المقدمة:
لا شكَّ في أنّ إشكالَ صلةِ اللغةِ بالتطرّف، ولا سيما ما يتصلُ بطبيعةِ الخطابِ المتطرّف ومسالكِه اللغويةِ الحِجاجية، يحتاجُ منّا إلى فهم دقيقٍ وفحص علميّ رصين حتى نتبيَّن خططَه في الإيقاع بضحاياه. ولا يمكنُ أن يتحقَّق ذلك إلاّ بتتبُّع المفاتيح الآتية:
- النظرُ في المستوى اللغويِّ البلاغيِّ للخطاب المتطرّف، وآلياتِه التي تُوجِّه مغالطاتِه المُفخَّخةَ إلى المخاطَبين.
النظرُ في الكيفيّاتِ التي تُساعِدُه على الانتشار في العالمين الواقعيِّ والرقميِّ، من خلال مخاطبة المتلقّي، سواء أكان من الأتباع أم من غيرهم [1] !
بناءً على ما تقدّم، تنطلق فرضيّةُ البحث من ملاحظةٍ أساس مفادها أنّ المتطرّف يوظّف مسالكَ اللغة ومواردَها البلاغيّة والحِجاجيّة توظيفًا مخصوصًا، يقوم على إعادة تشكيل المعاني وتوجيهها بما يخدم بناءَ خطابٍ قائمٍ على الإقصاء والعنف الرمزي أو المادّي. ويكشف هذا التوظيف، عند تحليله، عن نمطٍ من التفكير المغلق الذي ينتقي من المعارف والنصوص والخطابات والعقائد ما ينسجم مع منظومته التصوّرية ويعزّز أهدافه الاتصاليّة والتعبويّة.
ومن ثمّ يغدو المتلقّي إزاء خطابٍ يختلف في طبيعته ووظيفته عن الخطابات التداوليّة التي تنهض عادةً على التفاهم والتعارف وبناء المشترك الإنساني. ويعتمد هذا الخطاب آليّةً يمكن للبحث أن يسمّيها «آليّة التسلّط»، حيث تنتقل اللغة من وظيفتها الأصليّة في التواصل إلى أداء دورٍ تفاعليٍّ ذي غايات هيمنيّة، تتشكّل ملامحه تبعًا لسياقات التخاطب وخصائص المتلقّين.
إنّ هذا المبحث، وإن كان يقفُ عند بلاغةِ المتطرّف، فإنّه يهدفُ -من خلال تحديد مفهومٍ أدقّ لما يمكن تسميتُه «لغةَ التسلّط» لديه – إلى الإسهام في فهم آليات تشكّل خطابه ووظائفه التداوليّة. ومن ثَمَّ يقترح البحثُ مرحلتين تحليليّتين من شأنهما تقريبُ الناظر من إدراك طبيعة هذا الخطاب؛ تتمثّل الأولى في مرحلة التحليل البلاغي الأفقي ذي البعد البنيوي أو «الهندسي»، بينما تتمثّل الثانية في مرحلة التحليل البلاغي العمودي الخِطابي، بما يراعي سياقات الاستعمال ووظائف التأثير.
كما يُشير المبحث إلى بعض القنوات التي يُمرَّر عبرها هذا الخطاب، ولا سيّما الوسائط الإعلاميّة الرقميّة وغيرها، فضلًا عن استثماره جملةً من الآليات السيكولوجيّة التي تُسهم في تمكُّن «بلاغة التسلّط» من عقول المتلقّين وعواطفهم من جهة، وتكشف ـ من جهةٍ أخرى عن نزعةٍ سلطويّةٍ في بنية المتكلّم واستراتيجياته الحِجاجيّة المؤثِّرة.
ولتقريب هذه الإشكاليّة، يسعى البحثُ إلى تأطير الظاهرة ضمن سؤالٍ عامّ يمكن صياغتُه على النحو الآتي: لماذا ينتشر خطابُ التطرّف ويجدُ قدرًا من القبول في بعض الأوساط الثقافيّة والفنيّة والدينيّة، بل والعلميّة أيضًا؟[2]
ولفهم أبعاد هذا السؤال العامّ، يمكن تفريعه إلى مجموعةٍ من الأسئلة الإجرائيّة الدقيقة، من أبرزها:
- ما العوامل التي تُفسِّر رواجَ خطاب التطرّف لدى شرائح من عامّة المتلقّين؟
- هل يمتلك هذا الخطاب مواردَ بلاغيّةً حيّةً تمكّنه من التأثير في عقول المخاطَبين واستمالة عواطفهم؟
- ما الآليّات الحِجاجيّة والتداوليّة التي يعتمدها، وما القنوات التي يُمرِّر عبرها مضامينه الإيديولوجيّة العنيفة؟
- ما طبيعة العلاقة التي يقيمها هذا الخطاب مع غيره من الخطابات، ولا سيّما الخطابات السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة؟
- ما حدودُ انفتاحه على هذه الخطابات أو انغلاقه عنها؟
- من أين يستمدّ الخطاب المتطرّف فاعليّتَه في توجيه المتلقّين عبر المغالطة وبناء لغةٍ ذات نزعةٍ تسلّطيّة؟
- ما السياقات التاريخيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي نشأ في إطارها؟
- ما عناصر القوّة والقصور في بنيته الحِجاجيّة والتواصليّة؟
- هل يظلّ هذا الخطاب مرتبطًا بشروط زمانيّة ومكانيّة مخصوصة، أم يمتلك قابليّةَ التجدّد والتكيّف عبر السياقات المختلفة؟
- وهل يمكن النظر إليه بوصفه ظاهرةً تاريخيّةً دوريّة الظهور كلّما توافرت شروطها، أم خطابًا عابرًا للسياقات يظهر بأشكالٍ متحوّلة؟
- في استراتيجية خطاب التسلُّط وبلاغته
قبل الانتقال إلى فحص آليّات الخطاب المتطرّف، واستجلاء دلالاته التي تميّزه بوصفه خطابًا ذا نزعةٍ تسلّطيّةٍ موجَّهةٍ إلى عقول المتلقّين، يحسنُ التوقّف عند خطوتين استراتيجيّتين تسهمان في فهم تفاصيل التفاعل الخطابي والإقناعي الذي يقوم عليه هذا النمط من الخطاب.
تتمثّل الخطوة الأولى في ما سمّاه البحثُ بــ«التحليل البلاغي الأفقي المفهومي»، بينما تتمثّل الخطوة الثانية في «التحليل البلاغي العمودي الخِطابي». ومن ثمّ يثور التساؤل الآتي: ما المضامين التي تنطوي عليها كلٌّ من هاتين الخطوتين، وكيف تُسهمان في الكشف عن بنية الخطاب المتطرّف ووظائفه التأثيريّة؟
1.1.التحليل الأفقي الهندسي ومراحله:
يُقصدُ بالتحليل البلاغي الأفقي (أو الهندسي) للخطاب المتسلِّط الوقوفُ عند كيفيّات ترتيب مكوّناته وبناء وحداته وفق شكلٍ بنيويٍّ معيّن؛ أي إنّ هذه الخطوة الأولى تتّصل أساسًا بظاهر الخطاب وصيغ تنظيمه التعبيري. ويهدف هذا المستوى من التحليل إلى تفصيل طرائق تشكّل هذا البناء من منظورٍ بلاغيٍّ، وذلك عبر مراحل إجرائيّة مقترحة، من أبرزها الآتي:
- ينصرف التحليلُ في هذا المستوى إلى التفكير في كيفيّات صناعة الخطاب المتطرّف لأفكاره، ومدى اختلاف هذه الكيفيّات باختلاف الأحوال والمقامات أو تبعًا لظروف الزمان والمكان؛ فالخطاب المتطرّف -في كثيرٍ من صوره- لا يظهر بوصفه خطابًا مرتجلًا أو متبعثرًا، ولا يتّسم عادةً بالتعقيد المفرط، بل يتجلّى في صورة خطابٍ منظَّمٍ محكم البناء، يعتمدُ قدرًا من البساطة التعبيريّة والوضوح الحِجاجي، ويتفاعل مع الأحداث ذات الأبعاد الدينيّة أو السياسيّة أو الاجتماعيّة. كما يسعى إلى مخاطبة شرائح متعدّدة من المتلقّين، مع الحرص على تقديم المعلومات التي يستند إليها في صورةٍ دقيقةٍ ومباشرة، الأمر الذي يُكسبه في الوقت نفسه درجةً من الفاعليّة والخطورة. ويستند هذا الخطاب إلى مراجع فكريّة يسهل في الغالب الوصول إليها، غير أنّ توظيفها يتمّ ضمن منظورٍ انتقائيّ يخدم بناءَ تصوّراتٍ إيديولوجيّة مخصوصة، تنطلق من افتراضٍ ضمنيّ مؤدّاه أنّ الخطاب قادرٌ على إنتاج «حقيقته» وإعادة تشكيلها وفق منطقٍ بلاغيّ ذي نزعةٍ تسلّطيّة. ومن هنا تبدو الحاجةُ ماسّةً إلى الوقوف عند عددٍ من الجوانب التحليليّة، من أبرزها:
أولًا: مداخلُ الخطاب ومخارجه
أي دراسة طرائق بناء المقدّمات والخواتيم، والوظائف البلاغيّة التي تؤدّيها في توجيه المتلقّي وإحكام البناء الحِجاجي. ويمكن في هذا السياق طرحُ أسئلةٍ إجرائيّة من قبيل: كيف يُفتتح الخطاب؟ ما طبيعة العناصر التي يتأسّس عليها الترتيب المنهجي للأفكار؟ ما السمات البلاغيّة للخاتمة؟ وأيُّ أجزاء الخطاب يبدو أكثر تأثيرًا: المقدّمة أم المتن أم الخاتمة؟ ولماذا؟
ثانيًا: أنماط الانتقال بين الوحدات الخطابيّة
ويشمل ذلك النظر في طرائق تقسيم الفقرات وتنظيم تسلسلها، وفي أثر أدوات الربط والانتقال في تشكيل ما يمكن تسميتُه «بلاغة التسلّط». كما يدخل في هذا الإطار تحليلُ مظاهر الإيجاز والإطناب والتكرار، ووظائفها التأثيريّة في بناء الإقناع وتوجيه تلقّي الرسالة.
.2.1.التحليل العمودي الخِطابي ومُستوياته:
أمّا التحليلُ البلاغي العمودي الخِطابي، فيُقصدُ به مجموعُ الخطوات المنهجيّة البلاغيّة التي يمكنُ اعتمادُها لتفكيك الخطاب المتطرّف من داخله، والكشف عن بنيته الحِجاجيّة وآليّات اشتغاله التأثيريّة. ويستهدف هذا المستوى من التحليل تجاوزَ ظاهر البناء الخطابي إلى استجلاء منطق تشكّل المعاني، وطرائق توجيهها نحو الإقناع أو الاستقطاب.
ويمكنُ توزيع هذه الخطوات المنهجيّة الحِجاجيّة على عددٍ من المسالك التحليليّة، من أبرزها:
- المسلك الأوّل في تملّك الخطاب؛ حيثُ يقف هذا المسلك عند كيفية تمكّن المتكلم من خطابه، وطرائق فرض سيطرته وتسَلُّطه على المخاطبين. ويُطرح هنا عدد من التساؤلات الإجرائيّة: كيف يتملك المتطرّف خطابه؟ وما الآليات التي يعتمدها لتوسيع تأثيره وسيطرته على عقول المخاطَبين، سواء كانوا أفرادًا أم جماعات؟
ففهم عملية تملّك الخطاب يُعدّ مدخلًا أساسيًا لفهم كيفية استيلاء الخطاب المتطرّف على عقول المخاطَبين، وكشف الاستراتيجيات التي يسلكها لتحقيق ذلك، وهو أيضًا بوابة لفهم آليات انتشار الاستقطاب وتأثيره الواسع على الأوساط المختلفة. ومن هنا تأتي أهمّية تحليل هذه الآليات باعتبارها خطوة مركزية لفهم ديناميات الخطاب المتطرّف من الداخل.
في هذا السياق النظري، تجب الإشارة إلى المحاولة التي قام بها توين فان ديك في طرح إشكال فهم التغييرات العقلية التي تحدث كنتيجة للسيطرة عل العقل من طرف الخطاب غير الشرعي (المتطرف). وما يثير اهتمام الباحث فيما قدّمه توين فان ديك أن الرجل يؤكد بحسرة بالغة أن أسباب التغييرات التي يحدثها الخطاب غير الشرعي – أو قل الخطاب المتطرف – في الإدراك العقلي، ما زلنا لا نعيها تماماً، مما يؤكد أن «السيطرة العقلية[3] تشتملُ على ما هو أبعد من مجرد فهم النص أو الحديث، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى العوامل الأخرى التي تؤدي دوراً في تغيير فكر الإنسان وعقله، ومنها المعرفة الشخصية والاجتماعية، والخبرات السابقة، والآراء الشخصية، والمواقف الاجتماعية والأيديولوجية والأعراف أو القيم»[4] غير أن البحث يضيف إلى ذلك شروطاً أخرى تفعل في عقول المخاطبين الذين يتلقون بلاغة التسلط، وهي الوضعيات النفسية غير السوية التي تأتي نتيجة القهر، والاضطهاد، والشعور بالإقصاء، والنبذ والاحتقار، ثم الوضعيات الاقتصادية المزرية التي تأتي نتيجة قلة فرص الشغل (الفقر) أمام الغنى الفاحش الذي تعيشه بعض الفئات الاجتماعية، فلا محالة أن هذين الشرطين، النفسي والاقتصادي، يعمقان من أزمة التفكير المعقلن في الخطاب، ولا شك أنّ الخطاب المتطرف يشتغل عليهما ويستغلهما استغلالا بشعاً من أجل تبليغ تسلطه إلى عقول الناس الضحايا.
- المسلك الثاني في أفعال التسلط لمغالطة؛ حيث يمكن تبينها من خلال الأسئلة، مع العلم أنها ليست محصورة في عدد محدود، بل تتكاثر حسب كل ظروف الخطاب وسياقاته المختلفة. لكنها تلتقي في نقطة واحدة تتعلق بفهم بلاغة التسلط المتطرف. ويمكن طرح هذه الأسئلة كالآتي: ما هي أفعال التسلط المغالطة التي يتضمنها الخطاب، كأفعال الأمر والنهي والطلب وأفعال التهديد والوعيد … ما هي خلفياتها البلاغية المغالطة في فرض التسلُّط؟
- المسلك الثالث في أنواع الخطاب؛ يتعلق الأمر هنا بطرح الأسئلة الآتية: ما هي أنواع الخطابات التي يوظفها المتطرف في صناعة بلاغته المتسلطة؟ وما هي أساليبها في السَّيطرة؟ وما هو الخطاب الذي يعتمد عليه في قوة الاقناع: أهو الخطاب الديني مثلا؟ أم الخطاب الاجتماعي، أم الاقتصادي، أم السياسي؟ أم سائر هذه الخطابات؟ وإذا كان هناك تعدد للخطابات فما هو الخطاب الذي يشملها جميعاً؟ أم أنها تسير بنِسب مُتساوية؟
- المسلك الرابع في أفعال الحجاج؛ يتعلق الأمر هنا بطرح الأسئلة الآتية: ما هي الأفعال الحجاجية التي تحضر في الخطاب؟ وكيف تساق إلى تحقيق إقناع المخاطبين الضحايا؟ ما هي دلالة الكلمات وقوتها البلاغية في استمالة الجمهور المخاطب؟ وما وظيفتها في بناء الخطاب المتطرف، سواء من خلال علاقتها بكلمات أخرى قوية أو من خلال علاقتها بالخطاب ككل؟[5] ما هي طرق الاستدلال المنطقي والبلاغي التي تحضر في الخطاب المتطرف والتي تشتمل على الصور البلاغية والرموز الأيقونية وغيرهما؟
- المسلك الخامس في تفكيك المغالطات المنطقية Logical fallacies؛ فهي التي يستند عليها الخطاب المتسلط بدرجة أقوى كما يتضح من خلال ما سبق؛ فما دام الخطاب المتطرف يعتمد بلاغة التسلط فهو بالضرورة يميل إلى توظيف آليات المغالطات المنطقية، التي تساعده في تزييف سياقات النصوص الدينية المستشهد بها مثلا. ومن الملاحظ أيضاً أن مغالطة السلطة أو إن شئت قلت ‘مغالطة الفرعون’ تناسب هذا النوع من الخطاب المتسلط بدرجة أقوى من غيرها. ومن المعلوم أنّ مفهوم المغالطات المنطقية سميت تاريخياً بالسفسطات أيضاً[6]؛ ويقصد بالمغالطات المنطقية جملة الأساليب الفاسدة منطقياً يستعملها المخاطب ليغالط بها الجمهور/ المخاطب بعد عجزه عن الإتيان بالدليل الصحيح. وقد عدّت المغالطات المنطقية من المباحث المنطقية غير الصورية الكلاسيكية والحديثة، والتي تهتم أساساً برصد سوء الدليل وفساد طريق الاستدلال ومنهجه عند المتكلم. أو إن شئت قلت المنطق غير الصوري هو «استخدام المنطق في تعرّف الحجاج، وتحليلها وتقيمها، كما تردُ في سياقات الحديث العادي ومداولات الحياة اليومية: في المحادثات الشخصية، والإعلانات، والجدال السياسي والقضائي، وشتى ألوان التعليقات التي نصادفها في الصحف والإذاعة المرئية والمسموعة وشبكة الإنترنت وغير ذلك من وسائل الإعلام »[7].
مع العلم أنّ مبحث «المغالطات المنطقية» أولاه النظار المسلمون فائق العناية، ليس فقط من خلال النظر في «أورغانون» أرسطو ولكن أيضاً في الاجتهادات العملية التي أضافوها لهذا المبحث المنطقي الصوري، خاصة تلك التي ترتبط في «الحكم على النظر والتناظر بالصحة والفساد من جهة وبالحسن والقبح من جهة أخرى مما ساهموا به في تعيين جملة من المعايير الخلقية والأدبية التي ينبغي بها النظر والتناظر. وأعتقد أن هذه المساهمة الإسلامية، كما تبلورت في حلقة المتكلمين والأصوليين، مساهمة ذات أبعاد منطقية وطبيعية لا اختصاص لها بالانتماء العقدي لدين الإسلام ولا تدافع بينهما وبين مساهمات أخرى، غير إسلامية، لتخليق النظر والتناظر. من هنا كان النظر الإسلامي – العربي القديم- في تحسين النظر والتناظر وتقبيحهما نظراً ذا آفاق إنسانية ‘مشتركة’ من جهة وذا أوصاف ‘منطقية’ و’منطقية طبيعية’ من جهة أخرى»[8].
الهوامش:
[1] – يسمى عادة الضحية.
[2] – أقصد هنا أهل الطب والهندسة وأصحاب الشهادات التي توصفُ بــ« العليا » !
[3] – السيطرة على العقل.
[4] – توين فان ديك، الخطاب والسلطة، ترجمة غيداء العلي، مراجعة وتقديم عماد عبد اللطيف، المركز القومي للترجمة، العدد 2419، الطبعة الأولى 2014، ص: 31.
[5] – ركزت رؤية بيرك للبلاغة بوضوح على الجاذبية القوية للكلمات وقدرتها على تعزيز الألفة عبر التماهي. وإن كان بيرك يرى أنّ الناس تستعمل الكلمات كوسيلة للعمل سوياً وليس بالأحرى كأداة لتوصيل الحقيقة من عقل إلى آخر، فكاتب هذه السطور يرى بخلاف ذلك أن الكلمات في الخطاب المتطرف هي بمثابة ساحة حرب بين مواقف أيديولوجية متناحرة، لا تسمح بالألفة والمحبة أو الوحدة مع المخالف والمختلف. وليست هناك روح للتعاون من أجل فهم الحقيقة، أو العمل يداً بيد. ومن الجدير بالذكر أن بيرك يرى في البلاغة سجال هويات وولاءات، وهي مغامرة الالتقاء والانفصال. ويرى أن هذا الصراع الخارجي للتوحد والانفصال يفضي إلى مشاعر الوحشة أو الاغتراب. ينظر: توماس أ.سلوان، ترجمة نخبة، إشراف وتقديم عماد عبد اللطيف، المركز القومي للترجمة، مصر، ط1.2016 ، 2/ 238-239.
[6] – يعتبر أرسطو أشهر الفلاسفة الأوائل الذين فكروا في موضوع السفسطات، وذلك من خلال مدونته ‘الأورغانون’ التي تضمنت رسالة في ‘السفسطة’. أنظر: ابن رشد، تلخيص السفسطات، تحقيق سليم سالم، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1973. وإن كان المنطق المعاصر يهتم بدراسة المغالطات فليس ذلك من باب التقليد للمعلم الأول وإنما من باب المعرفة الواسع، خاصة فيما يتعلق بمعرفة مبادئ الاستدلال الصحيح، وكأن دراسة المغالطة تجعلنا نتجنبها في تفاعلنا الحواري-التعارفي، من أجل مجتمع سلمي ترتقي فيه قيم الإحسان والجمال والتراحم.
[7] – The Cambridge Dictionary of Philosophy. Cambridge University Press, 1995, p. 376
ويشير د.عادل مصطفى إلى أنّ مبحث المغالطات المنطقية مبحث جديد نشأ رغبة في إيجاد سبل لتحليل الاستدلال العادي وتقييمه، سبل يمكن أن تندرج كجزء من التعليم العام، ويمكن أن ترشد تفكير الناس وترتقي بالمناقشات والمساجلات اليومية [..] خاصة وأن الحجة تأتي دائماً ممتزجة بلحم اللغة ودمائها، متلفعة بانفعالات الناس وأعرافهم، مورَّبة بتضاريس الواقع، وبشؤون الناس شجونها. أنظر كتاب، المغالطات المنطقية، فصول في المنطق غير الصوري، تأليف د.عادل مصطفى، رؤية، القاهرة، ط 1،2013.ص:09. 10.13.
[8] – حمو النقاري، في منطق بور روايال، دار الكتاب الجديد المتحدة، لبنان، ط1، 2013، ص:94.
