تمثلات الاستعلاء العقائدي: من شعب الله المختار إلى الفرقة الناجية والقومية – سامر إسلامبولي
تبين دراسة تطور الأفكار والتشريعات أن الأنساق المعرفية البشرية كثيراً ما تتأثر ببعضها عبر النقل والعبور الثقافي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بنزوع النفس البشرية نحو الاحتكار العقائدي والاستعلاء القومي. ويظهر هذا التأثر بجلاء عند فحص آليات تحول الرسالات العالمية، القائمة على قيم الاستقامة والبيان الإنساني المشترك، إلى أطر مذهبية أو عرقية ضيقة. ويمثل هذا البحث قراءة تفكيكية مقارنة بين مفهومين محوريين أنتجهما الفكر التراثي عبر التاريخ: مفهوم شعب الله المختار في التراث اليهودي التلمودي، ومفهوم الفرقة الناجية في التراث الفقهي والحديثي، مع ربط ذلك بآلية تقديس العرق والدم من خلال تحويل التوصيف الوظيفي لكلمة عرب إلى هوية قومية عرقية.
أولاً: مفهوم شعب الله المختار ونظرة التلمود للأغيار
تأسس الوعي التشريعي واللاهوتي في الفكر اليهودي التقليدي على فكرة المركزية العرقية، حيث تحولت فكرة العهد الإلهي من مسؤولية أخلاقية قائمة على حمل قيم الحق، إلى امتياز نفعي جيني ثابت لا يزول. هذا التحول وجد صياغته الأكثر حدة وتطرفاً في المدونات التلمودية والشروح الحاخامية اللاحقة، التي أعادت صياغة النظرة إلى الإنسانية برمتها بناءً على ثنائية حادة تُعلي من شأن الذات اليهودية وتضع بقية شعوب الأرض في مرتبة أدنى بكثير.
وتذهب هذه الرؤية التراثية إلى صياغة تمايز وجودي في أصل الخلقة وطبيعة النفس البشرية؛ حيث ورد في تلمود بابل، وتحديداً في مسند بابا ميتسيا، النص الحرفي الذي يعلن: أنتم تُدعَون بشراً، أما شعوب الأرض الأخرى فلا تُدعى بشراً. ويتكرر هذا التأصيل في مسند يباموت للتمييز بين نفوس اليهود التي يزعمون طهارتها وبين نفوس الآخرين التي يلحقونها بالبهائم. وبناءً على هذا، نظر الفكر التلمودي إلى الشعوب الأخرى على أنهم يقعون في مرتبة أدنى من المرتبة الإنسانية الكاملة، بل إن وجودهم الفيزيائي مبرر بوظيفة نفعية بحتة وهي خدمة الشعب المختار.
وتتضح فكرة النظرة البهيمية وتدرج الأجناس البشرية بشكل صارخ عند أقطاب هذا الفكر؛ ومن ذلك ما دونه الفيلسوف والتشريعي “موسى بن ميمون” في كتابه دلالة الحائرين، حيث عقد تقسيماً وتصنيفاً للبشر، وجعل فيه الأقوام الذين يسكنون في أطراف الأرض، وخص بالذكر الإنسان الأسود والشعوب التي تشابهه في الجنوب في مرتبة أدنى من رتبة الإنسان العاقل وأعلى بقليل من رتبة القردة، واصفاً طبيعتهم بأنها مشابهة لطبيعة الحيوانات البهيمة غير الناطقة. هذا التأصيل يوضح كيف استقرت فكرة التمييز العرقي والطبقي داخل البنية التفسيرية لفرز البشر على أساس اللون والعرق.
وترتب على هذه الرؤية منظومة تشريعية عملية تنظم التعامل مع الآخر؛ فدماء الأغيار وأموالهم لا تتمتع بالحصانة الذاتية، وهو ما قننته المدونات الفقهية مثل كتاب شلحان عاروخ بأنه لا يجوز إنقاذ غير اليهود من الهلاك إلا إذا خشي اليهود من عواقب العداوة. كما جاء في مسند بابا كاما نص تشريعي يوضح التمييز في الحقوق ينص على أنه لو أن ثوراً لليهودي نطح ثوراً لغير يهودي فلا غرامة عليه، أما إذا نطح ثور لغير يهودي ثوراً ليهودي فإنه يدفع التعويض كاملاً، مما يعكس كيف جرد الوعي التراثي الإنسان الآخر من إنسانيته بمجرد خروجه عن الدائرة العرقية.
ثانياً: مفهوم الفرقة الناجية واحتكار الخلاص في التراث
عند الانتقال إلى الفحص المنهجي للمدونات التراثية، يظهر بوضوح كيف تسربت الروح الاحتكارية ذاتها لتعيد إنتاج مفهوم التمايز والاستعلاء، ولكن تحت غطاء مذهبي وعقائدي يُعرف بمفهوم الفرقة الناجية. هذا المفهوم يستند بشكل رئيسي إلى مرويات حديثية تجذرت في كتب الفرق والمقالات، وأبرزها ما ورد في سنن أبي داود من قول مأثور يزعم أن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة. وفي رواية أخرى عند جامع الترمذي يضاف قيد لفظي يزعم أن كلهم في النار إلا ملة واحدة وهي ما كان عليه السلف وأصحابهم.
إن هذا النص أحدث انقساماً معرفياً في العقل الجمعي التراثي، حيث نقل الاهتمام من قيم الاستقامة والعدل الإنساني الشامل، إلى الصراع حول من يمتلك التوصيف الدقيق لهذه الفرقة المفردة. وتحولت كل طائفة أو مذهب فقهي وكلامي إلى ادعاء أنها هي دون غيرها الحارس الحصري للحق، وأنها تمثل الجماعة المرجعية التي تحظى بالقبول الإلهي، بينما يقع بقية مجتمع المسلمين، فضلاً عن بقية البشرية، في دائرة الضلال والهلاك الأبدي.
وتتجلى خطورة هذا المفهوم في كونه يحاكي تماماً بنية الفكر القديم المعتمد على اصطفاء فئة محددة وإقصاء المجموع؛ فبينما جعلت اليهودية الاصطفاء مبنياً على الدم والوراثة الجينية، جعل التراث المذهبي الاصطفاء مبنياً على تبني حزمة من الآراء الكلامية والفروع الفقهية والتفسيرات البشرية التي تم رفعها إلى مصاف القطعيات الإلهية. ونتج عن ذلك انقسام مجتمعي حاد، وتأسست بناءً عليه أحكام الولاء والبراء، واستُبيحت دماء المخالفين وأعراضهم تحت مسميات الردة، والبدعة، ومفارقة الجماعة، محولين الدين من مشروع تحرري عالمي للإنسانية إلى قطاع خاص يمنح صكوك الغفران لأتباعه وينزل اللعنات على من سواهم.
ثالثاً: تحويل التوصيف الوظيفي لكلمة عرب إلى هوية قومية عرقية
لا يقف التشابه بين النسقين التراثيين عند حدود احتكار الخلاص الأخروي، بل يتعداه إلى إعادة إنتاج الاستعلاء العرقي والقومي داخل عباءة التشريع، وذلك عبر تحويل التوصيف الوظيفي لكلمة عرب إلى هوية قومية عرقية وتقديس هذا العرق وجعله أعلى من كل القوميات. ويظهر هذا بوضوح في المدونات التراثية الفقهية والحديثية التي صاغت أحكاماً تفضيلية تخص العرق والدم، مستندة إلى مرويات ترفع من شأن قريش والعرب كجنس بشري متفوق جينياً وخلقياً.
ويبرز هذا التأصيل العرقي بجلاء عند فقهاء الفروع والأصول؛ حيث يقول ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم صراحة: إن الذي عليه أهل السنة والجماعة هو اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم؛ عبرانيينهم، وسريانيينهم، ورومهم، وفرسهم، وغيرهم. ويستند هذا التفضيل العرقي الفقهي إلى ما ورد في صحيح مسلم من روايات الاصطفاء التي تزعم أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل حفلت كتب الحديث بروايات عديدة تم وضعها لتمجيد العرق العربي وتأثيم من يبغضه أو ينتقده، ومن ذلك المرويات التي تنص على أن حب العرب إيمان وبغضهم كفر، والرواية التي تزعم أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي، وكذلك الرواية التي تقول: إذا ذل العرب ذل الإسلام. هذه المرويات تسربت إلى الوعي الفقهي وسرت إلى أحكام النكاح والمعاملات من خلال ما عرف بمسألة الكفاءة في النسب، حيث اعتبرت مدارس فقهية كبرى أن الأعجمي ليس كفئاً للمرأة العربية في الزواج، مما يعكس تمييزاً عنصرياً صريحاً يقوم على نقاء الدم والأصل العرقي، وهو إعادة إنتاج حرفية للمفهوم التوراتي التلمودي حول المحافظة على النسل المقدس ومنع الاختلاط.
إن هذا الانحراف المعرفي الخطير نشأ من سوء فهم جذري وانفصام عن المنهج اللساني القرآني المحكم. فالقرآن عندما يتحدث عن اللسان العربي، أو يصف نفسه بأنه قرآن عربي، لا يشير مطلقاً إلى هوية قومية، أو عرق جيني، أو سلالة قبلية محددة. إن كلمة عرب في حقيقتها اللسانية هي توصيف وظيفي بنيوي مستمد من المادة الثلاثية الكامنة في العين والراء والباء، والتي تدور دلالتها حول الأصالة والإبانة، والوضوح، والاستقامة، والظهور، والتخلص من اللبس والغموض.
ويظهر هذا المعنى جلياً في النص القرآني المحكم.
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }النحل103، {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }يوسف2، {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }فصلت3. {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }الزمر28
فاللسان العربي هو النظام الحيوي البياني المحكم القائم على الإبانة المطلقة والقدرة على تفسير الحقائق وفصلها دون اضطراب، وهو لسان متاح ومفتوح لكل إنسان يتبنى نظامه المعرفي والبياني ويسير وفق قوانينه المنطقية.
ولكن الوعي التراثي، تحت تأثير النزعات السياسية وظلال الموروثات الأممية القديمة، قام بعملية قلب للمفاهيم، فحول التوصيف الوظيفي العلمي القائم على البيان والإبانة إلى اسم قومية وعرقية وجغرافيا مغلقة ومحدودة. هذا التقديس لعرق سكان شبه الجزيرة العربية المعايير الوحيدة للتفاضل البشري، كما نصت الآية المحكمة:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13
وجعلت تنوع الألسنة والألوان آية من آيات الخلق الكوني وليس سلماً للتراتب الطبقي والعنصري.
{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ }الروم22
رابعاً: مظاهر التقاطع المنهجي بين الفكرين
عند وضع المفهوم التلمودي ومفهوم الفرقة الناجية والتميز العرقي متجاورين في سياق التشريع والواقع العملي، نجد أنها تنبع من جذر نفسي ومعرفي واحد، وتتطابق في آلياتها التشريعية والواقعية عبر مظاهر محددة:
تقسيم العالم إلى فئتين لا تلتقيان؛ فئة داخل حصن الرضا الإلهي وهي المتمثلة في العرق المختار أو صاحب المذهب والفرقة الصحيحة، وفئة خارج هذا الحصن مستهدفة بالإقصاء والازدراء وتجريدها من قيمتها الوجودية.
سلب الإنسان المخالف من قيمته الذاتية وأهليته القيمية، فلا تعود أعماله الصالحة، أو علومه، أو منافعه الإنسانية ذات قيمة ما لم يدخل عبر البوابة العرقية أو المذهبية المحددة سلفاً في الفكر التراثي.
تحوير الأحكام الإنسانية العامة كالعدل، والأمانة، والرحمة، لتصبح أحكاماً مشروطة بالانتماء؛ فالعدل واجب مع ابن الملة أو الفرقة، ولكنه يسقط أو يتغير عند التعامل مع المخالف، مما يشرعن الاستباحة والمصادرة بناءً على تصنيفات عرقية ومذهبية.
توظيف فكرة التميز العرقي والاصطفاء لشرعنة النظم السياسية والطبقية القائمة؛ ففكرة تفضيل سكان شبه الجزيرة العربية وقريش وظفت تاريخياً لتثبيت احتكار السلطة والحكم في سلالات معينة، تماماً كما وظفت فكرة الحق الإلهي والوراثة في الفكر اليهودي القديم لإدارة المجتمع وحصر التوجيه التشريعي.
إن المقارنة المعرفية واللسانية بين هذه المفاهيم تكشف بوضوح حجم التسلل الثقافي الذي أصاب المدونات الفقهية والتفسيرية والتحديثية، حيث هُجرت شمولية النص القرآني العالمي المنفتح لصالح أطر تلمودية صبغت بصبغة إسلامية طائفية وعرقية. إن تفكيك هذه المفاهيم وبيان تهافتها بالاعتماد على البناء اللساني المحكم يمثل خطوة أساسية لتحرير الفكر والدين من أسر القبلية والمذهبية، وإعادة الاعتماد على المعايير الإنسانية العامة القائمة على الحرية، والعدل، والبيان، والاستقامة؛ ليعود الدين كما بدأ رسالة هداية للعالمين لا صك تميز لعرق أو فرقة.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13
