Skip to content Skip to footer

المجتمعات والرياضيات كآلية لتنظيم ذاتها | محمد الخمسي

تمهيد: اكتشف الإنسان عبر التاريخ بالتأمل والتجربة والمحاولات حاجته إلى تأسيس أداة عقلية عملية، تم استدعاؤها لمعرفة الظواهر الطبيعية وتفسيرها وفهمها، بل التحكم في بعض مساراتها واستغلالها عند اكتشاف قوانينها، وتوسع اعتماده عليها بغاية تنظيم مؤسسات المجتمع، وترميز وحماية معلوماته وتحليلها، حتى أصبحت المقاربة الرياضياتية إحدى وسائل تأكيده للشرعية العلمية لفهمه للظواهر الاجتماعية، سواء تعلق الأمر ببناء نماذجها وتحليلها، أو اتخاذ القرار من خلال نتائجها.(1)

مع انطلاق الحرب العالمية الثانية، ظهرت فروع في الرياضيات تعتمد المجتمعاتَ كمجالات للتطبيق في تحليل المعلومات وجمع المعطيات حول السكان، وانتهى الأمر بصناعة الرأي العام والتأثير في خيارات الناس السياسية والاقتصادية واتجاهاتهم، بل صناعتها. وهكذا امتدت الرياضيات من الفيزياء والكيمياء والطبيعيات إلى دراسة سلوك المجتمعات، بل تعبئتها مع توهمها أحيانًا أنها تدافع عن آرائها واختياراتها. لقد تجاوزت الرصد والتحليل إلى صناعة الواقع والتدخل في تفاصيل الكون الاجتماعي. ومع التطور والتعقيد والتركيب أصبحت الرياضيات من أدوات الضبط الاجتماعي والتنظيم الإداري والأمني، فبعدما كانت من قبل أداة للتحليل والتفسير انتقلت إلى موقع “صناعة” إدراك المجتمع.(2)

1 محددات فرضتها المجتمعات المعاصرة: تدخلت الرياضيات في دراسة المجتمعات لأسباب موضوعية وأخرى سياسية يمكن تحديدها في عنصرين أساسيين:

* كثافة السكان والحجم الديمغرافي: جعلت اعتماد قرارات اقتصادية صعبة دون أدوات علمية، ومنها الرياضيات الإحصائية ونظرية المباريات ونظرية الأبحاث، خاصة وأن ظاهرة السلوك الإنساني تبدو عشوائية، لكنها محكومة بقوانين علم الاحتمالات ومسلسلات التخزين وسلسلة ماركوف وعلوم أخرى

 * ضرورات التنمية بسبب نموذج تطور العمران البشري فرضت الحاجة إلى الأدوات العلمية. ومع توسيع العمران وإنتاج السلع، استعملت الرياضيات بفروع متعددة لتحقيق هذا التطور، بل تجاوزت السقف فأصبحت تشتغل على إنتاج “ديمقراطية” متحكم فيها سلفًا، إذ تعددت الوسائل ودخلت العلوم الإنسانية والعلوم الحقة والمنطق بكل أنواعه بما فيه المنطق المبهم وآخرها توظيف الخوارزميات كآليات للضبط، ثم جاء الذكاء الاصطناعي كمنافس لاتخاذ القرار، هذا القرار الذي كان إلى زمن قريب خاصية إنسانية.

2 المعرفة والرياضيات: كانت أعمال كارل ما نهيم Karl Mannheim التي انطلقت من تأملات حول تحليل الأعمال الثقافية الفكرية واعتماد تحليل بنيوي لنظرية المعرفة دفعت إلى استعمال المنطق الرياضي في فهم المضمون الاجتماعي للثقافة، والمعرفة بشكل عام، لقد كانت أعماله عبارة عن أسئلة وجودية من مثل من نحن؟ ما الذي نفسره من عالمنا؟ ومن أي موقع او زاوية ننظر إلى عالم المعرفة؟ وهل يمكن استيعاب أسئلة المجتمع من خلال تصميم وبناء نماذج رياضية؟ للإجابة على هذه الاسئلة اكتشف فراغ في الأدوات والوسائل، وتجلى ذلك مبكرا في مطلع القرن العشرين عبر حجم المعطيات التي يجب معالجتها ثم جاء سياق استعمال الخوارزميات بكل أنواعها كفرع في الرياضيات في تنظيم وتحليل وتوجيه المجتمع.

لجأ الطموح السياسي مبكرًا إلى توظيف العلوم الإنسانية والاجتماعية وعلم النفس من أجل معرفة الناخبين الذي يسعى لتدبير شأنهم، واقتراح مشروعه المجتمعي عليهم، مما زاد من استدعاء الرياضيات. بدأت القصة بقراءة الاتجاهات والرغبات والميولات من أجل تصميم برامج انتخابية لفوز السياسي قبل نتائج الاقتراع، لقد أصبحنا أمام صناعة الناخبين وليس إقناعهم فقط! هكذا تطور التوظيف الاستباقي للرياضيات داخل المجتمعات في أدق التفاصيل بل ظهرت غايات أخرى من مثل اكتشاف بيئة الاستثمار، وظروف التأمين، والاستهلاك. بلغة أخرى، أصبحنا أمام “رادارات اجتماعية” بهامش خطأ ضئيل في النتائج.

3 عندما شعر ماركس بحاجته للرياضيات: تحدث ماركس عن رأس المال وعن الاقتصاد وأدوات الإنتاج، وشعر بالحاجة للتعبير عن القضايا الاقتصادية بالرياضيات لتصميم وبناء العلاقة بين العمل ورأس المال وأدوات الإنتاج والسلع. هنا من المناسب استذكار رؤية ماركس لخلق القيمة من خلال العمل البشري، حيث ميز بين قيمتين للسلعة ومنفعتها أو قيمتها التبادلية، وهذا يُعدّ عملًا مجردًا، كما ميزت العلوم الفيزيائية بين القوة والعمل. وخلافًا لفهم بسيط، يوضح ماركس أن صاحب العمل لا يدفع مقابل العمل، بل مقابل قوة عمل العامل، وبدون هذا التمييز، لا يمكن إدراك ما ينطوي عليه استغلال قوة العمل.

كتب ماركس رسالة إلى إنجليز بتاريخ 11 يناير 1858 أنه يستحق اللعنة على الأخطاء في حساب مبادئ الاقتصاد والتي جعلته يائسًا، لذلك عزم على تعلم الجبر. طور ماركس اهتمامه بالرياضيات بالتزامن مع كتابة المجلد الأول إلى يوم وفاته. اشتغل في البداية على فهم ونقد أدبيات الاقتصاد المعاصر، ولكن أساسًا من خلال ضرورة التعبير الكمي للقوانين الأساسية للقيمة في المجتمع الرأسمالي، وفهم ضرورة الرياضيات للاقتصاد السياسي. وفي سنة 1863 تصاعد اهتمامه بالتفاضل كما تدل نسخ من مخطوطاته بألمانيا. (4)

نشر الرياضياتي الألماني غومبل (Gumbel) تقريرًا في عام 1927 يتضمن قائمة بالمواضيع، وفي سنة 1931 استلم المخطوطات كل من أرنست كولمان وسونيا ويانوفسكايا، وأسسا فريق عمل جديد لدراسة أعمال ماركس. وعُقد المؤتمر الدولي الثاني لتاريخ العلوم والتكنولوجيا في لندن، وحضر هذا المؤتمر أرنست كولمان وفريق عمل من العلماء السوفييت بقيادة بوخارين. تحتوي المخطوطات على اثنين من المقالات النهائية وهما: مفهوم مشتقة الدالة بالمعنى الاقتصادي، والتفاضل مع ملخصات لتاريخ حساب التفاضل والتكامل.

بعد الثورة الثقافية الصينية تم ربط نظرية الماركسية بحساب التفاضل والتكامل واستخدم برنامج مبتكر يستند على التحليل اللامعياري الذي ابتكره أبراهم روبنسون، وخلاصة القول فقد اجتاحت الرياضيات المجالات الاجتماعية الاقتصادية قبل أن تعتمدها العلوم الاجتماعية، خاصة عند تحليل المعطيات الكمية لمحاولة تصريفها إلى قرارات كيفية، وتجاوزت ما كان منتظرا منها من خلال استباقها إلى إحداث تطورات اجتماعية ووضع سيناريوهات التعامل معها، مثل المتغير الديمغرافي و تحليل الشغل والبطالة، ودراسة توازنات صناديق التقاعد، والآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسة لها، إلى حد التساؤل هل تم دون وعي أو بوعي بناء المجتمعات وفق ما تنتجه الرياضيات، فلا غرابة أن التفاوض بين النقابات العمالية والحكومات في الغرب تتم وفق قراءة لمجموعة من المعطيات والمؤشرات وهي مخرجات لعمليات رياضياتية، إذ لا نعرف لحد الآن من الذي انفتح على الآخر؟ هل عالم الرياضيات أم عالم العلوم الإنسانية؟ ولكن بشكل عام نحن  أمام ثلاثة مسلمات او حقائق:

* مؤتمرات دولية يشارك فيها إلى جانب علماء الرياضيات علماء العلوم الاجتماعية، من غاياتها تحويل السؤال الاجتماعي الى قضايا في الرياضيات.

* دراسة الانساق بعد بناءها بتعاون بين الطرفين، والبحث في استيفاء كل الشروط كقضايا واضحة، لتكون مشكلة مصاغة بشكل جيد.

* مناقشة النماذج الرياضياتية المقترحة ومعالجتها للواقع الذي تسعى للإحاطة به، بمعنى هل هذه النماذج وفية في معلوماتها أم أن العقل الرياضي “احتال بطريقة لاشعورية” إلى بناء القضايا وفق ما يساعد على بناء الحلول، وعيا منهم بأن الاحتفاظ بكل التفاصيل والمعطيات قد ينتج عنه نموذج عصي على كل ما بين أيدينا من رياضيات!

4 حين كشفت الرياضيات المعاناة،

سؤال بدهي: إلى أي حد نستطيع دراسة الفعل الاجتماعي الصادر عن كائن بالغ التعقيد المسمى “الإنسان” الذي تتحكم فيه كثير من الجوانب النفسية؟ هذا ما صاغه ماركس عند مفهوم فائض القيمة (plus-value) في القرن التاسع عشر، لقد ظل هذا المفهوم حجر الزاوية في النقد الماركسي للاقتصاد السياسي، فقد بين أن تراكم رأس المال ليس ثمرة عبقرية فردية أو مخاطرة السوق، بل هو حصيلة مباشرة لعمل العامل الذي ينتج أكثر مما يتقاضى، هذا الفارق بين القيمة المنتجة وقيمة قوة العمل هو ما سماه ماركس فائض القيمة، حيث يستخلص من طول يوم العمل وخفض الأجر، فالعامل ينتج قيمة  أكبر من قيمة قوة عمله، والفارق هو ما يستولي عليه الرأسمالي، بصياغة رياضية خطية:  S=V-W  فائض القيمة و V القيمة المنتجة في يوم العمل، أما W  قيمة قوة العمل أو الأجر، لكن إذا ما استحضرنا إعادة الاستثمار والتراكم الذي يحققه رأس المال على مر الزمن، وأدخلنا مفهوم الزمن في التحليل، فإن المعادلة تصبح أعقد شيئا ما لأنها تتحول الى معادلة لا خطية مما يعقد الدراسة وطرق اكتشاف الحل. عند قراءة “رأس المال” نكتشف مفارقة فلسفية تتجلى في سؤال: كيف لشيءٍ بسيطٍ كالسلعة؛ قطعة قماش مثلا، أن تصبح مفتاحًا لفك شفرة نظامٍ اجتماعيٍ معقدٍ يتحكم في مصائر الملايين؟ هنا لا يبدأ ماركس بتحليل المصانع أو الأجور، بل بذلك العنصر المشحون بالتناقضات “الميتافيزيقية”، كما وصفه، اسمه السلعة يلبي حاجةً بشرية هذه هي قيمتها الاستعمالية، أي ما يربطها بالحياة اليومية. لكن ماركس يُشير إلى أن الرأسمالية لا تهتم بهذا الجانب إلا بقدر ما يخدم الجانب الآخر وهو قيمتها التبادلية مع سلعٍ أخرى أو تحولها إلى مال، فالسلعة كيان مزدوج ماديٌ ومجردٌ في آنٍ واحد، لكن ما الذي يحدد هذه القيمة التبادلية؟ الإجابة التي قدمها الاقتصاديون الكلاسيكيون كانت العمل، أما ماركس فذهب إلى “الوقت الاجتماعي الضروري” لإنتاج السلعة،. هذه الفكرة عبرت عنها معادلة رياضية، أخفت دماء العمال وعرقهم، فالنشاط الإنساني والعمل المجرد الجهد البشري العام المُقاس بوحدات الوقت يُختزل إلى “مصدرٍ للقيمة”.   هذه الثنائية هي الجرح النرجسي للرأسمالية كما يقول الفيلسوف جيجك، لأنها تكشف أن النظام لا يقوم على الابتكار أو الإبداع بل على اختزال البشر إلى آلاتٍ لإنتاج القيمة، واستعان ماركس بالرياضيات ليبين أن الناس يرون السلعة كشيءٍ له قيمةٌ بذاته، لا كنتاجٍ لعلاقات اجتماعية.

خاتمة

لقد أقام ماركس عبر الرياضيات البعد الاقتصادي لمفهوم السلعة، فعندما نشرب فنجان قهوة لا نرى معها الأطفال الذين قطفوا حبوب البن في البرازيل، و لا نشاهد عمال نقل بأجورٍ زهيدة، ولا المضاربات حول سعرها في البورصة، نرى فقط “القهوة”  التي تخفي وراءها شبكةً عالميةً من الاستغلال، إنه أيضا استعمال للرياضيات مع حجب الأبعاد الإنسانية من الموضوع؛ أي البعد الاجتماعي للمعاناة.

كما أن حقول القطن عندما يقول: إن السلعة “تخفي عالمًا من الدماء”، فهو لا يستخدم استعارةً أدبيةً فحسب، بل يشير إلى القرن التاسع عشر، لقد كانت مصانع مانشستر تُغذى بالقطن المنتَج في مزارع العبيد الأمريكيين.

بعض المراجع

1 Mathématiques et science sociales au XXéme siècle Auteur Olivier Beraud1  Revue d’histoire des sciences humaines 2002/de la page 6 à13

2 INTRODUCTION LES MATHÉMATIQUES DE L’HOMME  de la page 1à la page 11 Lévi-Strauss

3 Mathématiques et Société ALLAL SINACER de la page 1 à la page 30

4  راس المال DAS KAPITAL تأليف كارل ماركس ترجمة الدكتور راشد البراوي مكتبة النهضة المصرية مطبعة الشبكشي بالأزهر 1948

 

 

  • أستاذ التعليم العالي

Leave a comment