Skip to content Skip to footer

الطلاق بين مقاصد الآيات وأقوال الفقهاء؛ من يدفع الثمن؟ | د. محمد هداية

مراجعة الحلقة السابقة

باسم الجمل: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي بالدكتور محمد هداية، باحث في الشؤون الإسلامية. دكتور محمد أهلًا وسهلًا بك.

محمد هداية: أهلًا ومرحبًا بك.

باسم الجمل: أهلًا ومرحبًا بك. نحن التقينا سابقًا في حلقة في “مجتمع” وكنا تحدّثنا عن الزواج ومشاكل الزواج، وتحاورنا في مدى ملاءمة أو مواءمة إجراءات الزواج التي تتم في المجتمع مع النصوص — أنا أسمّيها الأريحية — في النص القرآني. واتفقنا للأسف أن إجراءات الزواج أو عقود النكاح أو عقود الزواج لا تتم وفق ما هو منصوص عليه قرآنيًّا، مما أدى إلى نشوء كثير من المشاكل في المجتمع. وذلك يعني إنهاء العلاقات المجتمعية في عدة أشكال لإنهاء العلاقة في القرآن. مثلًا عندك الطلاق أو الخلع، وهناك نوع ثالث أعتقد.

محمد هداية: هو الطلاق بأنواعه. والخلع. يقابل كل الطلاق بأنواعه للرجل، يقابله في المرأة الخلع.

باسم الجمل: فيه الفسخ أيضا.

محمد هداية: الفسخ هذا حكم. يعني فسخ عقد القران يعني تقع به طلقة، يحدد القاضي أنها طلقة بائنة أو رجعية أو كذا حسب الفسخ. وممكن يكون فيه فسخ للعقد كاملًا.

أسباب الطلاق وعلاقتها بحقوق الزوجين في النص القرآني

باسم الجمل: كونك أنت اشتغلت في المحاماة ومرَّ عليك قصص كثيرة عن أسباب إنهاء العلاقات الزوجية، فأنا في رأيي: ما هي الأسباب التي تقود إلى ذلك، وعلاقة ذلك بتوفير الحقوق لكلا الطرفين؟ يعني أسباب الطلاق هل لها علاقة مثلًا بأنه حقوق الزوجية تُهضم؟ أو حقوق الزوج تُهضم؟ يعني لا يتم مراعاة حقوق الطرفين من قِبَلهم في البيت، وبالتالي تقود إلى نفور في العلاقة ومن ثم إلى الطلاق. ما الأسباب؟

باسم الجمل: لأن حقوق الزوجة في النص القرآني يبدو لي ما فيه حقوق يعني. إذا فيه إشارات خفيفة، التي هي إما أن تُعطى المهر أو النفقات بأنواعها. الذي هم يسمّونه المهر أو ما يُسمَّى غلطةً.

محمد هداية: لا، المهر غير النفقات على فكرة. المهر غير النفقات.

باسم الجمل: النِّحلة التي تُعطى للنساء مختلفة عن الأُجور.

محمد هداية: وفي نفس الوقت النفقات لها عدة أسباب أو أنواع.

باسم الجمل: فيه أُجور، فيه نِحلة، فيه صدقات.

محمد هداية: الصدقات هذه وصفها القرآن يعني أن نُعطيها نِحلة.

باسم الجمل: يعني عن رضا. طيب عن رضا يعني تُعطى ولا تُعاد. إنما الأُجور قد يُطالَب بها مثلًا. هذا الشكل من العلاقات يتضح عند إقامة عقد الزواج يعني. هذه الحقوق.

محمد هداية: هو هذا السبب. هو الذي يجب أن نبدأ منه فعلًا. يعني حضرتك تفضلت هنا بنقطة مهمة جدًّا. لو نحن أخذنا بالنا من بداية عقد الزواج، سنفهم كيف الطلاق يمشي على مراد الله في القرآن، من غير المشاكل التي حضرتك تتكلم فيها كلها، والتي فعلًا نراها آناء الليل وأطراف النهار في المحاكم.

نوعا التعاقد في الزواج القرآني: الميثاق الغليظ وملك اليمين

باسم الجمل: هناك من يقول أو من يرى أنه فيه نوعان من التعاقد للزواج في القرآن. فيه نوع الذي هو له علاقة بالميثاق الغليظ، الذي هو زواج الميثاق الغليظ. الذي يرى البعض، المتدبّرون، بعض الباحثين، أنه يسعى لإقامة أسرة وبيت، وبالتالي سُمِّي بالميثاق الغليظ لأنه فيه شيء واضح فيه بناء أسرة، فيه أطفال تكون وهذا أن النساء تُؤتى الصدقات وهي نِحلة. فيه نوع آخر هو ملك اليمين. وهناك آراء كثيرة حول ملك اليمين. فيه الرأي الفقهي الذي يعتبرها هي السبية. فيه الرأي المتدبِّر وفق آيات النصوص، الذي يعتبر أن ملك اليمين ثلاث حالات، منها حالة الخدم في البيت، حالة الموظف، ومنها الزوجة التي يتم الزواج بها أو التزوّج بها لهدف محدد، وقد يُذيَّل بشروط كثيرة وفق اتفاق الطرفين. الآن واضح أن الكثير من هذه الأنواع عند الزواج لا يتم توضيح الكثير من هذه المفاصل. أي نوع من الزواج الذي يكثر الناس عليه؟ هل نحن نتزوج وفق الميثاق الغليظ أم وفق ملك اليمين؟

محمد هداية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا ربنا تسليمًا كثيرًا. وبعد، الحقيقة أن حضرتك صراحةً أسئلتك ممتازة وقوية. لكن للأسف الناس ليست ماشية. يعني لسنا ماشين. عارف حضرتك بنظام يعني. كما تجيء. سأقول لحضرتك على نقطة وحضرتك منها تفهم قصدي.. زمان كنا على مذهب أبي حنيفة في عقد الزواج. لما أحبوا أن يُغيِّروا شروطًا معيّنة وحتى نقدر أن نعمل الخلع طبَّقوا نقطة عند الإمام أحمد أن من حق المرأة… أن تشترط شيئًا ولا أعرف ماذا، عند أحمد. ثم الخلع يتم على مذهب أحمد. هذا المأذونون. لا علاقة له. النص الشرعي للمأذون يقول لك “على شرع الله وسنة رسول الله وعلى مذهب الإمام.” يعني أنت قلت شرع الله.

باسم الجمل: ما دخل مذهب الإمام فيك.

محمد هداية: ما الذي جاء بهؤلاء؟ يعني بعد شرع الله خلاص. زوَّج على شرع الله مثلًا وعلى سنة رسول الله. وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة. ولما انتقلنا على ابن حنبل في شروط معيّنة أيضا مازال يقول: أبو حنيفة. يعني هو لا يدري يعقد على ماذا.

باسم الجمل: صار فيه تغيير

محمد هداية: فما بالك بالعامة؟ فنحن مع العلم أن حضرتك مثلًا لما ترى آية، الآية التي يتكلم فيها المولى عز وجل عن الزواج أو النكاح وكيف وقعها القرآن. وأنا أعرضها قبل ما نعرض لفكرة الطلاق مثلًا. اسمع حضرتك في سورة الروم: “وَمِن آياتِهِ.”

باسم الجمل: “أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم.”

محمد هداية: “أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا لِتَسكُنوا إِلَيها وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةً.” في المطلع يقول “وَمِن آياتِهِ” مِن للتبعيض. وآياته: سنأخذ آية. “وَمِن آياتِهِ” — آية ضرب الله بها المثل — “أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا لِتَسكُنوا إِلَيها وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ.” في الآية، الآية الواحدة.

باسم الجمل: فيها مجموعة آيات.

محمد هداية: “لَآياتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرونَ.” يعني آية الزواج في القرآن ينبثق عنها آيات إلهية لقوم يتحلَّون بماذا؟

باسم الجمل: بالتفكير.

محمد هداية: يتفكَّرون، يتدبَّرون. إذا تفكَّروا وتدبَّروا علموا أن هذا الزواج آية بداخلها آيات لله تبارك وتعالى.

باسم الجمل: يعني ليس مجرد عقد نكاح وأمشي.

محمد هداية: واذهب وأنهينا. وتشاجرنا بالليل أو الصبح أو بعد شهر. يعني لازم أن نفكر أولًا. آية كلمة كلمة يا دكتور. “وَمِن آياتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم.” يكلم من؟.. الناس، المجموعة البشرية. “أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا.” طبعًا “مِن أَنفُسِكُم” هنا عملت لغطًا كبيرًا في التفسير. من سورة النساء خاصة.

باسم الجمل: السورة الأولى.

محمد هداية: المولى قال فيها: “يا أَيُّهَا النّاسُ.”

باسم الجمل: “اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ.”

محمد هداية: “يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنها.”

باسم الجمل: “زَوجَها وَبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثيرًا وَنِساءً.”.

محمد هداية: هنا فتحوا باب أن النفس الواحدة آدم. انتبه، أنا أكلِّمك وأنا أقول لك راجع ورائي كل التفاسير. تسعون في المئة وثمانون في المئة. كل التفسير: النفس الواحدة آدم، وخلق منها زوجها من ضلعها بحديث.

باسم الجمل: صح.

محمد هداية: من ضلعها! الله. يعني هنا لما يقول: “يا أَيُّهَا النّاسُ” يكلِّم الناس ذكرًا وأنثى. “يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ.” النفس الواحدة هي الطبيعة الواحدة للذكر والأنثى. التي قال فيها المولى عز وجل: “وَمِن كُلِّ شَيءٍ خَلَقنا زَوجَينِ.” آدم شيء وزوجه شيء. صح. في وقت واحد تمَّت خِلقة آدم وزوجه. من ماذا؟ من تراب، من ماء، من طين، من صلصال، من فخار، من حمأ. التي هي مراحل الخلق التي عدَّدها القرآن: النفس الواحدة هي الطبيعة الواحدة. يعني لما يتكلِّم يقول “وَمِن آياتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم” يكلِّم الذكر والأنثى.

باسم الجمل: مئة بالمئة.

محمد هداية: “أَزواجًا.” الذكر له زوج والأنثى لها زوج. من ماذا؟.. “مِن أَنفُسِكُم” يعني من النفس الواحدة. يعني باختصار شديد؛ الإنسي لا يتزوج الجني

باسم الجمل: صح صح

محمد هداية: إذن، ما هذا الذي عملوه؟ هذا كان تأويلًا حتى بعد ذلك يقول لك أصلًا فيه إنسي يتزوج جنية! .. وقِس على هذا يا دكتور، والتراث يأخذ راحته في هذا المجال. لدرجة أن بعضهم طلع على شاشات التلفزيون وقال: أنا متزوج من جنِّية ومُخلِّف منها! فدخلنا في مناظرة وقلنا له: أحضرها، تحضر أولادك. وقال في الحلقة القادمة سآتي بها. واختفى وما جاء ثانية.

إذن فهناك عند أهل التراث أبواب يفتحونها لأهداف أخرى. والآية واضحة.

باسم الجمل: هذا النوع من الزواج.

محمد هداية: يتم بكل الذي نحن قلناه في الحلقة السابقة. بكل الاقتراحات التي حضرتك تفضَّلت بها أو أيَّدت حضرتك فيها. وكما نحن قلنا إن الكل لا بدَّ وأن نجتمع على بذل الجهد حتى هذه الزيجة تبقى على شرع الله من القرآن في كل آية. وإذا تم الزواج ومشى هكذا، سيبقى لو حصل طلاق أيضًا، سيقول لحضرتك: انظر المحاذير الإلهية من وقوع الطلاق. ليس أول ما تنوي نفذ.

إجراءات الطلاق في القرآن مقارنةً بالمحاكم الشرعية

باسم الجمل: هنا نأتي يبدو لي فعلًا لإجراءات الطلاق المتَّبعة في النص القرآني ومقارنتها مع إجراءات الطلاق التي تتَّبع في كل المحاكم الشرعية تقريبًا في المجتمعات الإسلامية. فيه فرق كبير ضخم. هناك في المحاكم الشرعية يعتمد اللفظ — مجرد لفظ. “طالق. وأنتِ طالق.” وفي القرآن يقول: “الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمساكٌ بِمَعروفٍ أَو تَسريحٌ بِإِحسانٍ.”

محمد هداية: بين هذه وتلك فيه أقوال وأقوال. هل الطلاق الشفوي يقع؟ هل لما قالها وهو غاضب أو غير غاضب، أم..؟ أولًا يا جماعة لمَ نرجع للنص القرآني أولًا. آية عملوا منها مادة في الفقه، بعيدة عن مراد الله في الآية، وعملوا منها حاجة سمَّوها “الإيلاء”. الذي هو أن الرجل يُقسِم أنه لن يلمس امرأته. فلما يُقسِم أنه لن يلمس امرأته، الكلام “لَيسَ لِلَّذي آلى”. والذين يؤلون من نسائهم. “يُؤلونَ” هذه كلمة قرآنية لم تتكرر بنفس المفردات، إنما جاءت بمفردات أخرى في مرادات أخرى، مثل: “وَلا يَأتَلِ أُولُو الفَضلِ مِنكُم.” هنا لما يقول “للذين يُؤلونَ مِن نسائهم”، اسمع حضرتك. أول كلمة بعدها: الرجل في هذا الوقت أنا سأشرح لك بما فهمته أنا من كتاب الله. الرجل تزوَّج على شرع الله وتزوَّج بالآيات التي أنا قلت لحضرتك، أوّلها وعلى رأسها آية سورة الروم “وَمِن آياتِهِ.” يعني أنا ساعة بحثت. كما حضرتك تكلَّمت وأنا كنت مع حضرتك واتفقنا أن المفروض، الزواج هذا كيف يتم؟ أن نختبر بعضنا ونعرف بعضنا ونتعارف جيدًا وكلنا العائلتين تقفان على أقدامهما.

باسم الجمل: حتى يبلغ كتاب الزواج أجله.

محمد هداية: ويتم بالطريقة التي نحن تكلَّمنا عليها. أعتقد اعتقادًا جازمًا أن الطلاق عندما يحدث، سيحصل فعلًا بسبب جدّي. صح. المولى عز وجل حتى لو كان السبب — هو ما يثير. عند الرجل الكراهية.. وصلت لحدِّ “للَّذينَ يُؤلونَ مِن نسائهم.” النتيجة أنه أصبح عنده حاجة في نفسه. نفور يعني. نفور. أو مثلًا هي عملت شيئًا، قالت عنه أمرًا، قالت له في وجهه قولًا. انظر القرآن يكلِّم الرجل: “للَّذينَ يُؤلونَ مِن نِسائِهِم.”

باسم الجمل: “مِن نسائهم”

محمد هداية: “تَرَبُّصُ أَربَعَةِ أَشهُرٍ” 

باسم الجمل: هو الذي يتربص

محمد هداية: “لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ” 

احذر أن تقول لها: أنت طالق. احذر.

باسم الجمل: هل هذا الخطاب موجَّه للذكر دون الأنثى أم موجَّه للطرفين؟

محمد هداية: لا، موجَّه للذين يُؤلون. للرجال، للذكر.

باسم الجمل: والمرأة قد لا تُؤلي.

محمد هداية: لا، سيبقى لها حكم ثانٍ. إنها خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا. هو بقول لحضرتك القرآن مبدع يا دكتور. يعني انظر، قبل ما أقول لك: سأعطي لحضرتك نقاطًا، الرجل عليه دور. المرأة، الزوج — أنا لا أقول لماذا المرأة؟ لأنني إذا قلت المرأة لازم الدكتور باسم يشك. أنه أنا سأكلِّمه عن واحدة ما بقيت زوجة.

باسم الجمل: ليست زوجة.

محمد هداية: مثل امرأة فرعون. ما قال “زوجة فرعون.” “امرأة العزيز” ما قال “زوجة العزيز” مع أنها زوج. لكن القرآن وصَّفها أن فيه حاجة في العلاقة، علَّمنا القرآن.

باسم الجمل: غير توصيف العلاقة.

محمد هداية: غير توصيف العلاقة. فهنا يقول ماذا؟ “للَّذينَ يُؤلونَ مِن نِسائِهِم.”..  “َللَّذينَ يُؤلونَ مِن نِسائِهِم تَرَبُّصُ أَربَعَةِ أَشهُرٍ.” احذر أن تتعجَّل الأبعد وتقول: أنت طالق. لأنهم يسألوننا على الطلاق الشفوي

باسم الجمل: الخطاب موجَّه للذكور.

محمد هداية: للذكور. “تَرَبُّصُ أَربَعَةِ أَشهُرٍ.” ما هي؟ “تَرَبُّصُ”؟ تربُّص أربعة أشهر يعني: أيُّها الرجل يكلِّم من؟ الرجولة. التي أنا قلت: “مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا.” وأنت تقدَّمت وأخذتها من أسرة من عائلة. وأنا سأكلِّمك بها بمنتهى الأسلوب العامي يعني: هل يصلح أن أروح أخطبها بالطريقة التي اتفقنا عليها أنا وحضرتك، وأطردها الساعة الثانية بالليل، الثالثة بالليل؟

باسم الجمل: أكيد أكيد لا. 

محمد هداية: هذا يحصل يا دكتور. أم ماذا؟ ولا أريد أن أقول: الألفاظ مُخجلة.. على بيت أبيكِ الساعة الثانية بالليل، الثالثة بالليل. الله! طيب، أنت كيف تزوجتها؟ وأنا أتكلَّم عامّيًّا، هنا حتى الناس كلها تفهمنا. أخذت معك الدكتور باسم، ووصلت الدكتور محمد والدكتور باسم أخذ الدكتور محمد معه وراحوا لأجل أن يروك. هذا الذي يحصل فعلًا يا دكتور. وبعد ذلك، هذا الذي يفعل ذلك، على بيت أبيكِ، بالنص الذي أنا أقوله لحضرتك، 

باسم الجمل: وقد يكون لسبب تافه جدًّا. 

محمد هداية: تافه جدًا.. انظر حضرتك. انظر هنا. هنا القرآن ماذا يقول؟ “يُؤلونَ”، “للذين يؤلون” ثبَّت لك أنه أنت لك حق. هي عملت شيئًا. مثل ما حضرتك تفضَّلت، وقعت في نفسك كراهية بالنسبة لها. لكن انتبه: أنت أخذت ميثاقًا غليظًا. أنت حضرتك التي قلتها. أنت كيف تزوَّجت؟ ميثاقًا غليظًا. ماذا أخذت منها؟ ميثاقًا غليظًا. فلا تقل: على بيتِ أبيك. لا. وانظر يا دكتور التعبير القرآني: “تَرَبُّصُ.” لماذا “تَرَبُّصُ”. لمَ لم يقل “انتظار”؟ لمَ لمْ يقل لفظًا تانيًا؟ أنه أنت ستصبر لأربعة شهور وستقول لها — انتبه دكتور — أنا أديت لكِ، طبعًا هذا لا يقال. الكلام الذي بقوله لحضرتك هذا النهائي. 

باسم الجمل: لأن القرآن مهجور من أهله. 

محمد هداية: هو يقول لها لازم. يقول لها: أنتِ عملتِ كذا. بمنتهى الأدب والأخلاق. ومثل ما أنتم تقولون: أنت عملتِ كذا وأنا غضبان. فأنا يا بنت الناس، ربنا علَّمني أن أنتظر أربعة شهور متربِّصًا. متربِّصًا وسنُراقبها، وهي عارفة. إذًا القرآن يُعطي فرصة للصلح. يعني ممكن خلال الأربعة شهور هذه ينتهي الأمر بماذا؟ أنا الآن جيدة. تمام. طيب ما عملت هكذا من الأول لماذا؟ طيب حقّك عليَّ. انتهينا. لكن أنا أرجو أن نعيش النص.

الطلاق الشفوي وغياب إجراءات القرآن في الممارسة الفعلية

باسم الجمل: يعني لا يرسلها كرسالة نصية: “أنت طالق.” لا. 

محمد هداية: يقولها يا دكتور، وفي أيِّ وقت؟ في ساعة متأخرة من الليل! يُخرجها من الشقة، وإن كان معها ولد أو ولدان تأخذهما معها. هذه أمور لا ترضي—ولن أقول لك إنسانًا مسلمًا—بل لا ترضي عاقلًا على أيِّ دِين! فما بالك بمسلمٍ عنده هذا النص؟! لدرجة يا دكتور—سامحني—لدرجة أن يقولوا لك: لِمَ ذلك إذًا؟ انتهى؛ هم اعتبروا أن “يُؤْلُونَ” هنا—وهو الإيلاء مسألة فقهية—أن عمر قرأها “يُقْسِمُون”، وفلانٌ قرأها “يُقْسِمُون”! تفتح القراءات فتجدها في القراءات “يُقْسِمُون” وليست “يُؤْلُونَ”.. كيف هذا؟

باسم الجمل: “للذين يُؤلون” ليس “يُقسِمون” من أزواجهم.

محمد هداية: لمَ لمْ يَقُلْ «على»؟ القسمُ يَكونُ بأيِّ شيء؟ يَتعدَّى بـ «على».. أمَّا هنا: «يُؤْلُونَ» مِنْ.

باسم الجمل: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. صحيح.

محمد هداية: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.. انظر يا دكتور، ماذا أعطاه؟ يا أخي، نعم؛ نعطيك الحق، هنا لم تعد زوجتك، بل أصبحت «مِنْ نِسَائِهِمْ»؛ أي إن ثمة خللا عندها اعترف لك القرآن به هنا، ولكن ماذا قال لك؟ ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. وكي تتأكدوا أن هذا لا علاقة له بالقسم—وأنا أريد أن أقول النص بالدقة—انظر يا دكتور: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾—أي إنها فعلت شيئا جعله يرجع—﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾—أي إن هذه الحالة مقدمة للطلاق—لا تظلوا تدورون في الإيلاء وغير الإيلاء! اشرحوا النص القرآني كما أورده الله تبارك وتعالى. كيف جاء الطلاق؟ ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أولا؛ أي إن الأربعة أشهر هذه فرصة لماذا؟ لتقول له ممَّ أنت غاضب؟ ولماذا «يُؤْلُونَ»؟ ما الذي حدث في نفسك فآليت منها؟

باسم الجمل: لعلك تنقذ الأمر.

محمد هداية: نعم، فتقول هي: «والله لم أنتبه!»، ومن الممكن جدا أن يكون الرد هكذا: «أنا فعلت ذلك حقا، ولكني لم أعلم أن هذا سيغضبك، وحقك عليّ».. وتنتهي المسألة في ليلتها!

باسم الجمل: لكن القرآن أعطاك فرصة أربعة أشهر.

محمد هداية: هل تعرف ما الحكمة؟..

باسم الجمل: أن تتاح الفرصة للنفوس كي تهدأ، مهما كانت متحفزة.

محمد هداية: حسنا، كيف يشرح لي الدكتور باسم هذا، ثم أمضي لأطرق عليه الباب ليلا وأسأله: «هل يقع الطلاق الشفهي؟»! الطلاق الشفهي؟! فماذا قلت لك إذن؟ ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾! أي شفهي هذا؟ وكيف يقع الشفهي وأمام من؟ ثم يقولون لك: «كان المقصود أنه انتفض غضبا»! القرآن لم يقل: انتفض غضبا أو لم ينتفض؛ فحتى لو كان معه الحق: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.

باسم الجمل: أي يعطيك إجراء أوليا.

محمد هداية: إجراء ماذا؟ إلهيا يا دكتور! إجراء بأمر إلهي، وقال لك: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾، أي قدم هذا على ذاك.. ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، انتهى.

باسم الجمل: بمعنى أن الأمر قد انتهى.

محمد هداية: قد ينتهي الأمر هنا.

باسم الجمل: وتعود الأمور إلى مجاريها الطبيعية.

محمد هداية: ودون أن تسمع الأسرتان شيئا، وهذه هي العلاقات الناجحة. ولكن افترض—لا قدر الله—أن الأربعة أشهر انقضت ولم تعد هناك فائدة؛ وهي مصرة على موقفها، وعزموا الطلاق: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. انظر الآن إلى الجملة القادمة كي تنتبه لما أريد قوله في موضوع الطلاق والنساء والرجال؛ ما دور هذا وما دور تلك؟ انظر حضرتك: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، هذا سبب العدة.

باسم الجمل: لإبراء الرحم.

محمد هداية: أولا إبراء الرحم، ولعل الله يسهل فتعود الأمور. أي هنا أربعة أشهر؛ فلا بد أن يتربص الرجل أربعة، ولذلك كرر القرآن «وَالمُطَلَّقَاتُ يَنْتَظِرْنَ» لا «يَتَرَبَّصْنَ»؛ أي يريد القرآن أن يعلمنا أنه كما على الرجل دور…

باسم الجمل: فأنت أيضا عليكِ دور.

محمد هداية: الدور نفسه عليك. والثلاثة قروء صحيح أنها لإبراء الرحم، وهذه المسألة مؤكدة؛ ولكن في بعض الأحيان لا تكون حاملا، وهو متأكد أنها ليست حاملا، وهي متأكدة أنها ليست حاملا، أو لا قدر الله هي لا تنجب مثلا! ومع ذلك فالثلاثة قروء هي ثلاثة قروء.. فلماذا إذن؟ لم ثلاثة قروء؟

باسم الجمل: لإعطاء مجال للنفس كي تهدأ.

محمد هداية: لإتاحة مجال للصلح. انظر: الرجل الذي بيده العصمة ويستطيع أن يطلق، قال له: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وهي الآن مطلقة، فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.

باسم الجمل: أي سبعة أشهر إذن.

محمد هداية: انظر الآن كما قلت؛ افترض أنه انتظر الأربعة أشهر إلى آخرها، وأصبحت هي مطلقة؛ فماذا سننتظر بعد؟ أضف إليها ثلاثة أشهر للتربص! لماذا هذا التربص؟ سيأتي ويتصل؛ الدكتور باسم يشجعه محمد ويقول له: «هشام سيأتي به»، هل فهمتني يا دكتور؟ أي مثلما يمكن لأحد أن يساعد.

باسم الجمل: صحيح، صحيح.

محمد هداية: «ما الذي حدث بينكم؟» فيحكي للدكتور باسم، فيقول له: «يا أخي، هل هذا هو السبب؟ حسنا، أَلَسْتُمْ حين تكلمتم.. أصل الأمر أنها عصبية جدا يا دكتور.. حسنا، انتظر عليها ودعنا نتدخل ونرَ!»، وهو أيضا يقول له: «حسنا، يا ليت يا دكتور باسم!». هو خلاص، يأمل.. فقد يقع الصلح يا جماعة! ومن هنا انظر إلى هذا: أربعة أشهر وثلاثة أشهر—لو جمعناها فعلا—سبعة أشهر!

سبعة أشهر انتظار: تطابق النص القرآني مع قانون أوروبي

باسم الجمل: أذكر في إحدى الدول الأوروبية حدث تغيير في أحد البنود المتعلقة بالطلاق، وتم فرض فسحة زمنية لمدة سبعة أشهر كي يتم الطلاق.. سبعة أشهر!

محمد هداية: أجنبية.

باسم الجمل: أوروبية، دون ذكر اسم البلد.

محمد هداية: سبعة أشهر!

باسم الجمل: وما زال ذلك قائما.

محمد هداية: لا يمكن أن تكون هذه مصادفة، أي إنهم بالتأكيد…

باسم الجمل: يعني قد يكون أحدهم قرأ النص واعتبرها فكرة..

محمد هداية: اعتبرها فكرة، صحيح.

باسم الجمل: هذا ممكن، لأن هذا الكلام فطري.

محمد هداية: صحيح.

باسم الجمل: هذا الكلام يتلاءم مع الفطرة السليمة.

محمد هداية: والذي يقبله فعلا هم أصحاب الفطرة السليمة.

باسم الجمل: لأن هذا كلام فطري أساسا؛ فأنت إذا كنت غاضبا، عليك أن تنتظر.

محمد هداية: نعم، بعد ذلك النقطة التي ذكرتها حضرتك قبل النقطة التي قلتها أنا: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي إن هناك احتمالا يوضحه الله سبحانه وتعالى، فالله تبارك وتعالى يريد أن يعلمنا.. انتبهوا: بعض النساء قد تفعل ذلك، كأن لا تقول «أنا حامل».

باسم الجمل: قد تكتم ذلك.

محمد هداية: كي لا ترجع، حسنا يا سيدتي، أخبري بالأمر ولا ترجعي؛ لأن المولى عز وجل نبه إلى هذا.

باسم الجمل: صحيح، ضروري أن يتم التنبيه.

محمد هداية: نعم، إذن هذا تنبيه واجب من أولياء الأمور في العائلتين أو الأسرتين.

باسم الجمل: كي يتيقنوا.

محمد هداية: كي يتيقنوا يا جماعة، لأن بعض الأخوات قد يفعلن ذلك. المهم أن الآية التي بعدها، والتي أكدت حضرتك عليها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.

باسم الجمل: لاحظ كيف استخدم هنا لفظ «البعولة».

محمد هداية: نعم.

باسم الجمل: في الفترة التي كان الرجل يتربص فيها وهي تتربص، فلم يعد زوجا.

محمد هداية: نعم، ليس زوجا.

باسم الجمل: أي لا يوجد تواصل.

محمد هداية: نقطة مهمة جدا، فهو ليس زوجا فعلا في هذه المرحلة، أي هو شبه انفصال.

باسم الجمل: بالضبط، فسبعة أشهر.. ولكن ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ وكأنه أعاد تفسير ما قيل.

محمد هداية: الطلاق إذن.

باسم الجمل: التربص الأول والتربص الثاني.

محمد هداية: قد تحدث المسألة مرة، ثم مرة أخرى، لكن العملية ليست مفتوحة.

باسم الجمل: لا، أنا فهمت الآية ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ كأنه يعيد موجزا لما تم تقديمه؛ أن التربص في المرة الأولى…

محمد هداية: لا.. المرة الواحدة تشمل هذا التربص وذاك التربص.

باسم الجمل: المرة الأولى تربص الرجل لعله يعود، والمرة الثانية تربص المرأة لعلها تعود، لأنه قد لا تعود في المرة الثانية.

محمد هداية: صحيح.

باسم الجمل: فصار عندنا مرتان: تربص الرجل وتربص المرأة.

محمد هداية: التربص مرتان، لكن الطلاق مرة واحدة؛ هذا الطلاق إذا تم فهو مرة واحدة، والطلاق بكامل هيئته مرتان بهذين التربصين.

باسم الجمل: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ بالتربصين.

محمد هداية: لا، الطلاق مرة واحدة بالتربصين.. لا بد أن يكون…

“الطَّلاقُ مَرَّتانِ”: الطلاق الرجعي وقواعد الإمساك بالمعروف

باسم الجمل: يعني إذا حدث تربص في المرة الأولى وتربص في المرة الثانية وكان من الرجل، وحدث اتفاق؛ سقط الطلاق ولا يكون هناك طلاق مفعل، ولكن إذا كان هناك ما بعد ذلك…

محمد هداية: إذا طلق فلك فرصة، وهذه تسمى طلقة رجعية، ولك فرصة مرة أخرى. على فكرة، هم جعلوا الثالثة بكلمة ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، قالوا لك: هذا بعد المرة التالية! غير ممكن، هل سيترك الله الأمر للمرة الثالثة التي ألفتموها هذه؟! هذا تأليف بهذا المعنى أيضا.. هذا الكلام سيصدم كثيرا من الناس وسنهاجم بالطبع، وهذا أمر عادي جدا؛ ولكن النص معنا! أنا أقول لهم: يا جماعة اقرؤوا النص القرآني، لو كان ثلاث مرات، هل كان يمنع الله أن يقول «الطلاق ثلاث مرات»؟! كيف فسروا إذن ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؟! هل سيوصيك بالإمساك بالمعروف والتسريح بإحسان بعد مرتين من الخلاف؟!

باسم الجمل: لا، لا يمكن للنص القرآني.. لأن الإمساك بالمعروف يعني أن الطلاق لم يعد قائما، انتهى الأمر.

محمد هداية: هذا هو! خذ بالك يا دكتور، أنا في شرحي كثيرا للزواج والنكاح في الإسلام أقول: إن النكاح أقامها الله تبارك وتعالى شركة مساهمة بين الرجل والمرأة، بين الزوج والزوجة؛ شركة مساهمة تقوم على قاعدتين لا ثالث لهما: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ منذ البداية، وليس بعد مرات الطلاق! المولى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ في بيان عدد مرات الطلاق المسموح بها للرجل والمرأة، ثم ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. كأني بالله يقول لنا: لو أن الإمساك بدأ بالمعروف فلن نحتاج إلى التسريح بإحسان.

باسم الجمل: صحيح، إما هذه وإما هذه.

محمد هداية: إما هذه وإما هذه! وأنا أقول: هذه أعمدة النكاح؛ أن يمسك بالمعروف.. «إما إمساك بمعروف»، وأنا أقول في الإمساك بين الاثنين: لا تقل لي الرجل وحده.

باسم الجمل: نعم، هذا ليس صحيحا.

محمد هداية: الزواج الناجح يكون بين الطرفين، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ يساهم فيه الرجل والمرأة.

باسم الجمل: من نص الآية، أين تقع هنا مثلا ما يسمى «العصمة»؟

محمد هداية: نعم.

باسم الجمل: هل العصمة هنا توحي بأنها بيد الرجل أم بيد المرأة؟

محمد هداية: منذ البداية، من ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾، والأمر الثاني—هذه الآية نوع من أنواع الطلاق—المولى عز وجل وضحه وقال ماذا نفعل، انتهى الأمر.

باسم الجمل: صحيح.

محمد هداية: القرآن يعلم الرجل شيئا: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾.

دور الرجل عند بوادر النشوز: الوعظ والهجر والاحتواء

باسم الجمل: نعم، صحيح.

محمد هداية: يعني المرأة يا دكتور لم تنشز، بل هو رأى بوادر نشوز.

باسم الجمل: أن ربما تنشز، صحيح.

محمد هداية: انظر يا دكتور.. استمع إلى الآية مرة أخرى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.. كيف هذه الحكاية؟ يعني وهما يجلسان لتناول الغداء وقالت له: «فلان اشترى لزوجته سيارة»، وهو لا يملك ما يشتري به سيارة.. هذه بوادر تسمى بوادر نشوز، وتذمر من الحياة والتذمر من الحال.. «يا بختها! يا حظها!».. فتقبل منها النصيحة الإلهية: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾؛ قبل أن تنشز، ولا تنتظر..

باسم الجمل: حتى تنشز.

محمد هداية: عندما تقول لك: «أنا أريد».. السيارة، يعني هي قالت لك: «فلان اشترى لفلانة سيارة»، فهذه تسمى بوادر نشوز، أو أنواع أخرى من بوادر النشوز. فور أن يلاحظها الرجل: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.

باسم الجمل: أي لا تنتظر.

محمد هداية: لا تنتظر النشوز.

باسم الجمل: لا تنتظر النشوز، صحيح.

محمد هداية: وسأؤكد لك عليها، انظر ماذا ستفعل العائلة أيضا: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.. لا تأخذ الوسادة وتذهب لتنام في غرفة المعيشة!

باسم الجمل: صحيح، صحيح.

محمد هداية: اهجرها في المضجع.

باسم الجمل: في المضجع نفسه.

محمد هداية: أتدرك لماذا يا دكتور؟ كي تقول هي: «لماذا توليني ظهرك؟»، فيقول لها: «ألا يكفي ما قلته؟»، فتقول: «يا رجل، هل قلت شيئا؟!».. وهكذا وهكذا. انتهينا من هذا، المصيبة في الآتي، وما قيل فيه في التراث!

باسم الجمل: التراث.

محمد هداية: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.. هل يُتصوَّر أن المرأة التي وعظتها وهجرتها في المضجع، حين أضربها الضرب المألوف ستستمع إلى كلامي؟!

باسم الجمل: يعني إن لم تستمع للوعظ..

محمد هداية: ولا الهجر في المضجع—الذي له أسباب في علم النفس لا تعد ولا تحصى، ويمكنني أن أشرحها لحضرتك وحضرتك أعلم مني بها، —أينفع بعد كل هذا أن أقول: «اضربها»؟ الضرب المعروف؟! لو يعرفون كلمة الواو التي علمها لهم سيبويه على أنها واو عطف.. الواو عندهم واو عطف، لكن هذه الواو فاصلة! ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ يعني افعل هذه وهذه وأنت محتوٍ لها. الضرب هنا.. كلمة الضرب في القرآن لها أكثر من 17 مرادفا: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾.. ما الضرب هنا؟ ستر وتغطية! الضرب في هذه الآية هو الاحتواء الواجب على الزوج، يعني وأنا أعظها فأنا حبيبها ولست مجرد زوجها، وأنا أهجرها في المضجع فأنا لا أستطيع الابتعاد عنها لأنني حمايتها وسندها. و.. و.. و! ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ إذن، اضربها يعني ماذا؟ وأنت تفعل ذلك ما قيمة الضرب هنا؟ ألا تخرج لتشتكي لوالدها أو لوالدتها أو غيرهما.. لتبقى كما تفضلت حضرتك في البداية وقلت: «يا ليت الخلاف يحل أين؟ هنا.. يا ليت هذا الخلاف يظل في إطار البيت.. الزوج والزوجة»، لأن الدور سيأتي بعد ذلك للغرباء..

الخلاف يبقى في إطار البيت: دور الحَكَم من الأهل

باسم الجمل: لماذا يقول البعض إن الضرب هنا يعني الابتعاد؟

محمد هداية: قد يكون ذلك؛ أنا شخصيا—انظر يا دكتور—في لازم المراد، لا تعترض على شيء؛ لكن الابتعاد ذكر فيه الهجر في المضجع، فكيف يكون الابتعاد إذن؟ أأبتعد في البيت؟ حسنا، لا.

باسم الجمل: هي مثلا كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾.. محمد هداية: الضرب له أكثر من مراد. أنا أقول لحضرتك: الدكتور باسم قد يختار معنى للضرب وهو الابتعاد، حسنا، لكنه لن يختلف معي كثيرا؛ وأنا أقول: «احتوها»، لأن المعنيين يؤديان إلى النتيجة ذاتها.. ابتعد حتى تهدأ الأمور، فمن الممكن جدا أن يكون المراد هكذا.

محمد هداية: لا بد أن يكون المراد واسعا في ماذا؟ وممتازا جدا في العربية أو في لسان القرآن في ماذا؟ فهذه تحل الأمر وتلك تحله؛ فإن قلت أنا «الاحتواء»، قد يكون رأي الدكتور باسم «الابتعاد» ويقول: «لكن والله فكرة الدكتور محمد حسنة أيضا»، وأنا أقول: «أنا قلت الاحتواء، ولكن والله فكرة الدكتور باسم حسنة أيضا في بعض الحالات».. أي أريد أن أقول: إن المراد لا يجب أن يقف عند معنى واحد.

باسم الجمل: هذا واضح.

محمد هداية: لأننا ما دمنا متفقين على أن هذا سيكون المعنى المراد؛ فهو ليس المراد بمفهوم الضرب الذي هو لكمة بالقبضة في عينها، أو بالعصا وغير ذلك!

باسم الجمل: الضرب يجب أن يكون متبوعا بآلة مثلا.. «ضربت بكذا»، «ضربته بكذا».. ما دام الأمر هنا متروكًا دون ذكر آلة.

محمد هداية: يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.. هو أساسا، العلاقة قائمة على ماذا؟ على أن الرجل سند للمرأة وأن الرجل قيم عليها. أتدرك حضرتك قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ما معناه؟ أنا آسف في هذا اللفظ؛ والله تعني: خادمون، قائم على أمرها! وهو صحيح فعلا: قائم بأمرها، فهو السند والظهر. وحضرتك تذكر في علم النفس حين كنا ندرس يا دكتور، يقول لك: المرأة حين تُعَرَّض لخطر تحتَمي بزوجها لا بوالدها!

باسم الجمل: إن هذه الدلالة الوظيفية هي دلالة نتيجة الفعل العام الذي يقوم به الرجل.

محمد هداية: نعم.

باسم الجمل: هو يخدمها في النهاية، صحيح.

محمد هداية: في النهاية هو خادم لها، وعلى فكرة هذا شرف للرجل وللمرأة! الذي يقول إن الإسلام أهان المرأة.. عجبا يا رجل! كلمة ﴿قَوَّامُونَ﴾ أنا أقول لك: تعني خادمون، كيف ذلك؟ ثم كيف يؤدي هذه الخدمة؟ الرجل يؤدي نقطة القوامة هذه وهو في قمة السعادة، لأن هذه أسرته التي منها أبناؤه.

باسم الجمل: يحميها ويخدمها.

محمد هداية: نعم، زوجته التي منها أولاده؛ يحميها ويخدمها ويقوم على أمرها، وهذا شرف للرجل، وشرف للرجولة في حد ذاتها، شرف لكلمة «رجل» بحد ذاتها!

كيف استبدل الفقه التربُّصَ القرآني بلفظة الطلاق؟

باسم الجمل: كيف استبدل الفقه أو التيار الوعظي «إمساك بمعروف» أو التربص الأول والتربص الثاني بـ «أنت طالق، طالق، طالق»؟ كيف ذلك؟

محمد هداية: ليس فقط «كيف» يا دكتور؟ سأسأل سؤالا—عذرا، وسيكون السؤال الثاني بعد سؤال حضرتك بالطبع—ولكني سأسأل سؤالا وأعتذر عنه: هل نجح هذا الأمر أم لم ينجح؟

باسم الجمل: لم ينجح.

محمد هداية: بنسبة كم؟..

باسم الجمل: الكل.. بنسبة مئة بالمئة!

محمد هداية: سأقول لحضرتك كيف.. المسلمون في العصور الحديثة للأسف—والتي بدأنا فيها الدعوة وحضرتك منا ومعنا، وبدأنا جميعنا نجاهد في سبيل الله من هذا المنطلق—جميعهم يا دكتور يحبون الروايات والقصص، للأسف الشديد! تعال مثلا وقل في الإعلان عن محاضرة يا دكتور: «الدكتور فلان سيروي لكم قصصا من وحي كذا»، وانظر كم سيكون عدد الحضور! وتعال وقل: «الدكتور باسم الجمل يستضيف الدكتور محمد وسيتحدثان إليكم في النحو والصرف».. لن تجد أحدا يأتي! تأكد أنه لن يأتي أحد يا دكتور! بل إن أوائل الثانوية العامة يقول لك أحدهم: «كم درجة خصصت للنحو؟» لأنه يفكر.. يا رجل، أنت الأول على الدفعة يا أخي! ذاكر درجات النحو الثماني هذه، فهذا النحو هو الذي سينفعك في حياتك المستقبلية كلها!

باسم الجمل: السؤال الذي كنت أستغربه.. لا يستطيع أحد أن يقول: «أنا لم أقرأ القرآن»، ولا يستطيع قاض شرعي أو يعمل في المحكمة الشرعية—خاصة المحكمة الشرعية التي تتخصص في الطلاق والزواج—أن يدعي قائلًا: «أنا لم أقرأ القرآن»! لا يستطيع ذلك.

محمد هداية: كيف ذلك؟! صحيح.

باسم الجمل: كيف يجيز لنفسه أن يقر طلاقا ويشرع طلاقا بالطريقة التي تعتمد على لفظتين أو لفظة واحدة؟ كيف ذلك؟

محمد هداية: يعتمدون على التراث! والله يا دكتور.. ثم إن القرآن يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ وهم يستميتون على أنها ثلاث مرات!

باسم الجمل: ثلاث مرات.

محمد هداية: يا جماعة، كيف هذا؟!

باسم الجمل: ولا يلتفتون للتربص في سبعة أشهر.

محمد هداية: لا يحدث هذا يا دكتور.

باسم الجمل: ليس مجرد.. والله أنا..

محمد هداية: هل سمعت بذلك سابقا من أي شخص يتحدث في التراث؟! إطلاقا! بل إنهم حتى الإيلاء لم يجعلوا منه مقدمة للطلاق أو لفت نظر من الله تبارك وتعالى للرجل أو للزوج كي يحذر: «إياك والطلاق، إياك أن تنطق بهذه اللفظة!»

باسم الجمل: نعم، وآية: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أيضا.

محمد هداية: وما زلنا سنتحدث عن الطلاق من «بيوتهن».

باسم الجمل: أي إنه اعتبر بيت الزوجية بيتها هي.

محمد هداية: بيتها يا دكتور! الإسلام يشرف أي معتنق له؛ لأن فيه الرجولة وفيه الأنوثة.

باسم الجمل: وفيه التسليم بالحقوق.

محمد هداية: والتسليم بكلام الله.

باسم الجمل: وفيه سلامة الحياة للناس.

محمد هداية: ما الذي يفعله الرجل يا دكتور؟ الناس الذين هم فعلا تلاميذنا وأبناؤنا، ماذا يفعل الشاب منهم حين تشتد المشاجرة على طريقة التراث؟—وأعتذر عن هذا التشبيه—يدع البيت ويمشي، يخرج هو! والله تأتيني اتصالات هاتفية وحكايات، ويلجؤون إلينا كثيرا للصلح بين الناس، وهذا شرف لنا، ولكن يعجبني جدا حين يحكي لي الشاب فيقول: «اضطررت للخروج يا دكتور»، فأقول له: «أحسنت! ولكن هل اطمأننت عليهم؟»، فيقول لي: «نعم، كان عندهم طعام العشاء وكنت قد أتيت لهم باحتياجاتهم، وحدث كذا وكذا».. هذه هي الفطرة السليمة لدى المسلم الواعي؛ أن يعلم الرجل أن هذا بيت المرأة، وأن يعلم أنها لا تخرج، فقد تعلم من دينه أن عبارة «مِنْ بُيُوتِهِنَّ» الغرض منها بيان أن هذا بيتها هي، مع أنك أنت من أثثته وأنت من جهزته، ولكن الأمر هكذا.

باسم الجمل: وهذا يعطيك دليلا أيضا على الحق الطبيعي الذي تكتسبه المرأة عند الزواج.

محمد هداية: عند الزواج.. ولا تكتسبه من أي علاقة غير شرعية مثلا..

باسم الجمل: في تملك البيت، صحيح صحيح.

محمد هداية: للأسف.. إنما الإسلام فيه شرف كبير لمعتنقه.

باسم الجمل: فلماذا لا تعمل المحاكم الشرعية بهذا الموضوع إذن؟ لماذا؟ لست أفهم!

الحَكَم من الأهل: إجراء الشقاق قبل وقوعه

محمد هداية: سأجيبك، ولكن دعني أذكر لك النقطة الثانية العظيمة—وكل ما في القرآن عظيم؛ كان الحديث هنا موجها للرجل: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾.

باسم الجمل: وماذا عن المرأة؟

محمد هداية: سيتحدث الآن للأسرتين في الآية التي تليها مباشرة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾؛ أي إن العائلتين مجتمعتان—وانتبه لكلامي جيدا من فضلك—مجتمعتان: الأب والأب، والأم والأم.. ألا تلاحظون أن الشاب والفتاة متغيران؟ انظر إلى التعبير القرآني؛ قال ماذا يا دكتور؟ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، أي إنه لم يقع بعد! تذكر النشوز، وأنا أقول لم يقع بعد: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، وهنا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. إذن قال هنا قبل أن يقع النشوز، وقال هناك قبل أن يقع الشقاق. ولكن كما تفضلت حضرتك ونحن نتناقش قبل الحلقة: الحكم حكم، مشتق من الحكمة، وليس أي شخص يذهب!

باسم الجمل: صحيح، ليس أي شخص.

محمد هداية: على فكرة يا دكتور، لاحظت في بعض الأمور—للأسف الشديد—أن أحد الذاهبين هؤلاء ذهب ليخرب! لا يريد للحكاية أن تتم، أو لا يريد لها أن تكتمل، وبعد ذلك يقولون لك: «هو في الأصل لا يحب زوجها منذ البداية»! لماذا أرسلتموه إذن؟! لا بد أن تكون العائلتان ناصحتين أيضا؛ ﴿فَابْعَثُوا﴾ ماذا؟ حكما! رجلا حكيما؛ بمعنى: افترض أن والدها عصبي وينفعل لأقل سبب، فهذا لا يذهب، بل يذهب خالها أو عمها.. شخص حكيم، لأنني أريد الإصلاح؛ فالقرآن في مسألة الطلاق يركز على الإصلاح أولا وعلى العودة للحياة الزوجية الطبيعية، فيقول: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾.

باسم الجمل: حكما.

محمد هداية: بسرعة، أي: حكما من أهله وحكما من أهلها.

باسم الجمل: كي لا يقع الشقاق.

محمد هداية: وبالتالي لا يقع الطلاق، صحيح؛ فالغاية واضحة.

باسم الجمل: ولكن هناك آية تقول أيضا: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾.

محمد هداية: هنا تحديدًا ما أريد قوله للنساء وللرجال؛ هذه الآية تحمل الرجل عبئا بشرف آخر.

باسم الجمل: ألا ينشز هو أيضا.

محمد هداية: لا، انظر حين تخاف من بعلها.. وكما قلت حضرتك: ما دام قال «بعلها»، إذن فهناك أمر ما.

باسم الجمل: حدث ووقع، صحيح.

محمد هداية: انظر ماذا يقول..

باسم الجمل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾.

محمد هداية: ﴿مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا﴾.. الله! ما هذا؟! هي ستذهب لتشتكيه إليه! ما هذه الثقة؟! ما هذا الحمل الذي على الرجل يا دكتور؟! لا أعلم هل توافقني أم لا؟

باسم الجمل: بل أنا متفق معك؛ أنا أفكر في الإمكانيات التي وفرها النص لتلافي الطلاق ولتلافي دخول غريب.

محمد هداية: يعني انتبه يا دكتور—سَامِحْنِي—في البداية الخالصة، خاطب الرجل وكانت الحكاية مقصورة عليه وعلى زوجته، فقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، أي: تصرف أنت ولا تدخل أحدا. فإن خرجت عن قدرتك وذهبت إلى الأسرتين فتأتي بحكمين؛ ولكن هنا قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. انظر إلى العظمة في النص القرآني في حق الرجل، وفي تحريك الرجولة فيه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا﴾؛ أي إنها لن تخاطبه بصفته الزوج، هذا بعل.. لكنه رجل بمعنى الكلمة! تخيل أن أقول: «يا دكتور باسم، أنا عاتب عليك»، وأنا سأشتكيك للدكتور باسم، فماذا سيفعل الدكتور باسم؟ سيبتسم..

سيضحك، اشتكيني، ستشتكيني لي، ويقول لي: «يا رجل، كنت أمازحك ولم تفهم المقصد!». إذن القرآن يريد أن يصل بك إلى مرحلة أن بيت الزوجية هذا، أو بيت الأسرة هذا..

باسم الجمل: ليس من السهل هدمه.

محمد هداية: إطلاقا! وألا تخرج الأمور خارجًا.

باسم الجمل: بينما عند الفقه، تذهب عند القاضي تريد أن تطلق، يقول: طلق. ويفرض الطلاق.

محمد هداية: يا رجل، يذهبون إلى المأذون فيقول لهم: «لا تتكلم!»، ما معنى «لا تتكلم»؟! لا تعظنا، نحن لن نتراجع، نحن جئنا لنتطلق! انظر ماذا يضع القرآن يا دكتور.

باسم الجمل: القرآن يضع حواجز.

محمد هداية: كم حاجزًا وضع يا دكتور؟! بالله عليك! لدرجة أن المرأة إن خافت—وكان المنطق أن أسمع: إن خافت من بعلها، نشوزا أو إعراضا—تشتكي لوالده؟ تشتكي لأمها؟ لوالدها هي؟ تخيل! ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بينهما صلحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. ولكن الجميل في الأمر: أنت أيها الرجل، الزوجة ستشتكيك إليك أنت! أي دين هذا؟! أعظم من أي تراث أسمع عنه، ويُفضِّلون عليه التراث برمته!

الطلاق الشفوي وتدمير مؤسسة الأسرة

باسم الجمل: والكل يرى الآثار المدمرة الناتجة عن الاستهتار في العلاقة بين الزوجين اللذين خُلقا من نفس واحدة، بقبول لفظة تخرج عن غضب أو غباء كقوله: «أنت طالق!».

محمد هداية: ويسألك أحدهم: «هل يصح أن أسأل هذا السؤال يا دكتور: هل يقع الطلاق الشفهي؟».. يا أخي، عيب عليك! أين الطلاق الشفهي هنا يا دكتور؟! أين الطلاق أساسًا في هذه المنظومة؟ إنه أمر متأخر جدًا، وقد يقع، لكن بعد كم؟.

باسم الجمل: مؤسسات التدين العريقة الموجودة في معظم الدول الإسلامية أو العربية والإسلامية، ماذا تُدرّس إذن؟ إذا كانت هذه النصوص—التي تمس الحياة اليومية للمجتمع—لا تُدرّس ولا تُفعّل مجتمعيًّا، والاستجابة لها مجتمعيًا ضعيفة جدًا صفرًا.

محمد هداية: المقصود هو النص القرآني.. نعم، أذكر عتابًا وُجّه إليّ بشأن جانب من حلقة قدمتها عن الزواج والطلاق، منذ عهد بعيد يا رجل؛ قالوا لي: «أنت لم تذكر أي حديث».

باسم الجمل: أف!

محمد هداية: والله الذي لا إله غيره!

باسم الجمل: النص موجود، القرآن.

محمد هداية: سأحتاج حديثًا في ماذا فيما قلته لك الآن؟! 

باسم الجمل: والقرآن بين

أتدري ماذا قيل لي؟ وتوقف البرنامج بسبب هذا الكلام! قلت لهم: «يا جماعة، ائتوا بأحد يقول حديثًا لأنني لا أستطيع قول هذا الكلام». تخيل! هل النص القرآني.. إن كان هؤلاء يصدقون—يا دكتور—أن القرآن ناقص والسنة تكمله؟ أفهذه جملة تقال في مجتمع مسلم؟! والمولى عز وجل يقول في القرآن: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، هل هذه تحتاج لشرح؟

باسم الجمل: أكثر من هكذا وضوح ماذا يحتاج الفرد بعد ذلك كي ينضبط الفرد 

محمد هداية: والأسرة والمجتمع يا دكتور؟

انظر، لقد ذكرتَ لفظًا دون أن تنتبه.. حين قلتُ لك: «أين الطلاق؟»، قلتَ لي: «انظر كم حاجزًا وُضع أمامه قبل أن يقع!».

مؤسسات الشريعة بين الواقع والنص: نداء للإصلاح

باسم الجمل: وهذه المؤسسات الضخمة التي تصرف مليارات وتمتلك مليارات—كليات الشريعة، وجامعات الشريعة، وكليات الدين، ومؤسسات الإفتاء—وكل هذه المؤسسات موجودة في كل المجتمعات العربية والإسلامية: بمَ تُفتون وبمَ تُشرّعون غيرهذا؟! غريب! والكل يرى التداعيات السلبية السيئة على المجتمع، والعائلات تدمر، وأساس المجتمع يدمّر نتيجة ذلك!

محمد هداية: نحن في حلقتين أنا وحضرتك، هذه والتي قبلها، لم نوفِّ موضوع الزواج حقه تمامًا، ولم نتناوله بالتفصيل لأن الوقت يداهمنا؛ ولكن كما تفضلتَ الآن وأنا أؤيد رأيك: ماذا تريدون تشريعًا غير هذا الكلام؟! أيتكرم أحدٌ يقول لنا: «كان ينقصكم حديث كذا، ونص كذا»؟!

باسم الجمل: يعني بالعودة إلى ظاهرة ارتفاع نسبة الطلاق في المجتمعات…

محمد هداية: بالتأكيد هي نتيجة عدم تطبيق هذا النص!

باسم الجمل: نتيجتها عائلات تدمّر، وأطفال في الشوارع، وحالات انتحار— كل هذه الأسباب نتيجة أنك سمحت لشخص أو لامرأة قررت أن تخلع زوجها، أو لزوج قرر أن يُطلق زوجته، سواء عن غضب أو عدم رضا، وربما لم تطبخ له طبخة.

محمد هداية: بالضبط، أو لأمر تافه.

باسم الجمل: هذا الاستهتار بقيمة الميثاق الغليظ الذي أوضعه الله بين الناس، وأنت تهدمه وتسمح بهدمه بلفظة أو بلفظتين نتيجة غضب، أو غباء، أو استهتار مطلق!

محمد هداية: نعم.

باسم الجمل: إذن أين قيادة المجتمع وأين إدارة المجتمع عن هذا؟ كيف يُسمح لهذا النمط من العلاقات من إدارة المجتمعات بشكل عام أن يتم، والكل يرى التدمير الواقع على مستوى الأسرة؟!

محمد هداية: أنا مع هذا: كان لا بد من إصدار تشريع يمنع الطلاق الشفهي؛ وأظن أن الحكومة حاولت تقديم مثل هذا المشروع واعترض عليه الأزهر قائلًا إن الطلاق الشفهي يقع! وأنا أقول: الطلاق الشفهي أصلًا ليس له كيان في القرآن؛ فالقرآن بين أيدينا ولا يوجد فيه طلاق شفهي! ثم إنك بالطلاق الشفهي تبادر بهدم الأسر! أنت تبادر بهدم الأسر؛ ولذا لا أعلم.. حتى لو صيغ قانون جديد، أرجو ألا يكون للطلاق الشفهي محلّ فيه.

باسم الجمل: لأنه يتعارض مع النص القرآني.

محمد هداية: قولًا واحدًا! واللهِ واللهِ قولًا واحدًا؛ لأن هذا يُسرّع بوقوع حالات الطلاق بطريقة غريبة، والمجتمع لا ينقصه. نحن نريد أن نثبت يا جماعة أن العلاقة الزوجية قائمة على نص قرآني، ولا تنتهي.

باسم الجمل: هكذا، ورب العالمين يعتبرها آية من آيات الله.

محمد هداية: والله لقد قلتها لحضرتك: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾، فالآية الواحدة ماذا فيها؟!

باسم الجمل: أنت بسماحك بهذا النوع من الطلاق بالاستهتار هدمتَ آية من آيات الله!

محمد هداية: والآية فيها آيات! ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ فالآية الواحدة تتضمن آياتٍ جمّة. الوقت يداهمنا ولا نلحق بالشرح، ولكن فعلا آية الزواج هذه هي التي ينبثق عنها عقد النكاح.

باسم الجمل: والاستهتار بالطلاق—أي الطلاق اللفظي—يهدمها.

محمد هداية: يهدمها! فأين آية الله التي نتحدث عنها؟! ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يكلم الرجل والمرأة، ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾؛ أي يسكن الرجل إلى المرأة وتسكن المرأة إلى الرجل.

باسم الجمل: أي إنك تهدم بلفظة…

محمد هداية: بلفظة شفهية!

باسم الجمل: السكن الذي وضعه الله.

محمد هداية: شفهية، أي: لا شهود، ولا أحد شاهد، ولا أحد حاول الإصلاح، ولا أحد حاول التدخل لمنع الطلاق! لا شيء من ذلك إطلاقا! «اذهبي وأنت طالق!»؛ وعلى فكرة، هذا هو التساؤل للشيوخ: «اذهبي: أنت طالق»، هل يقع أم لا يقع؟! هل هذا كلام يقال بعد كل ما قلناه؟

باسم الجمل: يتزوجون بشهود، لكن الطلاق يتم بدون شهود!

محمد هداية: لا، الأمر هكذا: الشفهي سيكون من غير شهود، بينما الطلاق الشرعي يكون بشهود. لكن ماذا يريدون هم؟ يريدون أن يقع الطلاق الشفهي! وأنا أريد أن أفهمها، أتمنى: ما معنى «الطلاق الشفهي»؟! كيف يكون شفهيا؟! ما معنى شفهي؟! أي انتبه: لا يوجد سوى الاثنين، الرجل والمرأة وحدهما؛ فلا شهود، ولا كلام، ولا سلام، ولا محاولات صلح، ولا أي شخص!

خاتمة: الواقع المُحبِط والدعوة إلى العودة للنص القرآني

باسم الجمل: هذا أمرٌ مُحبِطٌ حقًّا، حالةٌ مُحبِطةٌ بالفعل! فالجميع يرى الخطورة التي تتهدد المجتمعات العربية والإسلامية، وأن العائلة في مهب الريح نتيجة هذا الاستهتار الخاطئ. وللأسف، فإن المحاكم الشرعية ومؤسسات التدين المنتشرة على كثرتها في المجتمعات لا ترى مثل هذه الآيات—التي هي أوضح من عين الشمس—للحفاظ على وحدة المجتمع ووحدة العائلة فيه.

محمد هداية: وبالتالي الحفاظ على البلد بأكمله.

باسم الجمل: والمجتمع ككل. دكتور، شكرًا لك؛ كالعادة، الحديث معك جميل والله، ومُثير يثير العديد من الأسئلة. إن شاء الله تكون لنا لقاءاتٌ أخرى. دكتور، شكرًا لك. إلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج «مجتمع».

Leave a comment