأنه طبعاً هذه سباحة ضد التيار بالتأكيد. بالتأكيد، أنت لو عامل برنامجًا مسليًّا سيلقى رواجاً رهيباً، يعني سيبقى عندك بالملايين مشاهدات، ربما كان عندك بالآلاف. لكن أنت لو عامل هذا الوقت برنامج فيه حاجة “مسلٍّ” هكذا وفيه تسليات وحاجة لذيذة المشاهدون كثير جداً. فالإعلام وسيطرة ثقافة السلعة هذه جزء رئيسي من أزمة يعني. ولهذا أنا أعتقد أن المثقف الحقيقي في هذا الواقع لابد أن يشعر بالاغتراب، إن لم يشعر بالضياع.. نتيجة أنه -أنا لست متشائماً على فكرة حتى لا تفهم غلطا يعني- نتيجة أنه ما يسود هو ثقافة السلعة، هو إعلام التسلية والتسرية.
باسم: تسليع كل شيء.
حسن: طبعاً. وسائل التواصل الاجتماعي هذه أنا أعتبرها أعظم اختراع، لكن المشكلة أنه يسيطر عليها الفكر السلعي والفكر الأداتي والفكر الأبله. يعني تجد كم البلاهة الموجودة في عالم التيك توك وعالم “السوشيال ميديا” عموماً رهيب جداً، ويلقى رواجاً لدى الجمهور؛ لماذا؟ لأنه بصورة أو بأخرى نحن في عصر التفاهة. وبالمناسبة، أنا يمكن عملت أيضًا ندوة بهذا العنوان: “التفاهة أفيون الشعوب الجديد”.
باسم: فيه واحد كندي كتب كتاب عصر التفاهة أيضاً.
حسن: كتاب “عصر التفاهة” لـ آلان دونو. كتاب مهم، ترجمته سيدة من الكويت ترجمتها -بالمناسبة- قوية. نحن في عصر التفاهة، عصر التفاهة يتشكل من خلال الفن الهابط المنحط، من خلال ثقافة.. ثقافة “التيك أوي”، ثقافة الحاجة التي هي سريعة. ثقافة المشاهير، ثقافة التسلية، ثقافة الجسد. يعني لو واحدة تعمل برنامج “روتيني اليومي” تجد ملايين المشاهدات. فالمثقف لأنه -لا أقول بضاعة- لأنه يقدم مضموناً راقياً ويخاطب العقل يبقى صعب جداً تقبله. وعلى فكرة، الفكرة العقلية صعبة جداً، يعني الفكرة العقلية.. وأعتقد أن هذه أزمة موجودة طيلة التاريخ. طيلة التاريخ يعني ليست مسألة مرتبطة باللحظة الراهنة. أنه دائماً التفاهة تبقى سهل جداً أن الناس تتقبلها، الفكرة الخرافية، الفكرة التي فيها معجزة.
باسم: الذي فيها (Suspense).
حسن: تشد الناس. يعني أتذكر أني -لا أريد أن أقول الأسماء- إحدى المذيعات على القنوات المصرية كانت تعمل برامج عن البنات المسحورات أو ما عُمل لهم أعمال أو كذا، كانت رهيبة جداً وأصبحت نجمة خطيرة.
باسم: الكل يشاهدها.
حسن: طبعاً، فاللاعقل هو بضاعة رائجة، أما العقل فهو بضاعة كاسدة.
باسم: لأن العقل يترتب عليه مسؤولية، والمسؤولية تحتاج لشغل.
حسن: والعقل مرتبط بالوعي.
باسم: والوعي مضنٍ.
حسن: ولذلك أنا دائماً أقول: “البُلهاء هم السعداء”؛ لأنه لا يفكر. كلما تفكر كلما تشغل دماغك تحس بمعاناة، خاصة تزداد هذه المعاناة عندما تفكر في مجتمع لا يقبل التفكير.
حاجة السلطة للفلسفة وروايات نجيب محفوظ
باسم: انظر، أنا عشت تجربتي بين مجتمعين: المجتمع العربي والمجتمع الأوروبي. في أوروبا، الذي لاحظته أن السلطان أو الدولة أو الحاكم -لا أحب أن أسمي مسميات سياسية- أنه كان يهمه أنه يكون عنده طبقة مثقفين. وهذه الثقافة أو حتى الوعي يقدم للدولة لتسترشد فيه، فتم إنشاء معاهد دراسات ومراكز أبحاث، وهذه زبدات ثقافتها أو تفكيرها يؤخذ في الدولة، الدولة تأخذها. في مجتمعاتنا العربية لا يوجد هذا النوع، لا يعني أنه فيه نقص مثقفين أو علماء، موجود بدليل أنه معظم الدول الأوروبية مليئة مثقفين عرب وعلماء عرب، هم يرحلون هناك لأنه لا يجد البيئة الصالحة التي تمكنه من أن يمارس ثقافته أو حتى يمارس وعيه. ما الذي يمنعه؟ لماذا الحاكم أو السلطان في المجتمعات العربية لا يرى نفسه أنه بحاجة إلى إرشاد وإلى أفكار ووعي يسترشد فيه في حكمه للمجتمع؟
حسن: والله انظر حضرتك، أنا يمكن النقطة هذه مهمة جداً حضرتك أثرتها، وهي أنه الثقافة تحتاج إلى سلطة، خاصة في مجتمعاتنا. بمعنى أنه رعاية السلطة سواء السلطة السياسية أو سلطة الجماهير للمثقف مهمة جداً جداً جداً. بمعنى أنه إذا وُجد هذا الحاكم الذي يرعى الثقافة ويهتم بها ستنتعش الثقافة بالتأكيد. يعني يمكن قل ما شئت مثلاً عن النظام الناصري، عبد الناصر، لكنه كانت الثقافة في عصره منتعشة إلى حد كبير وكان في رعاية للثقافة.
وأنا اتصلت بي البارحة إحدى الصحفيات قالت لي: إن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بصدد إطلاق مشروع عن الثقافة والفنون أو “دولة الثقافة والفنون”. قلت لها: إنه شيء عظيم. فيه مقابل أو موازٍ لفكرة “دولة التلاوة” يبقى فيه “دولة الثقافة والفنون” (يحذف). قلت لها لو حدث هذا أنا كمثقف سأشعر بالأمل أن هذا المجتمع سوف يتغير؛ لأن الثقافة خاصة في مجتمعاتنا العربية هي القوة الناعمة. هنا في مصر كانت مصر.. جزء من قوة مصر يتمثل في الفن، في الأداء، في الإعلام. فأتمنى أن تكون هذه المبادرة فعلية بالفعل لأنها ستعني أشياء كثيرة؛ لأنه مرة أخرى المثقف أو الثقافة تحتاج إلى سلطة، إما رعاية السلطة السياسية مثل ما حضرتك قلت الآن، أو أن يكون هناك سلطة جماهيرية.
السلطة الجماهيرية تأتي عن طريق الإعلام. أنا أسمع أن فيلسوفاً إيطالياً مثل أمبرتو إيكو، أنا أعرف أنه معروف جداً في إيطاليا عن طريق الإعلام، وطبعاً عن طريق شيء آخر مهم أنه كان يكتب أعمالاً روائية؛ لأنه مهم أن الأدب يستطيع أن ينقل الفلسفة من مجالها النخبوي المحدود إلى مجال أكثر اتساعاً. ولذلك نجيب محفوظ في رأيي أدى للفلسفة خدمات مهمة جداً. وأنا كان لي الشرف أني عملت عنه كتابًا بعنوان “البطل العبثي في روايات نجيب محفوظ”؛ لأن نجيب محفوظ لديه حس فلسفي عالٍ جداً، وتستطيع أن تستخرج من رواياته فلسفة حقيقية.
وبالمناسبة، فكرة الفلسفة.. فيه بعض الناس يتصور أن الفيلسوف، يقول لك: ليس عندنا فيلسوف وكأنه شيء كهنوتي. أنا في رأيي، صديق عندي على صفحتي أنا أعتبره فيلسوفاً وليس من خريجي الفلسفة، يمكن أن يكون متخصصاً في التجارة، في الهندسة، طبيباً لكن عنده حس فلسفي. فالفلسفة مسألة بسيطة جداً ليست مسألة كهنوتية يعني أنه فيه مواصفات معينة للفيلسوف أنه لازم يبقى على شاكلة أرسطو أو على شاكلة هيجل.
بالتأكيد أن الواقع يتغير وأن الدنيا تتغير، ونحن في عصر الذكاء الاصطناعي المسائل تغيرت بالتأكيد. بالعكس، أصبحت مهمة المثقف مهمة صعبة جداً؛ لأن الآلة أصبحت من القوة أنها تنافس المثقف. إلى درجة أن أحد الأصدقاء من المترجمين قال لي إنه الآن وظيفة الترجمة أصبحت بلا جدوى، لأنك تقدر تعطي النص ل”شات جي بي تي” يترجمه لك. فأصبح دور المثقف دوراً صعباً جداً، خاصة فكرة الدور الطليعي للمثقف، هذه المسألة أصبحت صعبة.
باسم: صعبة حقيقةً، لكن هل تستطيع أن تتصور مجتمعاً بدون مثقفين؟
حسن: لا طبعاً، مستحيل.
باسم: حتى لو استخدمنا كل التكنولوجيا الجديدة وكل الذكاء الاصطناعي، أي مجتمع.. كل المجتمعات بحاجة لمثقفين ليفهموا الناس، يوضحوا للناس ما هو حتى الذكاء الاصطناعي.
حسن: لكن مسألة الدور الرسولي للمثقف حالياً أصبحت مسألة صعبة جداً.
باسم: صعبة اقتصادياً.
حسن: صعبة سياسياً.
باسم: فيه تضييق على مستوى الحريات في بعض المجتمعات أو في المجتمعات بشكل عام.
حسن: لكن في رأيي وبكلمة واحدة: إن الحرية هي كلمة السر في نهضة الثقافة والإدارة والفنون.
تعريف الحرية: الوعي بالقيود
باسم: في ظل مجتمعاتنا الحالية، في ظل القيود الموجودة أو الثقافة التي عليها هذه المجتمعات، كيف ممكن أن نتصرف بحرية؟ أو كيف نفكر بحرية؟ ما المطلوب مني أنا أو من المثقف بشكل عام، أو ليس فقط المثقف، الفرد؟ ما هي الحرية المطلوبة منه؟ أن يتصرف الفرد فيها حتى نستطيع أن نقدم حلولاً لمجتمعاتنا بحريتنا، أو حتى نتمكن من تقديم نقد لسلوك في المجتمع أو لسلوك مؤسسة ما في المجتمع ونشعر أننا أحرار في تقديم هذا النقد؟
حسن: طبعاً أنت حضرتك عارف الحرية لها بعدان: بعد داخلي ذاتي، وبعد خارجي موضوعي خاص بالواقع والمحيط والبيئة التي تحيط بالإنسان. لكن مهم جداً أن حرية الفكر أنا في رأيي أن حرية الفكر هي أهم؛ لأنه يمكن أن تكون حراً أنك تتحرك، حرية السلوك على فكرة هذه أبسط الحريات.
باسم: هي أبسط الحريات. حرية أن تقول ما تفكر فيه هي الإشكالية.
حسن: وأن تعيش ما تفكر فيه هذه مسألة مهمة جداً لحد كبير. فكثير جداً من الناس يقول لك “أنا حر” لكن رأسه أو عقله مليء بالأسوار ومليء بالأسقف ولا يستطيع أن يفكر بصورة حرة. فالحرية تبدأ هنا، تبدأ في الفكر، أن تفكر بصورة حرة وأن تكون ذاتك. وهذا هو الدرس الأساسي في الفلسفة: أن يكون المرء ذاته، لا أن يكون مجرد نسخ باهتة أو مشوهة من الآخرين. وهذا الذي قاله نيتشه في كلامه عن فكرة القيم والإنسان الأعلى. الإنسان الأعلى هو الذي يستطيع أن يصنع قيمه ويشكل قيمه. طبعاً أنا لا أصنعها من العدم، لكن بالتأكيد التفكير هو عملية إبداعية، أنا أمامي أفكار مطروحة وقيم مطروحة وأستطيع أن أنتقي من بينها. فالحرية إن لم تبدأ بالفكر لا قيمة لها، الحرية دائماً مرتبطة بالفكر. وأنا أقدم تعريفاً بسيطاً للحرية، وهذا التعريف هو:
“الحرية هي الوعي بالقيود.”
لأنك ممكن أن تكون واحدًا غرقان داخل القيود وداخل العبودية ولا يشعر أنه عبد. فمهم جداً أن يكون لديه هذه الحساسية المفرطة تجاه القيود وتجاه العبودية؛ لأنه كتير جداً من العبيد لا يستشعرون بأنهم عبيد، بالعكس يدافع عن حريته بشكل كبير جداً. فمهم جداً الوعي بالقيود هو بداية للتحرر.
باسم: إذن هل نحن كمجتمعات بحاجة لمستوى ما من الوعي؟ لا نطالب بالثورات، نطالب بالوعي.
حسن: طبعاً، تثوير الوعي أهم من تثوير الواقع؛ لأنك ممكن تغير الواقع -وهذا ما حدث في ثورات الربيع العربي- لكن العقول لم تتغير، الوعي لم يتغير، الناس لم تتغير. وبالتالي الواقع يمكن أن يرتد إلى حالة من النكوص أو الحالة الأسوأ، وهذا ما حدث، أنت تعرف أن ثورات الربيع العربي انتهى معظمها بالإسلام السياسي.
باسم: كلام سليم. أتفق معك. لكن من يحدد الوعي؟ أو ما هو شكل الوعي الذي نريد أن نحدثه بين الناس؟ أنت لديك طلاب، هل تحدد لهم معيار الوعي الذي يجب أن يكونوا على مستوى ما أو أن يعوه؟
فرانسيس بيكون وتحطيم أصنام الأوهام
حسن: أقول لحضرتك على شيء، أنا تعجبني الفكرة.. الأوهام الخاصة ببيكون، فرانسيس بيكون. برغم أنه في بدايات العصر الحديث لكن كان عنده فكرة مهمة جداً وهي فكرة “طرح الأوهام”، مهم جداً حتى يبقى عندي وعي يلزم أن أتخلص من الوهم. تكلم عن أوهام كثير لا يلزم بالضرورة أن نذكر الأوهام الخاصة بيكون: أوهام السوق، أوهام اللغة، أوهام الكهف، أوهام القبيلة (المجتمع). لكن هذه الأوهام في غاية الأهمية، مهمة جداً لكي يتحرر العقل ويتحرر الوعي لا بدّ أن يتخلص من أوهامه.
أهم وهم في رأيي هو وهم القبيلة. وهم القبيلة وهو وهم التقاليد، وهم الموروث، وهم ما هو قديم. نحن عندنا في الثقافة الخاصة بنا يقول لك ماذا؟ “الذي ما معه كبير يشتري له كبيرا”. فهنا الكبير هو رمز لهذه الصنمية.. صنمية القديم. ولذلك أنا أعتقد أن أهم وظيفة للفلسفة هي طرح الأوهام، هي تحطيم الأصنام. وهذا كان هدف نيتشه، يعني السر الأعظم في نيتشه أنه تكلم كثيرا بقوة عن فكرة تحطيم الأصنام. ليست الأصنام هي الأصنام التي كان يعبدها الناس في مرحلة الصنمية، لا. الأصنام ممكن أصنام كثيرة
باسم: نسميها الوثنية الفكرية، ممكن
حسن: الأيديولوجيات نفسها.. أصنام. ممكن الأشخاص تبقى أصنامًا، ممكن نجوم السينما يبقون أصنامًا، وهكذا.
باسم: لا نريد أن نطير في السماء، يعني في واقعنا الحالي، أكيد أنت عندك نظرة عن المجتمع الذي تعيش فيه وأوهام هذا المجتمع ومعيقات المجتمع. فأنت كأستاذ فلسفة -أكيد كما سبق تحدثنا عندك طلاب- هل تستطيع أن تحدد الأوهام التي تطلب من الطالب أن يتنازل عنها وأن يحاربها؟
حسن: والله أقول لحضرتك، أنا جهدي أنا أناضل طبعاً.
باسم: لا أقصد أنت كشخص كأستاذ فلسفة.
حسن: أنا أناضل في سياقي، يعني في سياق الواقع الخاص بي. أكتب، يعني أعمل فيديوهات، أكتب مقالات، أدرّس، أعمل ندوات في الإطار. أحاول أخرج خارج الإطار الأكاديمي، هذا مهم جداً أنه رسالة المثقف أنه لابد أن يحاول أن يغير الوعي وليس يغير الواقع، يغير الوعي. وأنا أعلم جيداً أن الدور الذي أؤديه هو دور محدود وربما يكون عابراً وغير مؤثر في هذا الواقع. لكني أومن بالتراكم، بالتراكم المعرفي. أنا الآن أعمل خدشًا في هذه الصخرة الصلبة من التخلف، أبني طوبة، حضرتك تجيء تحط معي طوبة وهكذا إلى أن يحدث ربما في المستقبل نوع من التغيير في الوعي، أو نوع من التغيير بلغة الجدل يعني نوع من التغيير الكيفي. يعني من خلال هذا التراكم الكمي قد يحدث نوع من التغيير الكيفي أو النوعي. وهنا أؤكد على صفة مهمة جداً ينبغي للمثقف أن يتشبث بها وهي فكرة العناد، ألا ينهزم.
باسم: ألا يستسلم.
حسن: لأن هذا جزء من رسالة المثقف الحقيقي.
الكذب على الذات وسوء النية عند سارتر
باسم: أرجع على فكرة تحديد الوهم للمجتمعات، أعتقد فيه وهم متعارف عليه أمام الناس وفيه أوهام لكل مجتمع وهمه الخاص فيه. مسؤولية تحديد الوهم والتوعية منه من مسؤول عنها؟ يعني هل الدولة أو المؤسسة الحاكمة في المجتمع مطلوب منها تحدد للناس: انتبهوا أن هذا وهم يجب أن تغيروه؟ أم المؤسسة الدينية يجب أن تطلب من الناس؟ أم المثقف كما تحدثت؟ هل المدرسة مسؤولة عن ذلك؟ هل البيت مسؤول عن ذلك؟ من؟ أنا دائماً تساؤلي أبحث عن كيفية فعل الأشياء.
حسن: هو طبعاً أقول لحضرتك موضوع الوهم هذا موضوع كبير جداً؛ لأنه موضوع صعب، صعب لأنه..
باسم: متفق معك، لذلك سألت السؤال؛ علنا نحاول نحدد ما هو الوهم الذي نريد أن نحاربه، نزيله من عقلية الناس.
حسن: الوهم الذي يقف ضد حرية الإنسان، ضد سعادة الإنسان، ضد انطلاق الإنسان، ضد استقلاله الشخصي، ضد المستقبل؛ لأنه فيه أوهام تأخذنا للوراء فهذا مهم جداً. لكن طبعاً الإنسان لا يستطيع أن يتحرر من الوهم تماماً، كلنا نعيش بالوهم حتى السعادة نفسها يعني إذا تكلمنا عن الوهم موضوع فلسفي. باسم: فيها نوع من الوهم.
حسن: فيها جانب من الوهم. لكن بالتأكيد أنه أي سلطة تستخدم الوهم؛ لأنه بدون هذا الوهم لا تستطيع أن تكون سلطة، سواء سلطة سياسية أو دينية. فالوهم مهم جداً للسلطة. دور المثقف ودور الفيلسوف أنه هو يحاول أن يناضل من أجل تحطيم..
باسم: أو كشف الوهم.
حسن: جزء من هذه الأوهام، أو على الأقل أن تعي أنك واهم؛ لأن مشكلة الوهم أنك ممكن تعيش الوهم لدرجة أنك تصدقه. والإنسان هو صانع عظيم للأوهام، الإنسان لا يستطيع أن يحيا بلا وهم. في الحب نحن نستخدم الوهم، في السعادة نستخدم الوهم، في الجنس نستخدم الوهم، في كل شيء. لكن خطورة الوهم عندما يستخدمه الآخر من أجل استعبادك أو من أجل عبوديتك.
باسم: أو لتبرير الاستعباد.
حسن: هذه الخطورة.
باسم: ما علاقة الوهم بالكذب؟
حسن: الكذب هو أن أكون واعياً أني أقول لك فكرة الآن وأنا واعٍ أني أكذب عليك، لكن الوهم هو أنك تصدق الكذب نفسه. على سبيل المثال لا الحصر- الجماهير قتلت نتنياهو عدة مرات برغم أنه لم يُقتل، وصدقت هذه المسألة.
باسم: وعاشوا أسبوعاً في وهم. يعني عاشوا أسبوعاً في الكذب في النهاية،
حسن: فهذا الوهم. الوهم أنك تخلق فقاعة أو تخلق فكرة. طبعاً من يخلق الفكرة ربما بعض اللجان الإلكترونية، لكن الجماهير تتلقف هذه الفكرة لأنها مريحة. الوهم مريح.
باسم: وتخفف عن الناس في لحظة، ممكن أنت بحاجة لتهدئة الناس لمدة أسبوع لأجل أن تمرر شيئاً.
حسن: وأخطر أنواع الوهم طبعاً أنا في رأيي هو “الوهم المقدس”.
باسم: نجيء له، أنا أريد أن أرجع إلى فكرة العلاقة ما بين الكذب والوهم؛ لأننا قلنا أن الدولة بغض النظر أو مؤسسات أي دولة بغض النظر، حتى في أوروبا تمارس هذا الوهم، أنه لما توهم الناس بشيء ما يعني هي تكذب عليهم.
حسن: كان فيه عبارة جميلة بمناسبة الوهم، لجان بول سارتر يسميها هو “سوء النية”، يعني يترجمونها (Bad faith). يعني سمِّه الإيمان الكاذب. فهو يتكلم على سوء النية هذه باعتبارها أنها نوع من الكذب على الذات وليس الكذب على الآخر، لا.. الكذب على الذات.
ويضرب مثالًا جميلًا جدًا، يقول لك: بنت لأول مرة تخرج مع حبيبها أو صديقها، فالولد بطريقة تلقائية ذهب وأمسك يدها، فهي قالت: لا، هذا ليس قصده أي شيء، هذا ابن ناس ورجل محترم جدًا، وليس قصده أن بداية مسك اليد هذه بداية الفعل الجنس. فهو يقول إن هذا يُسمّيه سوء النية، أي إنها تكذب على نفسها وتتصور أن هذا الشاب غرضه شريف، ليس له غرض جنسي أو أي شيء، وتمشي معه على هذا الأساس.
أو يقول إننا مثلًا، أنا أستاذ جامعة، فإذا ذهبت إلى البحر أقعد بالبدلة، فأنا أقنع نفسي طوال الوقت أنني أستاذ جامعة حتى على البحر. فيقول إننا نسجن أنفسنا داخل أدوار ونصدق أننا هذه الأدوار، وأننا طوال الوقت داخل هذا القالب الذي علمناه، أو داخل هذه الشخصية التي أصطنعها لأعيش داخلها. ويقول -فيما معناه- إن الإنسان لديه حنين إلى أن يكون مثل هذه الطاولة؛ لماذا؟ لأن هذا الحنين إلى أن يكون “شيئًا” يُعفيه من إحساسه بالحرية، ويُعفيه من همّ إحساسه بالنقص، أنه مكتمل. أنا خلاص أستاذ جامعة، فلا ينقصني شيء. وكثير من أساتذة الجامعة يعيشون هذا الوهم، إذ يتصور أنه أستاذ جامعة يعرف كل شيء، فهذا هو الوهم الذي هو الكذب على الذات، وهو أخطر من الكذب على الآخر.
النرجسية الحضارية وموت النقد الذاتي
باسم: أنا في رأيي، هنا قد يحتاج العقل أو الفرد إلى الفلسفة لنقد الذات أولًا طبعًا. لكن هذا يحتاج، حتى تنقد ذاتك، إلى وعي بأنك تعيش في وهم.
حسن: هذه، حضرتك، هي القضية التي نعاني منها حضاريًا، وليس على المستوى الذاتي، بل على المستوى الحضاري. نحن عندنا… أنا رأيي أننا نعاني مما يمكن أن نسميه “النرجسية”، نرجسية الذات. تحسّ أنك — وهذا أخطر شيء — فكرة أنني أحسّ أنني اكتملت كحضارة ليس كفرد. طبعًا، كفرد هذه حالة مرضية نفسية. لكن عندما تتحول إلى عصاب جماعي لدى الناس، ويحسّ أن هذه السردية الخاصة به هي كل شيء، وأن هذه السردية فيها إجابات عن كل الأسئلة، وأنها السردية الوحيدة السليمة والصحيحة بين السرديات كلها، فهذا ما نسميه فلسفيًا “ملّاك الحقيقة المطلقة”.
وهذا أخطر شيء؛ لأنها لا تجعل الإنسان يرى الآخر، وإنما يحتقر الآخر، وينظر إلى الآخر نظرة استعلاء ونظرة دونية. هذا بالنسبة لي لا شيء؛ لأنه لا يراه. وفي الوقت نفسه تعني الجمود وتعني التكلس. ولهذا هناك فرق مهم جدًا بين العقل الغربي والعقل العربي، وهو أن العقل الغربي يثور على ذاته. ولذلك كثير جدًا من المفكرين الغربيين مثل فوكو، وجاك دريداو، مدرسة فرانكفورت، كلهم ينتقدون مشروع الحداثة ومشروع التنوير. رغم أنه لم يقدّسه. وانتبه، هؤلاء كانوا في قمة.. — كان هذا في الألفية السابقة، وفي مرحلة الثمانينيات والتسعينيات — أي في مرحلة كانت فيها الحضارة الغربية لا تزال منتعشة، وليس كما الآن في العصر الهمجي الذي نعيشه. ومع ذلك كانوا ينتقدون الذات، وهذه مسألة -في رأيي- مهمة جدًا للتغيير. لا يمكن، على مستوى الفرد ولا على مستوى المجموع، أن يتغير الإنسان أو تتغير المجتمعات دون هذا النقد الذاتي، ودون الوعي بالنقص؛ لأنه كلما أحسست أنك متكامل…
باسم: كلما تكاسلت عن النقد… أنا أسميه — عفوًا، ما فهمت منك — الذي هو تهيئة المجتمع والفرد لمستقبل أفضل أو لحياة أفضل. هذه التهيئة، لو حاولنا أن نصوغها على نسق ثقافي فكري يُقدَّم للمجتمعات، فهل نحن قادرون على أن نقدم هذا النسق لتهيئة المجتمعات وتهيئة أفراد المجتمعات لنمط حياة أفضل؟ وهذا يستتبع أن تقوم بعملية نقد شاملة للموجود وتقدم رؤى للمستقبل. سؤالي هنا: هل مؤسسات المجتمع أو مؤسسات إدارة المجتمع تعيق هذا النمط من التفكير، أم تمنع، أم تساعد أو لا تساعد، وقد تهتم به أو لا تهتم؟ هل يوجد من هذا الكلام؟ طالما أن المثقف يفكر بذاته بمفرده، أنه الوحيد في المجتمع. هل هناك محاولة لتضافر جهود مثقفين يقدمون رؤية: نحن نحاول أن نُهيِّئ للمستقبل، وهذا المستقبل نرى أنه يقوم على 1، 2، 3، 4؟ فلنشرك مؤسسات المجتمع الأخرى ونرى إلى أي قدر تتفاعل معنا؟
حسن: والله، أنا حاليًا لست متفائلًا باللحظة التي نعيش فيها، وأرى أن معظمنا كمثقفين كلٌ يتحرك في جزيرة منعزلة، وكلٌ يعاني من أمراض النرجسية والذاتية البحتة للأسف. وبالتالي فإن فكرة العمل الجماعي فعلًا فكرة مهمة، مهمة جدًا أن أعمل من خلال مؤسسة أو مؤسسات. لكن هذه الفكرة، رغم أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت فكرة المجموعات ونحو ذلك، فإنه حتى داخل هذه المجموعات — وكانت لي تجربة مع بعض الأصدقاء من المثقفين، حيث عملنا عدة مجموعات بعنوان التنوير وأشياء من هذا القبيل وكانت إلى حد ما ناجحة — أفسدها أمران: أفسدها أن كل شخص يريد أن يكون زعيمًا، وهذا مرض عربي بامتياز. والنقطة الثانية هي الكتائب الإلكترونية للإسلام السياسي؛ لأنهم يترصدون بأي تجمع، ويحاولون الدخول فيه: إما أن يكفروك، أو يستدرجوك.
باسم: أو يزندقوك.
حسن: أقول لك: إما أن يكفروك، أو يزندقوك، أو يستدرجوك إلى ملعبهم، ويريدونك أن تلعب على أرضهم حتى يكشفوك. فطبعًا هذه مشكلة كبيرة جدًا. لكنني أعود وأؤكد أنه من المهم جدًا في مجتمعاتنا — وبخاصة مجتمعاتنا الفقيرة اقتصاديًا، وأقصد مصر، ولا شأن لي ببقية العالم العربي لأن لكل دولة ظروفها الخاصة — من المهم جدًا رعاية الدولة للثقافة. وأتمنى أن يعي أولو الأمر أهمية الثقافة في حماية المجتمع؛ لأن الثقافة تحمي المجتمع من الانهيار. ومن المهم جدًا أن يدرك رجال السياسة أهمية الثقافة؛ لأنه قد تكون ناجحًا على المستوى العسكري وعلى مستوى تقليد الدولة، لكن الثقافة مهمة جدًا، وهي قوة لا يُستهان بها إذا تم توظيفها، سواء في الداخل أول الخارج.
تسليع الثقافة: كليات العملية وتفريخ التطرف
باسم: أضم صوتي إليك في أن مؤسسة الدولة أيضًا -بغضّ النظر، لا نتحدث عن المجتمع معين-، بشكل عام — أي مؤسسة تُدير مجتمعًا بالتأكيد يجب أن يكون لها رؤية، كما يسمونها مثلًا: رؤية 2030، 2040، 2050،.
حسن: رؤية مستقبلية.
باسم: هذه الاستراتيجيات. كيف تجيز الدولة لنفسها أن تفكر وحدها دون أن تشرك المجتمع في هذه الرؤية؟ كيف أريد أن أضع رؤية مثلًا لعام 2050 وأنا متأكد أنه سيقلب المجتمع، أي إن هناك جيلًا سيتغير، دون أن أُشرك هذا المجتمع المتغير في: ما الحياة التي يسعى إلى أن يكون عليها في الخمسين أو في الستين؟
حسن: والله، أنا أرى أن المؤسسات الثلاث المعنية بالثقافة، وهي مؤسسات التعليم والإعلام ووزارة الثقافة، بالإضافة طبعًا إلى مؤسسات المجتمع المدني، مهمة جدًا في إدراك أهمية الثقافة. لكن أخطر شيء أراه الآن هو “تسليع الثقافة”، وهذا ملحوظ خاصة في مجال التعليم؛ إذ يُنظر إلى التعليم على أنه حرفة بهذه الصورة. وبالتالي: أتمنى في الفترة القادمة ألا نشهد المزيد من التهميش للفلسفة والعلوم الإنسانية وللأدب والنقد، مما يُظن أنه لا علاقة له بالواقع، في حين أن هذه الروافد الثقافية هي التي تصنع الإنسان. لاحظ مثلًا — على سبيل المثال — أنه في فترة السبعينيات والثمانينيات، وقد عشت هذه الفترة جيدًا، كان يُلاحظ أن معظم أعضاء تيارات الإسلام السياسي، كجماعة الإخوان والجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وغيرها، كل التشكيلات، كانت تأتي — أو معظمها يأتي — من كليات الطب والهندسة؛ نتيجة أنه يتشيأ، ونتيجة أنه يدرس دراسات لا تلعب على الوجدان ولا العقل ولا على الحس النقدي. وبالتالي نصل إلى النتيجة التي تكلمنا عنها قبل قليل، وهي نمط التكنوقراط أو نمط “الميديوكار” الإنسان الوسطي. هذا الإنسان يكون من السهل جدًا أن يتحول إلى متطرف، سهل جدًا. فهذه العلوم الإنسانية تقي الفرد والشاب من أن يتحول إلى كيان مشوه. فإذا أدركت الدولة هذه المسألة، أرى أنها مهمة جدًا. لكن أن يُنظر إلى التعليم على أنه سلعة، وأنه لا يختلف عن أي تجارة أخرى، فهذه كارثة، فالمسائل فيها علاقات معقدة بالتأكيد، ومسألة صناعة الثقافة نفسها مسألة صعبة.
باسم: أنا أتفق معك كليًا في الموضوع، خاصة فيما يتعلق بدراسة العلوم الإنسانية. أذكر أنني أجريت حوارًا مع أستاذ علم اجتماع في إحدى الدول العربية، وكان واضحًا أنه مندمج كليًا في علمه أو في نشاطه. لكن سألته: ما نسبة استفادة مؤسسة الدولة أو مؤسسات المجتمع الرسمية، أو المجتمع نفسه، من علمك كعالم اجتماع؟ تجاربك ونتائجك ودراساتك، إلى أي مدى تنعكس استجابةً مجتمعية أو رسمية؟ فقال: قليل، أو صفر. ويمكن تطبيق الأمر نفسه على الفلسفة، رغم أن الفلسفة -أنا أعتبرها- يجب تزويد كل طالب بالقدرة على طرح السؤال، وأن يكون لديه قدرة على النقد، أو أن تُفعّل في داخله نوعًا من الثورة تجاه الواقع، بحيث يراه على الأقل بعين مختلفة عن العين التقليدية التراثية.
حسن: أقول لحضرتك شيئًا: لو دفعة فيها خمسمئة طالب، وقدرت أن أؤثر في طالبين، أقول إن هذا شيء جميل جدًا؛ لأنه ربما نعزّي أنفسنا بهذا الكلام: إن واحدًا فقط يمتلك الوعي أفضل من ألف بلا وعي. فهذه مسألة، وأعتقد أنها صحيحة إلى درجة ما. فهي مهمة صعبة وثقيلة، لكنها ليست مستحيلة. وكما أقول لحضرتك وأعيد: من المهم جدًا على للمثقف أن يتحلى بصفة العناد والمقاومة، ثقافة المقاومة، أن يقاوم.
باسم: أنا أضم عنادي إلى عنادك.
حسن: الله يخليك.
باسم: دكتور حسن حماد، أستاذ الفلسفة المعاصرة في مصر، أشكرك. الله يبارك فيك. إن شاء الله يكون لنا حصة أخرى أو لقاء في “مجتمع”. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”… إلى اللقاء.
