Skip to content Skip to footer

كيف تثبت “شفرة الألفاظ” التطابق بين المصحف المتداول ونسخة النبوة؟ د. جوهر محمد داود

الدكتور جوهر داود محمد يكشف عن مدى التطابقِ الكليِّ بينَ المصحفِ المتداولِ ونسخةِ النبوة، ويوضح كيفَ تُثبتُ “ذاكرةُ النظامِ” اللسانيةُ سلامةَ النصِّ منَ التغييرِ؟ وكيف أن الرواياتُ التراثيةُ حول الجمع تتناقض مع البنية الوجودية المتعالية للقرآن؟ في لقائه مع الدكتور باسم الجمل #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع.

 

هلِ المصحفُ الحاليُّ هو عينُ ما تلاهُ النبيُّ الكريم؟

باسم: أهلًا بكم أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مجتمع. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور جوهر محمد داود، باحث وكاتب في الدراسات القرآنية. دكتور أهلًا وسهلًا بك.

جوهر: شكرًا جزيلًا.

باسم: من زمان ونحن نترصدك حتى تأتي وأخيرًا أتيت.

جوهر: صحيح، كم مرة خططنا سبحان الله ربك وفقنا.

باسم: وكان حقيقة أن جهدك أو عملك على هذا الموضوع بالذات هو الذي يلفت الانتباه. خاصة أنك أعددت الدكتوراه حول الموضوع.

جوهر: صحيح.

باسم: أنت ذهبت إلى أبردين في بريطانيا أعددت دكتوراتك حول القرآن.

جوهر: صحيح.

باسم: جمع القرآن.

جوهر: صحيح.

باسم: وهل النص أو هل النسخة الموجودة بين أيدي المسلمين هل هي نسخة حقيقية أم صار فيها تلاعب وفق دراستك؟

جوهر: بسم الله الرحمن الرحيم أولًا، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه. أنا توصلت بعد بحث طويل جدًّا حتى قبل الدكتوراه أن القرآن الذي بين أيدينا هو عين القرآن الذي كان يتلوه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

باسم: يعني النسخة الموجودة بين أيدي الناس هي النسخة التي كانت بين أيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

جوهر: صلّى الله عليه وسلم.

باسم: طيب كيف توصلت لهذا الإثبات؟

جوهر: هذا السؤال جميل جدًّا، لا تتوصل إلى الإجابة على هذا السؤال من خلال قراءة التراث.

باسم: لا يمكن؟

جوهر: أبدًا؛ لأن التراث شديد الاضطراب فيما يتعلق بنقل القرآن الكريم، كيف كان، وكيف كان يُتلى، ليس واضحًا أبدًا، بالعكس التراث، يعني الروايات التاريخية الرسمية المقبولة والمعتمدة حتى يوم الناس هذا، تقول إن الصحابة كانوا يقرؤون القرآن الكريم بلفظ غير اللفظ الذي سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان مرخصًا لهم في أن يبدلوا بعض الألفاظ بما تيسر لهم.

باسم: مَن رخص لهم؟

جوهر: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

باسم: يعني كتب التراث تقول إن الرسول رخص لبعض الصحابة أن يقرؤوا القرآن بغير أو بخلاف ما قام به النبي…؟

جوهر: بخلاف ما هو مرسوم في المصحف اليوم.

باسم: وهل هذا معقول؟

جوهر: النص القرآني وطبيعته لا تؤيد هذا الكلام.

باسم: هذا ادعاء تراثي غير صحيح؟

جوهر: هذا غير صحيح، النص القرآني يأبى هذا التعدد في الألفاظ. هم يقولون مثلًا إن عبد الله بن مسعود -وهو صحابي جليل ومن أوائل الذين أسلموا في مكة- كان له مصحف يختلف في بعض ألفاظه عن مصحفنا اليوم، كان يقرأ مثلًا “كالصوف المنفوش” بدلًا من “كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ” (القارعة: 5).

باسم: “كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ”.

جوهر: فالقرآن لا يقبل هذا. يقول بتعدد الألفاظ كبار العلماء تقريبًا، يعني يقول مثلًا الإمام الشافعي يقول إنه كان مأذونًا للناس، أنزل الله سبحانه وتعالى على سبعة أحرف رأفة بالناس أن يزل حفظهم، فأباح لهم أن يقرؤوا بما لا يحيل المعنى، أنت إذا أصبت المعنى وإن قرأت بالمرادف فلا إثم عليك جاز لك ذلك، هكذا يقول الإمام الشافعي. وكذلك يقول الإمام أبو جعفر الطحاوي هو توفي في سنة 321، يقول أيضًا كانوا يقرؤون بألفاظ غير الألفاظ التي سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لهذا حديث الأحرف السبعة يفسر هذا الإشكال، يعني ثابت عندهم أن القرآن كان يُقرأ بألفاظ مرادفة، كلهم يجمعون على هذا إلا عالم واحد فيما وصل إليه بحثي، يقول ابن حزم الأندلسي هو توفي في سنة 456 للهجرة، يقول: القرآن بحروفه وكلماته وآياته هو ما أنزله الله وهو ما هو موجود في المصحف اليوم.

باسم: عارض ابن حزم ما قاله السابقون.

جوهر: هو يقول، في معرض الرد على النصارى عادة، النصارى أثاروا هذه الشبهات من قديم بالمناسبة، أن القرآن كان الصحابة يختلفون في قراءته وفي ألفاظه وفي كذا، فيقول: نحن وإن بلغنا الغاية في تعظيم الصحابة فلسنا ممن يقول إن هؤلاء معصومون.

باسم: يعني يخطئهم؟

جوهر: يخطئهم، قال: لا يعرى من الوهم والغلط والنسيان آدمي، فهو يُدرج هذا ضمن الخطأ، ضمن السهو أما القرآن فلم يتغير.

 

كيفَ نُثبِتُ سلامةَ النصِّ تقنيًا عبرَ “الشفرة القرآنية”؟

باسم: ابن حزم أكيد عمل بحثًا كما عملت أنت ممكن، وتأكد أن النص القرآني الموجود بين أيدي الناس هو النص الذي كان بين أيدي الرسول الكريم، على أي أساس اعتمد؟

جوهر: هو اعتماد إيماني؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” [الحجر: 9]، ووعد الله صادق. اعتماد إيماني لكنه لم يجر بحثًا على الـ (Corpus القرآني) على النص القرآني بأكمله، الذي لم يكن حقيقة متاحًا للناس ليعرفوا طبيعة هذا النص. نحن اليوم بفضل الوسائل التقنية نستطيع أن نعرف ورود الكلمات لماذا ترد هذه الكلمة هنا ولا ترد هناك، نعرف بالضبط المتلازمات من كلمات القرآن الكريم، فلم يكن عندهم هذه التقنية فهو إيمانًا يقول هذا الشيء.

باسم: هل أنت شغّلت أو فعلت هذه التقنية؟

جوهر: نعم.

باسم: لتصل لنفس النتيجة التي وصل ابن حزم إليها؟

جوهر: التي وصل إليها ابن حزم. الأهم من هذا كيف يبرر هؤلاء الذين يقولون إن القرآن كان متعدد الألفاظ كان يُقرأ بالمرادف، الأحرف السبعة، حديث الأحرف السبعة يحل هذا الإشكال. كله كان قرآنًا أو بعضه كان من ألفاظ الصحابة، لكن عندما جمع عثمان الناس على مصحف واحد اعتمد العرضة الأخيرة. القرآن كان يُعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة في كل شهر رمضان، ففي العام الذي قُبض فيه عرض عليه مرتين، فعرضه جبريل وأعطاه النسخة الأخيرة بما جرى فيه من ناسخ ومنسوخ.

باسم: عرضه جبريل؟

جوهر: عارضه جبريل يعني دارسه، استعرض معه القرآن كله من أوله إلى آخره.

باسم: مَن قال ذلك؟

جوهر: هذا حديث ثابت.

باسم: هذا حديث يعني؟

باسم: نعم وأنت اعتمدت على هذه الأحاديث؟

جوهر: لا أنا لم أعتمد على هذا، أنا اعتمدت على القرآن نفسه، وعلى قول الله سبحانه وتعالى: “إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ” [القيامة: 17] وعد الله صادق. المفسرون يفسرون الجمع هنا الجمع في صدر النبي صلى الله عليه وسلم.

باسم: يعني الرسول كان حافظًا للنص؟

جوهر: كان حافظًا للنص وكان مجموعًا له في صدره وليس خارج صدره في الأرض، في الواقع، طبعًا هذا يناقض أنه إذا جمع له في صدره فلا بد له من جمعه في الأرض أيضًا حتى يرثه الناس من بعده، فلا معنى لجمعه في صدره ما لم يجمع في الأرض، هذا أولًا.

ثانيًا في سورة القيامة التي تُذكر فيها هذه الآيات الأربعة: “لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” [القيامة: 16-19]. هذه الآيات الأربعة دائمًا كانت مثار إشكال عند المفسرين، كانوا يرون أنها مقحمة أو لا تنتمي إلى موضوع السورة. السورة تتحدث عن البعث: “لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ” [القيامة: 1-4]. ففجأة يقول: “لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ”، فالذي لم يدركوه أن السورة هذه تتحدث عن الجمع، جمع العظام “أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ”…

باسم: صح صح صح.

جوهر: “بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ”، ليس مجرد جمع إنما تسوية البنان، إعادة تكوين الإنسان بأدق ما فيه، ثم يقول: “فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ”، هذا جمع آخر، في سياق هذا الجمع…

باسم: جاء جمع القرآن.

جوهر: جمع القرآن. كأنه يقول إن جمع القرآن هو معجزة تتحقق في الأرض كما يتحقق جمع عظام الإنسان عند البعث، وكما يتحقق جمع الشمس والقمر، وأكثر من ذلك أن كل آية بعد الجمع ترتد إلى سورتها كما يرتد بنان الإنسان إلى جسده بهذه الدقة، لكن أنا وجدت مصداق هذا كله في طبيعة النص القرآني.

 

كيفَ تمنعُ البنيةُ اللسانيةُ هجرةَ الألفاظِ بينَ الآيات؟

باسم: هذه النقطة التي كنت أشير لك…

جوهر: بالضبط.

باسم: هل البنية القرآنية نفسها، البناء الفكري واللفظي اللساني للقرآن يعزز هذا طريقة الجمع بالطريقة التي تحدثنا عنها؟

جوهر: هذا السؤال جوهري، القرآن عبارة عن نظام لغوي مغلق فيه قيود مفروضة على النص، حركة الألفاظ محكومة بقيود صارمة داخل النص.

باسم: هذه القيود مَن فرضها؟

جوهر: النظام، النظام القرآني.

باسم: النظام الذي صيغ عليه القرآن.

جوهر: الذي صيغ عليه القرآن، هو الذي يفرض هذه القيود. كيف تُفرض هذه القيود ولماذا تفرض؟ أبرز خاصية، سمة في القرآن الكريم هي التشابه والتكرار، القرآن كتاب متشابه مكرر، في سورة الزمر الآية 23 يقول الله سبحانه وتعالى: “اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ” [الزمر: 23]. “كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ”، مكرر، تتكرر في القرآن المواعظ والقصص ومصارع الغابرين ومشاهد القيامة، الخلق والتكوين، كل هذه تتكرر بألفاظ متقاربة وعبارات متداخلة، مع هذا التداخل وهذا التقارب تجد أن كل آية تشبه أختها استقرت في سورتها بطريقة محكمة فيها قيود لفظية تمنع حركة الألفاظ أن تهاجر من سورة إلى أخرى.

نحن نحتاج أن نضرب مثلًا على هذا، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة القصص: “وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” [القصص: 60]. هذه في سورة القصص.

في سورة الشورى يقول تعالى: “فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” [الشورى: 36].

أنت لو اعتمدت على الذاكرة البشرية من الصعب أن تميز بين هاتين الآيتين، تضع الأولى في القصص…

باسم: وتضع الثانية في السورة الثانية.

جوهر: في الشورى، لماذا؟ خذ مثلًا كلمة واحدة وردت في القصص: “وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا”، في الثانية ألغى هذه الكلمة، أسقطت سهوًا؟

باسم: هناك ناس يقولون إنها سقطت سهوًا.

جوهر: بالضبط، من الذي أسقطها؟ أين ذهبت؟ والموضوع هو نفسه الحديث عن متاع الحياة الدنيا، هناك أثبت زينتها وهنا أسقطها، ما الذي جرى؟ لقد حاول العلماء أن يجيبوا على هذا السؤال من قديم، من القرن الخامس الهجري، الخطيب الإسكافي له تفسير اسمه “درة التنزيل وغرة التأويل” عالج هذه المشكلة تحديدًا، يتناول الآيات المتشابهة في القرآن الكريم، هذا جنس من البحث معروف عند العلماء، قال لماذا ذكر زينتها هنا وأسقطها في الشورى؟ قال لاستيعاب جميع ما بُسط الرزق فيه للكفار؟

باسم: لماذا الكفار؟ ليس للبشرية للكل؟

جوهر: أيًا كان، لم يستطع أن يعلل بأكثر من هذا. لكن إذا نظرت إلى السورتين والقيود اللفظية المفروضة على كل سورة تكتشف أن “زينتها” هذه التي جاءت في الآية الستين من هذه السورة، لها ما يقابلها في الآية التاسعة والسبعين في قوله تعالى: “فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” [القصص: 79]، فزينتها الأولى جاءت تمهيدًا لهذه الآية.

باسم: هذا يعطي انطباعًا أن طريقة قراءة القرآن أو طريقة تدبر القرآن يجب أن تتبع الترتيل أولًا.

جوهر: بالضبط.

باسم: أنه لا يمكن أن تقرأ القرآن وتفهمه بشكل جيد وتستنبط أحكامًا بدون أن تتبع الأسس التأسيسية الأولى للترتيل.

جوهر: أنت لا تفهم معنى “زينتها” أصلًا إذا رجعت إلى الآية الأخرى التي جاءت بعدما مُهد لها هذا التمهيد، حين يقول “فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ”، هذا الإنذار الذي سبق.

 

لماذا غابتِ “البنيةُ الوجوديةُ” للنصِّ عنِ المفسرينَ القدامى؟

باسم: لماذا لم يصل أهل التراث أو القدماء أو الذين تصدوا لقراءة النص بطريقة أو بأخرى… لماذا لم يتبعوا مثلًا آلية قراءة النص الذي يشير إليه النص نفسه، الترتيل والتدبر ثم الاستنباط؟ حاليًا حتى هناك كثير من كتب التفسير أرى أن المفسر يأخذ السورة ويأخذ الآية في مكانها دون أن يأخذ التشابه الذي تتكلم أنت عنه بعين الاعتبار، في قراءته النص أو في ترتيله أو تدبره للنص؟

جوهر: هذا صحيح، هؤلاء أولًا كانوا من عباقرة بني آدم، لم يكونوا ناسًا عاديين، الذين تصدوا للتفسير وللفقه كانوا أذكياء جدًّا.

باسم: لا شك أنهم كانوا أذكياء لكن…

جوهر: كانوا محكومين بمعارف زمانهم، بالأفاق الثقافية السائدة في وقتهم وبالتقنيات المتاحة لهم أيضًا. أنا اليوم أستطيع أن أرصد “زينة” هذه كم مرة وردت في ثانية، هو لم يكن يستطيع، يعتمد على حفظه لم يكن يستطيع أن يهتدي…

باسم: يعني هو كان هناك غياب للإمكانية وليس غيابًا للقدرة العقلية؟

جوهر: لا، غياب للإمكانية وغياب للاتجاه أن تنظر إلى القرآن لا كمجرد ألفاظ تقبل الدراسة النحوية والصرفية والدلالية والفقهية والكلامية، إنما كوجود أنطولوجي للقرآن، الوجود الحقيقي للقرآن الكريم، ليس الإبستيمولوجي، يعني هم كانوا يدرسون القرآن إبستيمولوجيًا، بمعنى كيف تعامل الناس، كيف تلقى الناس، استقبال القرآن، تاريخ استقبال القرآن، كيف استقبل القرآن (Reception History)، الناس استقبلوه بقراءات مختلفة، الناس استقبلوه بخطوط مختلفة، التركيز كان على الخطوط كيف كتب القرآن الكريم الخطوط والنواقص فيه، الألف المتوسطة ما كانت مرسومة، والهمزة والشدة هذه الأشياء لم تكن مكتوبة، ثم الجدل الفقهي وعلم الكلام هذا الذي صرفهم.

باسم: العلماء هم الذين تصدوا لقراءة النص أو تفسيره، التركيز على قراءة الشكل أو قراءة النصوص دون العودة إلى طريقة جمعها مثلًا؟ أو كان هناك غياب لمنهجية مثلًا تدبر القرآن مثلًا؟

جوهر: الجمع أولًا كان مقررًا بحديث جمع القرآن الذي رواه -هو قصة ليس حديثًا- ابن شهاب الزهري المتوفى سنة 124، فهو قال إن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يجمع القرآن، يعني قبض النبي صلى الله عليه وسلم…

باسم: والقرآن مفرق.

جوهر: نعم، ولم يكن القرآن جمع في شيء. هذه الجملة التي قضت على كل شيء، رسمت تاريخ القرآن، جملة خطيرة جدًّا، يعني هذه الجملة يحكيها ابن شهاب وينسبها إلى…

باسم: طيب، ابن شهاب ما مصداقيته في هذا القول؟ هل خضع لعملية جرح وتعديل حتى يؤخذ ما قال على محمل الجد؟

جوهر: هذا من كبار الرواة، وتوثيقه تقريبًا مطلق، هذا عمدة الحديث والسنة، ما جرحه أحد.

باسم: هل كلامه صحيح؟ أن القرآن لم يكن مجموعًا؟

جوهر: لا هذا غير صحيح. حسب ما توصلت إليه وحسب أيضًا ما يقول الله سبحانه وتعالى: “إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ”، لا يمكن أن يصح، لا يمكن أن يكون قُبض النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن مفرق في صدور الرجال أو في الرقاع واللخاف والعسب.

 

هل تنسفُ “ذاكرةُ النظامِ” رواياتِ عدمِ الجمعِ النبوي؟

باسم: أنت تقول إن القرآن كان مجموعًا في حياة الرسول؟

جوهر: كان مجموعًا في حياته صلى الله عليه وسلم، نعم.

باسم: وأنه عرض عليه وأكده؟

جوهر: بالضبط. يعني ختم عليه…

باسم: ما الداعي أنه ظهر ناس رواة مثل صاحبنا هذا؟

جوهر: ابن شهاب الزهري، هو تقريبًا يكاد ينفرد بهذه الرواية، أنه جمع في عهد أبي بكر مرة ثم ثانيًا في عهد عثمان، ويقول إن هناك آيات أيضًا فقدت ثم وجدت لدى فرد يعني…

باسم: إذن القرآن كان موجودًا بجمع كما اتفقنا أن الشكل الحالي الموجود للنص كان موجودًا في عهد الرسول، التراث مليء بالروايات التي تقول إنه كان فيه مصحف عند عمر، كان مصحف عند علي، كان فيه مصحف عند عائشة، كان مصحف عند عثمان، وعثمان جمع وعثمان حرق مجموعة من المصاحف وفرض المصحف الذي فرضه، وأن هناك آيات كانت ناقصة وأن هناك كم من ماعز أكلت كم من آية، يعني هناك كثير من الروايات التي تعاكس الرواية التي تقول إن القرآن كان مجموعًا في عهد الرسول، وأنه انتهى جمعه والآية تؤيد ذلك.

جوهر: هذا صحيح، هناك روايات تغلب، تُكتب لها الغلبة، ثم تؤول الروايات الأخرى على أساسها لتوافق الرواية الغالبة، رواية ابن شهاب الزهري هذه من الروايات الغالبة حتى القرآن يؤول ليوافق هذه الرواية.

باسم: الذي غلب رواية ابن شهاب قرأ الآية..

جوهر: قلت لك إنهم يقولون الجمع كان في صدره صلى الله عليه وسلم، يؤولون الآية حتى توافق هذه الرواية.

باسم: يعني وضعوا مصداقية القرآن على المحك، ولم يضعوا رواية ابن شهاب على المحك، ليصدقوا رواية ابن شهاب. معقول هذا؟

جوهر: هذا الذي حدث، زيد بن ثابت الذي تُنسب له هذه الرواية، رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قُبض ولم يكن القرآن جمع في شيء، هو نفسه يقول في رواية صحيحة وردت في مستدرك الحاكم على الصحيحين وفي سنن الترمذي وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل وفي دلائل البيهقي تقول كنا نؤلف القرآن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كنا حول رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع.

باسم: المقصود بالتأليف هنا أنهم يكتبونه؟

حوهر: نجمع، نجمع القرآن.

باسم: التأليف هنا الجمع.

جوهر: بالضبط. زيد بن ثابت هو نفسه قال هذه العبارة والعبارة الأخرى أيضًا تنسب إليه.

باسم: غريبة.

جوهر: المهم أن العلماء كانوا يعرفون كل هذه الأحاديث ويحاولون التوفيق بينها، فالذي استقر عليه الناس أخيرًا أن القرآن لم يُجمع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، طبعًا هذا له تبعات منها…

باسم: يدخل الشك في النص.

جوهر: منها إذا كان الصحابة مأذونًا لهم، مرخصًا لهم أن يقرؤوا القرآن بألفاظ متعددة ثم جاء عثمان وأجمع الصحابة على كتابة المصحف على اللفظ الذي تحقق إنزاله، ركّز على هذه العبارة، على اللفظ الذي تحقق إنزاله، أي تركوا ما لم يتحقق نزوله واتفقوا على العرضة الأخيرة، معنى هذا أن هناك ألفاظًا قرآنية كانت تتلى ثم نسخت بإجماع الصحابة.

باسم: لكن هذا يعطي أنه أيضًا عملية الجماعية شابها…

جوهر: بالضبط كيف تأمن…

باسم: شابها على الأقل لمسة بشرية.

جوهر: بالضبط كيف تضمن أنه ما تسلل بعض الألفاظ البشرية التي كانوا يتلون بها القرآن، ما تسللت إلى النص القرآني؟ ليس عندك ضمان، كيف تضمن؟

باسم: ودراستك كانت عكس ذلك.

جوهر: تثبت عكس هذا تمامًا. أنا لو استوفيت المثال الذي ضربناه في المرة الماضية فيقول: “وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ…”، في سورة الشورى “… “فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” [الشورى: 36]، الخاتمة تختلف هنا، هو ألغى وزينتها، ثم جاء بخاتمة أخرى يقول “لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”، هذه في الآية السادسة والثلاثين. في الآية العاشرة في سورة الشورى يقول الله تعالى: “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ” [الشورى: 10]، “لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” هذه الخاتمة صدى للآية التي في… الآية العاشرة، الآية السابقة، هكذا يتكامل القرآن الكريم.

 

كيفَ تؤكدُ إحصائياتُ “العمى” استحالةَ التدخلِ البشري؟

جوهر: ليس هذا فحسب، أنت عندك القرآن، هناك قيود لفظية تتحكم في حركة الألفاظ، مادة عمي يعمى مثلًا في القرآن الكريم تتكرر ثلاثًا وثلاثين مرة، لكن لفظ العمى كاسم يقع مرتين فقط في سورة فصلت، كيف يقع؟ يقول الله تعالى: “وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ”، ثم يأتي في الآية الرابعة والأربعين يقول: “وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى” [فصلت: 44].

باسم: استخدم العمى مرتين.

جوهر: العمى، العمى بهذه الصيغة الاسمية تحظر حظرًا شاملًا مع أن المادة تتكرر ثلاثًا وثلاثين مرة، لكنه يغلق هذا المجال ويقصرها على هذه السورة. إذن حتى الصيغة الصرفية للكلمة…

باسم: مضبوطة.

جوهر: مضبوطة وتنضبط ذاتيًّا ويُفرض عليها حظر شامل.

باسم: يعني أنت اعتمدت الحبك البنائي الموجود في النص القرآني…

جوهر: البنية النصية في حقيقتها الوجودية، هي لم تتعدد.

باسم: كعامل إثبات على أن النص القرآني كان موجودًا بالشكل الموجود عليه حاليًّا هو نفس الشكل الذي كان موجودًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

جوهر: بالضبط. كيف ذلك دكتور باسم؟ قالوا “وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ”، كان يمكن أن يقول فاستحبوا الضلالة على الهدى. لأن الضد الحقيقي هو الضلالة وليس العمى، العمى مجاز، العمى يصبح ضلالة مجازًا، لكن في الحقيقة النقيض الحقيقي للهدى هو الضلالة. في سورة البقرة يقول: “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ” [البقرة: 16].

باسم: نعم صحيح.

جوهر: فيترك البديل الصحيح الفصيح المقبول الجاري في القرآن ويعدل عنه إلى العمى لأنه يمهد لظهور كلمة عمى في الآية الرابعة والأربعين. هذا الذي أقصد حين أقول إن القرآن محكوم بضوابط لفظية صارمة.

 

هلِ “القراءاتُ” وحيٌ أم نتاجُ قصورِ الذاكرةِ البشرية؟

باسم: هذه البيئة…

جوهر: اللغوية.

باسم: دعنا نسميها اللسانية.

جوهر: اللسانية.

باسم: هذا البناء اللساني للقرآن كان غائبًا على ذهن الأقدمين مثلًا؟ أنهم لم يتمكنوا من إثبات أن النص القرآني الذي بين أيديهم كان وبين أيدينا الآن هو نفسه، نفس البناء الذي كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟

جوهر: هم يقولون هو نفس البناء.

باسم: هم يقولون؟

جوهر: هم يقولون هو نفس البناء.

باسم: لماذا هذه الرواية التي ذكرت؟

جوهر: لكنهم يقولون هو نفس البناء، هو نفس ما تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه كان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأذن للناس…

باسم: باستخدام ألفاظ مختلفة.

جوهر: ألفاظ مغايرة، ولو دخلنا في هذا الواقع ولو قلنا إنه كان جائزًا للناس أن يقرؤوا القرآن بألفاظ من عندهم غير ألفاظ التنزيل لكان مستحيلًا أن تجد هذا النص المحكم اليوم.

باسم: أكيد.

جوهر: يستحيل.

باسم: يستحيل صح.

جوهر: يستحيل.

باسم: طيب لماذا هذه الروايات كثرت حول جمع القرآن وتفريق القرآن وأنه كان موجودًا على الرق وكان موجودًا على الكتب وفي صدور الرجال في صدور الصحابة، يعني هذه الروايات التي كثرت..

جوهر: كثرت، أنا في اعتقادي الناس كانوا يحاولون استظهار حفظ القرآن الكريم، أنت اليوم إذا حاولت حفظ القرآن الكريم أنت تخلط بين كلمة وأختها.

باسم: صح.

جوهر: لأن القرآن متشابه جدًّا.

باسم: متشابه صح.

جوهر: فكانوا يقعون في أخطاء، فالذي يخطئ في مثل هذا يستبدل كلمة بأخرى يغفر له، أنه لا يأثم، أنه لا يقصد التغيير، هذا المخرج الوحيد الذي أتخيله، أضف إلى ذلك اختلاف القراء في القراءات، أنت اليوم عندك عشر روايات معتمدة.

 

ما الفرقُ بينَ اختلافِ اللهجاتِ وتغييرِ المعنى في القراءات؟

باسم: دائمًا تثيرني قصة القراءات العشرة.

جوهر: نعم.

باسم: أو الروايات السبعة أو الأحرف السبعة.

جوهر: نعم.

باسم: ما المقصود بالقراءات السبعة؟ يعني لهجات مختلفة مثلًا؟ هل هي لهجة مختلفة مثلًا؟ كل قارئ يقرأ بلهجته مثلًا، وأحد يقرأ باللهجة المصرية، وأحد يقرأ باللهجة مثلًا الأردنية أو اللهجة الفلسطينية أو اللهجة السورية أو اللبنانية مثلًا؟ أو لهجات القبائل التي كانت سائدة في ذلك الوقت تميم وعقيل وهوازن مثلًا؟ هذه اللهجات السائدة أم أن الألفاظ كانت مختلفة في النص؟ يعني آية فيها لفظ هداية وأخرى فيها مثلًا طريق مستقيم مثلًا، فالقراءات العشرة ما المقصود بها؟

جوهر: جميل هذا السؤال. القراءات، هذا الذي تقول إنه هل هي لهجات مختلفة؟ هناك نوعان من القراءات، يعني أو طبقتان أو صنفان من القراءات، الأصول التي تتعلق غالبًا بالأداء الصوتي للألفاظ كالفتح والتقليل والإمالة مثلًا، والضحى والضحي هذا من قبيل الأداء الصوتي…

باسم: هل هذا أداء صوتي أم لهجات؟

جوهر: ربما تكون هذه كلها لهجات.

باسم: يعني مثلًا هناك لهجات عند العرب…

جوهر: نعم، هناك إمالة.

باسم: هناك إمالة.

جوهر: حتى اليوم.

باسم: وحتى اليوم هناك ناس يقولون هذه لهجة تميم.

جوهر: صحيح.

باسم: وتعممت في شمال الجزيرة العربية.

جوهر: صحيح.

باسم: وهناك لهجات ليس فيها إمالة. هذه لهجة.

جوهر: هذه لهجة.

باسم: لم تغير اللفظ، يعني غيرت شكل اللفظ لكن لم تغير المبنى الذي مبني عليه اللفظ نفسه.

جوهر: صحيح.

باسم: وبالتالي بقي المعنى محصورًا في اللفظ.

جوهر: بالضبط هو (Phonetic Realization) الذي هو التحقق الصوتي هو الذي يتغير.

باسم: بالضبط.

جوهر: هذا لا يؤثر في المعنى ولا يعنينا كثيرًا في البحث؛ لأن المعنى ثابت واللفظ هو هو، إنما يعنينا ما يسمونه الفرش، الفرش هو الذي يتحقق تحققًا موضعيًّا لا يتحقق حكم لا يطرد في القرآن كله، كقوله مثلًا “مالك يوم الدين” و”ملك يوم الدين” هنا يتغير المعنى.

باسم: صحيح تغير اللفظ أدى إلى تغيير المعنى.

جوهر: بالضبط، بالضبط أنت هنا أضفت الألف “مالك يوم الدين” و”ملك يوم الدين” يختلف القراء في مثل هذا في الفرش، هم متفقون تقريبًا على 98% من القرآن الكريم، هذا ضروري جدًّا أن يعرفه الناس، ويختلفون في 2% ما يمثل تقريبًا 1500 لفظة، كلمة في القرآن الكريم.

باسم: لكن 1500 ليس اختلافًا.

جوهر: نعم ليس عددًا قليلًا وليست كلها متساوية في الأهمية، بعضها مثلًا “جَذوة” “جِذوة” “جُذوة”، هذا لا يؤثر كثيرًا في المعنى.

باسم: هذا من باب اختلاف اللفظ.

جوهر: الصرف.

باسم: ليس اختلاف المبنى، الإشكالية في اختلاف المبنى.

جوهر: في اختلاف المبنى، يعني مثلًا الاختلاف في المعنى يعني يختلف…

باسم: إذا اختلف المبنى أكيد سيقود إلى اختلاف المعنى مثل مالك وملك.

جوهر: صحيح، بالضبط.

باسم: اختلف المعنى. وأن مالك وملك تشتركان بنفس الجذر.

جوهر: بالضبط.

باسم: ملك.

جوهر: بالضبط، لذلك الألف لم تكن مرسومة في الخط الأول الرسم العثماني مكتوبة ميم لام كاف.

باسم: بدون تشكيل، بدون تصويت.

جوهر: بالضبط. الألف الخنجرية التي تراها الآن، مالك هذه، هذه إضافة متأخرة، فكيف نشأت القراءات؟ من أين جاءت؟ يعني هداني إليه بحثي أن القراءة كانت واحدة.

باسم: يعني أن القرآن لم يقرأ عشر قراءات.

جوهر: لا.

باسم: إنها قراءة واحدة.

جوهر: قراءة واحدة.

باسم: والاختلافات في القراءات هذه؟

جوهر: هذه نشأت بناءً على الرسم العثماني خاليًا من النقط والضبط.

باسم: طيب لما عبد الباسط يقرأ ضحي، يعني كيف قدر يلوي عنق اللفظ هذا، يعني لماذا ما قال ضحى؟

جوهر: لهجات العرب تسمح بهذا، هذا ليس مشكلة حقيقة.

باسم: اللفظ أيضًا له قواعد، أنا لا أستطيع أن أغيّر بشكل اللفظ أو بصوت اللفظ لأنه فعلًا راح يبين نادي، ضحى وضحي، الضحى الألف المقصورة تعني انطباع أن الضحى ينتشر، لكن لما تكسره أنت تغلقه، وكأنك الضحى يتراجع، ينحسر، فاللفظ له معنى، اللفظ ليس على عواهنه.

جوهر: هذا قد يكون مهمًّا فعلًا إذا انطبع في نفسك أن الإمالة قد تقلل من الانتشار.

باسم: هي الإمالة صوت أو دلالة صوتية.

جوهر: صحيح.

باسم: والدلالة الصوتية لا بد أن تأخذ دلالة في المعنى أو ظلّا في المعنى.

جوهر: صحيح، صحيح.

باسم: فوجود عشر قراءات يعني وجود عشر اختلافات في المعاني مثلًا؟

جوهر: هي أكثر، لأن لكل قارئ راويان، هناك عشرون قراءة، واليوم نحن نقرأ رواية واحدة وهي رواية حفص عن عاصم، وهناك تسع عشرة رواية أخرى لا نقرأ بها، يعني يقرأون بورش وقالون في بعض المناطق، لكن الأهم من هذا وأخطر الاختلاف الذي يؤدي إلى اختلاف المعنى.

باسم: أنا أتفق معك.

جوهر: يعني مثلًا حمزة هو أحد القراء السبعة، هو يقرأ “فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كان فيه”، وغيره يقرأ “فأزلهما”، “فأزالهما” “فأزلهما”، لا، هناك فرق، ليس شيئًا واحدًا. فالإمام الطبري، الإمام الطبري بالمناسبة هو توفي في سنة 310، وقف على هذه القراءات وربما هو الوحيد الذي كان يرجح القراءات من قبل تسبيع القراءات، القراءات هذه قبل ابن مجاهد المتوفى سنة 324 كانت كثيرة كانت تبلغ العشرين والثلاثين.

باسم: تكرار لهجات أو اختلاف لهجات ليس أكثر، ما المقصود به؟ أنه واحد يلفظ “الضحى”، وأحد يلفظ “الضحى”، وأزالهما و…

جوهر: لا “أزالهما” ليست لهجة.

باسم: هذا الذي أتحدث عنه، صار اختلاف في المعنى.

جوهر: هذا اختلاف في المعنى، لأن في “أزلهما” الألف ليست مكتوبة، الألف المتوسطة غالبًا ليست مكتوبة في المصحف…

 

هل يُعدُّ “طرسُ صنعاءَ” نصًا موازيًا أم نسخًا شخصية؟

باسم: دعنا ننتقل إلى مستوى آخر، هل تعتقد أن إدخال التشكيل الصوتي على الألفاظ القرآنية سبّب هذا تعدد القراءات مثلًا؟ رغم أن هناك بعض الباحثين خاصة فيما يتعلق بنسخة المسجد الكبير في صنعاء، وجدوا تحت النسخة البارزة أن هناك النسخة الأرضية، النسخة التحتية، كانت مُشكّلة، التشكيل كان موجودًا.

جوهر: لا.

باسم: وأنا دققت في هذه النسخة وجدت فعلًا، في النسخة التحتية التشكيل واضح.

جوهر: لا، التشكيل تاريخيًّا لم يوجد إلا في وقت متأخر، حتى المخطوطة هذه درستها بالتفصيل، مخطوطة صنعاء هذه، وهي مهمة جدًّا، من أهم الاكتشافات ومن أهم ما يعتمد عليه المستشرقون في القول بأن القرآن فعلًا كان متعدد الألفاظ.

ماذا جرى في هذه النسخة “طرس صنعاء”؟ عندك الخط العلوي، النص العلوي، وهو مطابق للنص العثماني.

باسم: لما تقصد النص العثماني، العثماني عثمان بن عفان؟

جوهر: عثمان بن عفان.

باسم: حسنًا، لأن هناك نسخة من العثماني الموجودة أيضًا عند العثمانيين، عند الأتراك.

جوهر: لا لا لا، أنا أقصد النص العثماني، نسخ عثمان رضي الله عنه للمصحف، تقريبًا سنة 30 للهجرة، هذا النص هو المعتمد.

باسم: نسخة المسجد الكبير في صنعاء هي تطابق النسخة التي…

جوهر: النص العلوي يطابق قرآننا اليوم.

باسم: طيب والنص…؟

جوهر: النص السفلي الذي استعادوه بعد تسليط أشعة إكس عليه، هو أيضًا قرآن لكنه يغاير في بعض ألفاظ القرآن، أما الضبط، التشكيل يعني، فلم يكن موجودًا، هذا ثابت أنه لم يكن موجودًا، هذا مما أضيف مؤخرًا لتوثيق اختلاف القراء أيضًا.

باسم: وهل صحيح أن الحجاج هو الذي أمر بتشكيل القرآن؟

جوهر: يقال هذا، لكن هذا ليس له تأثير في الهيكل المرسوم، فـ”طرس صنعاء” هذا مهم جدًّا، “طرس صنعاء” الاختلافات الموجودة، أيضًا من قبيل الألفاظ المختلفة، لذلك الصحابة كانوا يقرؤون بألفاظ مختلفة، قد يكون هذا تاريخيًّا صحيحًا، لا لأنهم أرادوا تحريف القرآن أو استبدال كلمة بأخرى، لكن للصعوبة التي يجدونها، أو لزلل الحفظ الإنسان ينسى حين يحفظ.

باسم: ممكن.

جوهر: هذا وارد جدًّا لكن ليس معنى هذا أن هذا كان قرآنًا، أنا قارنت حقيقة بين طرس صنعاء وبين النص العثماني لاختبار مدى أن يكون هذا الشيء فعلًا نصًّا مغايرًا ينافس النص العثماني، هكذا يقول المستشرقون.

باسم: هذا السؤال كنت سأسألك إياه فعلًا، المستشرقون معهم حق يقولون إن هناك نصين للقرآن، هناك نص سابق وهناك نص لاحق، والنص اللاحق هو النص العثماني شطب الأول واستبدل الثاني.

جوهر: بالضبط.

 

كيفَ وحَّدَ عثمانُ الأمةَ على “العرضةِ الأخيرة”؟

باسم: ما هي الإثباتات الموجودة في بحثك؟ ابن حزم الأندلسي قال إيمانيًا إن هذه النسخة هي نسخة الرسول، نحن كيف نعرف أنها هي نسخة الرسول، أنت كيف تأكدت؟ يعني عثمان وقتها كان الرسول قد توفي، قد توفاه الله. صحيح؟

جوهر: صحيح.

باسم: كيف تيقن عثمان أن هذه النسخة هي النسخة التي كانت عند الرسول؟ لماذا لم يستخدم نسخة الرسول نفسها؟ والتي هي هي نفسها وعليها قاس النسخة القديمة، وإذا كانت نسخة الرسول موجودة ما الذي جعل أن يكون هناك نسخة مخالفة لها؟

جوهر: أولًا عثمان رضي الله عنه نسخ من مصحف سابق، يقول ابن حزم هو جمع الصحابة ونسخ للناس مصحفًا مُصححًا كسائر المصاحف الموجودة، طيب لماذا تباينت النسخ؟ لماذا صار عند الناس نسخ مختلفة في بعض ألفاظها عن الذي رسمه عثمان؟

باسم: هذا سؤال المستشرقين.

جوهر: بالضبط، ونحن أيضًا نسأل هذا. في ذلك الوقت الناس كانوا يستنسخون القرآن بخط اليد، لم تكن هناك لجنة مركزية علمية هي التي تكتب للناس القرآن وتوزعه عليهم.

باسم: تعليل معقول.

جوهر: لما تستنسخ بخط يدك تقع في سهو، في اشتباه، أو تنسخ من الذاكرة فلا شك يختلف، لا تجد كتابين…

باسم: حسنًا فهمتك. دعنا نرجع لنسخة…

جوهر: عثمان.

باسم: لا، نسخة مسجد صنعاء. الذي نسخ النسخة الأولى وأحدث التعديل، وربما شخص آخر أحدث التعديل. هل التعديل شمل كل النسخة أم بعض أجزاء النسخة؟ خاصة أن نسخة المسجد الكبير في صنعاء ليس كل القرآن موجود، بعض الآيات أو بعض السور، ليس القرآن موجودًا كله.

جوهر: لا هو أربعون بالمائة تقريبًا.

باسم: تقريًا نصف القرآن ليس موجودًا. طيب الذي أوقع التصحيح على النسخة الأصلية، لماذا لم يكتب شيئًا جديدًا؟ لماذا اختار النسخة القديمة وأحدث التعديل فوقها؟ لماذا؟

جوهر: هو لم يعدل فوقها، محي…

باسم: مسح وعدل. لماذا لم يجلب نسخة جديدة؟

جوهر: هو مسح لاستعمال الطرس، الجلد هذا ثمين.

باسم: لندرة الرقع.

جوهر: نعم.

باسم: ممكن.

جوهر: استخدم الجلد، المادة الكتابية لكتابة النص القرآني، فالذي قبله كتب نسخة من القرآن فيها أخطاء، كيف نقول أخطاء؟

باسم: متفقون على الأخطاء، أنه يشمل لفظ…

جوهر: لا هناك أمثلة، أمثلة حقيقية، مثلًا في الآية 96 من سورة البقرة: “وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ” [البقرة: 196]، أنا لاحظت لما قلت “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا” أنت أكملت مباشرة أو “على سفرٍ”.

باسم: الخاصة بالصيام.

جوهر: بالضبط. ما الذي حدث في طرس صنعاء؟ بدلًا من أن يقول “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا” قال “فإن كان أحد منكم مريضًا”.

باسم: استنسخ آية الصيام في ذهنه.

جوهر: آية الصيام ما نسخها عدلها، نسي، اشتبه عليه، آية الصيام تقول: “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ” [البقرة: 184].

باسم: دعنا نقول كالتالي إن النسخ التي كانت ما قبل نسخة عثمان هي نسخ فردية.

جوهر: نسخ فردية.

باسم: كتبها الناس حسب ما يحفظون.

جوهر: كتبها الناس ليحتفظوا بها.

باسم: وعندما فطن عثمان بن عفان أن هناك خللًا في بعض الكتابات…

جوهر: الناس تتداول مصاحف لم تكن رسمية فيها أخطاء، فأراد أن يضع للناس مصحفًا واحدًا متفقًا عليه.

باسم: معتمدًا على نسخ أصلية.

جوهر: نسخة أصلية، لذلك لما جاء صاحب طرس صنعاء وكتب “فإن كان أحد منكم مريضًا”، النص القرآني “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا”، عبارة “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا” لا تقع في القرآن كله إلا في هذين الموضعين من سورة البقرة.

باسم: سورة البقرة، آيتا الصيام.

جوهر: وآية الحج.

باسم: وآية الحج.

جوهر: ثم يقول “وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ”. في طرس صنعاء السفلي يقول “ولا تحلقوا حتى يبلغ الهدي محله”، يحذف الرأس. ما الذي يكشفه؟ لماذا يكون هذا خطأ؟ المعنى قد يستقيم حتى لو حذفت الرأس لا تحلقوا يعني المفعول به مضمر، الآية تواصل وتقول: “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ”، إشارة إلى تحلقوا رؤوسكم، فحذف الرؤوس كان خطأ من الناس، من حقها أن توجد.

 

“إذن” نموذجا: هل تضبطُ الذاكرةُ البشريةُ مواضعَ الحذفِ الدقيقِ؟

باسم: طيب أنت ما في بحثك، أنت عملت بحثًا أكاديميًّا في الجامعة.

جوهر: نعم.

باسم: أن النسخة التي اعتمدها عثمان هي النسخة الحقيقية التي كانت في عهد الرسول أو النسخة التي –دعنا نقول- أقرها الرسول كذلك، كيف تأكدت أن هذه النسخة هي هي؟

جوهر: هذا لب السؤال؛ لأن القرآن يخضع لنظام لفظي مقيد يمنع حركة الألفاظ إلا بقدر ما يأذن به النظام، كيف نقول هذا الشيء…

باسم: لكن هذا تعليل عقلي.

جوهر: لا ليس عقليًّا، تعليل مادي.

باسم: أفهمك، لكن تعليل مادي يعني استقراء للنص القرآني، فأنت وصلت لنتيجة أنه لا يمكن أن يكون النص متلاعبًا فيه؛ لأنه فيه حبكة عقلية…

جوهر: ليس عقلية، قيود لفظية صارمة تتحكم في حركة الألفاظ، هذا السبك لا يكون إلا من ذاكرة النظام ليس من ذاكرة البشر.

باسم: أتفق معك ولكن سؤالي هل هناك مثلًا وثيقة تاريخية تثبت أن عثمان بن عفان استخدم نصًّا أو نسخة كانت هي النسخة التي أقرّها الرسول؟ هل هناك أي وثيقة تاريخية أو نص تاريخي يقول إن عثمان بن عفان استخدم نصًّا كان قد أقره الرسول في حياته قبل مماته؟

جوهر: المخطوطات الوحيدة المكتشفة حتى الآن، جميعها تتطابق مع الرسم العثماني ما عدا طرس صنعاء: هذا.

باسم: لا أختلف معك. من بعد مصحف عثمان لحد الآن النسخ متطابقة.

جوهر: متطابقة بالضبط، ما قبل ذلك…

باسم: لسنا مختلفين.

جوهر: ما قبل الرسم العثماني…

باسم: قصدي ما قبل الرسم العثماني، في الفترة ما بين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ونسخة عثمان بن عفان، أنت قلت إن عثمان استخدم نصًّا أقره الرسول في حياته، هل هناك أي وثيقة تاريخية أو دلالية أو حتى ملاحظة تاريخية تشير أنه فعلًا كان هناك نص في حياة الرسول عدا عن الاستدلال العقلي الذي استنتجته من الحبكة البنيوية للنص؟

جوهر: هو ليس عقليًّا بقدر ما هو استدلال مادي وجودي في القرآن الكريم.

باسم: قلت عقليًا مستندًا إلى النص..

جوهر: لكن إذا نظرنا إلى الروايات مثلًا…

باسم: يعني ما فيه وثيقة تاريخية مثلًا؟

جوهر: الوثيقة التاريخية الوحيدة، المخطوطة الوحيدة المكتشفة التي ترجع إلى القرن الأول الهجري حسب التاريخ الكربوني هي النص العثماني.

باسم: نص عثمان بن عفان؟

جوهر: ما عندنا…

باسم: وثيقة برمنغهام.

جوهر: هي نفسها تقريبًا ترجع إلى نفس الحقبة الزمنية.

باسم: يعني هل يمكن اعتبار وثيقة برمنغهام مثلًا التي قيل إنها بعد تطبيق الكربون المشع عليها وتحديد عمرها كربونيًا 20 سنة ما بعد حياة النبي ما بعد وفاته؟

جوهر: أو أثناء حياته، لكن ليس عليها توقيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

باسم: أكيد لا.

جوهر: لكن أنت عندك إذا أردت المرويات، الحديث في البخاري يقول نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، هذا نص مكتوب؟ جميل؟

عمر لما أسلم رضي الله عنه كان يقرأ من صحيفة، قرأ سورة طه عند أخته فأسلم، فتداول القرآن كتابة مذكور حتى في المرويات، لكن قبل هذا كله إذا أردت أن تحفظ كتابًا بطبيعة القرآن بهذه القيود اللفظية الصارمة لا يمكن أن تنهض بمثل هذا النقل ذاكرة البشر مستحيل. يعني أنت مثلًا فرعون يقول للسحرة “قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” [الشعراء: 42]، وفي الأعراف قول “قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” [الأعراف: 114]، يحذف “إذًا”.

باسم: الحذف من أين؟ من سبب الحذف؟

جوهر: فرعون يحذف، في الحالتين يخاطب السحرة. الموقف نفسه في الأعراف يقول: “قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ”، في الشعراء يقول: “قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ”. هذا النوع من الاحتفاظ بهذه الكلمة في هذا الموضع وحظر الكلمة هذه في الأعراف، هذا مما لا ينهض به إلا ذاكرة النظام، النظام يحظر، يمنع ما يمتنع قوله.

باسم: لو هناك تلاعب بشري كان حذف إذًا من هنا وحذفها من هنا، أو أضافها هنا وأضافها هنا.

جوهر: بالضبط. السؤال هنا لماذا أضاف هنا “إذًا” في الشعراء ولماذا ألغاها في الأعراف؟ لأن في الشعراء حديثًا آخر، حوارًا بين موسى وفرعون يقول فيه موسى: “قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ” [الشعراء: 20]، استجابة لـ”إذًا” هذه التي هناك ذكر هنا “إذًا”، فلو كان هذا مما ينقله الناس من ذاكرتهم لما وضعوا هذا في الموضع المناسب، فكل آية تعرف موقعها.

 

ما العلاقةُ بينَ الرسمِ العثمانيِّ والبنيةِ السابقةِ للتدوين؟

باسم: دراستك تعتمد على البنية الداخلية للنص لإثبات أن النص هو النص الأصلي الذي كان بعهد الرسول، لم تتطرق إلى الخط أو إلى الحرف الذي كتب به النص، هل تطرقت مثلًا في دراستك؟

جوهر: لا هذا لم أتطرق إليه؛ لأن الخط الذي رُسم به القرآن الكريم هو مسألة تاريخية، أنا أتحدث عن ما قبل التاريخ، ما قبل إقرار التاريخ، الخط هذا فعل بشري…

باسم: لسنا مختلفين؟ أقول لك لماذا سألتك هذا السؤال، عثمان بن عفان قدم للناس مصحفًا مخطوطًا.

جوهر: صحيح.

باسم: وأن المصحف خُط في حياة الرسول.

جوهر: صحيح.

باسم: هو كان يكتب والآخرون يخطون، وكان يتلو عليهم وهم يخطون صح أم لا؟

جوهر: صحيح.

باسم: فالقرآن خط بخط ما، الخط الذي موجود عليه مصحف صنعاء أو برمنغهام واضح الذي هو خط الجزم…

جوهر: حجازي، نعم.

باسم: الخط الهجري، هذا الخط الآن توجد روايات دخلت أنه كتب بخط سرياني، كتب خط آرامي، كتب بـ… وأن هناك حتى ألفاظ -ما يسمى- بسريانية. تعرضت في دراستك أنت للموضوع؟

جوهر: لا، الخط السرياني هذا لغة سريانية، لا علاقة له بالخط العثماني نفسه، الخط العثماني كتب بالنظام الكتابي الذي كان سائدًا في عصرهم، والذي كان خاليًا من النقط، النقط الذي هو الإعجام.

باسم: التنقيط.

جوهر: الإعجام الذي هو التفريق بين الحروف المتشابهة. النقط نوعان هو التفريق بين الباء والتاء والثاء مثلًا، أو الجيم والخاء والحاء، أو نقط الإعراب، الذي فعله أبو الأسود الدؤلي، ماذا فعل؟ هو وضع نقطًا مدورًا على أواخر الكلم، للتمييز بين الإعراب، ثم جاء الضبط الأخير الذي هو ضبط الخليل، الذي هو الواو الصغيرة للضم مثلًا والفتحة والكسرة، هذا جاء متأخرًا. فالمصحف العثماني كان خاليًا…

باسم: من التنقيط والتشكيل.

جوهر: من التنقيط والتشكيل، التنقيط الذي ذكرته أنت كان بارزًا في بعض الكلمات لكنه لم يكن متسقًا، فالنص العثماني كان خاليًا من الضبط، من علامات الحركات، الرفعة والضمة والكسرة، وكان خاليًا من الألف المتوسطة، العالمين مثلًا في المصحف بدون ألف.

 

لماذا يطرحُ الاستشراقُ فرضيةَ “الأصولِ السريانيةِ” للقرآن؟

باسم: طيب سؤالي، ما الذي جعل أو دفع -أنا أسميهم بالجهلة- بعض الجهلة في الادعاء أن الكثير من اللفظ القرآني هو لفظ سرياني، أو الكثير، أن بعض الحروف أيضًا أخذت من السريانية، وكتب بها النص وكذا؟ أنا أعتبر هذا جهالة في تشكيلة اللهجات العربية الكثيرة. أنا أعتبر أن السريانية هي لهجة عربية من اللهجات التي ماتت بحكم أنها 22 صوتًا، فما ممكن أن لهجة من 22 صوتًا تتغلب على لهجة أو على نص يتكون من 29 صوتًا، يعني واضح. لكن ما الذي دفع للناس وما زالت هذه النغمة سائدة حاليًّا أن هذا اللفظ سرياني، هذا مأخوذ من هنا وهذا مأخوذ من هنا، مثلًا القرآن قريانة كلفظة سريانية، بين قوسين، لماذا الناس اندفعوا بهذا الاتجاه؟

جوهر: هذا مهم لأنه ضمن أجندة الاستشراق، هذا يقع في إطار التشكيك في ربانية المصدر القرآني.

باسم: لنفترض حسن النية عند المستشرقين أنه أجل نص اعتبره، ولكن بدأ يرجع لنصوص سابقة على النص القرآني مثلًا للنصوص السريانية ورأى بعض التشابه، لأته يوجد تشابه، هذه لهجة عربية وهذه لهجة عربية، هم المستشرقون اعتبروا اللغة السريانية لغة مستقلة عن محيطها، بينما هي لهجة تشابه اللفظات أو اللهجات المحيطة أو المجاورة، هي لهجة واحدة.

جوهر: صحيح.

باسم: لكن الاستشراق ما كان عنده لنفترض حسن النية، ما كان عنده معرفة اعتبر أن هذه لغة، وبالتالي هذه لغة مشابهة لفظًا أو حتى في بعض الكتابة، فاعتبر أن هذا النص أخذ من هذه اللهجة، كون هذه اللهجة سابقة عليه.

جوهر: لأنهم يعتقدون أن القرآن لم يكن نصًّا أصليًّا، اقتبس كثيرًا من مواده ومحتوياته من البيئة التي كانت مجاورة له ومزامنة له، فأخذ من الكتاب المقدس وأخذ من اللغات الأخرى أيضًا، فلذلك يسقطون دائمًا أنه، مثلًا يعيدون نقط بعض الكلمات ليقولوا والله لا، هذه في الأصل كانت هكذا ففهمها المسلمون خطأ، والقراءة الصحيحة هي كذا وكذا، هذا يدخل في باب إيجاد مصدر لهذا القرآن، من كتب هذا القرآن؟ من أين جاء؟ لا يمكن أن يكون نزل من السماء، لا يمكن هكذا فجأة هبط من السماء إلى الأرض، لا بد أن يكون قد تأثر بالبيئة التي كانت حوله، سواء كانت البيئة هذه لغوية أو دينية أو تاريخية، يدخل في هذا الباب، أما القرآن فهو عربي مبين بلا شك.

باسم: أنا قصدت من سؤالي للإحالة على دراستك التي أثبتت أن النص فيه أصالة سابقة على دراسة الاستشراق.

جوهر: الرسم، نعم، الرسم العثماني بالغ الأهمية لأنه حفظ لنا هذه الشفرات المنتشرة داخل النص القرآني، النص القرآني بطريقته التي هو عليها لا يمكن أن تكون من إنتاج البشر، لا يمكن أن تكون من إنتاج ذاكرة بشرية، الذاكرة البشرية تحفظ الحضور ولا تحفظ الغياب.

خذ مثلًا قوله تعالى في سورة آل عمران: “أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ” [آل عمران: 87]. في آية أخرى بعيدة يقول: “أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ” [آل عمران: 136]، “أولئك جزاؤهم” هذه الكتلة التعبيرية لا تقع إلا مرتين في آل عمران ثم يُحظر عليها.

باسم: فقط.

جوهر: النظام يحظر ظهور هذه الكلمة إلا في هذين الموضعين، حتى لما تأتيه فرصة مثالية لإعادة استعمالها فلا يستعملها. في البقرة يقول الله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ” [البقرة: 161]، كان يمكن أن يقول “إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله”، لا يقولها.

هذه ذاكرة نظام جبار محيط بكل كلمة وكل حرف في النص القرآني، فيستبعد، يفرض حظرًا شاملًا على “أولئك جزاؤهم”، أولئك تتكرر في القرآن مائة وثمان وثمانين مرة، ولفظ الجزاء، جذر الجزاء يتكرر مائة وثماني عشرة مرة، مع ذلك يحظر القرآن تلازمهما في أي آية أخرى حتى حين تأتيه فرصة، لذلك في آل عمران أيضًا: “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا” [آل عمران: 91].

باسم: وكأن كل آية…

جوهر: تعرف موضعها.

باسم: تعرف موضعها وكأنها أيضًا تضفي بعدًا آخر.

جوهر: بعدًا آخر، إضاءة جديدة، وأهم من هذا ذاكرة النظام تتحكم في ظهور الألفاظ وغيابها.

 

لماذا حُجِبَ المسلمونُ عنِ التدبرِ المباشرِ لهداياتِ القرآن؟

باسم: سؤالي الاستنتاجي الذي سأفهمه من كل دراستك هذه، أنه حسنًا أثبت لنا أن النص القرآني هو نص سليم، هو نفس النص الذي كان بين يدي رسول الله، وهو النص الذي يعمم على مدار هذا التاريخ الطويل هو 1450-1480 سنة. نحن ماذا استفدنا من هذا النص بهذا الكمال؟ أنت أثبت لنا أن هذا النص محبوك حبكة لا يمكن أن تتواجد إلا في نص إلهي كما اتفقنا، وأن هذه الحبكة لا تتلاءم إلا مع هذا النص، وأن قراءة هذا النص يجب أن يقرأ بمفاتيح مختلفة عن قراءته لأي كتاب آخر. هل يُقرأ القرآن عند المسلمين حاليًّا وفق هذه المعايير التي وضعتها في دراستك؟ أو التي استنتجتها في الدراسة؟ يعني أنت استنتجت أن هذا النص أصيل لم يتغير ولم يتبدل، أن هذا النص فيه حبكة لا يمكن أن تتواجد في كتاب آخر وهذا دليل على إلهيته، وأن هذه الحبكة الموجودة في النص يجب أن تُعطي دلائل معرفية مذهلة للقارئ، هل توصل العرب المسلمون لهذه النتائج؟

جوهر: هذا النص أولًا هو نص رباني متعال، تعامل الناس معه للأسف خضع للأدوات المعرفية التي كانت سائدة عندهم، الناس انشغلوا بتطبيق معارفهم على هذا النص بدل التعامل معه مباشرة بما ينطق به. اكتشافنا أو إدراكنا للطبيعة الربانية لهذا النص يضعه في مستوى آخر تمامًا عما عهدناه من الأجناس الأخرى من الأقوال، سواء كان هذا حديثًا أو مرويات أو فقهًا أو استنتاجًا أو كذا، فهذا يحتاج إلى مستوى آخر من التعامل مع النص. القرآن ينتظر أن تفتح أبوابه.

باسم: كيف؟ يعني مَن الذي سيفتح أبوابه؟ بدراستك هذه أنت حكيت لنا، وطبعًا واضح أن هذا القرآن فيه معارف سلوكية وضوابط سلوكية للمجتمعات البشرية بشكل عام، وأن هذه الضوابط سهل استنتاجها، لكن مدى استجابة المجتمعات بالذات العربية الإسلامية لهذه الضوابط أو للهدايات السلوكية التي في القرآن ضعيفة. طالما هذا القرآن محبوك في كل هذه الحبكة التي تتحدث فيها، بنيوية ولفظ لساني ومعانٍ، القدرة على صياغة معنى وصورة وتوصيل للمعنى للسامع، إلا أن السامعين أنفسهم لم يستنتجوا شيئًا يذكر مما هو موجود في هذا النص، ومما هو مطلوب أن يستنتج، على مستوى السلوك المجتمعي في المجتمعات لن نلاحظ وجودًا للنص القرآني بين الناس. إذا القرآن بهذه السهولة التي تحدثت بها أنه موجود بين الناس، لماذا لم يقرأه الناس بهذه السهولة؟ لماذا قرئ القرآن بصعوبات؟ وكأن هناك ساترًا ضخمًا ما بين الإنسان والقرآن، ويحتاج القرآن لشخص آخر يقرأه عنك. هناك موانع، حواجز كثيرة ما بين الفرد والنص وضعت، وضعته المؤسسات الدينية بشكل عام، حتى يكون هناك شيخ وسيط بين الناس وبين الله يقرأ النص عنهم، بينما النص كما أنت وصفته سهل سلس محبوك بطريقة تتلاءم عقلًا مع أي عقل يمكن أن يقرأه. لماذا؟

جوهر: صحيح حتى في الذاريات الله يقول “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ” [الذاريات: 7-8]، قول مختلف تمامًا عما ألف الناس، لماذا لا يقرأ الناس؟ لماذا لا يتخذون القرآن مصدرًا لهدايتهم؟ لأنهم كل فريق من الناس يتبع طائفته.

باسم: أو مذهبه.

جوهر: أو مذهبه.

باسم: أو ملته.

جوهر: أو ملته، فيقرأ القرآن من خلال ما يملي عليه مذهبه، أنت لا تقرأ القرآن مباشرة؛ لأنه حتى التلاوة المجردة أنت لا تقرؤها إذا فتحت المصحف إلا بالرواية المعتمدة عندك، مثلًا رواية حفص هي المعتمدة عندنا، فما لك سبيل إلى قراءة القرآن قراءة واحدة جامعة شاملة من تلقاء نفسك، لا بد لك من المرور من خلال القراء العشر والرواة العشرين.

باسم: نحن نقصد بالقراءة، القراءة التي…

جوهر: انا قصدي حتى القراءة اللفظية.

باسم: حتى القراءة اللفظية.

جوهر: حتى القراءة اللفظية، أنت بينك وبين القرآن حاجز، لا بد لك من المرور، وإذا أردت أيضًا أن تقرأ القرآن لتستقي منه الهداية فأنت تنظر إلى القرآن، تقرأ القرآن وعلى عينيك عدسة مذهبك.

باسم: هذه المشكلة.

جوهر: أنت عندك ألف عام من الإنتاج الكلامي والفقهي والمذهبي المتراكم، فأنت لا بد لك من المرور من خلال هذا الحاجز حتى تصل إلى القرآن وقد لا تصل إليه أصلًا.

باسم: واضح من طبيعة الحياة التي تعيشها المجتمعات العربية الإسلامية أنها بعيدة كليًّا أو بعيدة تقريبًا بشكل لا بأس به عن هداية النص القرآني…

جوهر: القرآن يتعبد به تلاوة وليس تدبرًا ولا استقاء للأحكام وللمفاهيم، أنت تأخذ المصحف وتقرأه وتكسب الثواب وتغلقه.

باسم: حوار ممتع معك دكتور.

جوهر: بارك الله فيك.

باسم: كنا نود أن نستمر أكثر لكن الوقت سيفه بتار.

جوهر: صحيح.

باسم: لكن حقيقة أنت طرقت قصة لا بأس، نقطة جدًّا جوهرية، أنك أنت اعتمدت على البنية الداخلية للنص القرآني لتحكم أن هذا النص أصيل بأصالة النص التي كانت أيدي النبي الكريم قبل وفاته.

جوهر: صحيح.

باسم: دكتور شكرًا لك.

جوهر: بارك الله فيك.

باسم: أتمنى لك التوفيق، يعطيك الصحة.

جوهر: شكرًا جزيلًا على الاستضافة.

باسم: شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، إلى اللقاء.