Skip to content Skip to footer

نبوة موسى وخطابه مع فرعون | د. يوسف أبو عوّاد

المرحلة الثالثة من نبوة موسى عليه السلام

مقدمة الحوار وبداية مرحلة النبوة

(0:02) باسم الجمل: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج «مفاهيم»، وكالعادة نلتقي بالدكتور يوسف أبو عواد. أهلاً بك دكتور، تحياتي لك. في الحلقة السابقة كنا نتحدث عن التحقيب الزمني للقصص القرآني، ووصلنا عند المرحلة الثانية للنبي موسى عليه السلام؛ واليوم نريد أن نباشر في المرحلة الثالثة التي بدأت تتشكل فيها نبوة النبي موسى عليه السلام.

(0:45) يوسف أبو عواد: أهلاً بك دكتور، وبالسادة المشاهدين والمشاهدات. حقيقةً، الرسالة التي جاءت إلى نبي الله موسى جاءت بعد مرحلة مَدين؛ فنحن نشاهد في النص القرآني قبل مَدين قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ}، ولكن هذا لم يكن هو النبوة. لما حصلت حادثة القتل المذكورة في سياق سورة القصص، توجه موسى تِلقاء مَدين، والقصة معروفة، ولا أريد التفصيل في أشياء معروفة. وبعد ذلك قال الرجل «الشيخ الكبير»: {إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖ}، فتزوج موسى عليه السلام ابنة هذا الشيخ الكبير الذي يغلب الظن أنه «شعيب»، لكننا لا نستطيع الجزم بذلك على كل حال.

الجدل حول هوية «شيخ مدين» وعلاقتها بالنبي شعيب

(1:31) باسم الجمل: بينما القصص في الكتب أو في الشروحات التراثية مذكور أنه النبي شعيب، وهناك جزم بذلك.

(1:48) يوسف أبو عواد: نعم، البعض يجزم بذلك، والبعض الآخر يقول إنه لا علاقة له أصلاً، ويقولون إن «مَدين» هذه غير مَدين التي كان فيها شعيب؛ والسبب في قولهم هذا هو استبعاد أن يكون عهد موسى في عهد مَدين، هكذا قالوا. ولكن القرآن إذا استخدم كلمةً بدون قرينة، فإنه يستخدمها في الأصل لنفس المعنى إلا إذا دل دليل على معنى آخر. فحين يقال «مَدين» في القرآن، ثم تأتي الكلمة نفسها، فمَدين هي مَدين، وإلا لكان جاء بما يدل على خلاف ذلك. وبعد ذلك، في الترتيب القرآني كله، نجد دائماً ذكر مَدين ثم موسى، كما في سورة الأعراف وسورة هود، وفي عدد من سور القرآن.

(2:24) باسم الجمل: أي أن عدد القرائن الموجودة بين مدينة مَدين والنبي موسى متكررة كثيراً في القرآن.

يوسف أبو عواد: نعم، هذا هو الأمر.

 

مشهد الوادي المقدس وتكليم الله لموسى

(2:33) يوسف أبو عواد: {فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ} المتفق عليه، {وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗا}. هنا حصلت حادثة الإرسال، هنا أُرسل موسى، حين آنس من جانب الطور نارًا، {فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ}. فلما أتاها، طبعاً لدينا أكثر من سياق يتحدث في سورة القصص وسورة النمل وسورة طه، وبينها فروقات دقيقة، ولكن لن نخوض فيها الآن؛ لأن هدفنا هو التحقيب والملامح الحضارية، وليس التحليل الدقيق لهذه الآيات.

(3:07) المهم، في هذا السياق أيضاً كلَّم الله موسى تكليمًا، وهذا هو السياق الذي جاءت فيه الآية الكريمة: {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا}، ولكننا قلنا إنه: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٖ}. إذن هناك حجاب، فكيف يكلم الله موسى؟ والله ليس كمثله شيء، إنما المقصود أن الكلام حصل لموسى من وراء حجاب بطريقةٍ ما، والموضوع حقيقةً لا يمكن أن نصفه وصفًا دقيقًا حتى هذه اللحظة. في هذا السياق قيل: {فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ}، هذه كلها كلمات تصف، صحيح أنها تصف مكانًا، ولكن لا تحدده تحديدًا دقيقًا.

دلالات «البقعة المباركة من الشجرة» والوادي المقدس

(4:00) باسم الجمل: ما المقصود بـ«البقعة المقدسة من الشجرة»؟

(4:06) يوسف أبو عواد: نعم، لدينا شاطئ الوادي الأيمن، والبقعة المباركة، والشجرة. المشكلة هنا أن بعض من أرادوا الحديث عن قضية {وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا} قالوا إن الشجرة هي التي كلمت موسى! هكذا قالوا حتى يهربوا من مشكلة التمثيل أو التشبيه؛ أي: كيف يتكلم الله؟ وهذا يدخل في حيز التشبيه، والله ليس كمثله شيء. فطائفة كبيرة جداً من العلماء السابقين قالوا إن الكلام حصل من الشجرة، واستدلوا بهذه الآية: {نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ}، فقالوا إن الذي تكلم هو الشجرة، أو أن النداء ظهر كأنه جاء من الشجرة.

(4:52) حقيقةً، أنا أقول بكل تواضع إنني لا أستطيع أن أفهم هذه الكلمات أو مداليلها بعمق حتى الآن. ربما يحصل عند البشر من المعارف لاحقاً ما يؤدي إلى فهم المداليل العميقة لهذا الموضوع. فكلمة «الوادي» معروفة، و«الشجرة» معروفة، و«البقعة المباركة» معروفة، لكن التخصيص والضبط بهذه الطريقة، ما مدلوله؟ إذا ادعيت أنني أعرفه فستكون …

(5:21) باسم الجمل: هل ذلك يوحي بأن «الشجرة» هنا ليست الشجرة بالمعنى المتعارف عليه؟ لأن الوصف: البقعة المباركة من الشجرة، فنحن نصف بقعة أرض، لا يمكن وصف بقعة في شجرة إلا إذا كان المقصود سنتيمترات في جذع الشجرة.

(5:37) يوسف أبو عواد: نعم، وفي آية أخرى: {إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗىۖ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى}، وبعد ذلك جاء الكلام: {وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ۝ إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ۝ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ۝ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ۝ وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ}. إلى آخر هذا الحوار. الوادي المقدس «طوى»، أين هو الوادي المقدس؟ لا أستطيع أن أجزم. أعتقد أنه سيكون لدى البشر لاحقاً من المعارف ما يمكنهم من فهم أسرار هذا الوصف وهذه الكلمات، أنا إلى الآن لا أعرف.

 

التأصيل اللساني والمفاهيم الكونية في النص

(6:28) باسم الجمل: وحتى عند تطبيق قواعد اللسان حول هذه الآية، ألا يمكن الوصول إلى فهم أولي على الأقل لهذه الآيات؟

(6:42) يوسف أبو عواد: الوادي هو مكان الاستقرار، وهو نقطة استقرار. إذا أردت أن أذهب إلى آخر نقطة استقرار في القشرة الأرضية، هي الوديان. هل يعبر عن مكان ما يشعر فيه بالاستقرار؟ والمبارك هو انتشار الشيء وكثرته بما فيه الخير، وهذا أيضاً فيه اتساع. والشجرة فيها معنى التداخل والاشتجار. والبقعة معروف معناها. إنما المحصلة النهائية، أقول إنها يجب أن تُقرن بعلم يتوصل إليه البشر لاحقاً حتى يُفهم لماذا هذا التحديد.

ومنذ هذه اللحظة في القصص القرآني يبدأ لدينا هذا النوع من الغموض، وليس غموضاً في الأصول، فهذه نقطة مهمة جداً؛ تأصيل فهم الرسالة والكتاب واضح، لكن الغموض في الأوصاف. حتى سنأتي لمرحلة داود وسليمان، هناك أمور غامضة جداً لا يستطيع أحد أن يفهمها حق الفهم الذي يرضي الإنسان الذي يحترم ما يقول، يعرف أنه لا يستطيع فهمه فهمًا يرضاه هو حتى بعد ذلك يطرحها للناس. أما التخريف في هذا والهلوسات فكثيرة جداً، فماذا يقال عن نبي الله سليمان وداود في الكتب القديمة أو ما ينشره الناس عبر وسائل التواصل على عواهنه، كلام كثير جداً، لكن ما يتصل منه بالحقيقة، وأين أدلته، وكيف تثبته؟ هذا هو السؤال.

 

تجدد المعرفة بتطور الوعي البشري

(8:22) باسم الجمل: مثل هذا النوع من الآيات، طالما أنه حالياً وفق مستوانا المعرفي صعب فهمها أو استنباط بعض المعارف منها، فما بالك في القرون الأولى؟ فما سبقها من قرون.

(8:40) يوسف أبو عواد: هذا حقيقةً استنباط جميل. ليس من العجيب أنه كلما تقدم الناس فهموا ما لم يفهمه من قبلهم، وهذا ليس إشكالاً أصلاً. حياة الناس تتعقد، يعني العالمية؛ العولمة مثلاً، هل كانت موجودة أصلاً؟ أعتقد أن سؤال عالمية النص لم يطرح سابقاً؛ لأنه لم يكن هناك عولمة حقيقية في العالم، وكان من السهل جداً للإنسان أن يعيش في بيئة منسجمة دون تساؤل.

(9:06) باسم الجمل: اطلاع المجتمعات السابقة على بعضها البعض كان ضعيفاً.

(9:11) يوسف أبو عواد: جداً. فلم يطرح سؤال عالمية النص بمعناه الحقيقي، ولذلك أعتقد لم يكن هناك عبء على من يدرس النص القرآني أن يقدمه بطريقة صالحة للعالم. معطيات العصر قطعاً تجعلنا نعيد النظر، وإلا لماذا القرآن عابر للزمان والمكان؟

(9:29) باسم الجمل: هل من المقبول أن نأتي لآية ونقول إننا لا نفهمها الآن؟

(9:34) يوسف أبو عواد: جداً، دكتور. أنا عندي من المقبول أن نقول إننا لا نفهم 99% من القرآن، عادي (يحذف). لماذا؟ لأن القرآن كتاب رقي وتطوير للحياة يتساوق مع ما يصل إليه البشر من تطور، وليس كتاب جنة ونار فقط. صحيح أن الجنة والنار والثواب والعقاب موجود، ولكنه صغير وواضح، ولذلك كنا قد سبقنا على كل هذا الكلام وكل ما سيأتي لاحقا  بالوصايا العشر.

باسم الجمل: صح، صح.

يوسف أبو عواد: وبما جاء في الكتاب، وبمفهوم الدين والإسلام والإيمان؛ لأن ما سنخوض فيه لا نريد أن يؤثر على الأصل الكبير الذي توصلنا إليه وفهمناه، خلاص انتهى. هذا كما قلنا.

 

(10:24) يوسف أبو عواد: الكون الآن، هل هناك عالم فيزياء، أكبر علماء الفيزياء، يدعي أنه فهم الكون؟

(10:30) باسم الجمل:  بالتأكيد لا، بل كلما زاد علم الناس شعروا بالجهل أكثر، أو بضرورة طلب المعارف أكثر.

(10:39) يوسف أبو عواد: ربما أصول فهم الكون لا تتغير تغيراً جذرياً، بل يُعدل عليها. كل عالم فيزياء أو زمن من أزمنة الفيزياء يأتي يعدل على الفهم السابق بعض التعديلات ويضيف، فكذلك القرآن مثل الكون؛ لماذا أدعي أنني فهمته كله؟ {وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ}، هذا أحد مدلولات هذه العبارة.

نقد حصر الفهم في التراث القديم

(11:06) باسم الجمل: وهذا السؤال يوجه، يعني لا أريد أن نخصص لأهل التراث، للتراث بشكل عام، للتراث الفقهي بشكل عام، الذي يدعي أنه في حقبة زمنية محددة، من عاش في تلك الحقبة فهم القرآن حق فهمه، وبالتالي علينا أن نأخذ ما فهموه.

(10:55) يوسف أبو عواد: صحيح، هذه إشكالية كبرى، وهي تقضي على فكرة أن القرآن عابر للزمان والمكان. فإذا قلت إن النص فُهم وانتهى في عصر معين، فكيف يكون صالحاً لكل زمان ومكان؟ معنى صلاحيته أنه يمكن مواءمته مع كل زمان ومكان بما يتناسب مع الزمان والمكان

(11:47) باسم الجمل: بما يتناسب مع المعارف الراهنة.

(11:51) يوسف أبو عواد: طبعاً، هي قضية، حتى دكتور نحن قلنا: الوعي بربانية النص القرآني ليست قضية تحدث فجأة، بل هو يعرض لك الدين، وعندما يعرض الإسلام للعالم يقول له: الآن يجب أن تصدق أن القرآن كلام الله، هذا وعي يُصنع عند المتلقي وليس إجباراً. يحتاج المتلقي أن يدرس النص ويرى ملامح توافقه مع الفطرة ومع الكون الذي خلقه الخالق، وشيئاً فشيئاً يتكون لديه الوعي بربانية هذا النص.

(12:30) باسم الجمل: فالفكرة إذن أن الأمر ليس مرهوناً بقولك: «نعم، صدقت أنه كلام الله»، يجب أن تبحث…

(12:35) يوسف أبو عواد: والله يا دكتور، هذه قضية محورية جداً. حين أعرض للناس الإسلام، وأعرضه: عليك أن تصدقها. إذن كيف سأصدقها؟ على أي أساس؟ أم أعرضه كأفكار تصلح حياة البشر؟ ثم الوعي، مثلا الوعي بأن محمداً عليه السلام رسول الله هو رحلة؛ لا أستطيع أن أقول لأحد: «تعال، يجب أن تصدق أن محمداً رسول الله، فإذا صدقت دخلت الإسلام». هذه طريقة غير منطقية في عرض الإسلام. يجب أن يدرس من هو محمد، وما سيرته، وماذا قال عنه الناس، وماذا فعل، وما الذي قاله.

(13:13) باسم الجمل: حتى يشهد أنه رسول الله.

(13:16) يوسف أبو عواد: نعم، هذه هي الفكرة. حتى كلمة «يشهد» في النص لم تَرِد كشهادة مجردة، بل هي وعي يصل إلى مرحلة من الوعي بأنه رسول الله.

(13:24) باسم الجمل: كيف يدعي الفرد أنه يصدق أن القرآن كلام الله دون أن يكلف نفسه ولو دقيقة لقراءة هذا النص والتأكد من مصداقيته وفق الواقع الموجود؟

(13:40) يوسف أبو عواد: المنطق غائب هنا يا دكتور. العقل التقليدي يغيب فيه المنطق، وتؤجر فيه عقول لعقل آخر، بمعنى أنه يريد عقولاً تابعة لا عقولاً تفكر وتعيد التفكير، هو يبحث عن أتباع فقط، قلت لك كذا فافعل. هذه هي طريقة الطرح، ليست رحلة وعي، بل بالعكس هو يقول لك: إياك أن تدخل في هذا البحث والوعي، ولو متَّ هكذا ستذهب إلى النار.

(14:07) باسم الجمل: هناك تحذير من استخدام العقل في فهم النص.

(14:12) يوسف أبو عواد: مع أن النص دائماً يقول لك: فكر، {قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟}. هو يرشدك أن تختبره. وكل المعالم الحضارية التي ذكرناها أصلاً هي نوع من العرض للبشر، أن هذه الملامح التي تشير إلى القصص بمرحلة كذا وكذا وكذا، الآن أنا أعطيتك ملامح ابحث أنت عنها، ابحث عما يساوق بين النص وبين الواقع، فإذا وجدته فهذا هو. أنا حقيقةً هكذا أتعامل، وهذه هي وجهة نظري التي يجب أن يعرض فيها القرآن.

الإسلام كمنظومة سلوك اجتماعي

(14:45) يوسف أبو عواد: أما الإسلام فهو أمر أهون بكثير؛ إذا عرضت الإسلام للعالم على أنه دين يسلم فيه الناس من شر بعضهم بعضا، فهل هناك مشكلة في هذا؟

(14:58) باسم الجمل: هناك حديث عن الرسول الكريم يقول ذلك.

(15:02) يوسف أبو عواد: أي نعم، قضية. لاحظ، لا يعرض على أنه تصديق وتكذيب، هو ليس اختبار تصديق وتكذيب، بل هو اختبار سلوك.

باسم الجمل: سلوك، صح صح.

يوسف أبو عواد: وأخلاق. فرق مهول؛ لأن موضوع التصديق يحتاج إلى رحلة وعي.

(15:15) باسم الجمل: وحتى ممارسة السلمية مع الناس يجب أن تخضع ذلك لقراءة ميدانية وسلوكية في كيف تكون مسالماً وكيف يكون الآخر مسالماً معك، وهذا يتطلب من الفرد في أي مجتمع أن يعرف حقه ويعرف حقوق الآخرين حتى لا يتعدى على حقوق الآخرين، وبالتالي الآخرون لا يتعدون على حقوقه.

(15:39) يوسف أبو عواد: ممتاز، هل هذا بحث اجتماعي إنساني أو بحث تصديقي تكذيبي؟

(15:44) باسم الجمل: هذا اجتماعي ميداني.

(15:45) يوسف أبو عواد: تماماً، هكذا الواقع والمنطق. أما القرآن فهو رحلة تعرف مثله مثل الكون، هذا هو المنطق، لا توجد لحظة مفاجئة تقول فيها: «الآن صدقت بالقرآن أو ما صدقت»، بل هي قضية نسبية تزيد وتنقص وتتضح وتغمض أحياناً؛ لأنني أبحث، لماذا؟ لأنه مطلوب مني في هذه الحياة أن أبحث وأن أستمر بالبحث.

التعريف بالله في القرآن مقابل كتب العقيدة

(16:11) باسم الجمل: يعني عندما تطلب من فرد أن يشهد أنه لا إله إلا الله، هل مجرد القول: أشهد، يجعله شاهداً أن الله واحد؟

(16:18) يوسف أبو عواد: شهادة أن لا إله إلا الله ممكنة لكل إنسان؛ لأن مظاهر الله سبحانه وتعالى موجودة في كل مكان. طريقة القرآن في التعريف بالله مختلفة كلياً عن طريقة كتب العقيدة التراثية.

باسم الجمل: بالتأكيد، صح.

يوسف أبو عواد: كتب العقيدة كيف تعرف الله؟ تبدأ بعدّ الصفات، وتقول: هناك سبع صفات أو عشرون صفة، لا أريد أن أسمي فرقًا.

(16:44) باسم الجمل: وهي صفات تجسيدية، وغالبيتها صفات تجسيدية.

يوسف أبو عواد: ويدخلون في جدل: هل نثبتها كما هي أم نؤولها؟ هكذا يعرفون الله. لاحظ، القرآن ليس كذلك أبداً، القرآن يُعرف الله بخلقه، أي بالمخلوقات. دائماً يلفتك إلى الشمس والقمر والنجوم والأرض والنبات. إذن، لفت الناس إلى الله باعتباره المنظم لكل هذا، فما معنى أنه إله؟ إذا كان هناك صانع لكل هذا وجعل منظومة متحدة، فهذه هي الوحدانية؛ الوحدانية في الخلق. والآن، «الإله» هو المتبوع، فهل يصح أن أتبع أحداً أو تعليمات أحد أو قوانين أو سنن أحد غير الذي وضع نفس هذه المخلوقات؟ هذه فكرة «لا إله إلا الله».

باسم الجمل: بالتأكيد لا، كلامك سليم، صح.

يوسف أبو عواد: حين أطرح «لا إله إلا الله» للعالم، أطرحها بأن الله هو من خلق، والإله هو من يُتبع، فما رأيكم؟ هل نتبع من خلق فنبحث عن الشيء كما خُلق، أم نتبع المخلوقات التي تدخل وسطاء في الوسط؟ إذا عُرف الله، يقال لهم بعد ذلك: «أسلم لله»، بمعنى كُفَّ الشر لأجل الله وإلى الله، بمعنى ليس له حد؛ لا تقف في كف الشر عند عرقك وطائفتك ودولتك وقبيلتك…

باسم الجمل: وقوميتك، ووطنيتك، ودولتك، وقبيلتك، وعشيرتك، يعني.

يوسف أبو عواد: ومنح الأمن، كما قال أيضاً شعيب لقومه، يكون لكل من خلق الله. هذا هو الإيمان بالله، والوسيلة التي يُمنح بها الأمن والأساس الفلسفي هو الله، وليس عرقاً ولا طائفة ولا قبيلة ولا قانوناً قد يغيب في لحظة.

هذا الإسلام بالله والإيمان بالله يطرح على أنه قضية اجتماعية إنسانية، ثم بعدُ، الوعي بالقرآن وبأن محمداً عليه السلام رسول الله وسائر الرسل، بتفاصيل القصص، هي رحلة بحث لا تنتهي لا في حياة الإنسان الفرد ولا بحياة المجتمعات، {وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ}. هذا مختصر طريقة الطرح التي نطرحها.

باسم الجمل: لا أعلم كيف أهل التراث أقنعوا أنفسهم أن من تحدث بتفاسير القرآن سابقاً خلاص اكتمل العلم، وبالتالي ما علينا إلا أن نأخذ ما يقولونه.

(19:07) يوسف أبو عواد: هي فكرة: {إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ}. هذه كارثة. هذه الكارثة موجودة منذ عهد نوح وإلى ما بعده، هذه الكارثة والموضوع فيها واضح، الاحتجاج بالآباء السابقين ليس دليلاً أبداً ولا يُبنى عليه شيء، ولكن طبعاً أُسس على قضايا: الجيل الأول مثلاً كلهم عدول ثقات. وهذا غير صحيح.

باسم الجمل: طبعًا هذا الحديث جاء استرسالًا من آية: «البقعة المباركة من الشجرة»

(19:49) يوسف أبو عواد: يعني الكلمات واضحة، لكن المعنى الكلي ليس واضحًا بالكامل، ولماذا؟ يعني هذا الوصف بهذه الدقة، حقيقةً.

معجزات موسى عليه السلام ومفهوم «الآية»

(20:00) يوسف أبو عواد: نعود لموسى، فقد أُعطي الآيتين الكبريين، وفصلنا سابقاً بين الآيات المفصلات والآيات البينات. الآيات البينات التسع هي الوصايا.

 

(20:10) باسم الجمل: هي الوصايا التي أُعطيت لموسى.

(20:12) يوسف أبو عواد: نعم، هذه أُعطيت للنبي موسى. أما الآيات «المفصلات» فهي ما يخرق العادة، أو ما كان من كوارث حصلت للقوم. يعني، لاحظ: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ}، هذا في خطاب الله لموسى، وهذا الخطاب لا بد أن نفهم أنه من وراء حجاب، بمعنى أنه ليس كلامًا لله؛ لأن الله ليس كمثله شيء، فالحجاب يغير الشيء من مشهد إلى مشهد آخر يمكن للبشر أن يسمعه ويفهمه. يعني، الحجاب لما تضعه على شيء، مثل الفلتر، يغير اللون، يغير الشكل، صح، حتى يصبح قابلاً للتلقي من قبل البشر. {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرٗا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلْـَٔامِنِينَ ۝ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍۢ}.

(21:04) يوسف أبو عواد: الآيتان هما: تحول العصا إلى حية تسعى، وهنا لفتة غريبة؛ فالناس يسمون الثعبان «حية».

باسم الجمل: نعم، صحيح.

يوسف أبو عواد: وهذا خطأ وانحراف لغوي، بل المقصود: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ}، أي فيها صفة الحياة.

باسم الجمل: فيها صفة الحياة وتتحرك.

يوسف أبو عواد: فالثعبان حي، والنمر حي…

باسم الجمل: وكلنا أحياء، صح.

يوسف أبو عواد: والهدف المقارنة بحالها الأصلي؛ أنها عصا، فإذا هي حيةٌ تسعى. وفكرة: {ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ}، و{وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ}، و{وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ}؛ ثلاث عبارات: الأولى: أدخل يدك في جيبك، والثانية: واضمم يدك إلى جناحك، والثالثة: واضمم إليك جناحك من الرهب. هذه لما نجمع الآيات، يعني حتى أختصر على المشاهد…

باسم الجمل: ثلاث تعابير مختلفة.

يوسف أبو عواد: أي نعم، فكيف يصبح المشهد؟ إدخال اليد من الجيب؟ الجيب هو فتحة القميص التي تؤدي إلى الصدر، هذه هي منطقة الجيب، فإدخال اليد من الجيب، ثم بعد ذلك اضمم يدك إلى جناحك، الجناح هو منطقة الذراع، واضمم إليك جناحك؛ إذن هي ثلاث خطوات.

باسم الجمل: ثلاث حركات.

يوسف أبو عواد: حتى تحصل الآية التي أُعطيت لموسى عليه السلام.

(22:18) يوسف أبو عواد: وهنا، اسمح لي دكتور أن أنبه إلى نقطة: هذه تسمى في الكتب «معجزات»، وهذه الكلمة غير موجودة في القرآن بهذا المعنى. كلمة «معجزة» بمعنى شيء أعطاه الله للنبي ليعجز المخاطبين. هل لاحظت في قصة نوح معجزة؟ هل أعطاهم معجزات؟

باسم الجمل: لا.

يوسف أبو عواد: وهود لما تكلم مع عاد، أين المعجزة؟ صالح لما تكلم مع ثمود، قال لك: الناقة، القرآن ذكر أن الناقة آية، لكنه ما شرح ما هي الآية، وقال: هذه لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، المعنى قد تكون آية اختبار، وليس آية؛ لأنه لم يظهر فيها شيء مخالفًا للطبيعة. طيب، شعيب هل أُعطي معجزة؟ لما تكلم مع مدين، لا. طيب، إبراهيم أين معجزته؟ لوط أين معجزته؟ انظر كيف، إسحاق أين؟ يعقوب، يوسف.

(23:14) باسم الجمل: صح، لماذا المعجزة أُعطيت؟

(23:19) يوسف أبو عواد: يعني قصة أنها طُرحت في كتب التراث؛ لأن النبي بالأصل يُؤيَّد بمعجزة حتى يكون نبيًا أو رسولًا. لما تتبع القصص النبوية في القرآن لا تجد أنها ظهرت إلا عند موسى وعيسى فقط، وظهرت كآيات، وفيه سبب طبعًا لماذا، لكن أنا أقصد أنه ليس هذا المنهج الأصلي للنبوة. ولذلك لما طُلب من النبي الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام الآيات، يقول لهم: { سبحان ربي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا}، طلبوا منه افعل كذا وكذا، فقل لهم: {إِنَّمَا ٱلْـَٔايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ}. فطبعًا هنا فيه صدمة: كيف يعني أصدق أنه هذا رسول الله؟ هي الفكرة، ما الذي يطرحه؟ الفكرة في المضمون، هو ماذا قال الرسول؟ قال لك: عليك أن تجعل مرجعيتك في فهم الأمور الله، ومرجعياتك في العلاقات الاجتماعية الله. لماذا يحتاج إلى معجزة؟ ما دام الرسول يدعو إلى إنهاء الظلم وتحقيق العدل، لماذا أصلًا يحتاج إلى معجزة حتى يثبت أنه رسول من الله؟ دعوته واضحة أنها لله، لا لنفسه ولا لأجل المال، لذلك كان الرسول يقول: {وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}، واضح لا يريد أجرًا ولا مالًا، يريد إصلاحًا، وكما قال شعيب: {وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ}، {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ}، فكان لا يوجد شيء اسمه معجزات.

 

مواجهة فرعون ودلالة «بني إسرائيل»

(24:52) يوسف أبو عواد: لكن موسى مشكلته أن من سيذهب إليه قد غسل عقول الناس وقال لهم: «أنا ربكم الأعلى».

 

(25:00) باسم الجمل: تقصد فرعون.

(25:05) يوسف أبو عواد: فرعون الذي أُرسل إليه موسى مشكلته أنه يقول لمن حوله: «أنا ربكم الأعلى»، وأنكر فكرة رب العالمين جحودًا، وقال: {أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ ٱلْأَنْهَٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ}. مثل ما حصل مع إبراهيم عليه السلام، طبعًا هو إبراهيم لما ذهب إلى الذي حاجه في ربه، قال إبراهيم: {رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ}، فقال له: أليس أنا أحيي وأميت، أترك هذا المحكوم بالإعدام مثلا سأحييه، وهذا حيّ سأميته، إبراهيم دون معجزة ماذا قال له: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ}، هذا قانون طبيعي واضح، أنت ما دمتَ تدّعي أنك أعلى من الطبيعة فأتِ بها من المغرب، فانقطع الجدال.

باسم الجمل: {فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ}.

يوسف أبو عواد: فأحاله إلى الطبيعة، ولذلك إبراهيم عليه السلام هو أعظم وأول من ربط فهم الله وفهم الدين بالطبيعة، وبعض الناس يقولون: هؤلاء الذين يرجعون إلى الطبيعة ملاحدة، وهذا غير صحيح. يعني إذا أنت بدأت فهم الأمور من الطبيعة فأنت تسير سير الملحدين، لماذا؟ نبي الله إبراهيم هكذا فهم. الطبيعة هي مظاهر الله سبحانه وتعالى، ومنها تُفهم قوانين الله وسننه.

طيب، فإذن فرعون نفس المشكلة. قال لهم: أنا ربكم الأعلى، وأنا لي الملك، وأنا أتحكم كما أشاء. من أين جئتم بفكرة ربٍّ آخر فوقي؟

يعني أنا السلطة بيدي. فاحتاج إلى أن يظهر ضعفه أمام الناس. يعني الآية لم يقدمها موسى كشيء حتمي وإجباري حتى يُصدَّق أنه رسول. لا، هو سبب تقديم الآية: إظهار ضعف فرعون وكذب دعواه أمام الناس، فقط.

لأنه استخف الناس، وقال: لا أحد يتحكم فوق تحكمي. انتهى الموضوع. وهذا سبب تأييد موسى بالآيات.

طيب، ولذلك لما جاء موسى إلى فرعون، قال له: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ}.

هذه أيضًا دعوة للتفكر الشديد. ماذا كان خطاب موسى وهارون إلى فرعون؟ أرسل معنا بني إسرائيل.

طيب، والباقي؟ مثلًا باقي المؤمنين من قوم فرعون، ومن آل فرعون، هل لا علاقة لموسى وهارون بهم؟

باسم الجمل: بالتأكيد يجب أن يكون هناك علاقة.

يوسف أبو عواد: لماذا مضمون الرسالة: أرسل معي بني إسرائيل؟ لأنه، دكتور، كل من سار مع النبي فأسرى.

يعني أنت، يا فرعون، ميؤوسٌ منك. الحل أن تذهب وتسري وتتركه، وتذهب إلى مكان آخر حتى تتخلص من شرّه.

فلو أن أحدًا من آل فرعون ذهب مع موسى، سيدخل ضمن مسمّى بني إسرائيل، أم لا؟

هذا الذي أريده. لأن الناس توقفوا كثيرًا عند آيات مثل هذه الآية، لما طرحنا قضية إسرائيل، وبني إسرائيل توقفوا كثيرًا.

(28:12) باسم الجمل: يعني الخروج عن الهدف أو عن مفهوم بني إسرائيل، أو خروج بمعنى فكري أو سلوكي، لكن ليس خروجًا عن العِرق.

(28:30) يوسف أبو عواد: لا، لا، العرق واحد إلى إبراهيم ولوط، فالقصد لما قال موسى: أرسل معي بني إسرائيل، يعني كل من يريد أن يسري ويترك أو يفر من شرّك يا فرعون، هذا المعنى.

إذن هذا مضمون الرسالة. تسع آيات تحدثنا عنها.

 

حجة الآبائية وتكرار قصص الأنبياء

(28:52) يوسف أبو عواد: طيب، نذهب دكتور إلى المرحلة الرابعة، وهي دعوة موسى فرعون وملأه إلى الإيمان بالرسالة. ماذا قالوا؟ لاحظ الآن الملأ، هذا الذي تكلمنا عنه قبل قليل، لما جاء موسى بالرسالة قالوا: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا}.

(29:11) باسم الجمل: يعني إننا رجعنا للآبائية.

(29:16) يوسف أبو عواد: هذا تكرر في كل قصص الأنبياء. هكذا أجابهم موسى عليه السلام، وفي آية أخرى يقولون له: {مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ}. إذن، ما هي حجة تكذيب موسى؟ هي أن هذا القول لم يُسمع به عند الآباء. انظر كيف.

 

(29:32) باسم الجمل: بالضبط، كما يقول الناس حالياً: «لم يقل بهذا العلماء». فإذا لم تطابق ما قاله الأقدمون، فأنت في نظرهم لم تقل شيئاً بالنسبة لهم.

(29:42) يوسف أبو عواد: مئة بالمئة، هذا هو الحال. وفي مضمون رسالة موسى، شرحنا في الحلقة السابقة أن فرعون قد علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا، واستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم. فكان من خطاب موسى وهارون لفرعون: {إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ}. لاحظ هنا وصف «مجرم»، فالقضية هي قضية تحذير من الإجرام. وفي المقابل: {وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنٗا}؛ ما يعني أن من معاكسات الإيمان «الإجرام»؛ لأن الإيمان هو منح الأمان، والإجرام هو عدم منح هذا الأمان، وبالتالي فإنك ستقترف الجرائم في حق الآخر.

 

مفهوم الجريمة في المنظور القرآني

(30:19) باسم الجمل: على ذكر الجرائم قرآنيًا، ما هو مفهوم الجريمة في القرآن؟ هل الجريمة هي القتل فقط، أم أنها تدخل ضمن إطار الفاحشة أيضًا؟

(30:29) يوسف أبو عواد: كل فعل يضاد كف الشر ومنح الأمن هو إجرام. يقول تعالى: {أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ}، وهنا يقول: {مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا} مقابل {وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا}. إذن الإجرام هو عكس الإيمان والإسلام، ويصدق عليه فعليًا مسمى الإجرام المتعارف عليه في المحاكم اليوم، سواء كان قتلًا، أو سرقة، أو اغتصابًا، أو غيرها من الأفعال الجرمية.

هناك آية تشير أيضًا إلى أن فرعون وملأه عرفوا أن موسى صادق، وهذا شأن كل طاغية عندما يأتيه إنسان يدعوه إلى الحق. يقول تعالى: {فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ۝ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ}. إذن هو في نفسه متيقن أن ما يقوله موسى وهارون، صحيح. ولكن لماذا؟ {ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗا}. وهذا يا دكتور هو الضدّ الحقيقي للإسلام، ليس مجرد تصديق وتكذيب، مرة أخرى.

باسم الجمل: الممارسة الفعلية.

يوسف أبو عواد: نعم، هو الظلم والعلو في مقابل العدل والمساواة. أنت يا فرعون علوت على الناس وظلمتهم، وعندما جاء موسى بهذا الخطاب، لم تكن الفكرة تحتاج إلى دراسة ليصدقها، أو عندي نقص في فهمها فلن أصدقها، ليس هكذا. مجرد ما دعاه إلى مضمون ما يريده، عرف أن ما يقوله موسى صحيح. عرفه اجتماعيًّا وإنسانيًا، فجحد بما يقول ظلمًا وعلوًّا، فقط.

العلو على الله ومواجهة التكبر

(32:10) يوسف أبو عواد: ولذلك قال تعالى: {وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ۝ أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ۝ وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِ}. كيف يكون العلو على الله؟ الفكرة التي يدعو إليها موسى هي فكرة عامة لكل البشر لكل من تحت مظلة رب العالمين، فعندما تضع لنفسك قانون إدانة يختلف عن الآخرين، فتقوم بجرائم ولا تُحاسب عليها، فأنت هنا تحاول أن تعلو على الله؛ لأنك لا تريد الخضوع للقانون الذي يجب أن يخضع له جميع البشر. لاحظ أيضًا من كلام موسى: {وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ۝ وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ}. ولذلك قلنا إنه لم يطلق نبي يومًا حربًا، ولم يبدأ قتالًا ضد أحد، حتى ضد أعدائه.

(33:02) باسم الجمل: وهذا ينطبق أيضًا على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

(33:06) يوسف أبو عواد: طبعًا، {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْ}.

نقد الفكر التراثي ومفهوم «الغزو»

(33:09) باسم الجمل: ولماذا يصفونه بأنه كان كثير الغزو؟

(33:12) يوسف أبو عواد: كلمة «غزو» في القرآن لم ترد أصلًا في حق المؤمنين ولا في أتباع الرسل. لاحظ الآية: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى}، فهذا من كلام من؟ فلا يوجد شيء اسمه غزو.

(33:27) باسم الجمل: طيب، لماذا يفتخر أهل التراث بأن النبي كان غازيًا؟

(33:30) يوسف أبو عواد: والله يا دكتور، الموضوع عجيب. أقول لك إن فهم الدين السائد هو فهم «توحشي»؛ حيث يُصور الله، حاشاه سبحانه، بأنه يحرق في النار لكذا وكذا، ويُصور النبي بأنه يريد أن يغزو. لاحظ الحديث الذي يروونه ويقولون فيه إن الرسول صلى الله عليه وسلم أغضب في حدث معين، حسب الرواية، وقال: «أتعلمون يا معشر قريش، لقد جئتكم بالذبح». تخيل! ينسبون هذا للنبي! بينما الصلاة على الرسول تقتضي تنزيهه عن مثل هذه الأشياء. ثم يقولون في حديث آخر: «جُعل رزقي تحت ظل رمحي»، و«من لم يغزُ ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية»، أو مات على نفاق.

(34:22) باسم الجمل: يعني القرآن ينفي هذه الصفة السيئة عن النبي الكريم، والفقه التراثي يجتهد في تثبيتها!

(34:30) يوسف أبو عواد: نعم، ونحن قلنا، حتى لا يُفهم كلامنا خطأ، أن الدفاع عن النفس والأرض والحقوق أمر واضح في القرآن وفي كل القوانين الدولية والوطنية؛ فلا يوجد قانون يمنعك من استرداد حقك من المعتدي. لكن فكرة أن أبدأ أنا بنشر الدين عبر غزو هذا وذاك، ثم أضعهم بين خياري «الإسلام أو السيف»!. وهناك كارثة أخرى يا دكتور؛ فهم يقولون إن خيارات «الإسلام أو الجزية أو السيف» هي لأهل الكتاب فقط، أما غيرهم فلا خيار لهم إلا الإسلام أو السيف! وطبعًا «الإسلام» بالطريقة التي يفسرونها هم، وليس بمعنى كف الشر.

(35:12) باسم الجمل: طريقة الشيخ الذي يحاول تجنيدك.

(35:13) يوسف أبو عواد: هذه هي فلسفة الفقه التراثي، وهذا ما شوه صورة الإسلام، وكيف وجد من أراد أن يشوه الإسلام أشياء فعلًا طرحها، فصار هناك رعب ورهاب تجاه الإسلام في العالم بسبب هذا الفقه الذي آن لنا أن نعترف بأخطائه ونعيد تصحيحها.

خطط فرعون لمواجهة دعوة موسى

(35:45) باسم الجمل: إذًا هذه القصص القرآنية، ذات البعد الزماني والتحقيب الزمني للأحداث نفسها، لم يلتفت إليها الفكر التراثي، فماذا كانت اهتماماته؟

(35:50) يوسف أبو عواد: كان خاضعًا لظروف الأزمنة. نرى كثرة «الإسرائيليات» في كتب التفسير، وهو دليل على خضوع علمي؛ فقد شعروا بنقص في العلم ، وهناك علماء يتوارثون روايات فأخذوا منهم هذا، رغم أن النص يقول لهم أنّه بيّن ومبين وواضح. ثانيًا، كانوا يخضعون النص للظروف الاجتماعية والسياسية؛ وهذه حقيقة يجب أن نقول بها. مصطلحات مثل «دار إسلام» و«دار كفر» و«إسلام أو سيف» هذا سلوك إمبراطوري توسعي وليس من القرآن، ولم يكن هدفًا لأي رسول من الرسل. انظر إلى موقف موسى: {وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ}. حتى إبراهيم عليه السلام قال: {سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓ} و{وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}. لما شرحنا عداوة إبراهيم كانت بأن ذهب هو في جهة، وتركهم في جهة، أي: إننا لا نبدأكم بقتال ولا حرب، خلص انتهى. أنا سأترككم وأذهب، هذه هي الطريقة التي أسس بها الأنبياء تعاملهم مع البشر.

بالمقابل، انظر لخطط فرعون وملئه؛ ماذا فعل مقابل دعوة موسى السلمية تمامًا، وهي دعوة إلى العدالة؟ بدأ يخطط. لما جاءهم موسى بالحق، رجعوا: {ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡ}. هذا الرد، هكذا كان رد فرعون والملأ. وقال فرعون: {ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ}. هو يريد اتخاذ قرار جمعي من المجتمع؛ لأن موسى قد ظهر اشتهر، فخشي فرعون من حدوث إرباك إذا قتله دون إذن، فأراد جر القرار ليس إلى نفسه، بل إلى أكبر قدر من الشعب أنه يستحق القتل فوافقوا على قتله؛ ليؤمّن أنه لن توجد ردة فعل. ثم قال: {وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓ}، لينقذه كما يدعي: {إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ}. هو ليس دينهم، دين فرعون، فهو هذا الدين الذي يحكم به فرعون، هو وملؤه، وينجون من كل محاسبة وكل عقاب، والباقي يُستباح.

باسم الجمل: تُستباح حقوقهم.

يوسف أبو عواد: انظر إلى استخفاف فرعون حين قال: إني {أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ}، انظر للعبارة.

باسم الجمل: ليس دينه.

{أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ}، يعني: موسى ماذا سيفعل؟، بحسب زعمه، سيظهر في الأرض الفساد، وكأن كل ما يقوم به فرعون من القتل واستحياء النساء ليس فسادًا! طيب، كيف الذي يسمع هذا لم يلاحظ؟ هي الآية الأخرى التي قالت: {فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ}!

التطور التقني والبناء في عهد فرعون

(38:44) يوسف أبو عواد: فماذا كان من موسى؟ وقال موسى: {إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ}. طبعًا فرعون مالأه الملأ على هذا، ساروا معه؛ لأن الملأ أصحاب مصالح، بالنسبة لفرعون.

باسم الجمل: المنافقون.

{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ}، لاحظ: تركه، فلم يُحدث فعلا مباشرًا لأنه لم يأخذ رأيًا جمعيًا، فالملأ جاءوا يقولون لفرعون: كيف تترك موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟ آلهتك هنا، أي مرجعية الناس إليك؛ لأننا قلنا إن الإلهة، أو التأليه، أن تجعل من شيءٍ المصدر الذي تفهم منه الأشياء، وبالتالي تتبعه، وبالتالي تبذل السلم، أو تمنح الأمن بناءً عليه. فهل يستحق هذا الشيء أحدٌ غير رب العالمين؟ هذه هي فكرة الإسلام. فماذا قالوا؟ إنهم استثاروا فرعون: البطانة لما تكون سيئة حول شخص يتولى منصبًا معينا، انظر التأثير. فقال: {سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ}. طبعًا هنا قال موسى لقومه: {ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ}. وشرحنا أن السنة هي أن الله سيورث الأرض لمن صلح، وأن هذه سنة ربانية. طيب، الآن هذه الآية التي أشرنا إليها قبل قليل.

نادى فرعون في قومه: {أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓ}. هذا يتحدث عن نفسه، فقال: أنا أتحكم في كل شيء. أم أنا خيرٌ؟ لم يستطع أن يُسقط فكرة موسى، فماذا فعل؟ أراد أن يُسقط الشخص. وهذا كثيرًا ما يُمارَس؛ أنت عجزت.

باسم الجمل: فيصير عملية اغتيال للشخصية.

يوسف أبو عواد: إما اغتيال مباشر، أو اغتيال للشخصية، تشويه سمعة، تشويه صورة.

(39:56) باسم الجمل: دون تكليف النفس مقارعة الحجة بالحجة.

(40:08) يوسف أبو عواد: مثلا: هناك فكرة يطرحها شخص اسمه فلان الفلاني، أنت لم تستطع أن تسقط الفكرة، فتقول: فلان هذا يوم كذا فعل كذا، يسقط الشخص. فقال لهم: {أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}. كلمة “مهين” هنا ترجع إلى “المهنة”، أي أنه صاحب مهنة أو من طبقة اجتماعية رديئة وليس من علية القوم.

باسم الجمل: مهين، لا يعني أنه من المهانة. 

يوسف أبو عواد: هي ربطت المهانة بالمهنة باب الإساءة إلى الأعمال المهنية بالحقيقة (يحذف).

قال لك: {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}، يعني لا يعرف أن يجمع جملتين على بعضهما، فيسقط الشخص. {فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ}؟ فبعد الآيات التي أعطاها موسى، يرجع في طلب آيات؛ لذلك ليس من سنة الله أن يرسل النبي مع آيات، لأنه سيطلب آيات أخرى دائمًا، وهو لن يتوقف.

باسم الجمل: لا يشبعون.

يوسف أبو عواد: قال: طلب أسورة من ذهب، “أو جاء معه الملائكة مقترنين”. {فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ}. {وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي}، يعني هل هناك أحد يُتَّبع غيري؟ طيب، ماذا ستفعل؟ الرب الذي يصفه موسى عليه السلام موصوف بالعلو، والعلو طبعًا ليس علوًا مكانيًا، بل علوًا معنويًا. فماذا فعل فرعون؟ حوّل فكرة العلو هذه إلى فكرة سخيفة، وجسّدها على أنها علو مادي في السماء التي نراها، وهذه الفكرة تسربت في كثير من كتب التراث وقال: {فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ}. يعني أراد أن يبني صرحا ليرى «إله موسى»، مع أني أميل بقوة إلى أن موسى كذّاب، {وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ}. وهنا ملمح حضاري مهم في قوله: {فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ}. هنا إشارة إلى أن البناء أصبح بـ«الطوب المصنع» المخصص بمقاييس ثابتة، ربما كان البناء بما هو موجود من أحجار الأرض سابقًا.

باسم الجمل: وهذا تطور تقني في حينه.

فكرة «البيت» والأمن المجتمعي

(43:20) يوسف أبو عواد: هناك نقطة في غاية الأهمية: {وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ}. فهذه فيها إشارة إلى فكرة البيت، صحيح أن إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع القواعد من البيت، لكن فكرة البيت باعتباره نقطة مركزية وبؤرة آمنة تكون نموذجًا ممتدًا لانتشار فكرة السلم والأمن، هي فكرة موجودة منذ عهد نوح عليه السلام: {رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا}. وإبراهيم قال: {رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا}. فنشدان الأمن وربط فكرة تحقيق الأمن برسالة الله منذ أول نبي أُرسل، وهو نوح عليه السلام. وكان نوح قد أقام بيتًا آمنًا، وكل من دخل هذا البيت كان آمنًا، ودعا له نوح أن يغفر الله له. وهكذا كرّس إبراهيم عليه السلام هذه الفكرة بصورة أوضح.

وعندما نأتي إلى عهد موسى عليه السلام، فالغالب أن المكان الذي كان فيه موسى وفرعون ليس هو مكان البيت؛ لأن الجزء الذي انتشر من البشر، والجزء الذي أسكنه إبراهيم، بقي في منطقة البلد الحرام. لذلك قال تعالى: {وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ}. وكان الهدف من هذه البيوت هو بداية إنشاء نظام يأمن فيه الناس، اقتداءً بنوح عليه السلام، واقتداءً بإبراهيم عليه السلام. لذلك الأهمية في الفكرة وليست في الجغرافيا؛ لأن الناس أحيانًا تربط الأهمية بالجغرافيا، بينما الأهمية الحقيقية تكمن في الفكرة نفسها. إذن، هذا ما فعله موسى عليه السلام في مقابلة تهديدات فرعون.

مؤمن آل فرعون والعقوبات التنبيهية

(45:26) يوسف أبو عواد: الآن، هناك رجل من آل فرعون، كما قلنا، وامرأة فرعون، قال لهم: {أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ}. لاحظ: أنتم لماذا تهددونه بالقتل؟ لم يقل لهم: اتبعوني أنا، وإنما قال: اتبعوا ما وضعه الله من معالم وملامح في هذا الوجود وفي هذا الكون. وطبعًا، في تلك المرحلة لم يكن قد نزل كتاب على موسى عليه السلام بعد. فعندما ذهب موسى إلى فرعون وإلى الملأ وكان يتحاور معهم، لم يكن معه كتاب منزل، وإنما كانت معه {ٱلۡـَٔايَٰتُ}. أما نزول الكتاب فكان في مرحلة لاحقة. ولو تدبرت النص القرآني لوجدت أن دعوة موسى عليه السلام مرت بمراحل متعددة. ففي مرحلة الحوار مع فرعون لم يكن قد نزل عليه كتاب، وإنما أُعطي {ٱلۡـَٔايَٰتِ} التسع، التي هي…

(46:16) يوسف أبو عواد: لا تشركوا بالله، لا تقتلوا النفس، لا تقتلوا أولادكم…

باسم الجمل: هل هذه الآيات نزلت قبل نزول الكتاب، أم نزل الوحي بعدها؟ هل هناك تحقيبٌ زمنيٌّ واضح؟

(46:29) يوسف أبو عواد: هي ميراث، دكتور، هذه الآيات أصلًا ميراث الأنبياء السابقين، وهي الوصايا. فعندما جاء موسى عليه السلام إلى فرعون بهذه الآيات البينات، وهي تسع آيات كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا١٠١﴾ [الإسراء: 101]  هي ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تقربوا الفواحش، أوفوا الكيل والميزان، لا تبخسوا الناس أشياءهم، وإذا قلتم فاعدلوا وبعهد الله أوفوا.

فرعون كان يسأل: ما المبدأ الذي جئت به؟ فعدّ له هذه الآيات البينات. فجاء الرجل المؤمن من آل فرعون يقول لهم: ما الذي يجعلكم تقتلون رجلًا جاءكم بالبينات من ربكم؟ هو طرح فكرة، هو لم يؤذِ أحدًا ولم يُكره أحدًا، فقط قال: ربكم الله، وليس فرعون، الله هو المرجعية في معرفة الحق والصواب وتحقيق السلم والأمن، الله وليس فرعون. {وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ}. وهذا سياق طويل، قال لهم: {إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ۝ مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ}. فربط مؤمن آل فرعون القوم بمن سبق من الأقوام، وهذه الآية مؤشر على صحة التحقيب؛ قوم نوح الحقبة الثانية بعد آدم وبنيه، وعاد الحقبة الثانية، وثمود الحقبة الثالثة، والذي من بعدهم: إبراهيم ولوط، ثمّ أبناء إبراهيم ثمّ يوسف. هل هناك دليل أن يوسف قبل موسى؟ في نفس السياق قال لهم: ﴿وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ [غافر: 34]، فإذن تأكدنا أنّ موسى مزامن لمدين وأنه بعد يوسف وأنه بعد كل هذه الأقوام والأحزاب.

لما حصل هذا التهديد لم تأتِ عقوبة الغرق مباشرة، جاءت العقوبات: {وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ}.

(49:33) باسم الجمل: هل كانت هذه أدوات عقاب لآل فرعون على سلوكهم؟

(49:40) يوسف أبو عواد: أدوات تنبيه، كتور، هذه في أي مجتمع فاسد ستحصل قطعًا. كيف؟ يعني عندما يكون فئة من المجتمع متسلطة على باقي فئات المجتمع، فيحصل أي كارثة. الذي يعاني في النهاية هي معظم طبقات المجتمع، فهذا درس، مثلا، حصل قحط، الطعام الموجود يفترض أن يأخذه للناس على حد سواء بما يكفي حاجاتهم، لا أن يكون هناك ناس في قمة الرغد والرفاه وناس لا تجد رغيف خبز. فهذه جاءت آية للذين استخفهم فرعون ليقول لهم: انظروا، في أدنى مصيبة مما يحصل تظهر المعاناة، فأين ربوبية فرعون لكم؟ وأين رعايته؟ هذه سنوات من القحط مرّت فعانيتم.

(49:45) باسم الجمل: المشكلة أن هذا المثل بكل سهولة يمكن تطبيقه على المجتمعات الحديثة، الحالية العربية وغيرها، والمشكلة أنّ الناس، عموم الناس، لا يقفون أمام هذا السلوك.

(50:17) يوسف أبو عواد: والنتيجة أنه في أصغر مصيبة يعانون.

(50:08) باسم الجمل: وبالتالي كل الارتدادات السلبية ترتد على المجتمع ذاته.

(50:17) يوسف أبو عواد: أي نعم، هذا هو. حتى {فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ}، وهذه كوارث طبيعية تحصل، الطوفان يحصل، والجراد ليس شيئًا نادرًا أحيانًا، بل يقتحم بشكل واسع، فهذه مصيبة قد تحصل إما بسبب عدم أخذ وسائل الوقاية الكافية. طيب، لماذا لم تُؤخذ هذه الوسائل؟ لأنه يوجد فساد، لأن المسؤول في الميدان الزراعي أو الجهات التي تتولى الأمانات والبلديات لم تقم بما يجب من وسائل وقاية. لكن عندما تقع المشكلة تتأثر الطبقات الأدنى من المجتمع، فاستيقظوا أن فرعون كان يستخف بكم. {فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ}، {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَىٰ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ}. المهم، كشف هذا العذاب، لكن بعد أن كشف…هناك آية تقول: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ}. الفكرة أن سنة من سنن الله في الكون، حتى الإنسان مع جسده إذا كان هناك خلل لا يموت فجأة، بل تظهر مؤشرات تدريجية مثل الإعياء، الصداع، هذه كلها إنذارات مبكرة. وكذلك في الطبيعة وليس فقط في الجسم، جسم الإنسان نموذج للكون، نموذج للطبيعة، فأي شيء سيحدث فيقضي على مجتمع كامل أ وحضارة كاملة يسبقه ممهدات وعلامات وإشارات قبل هذا، إن أخِذَ بها نجا الناس جميعًا، وإن لم يؤخذ بها جاءت الكارثة الكبرى فقضت على الجميع.

قصة قارون والتحول الاقتصادي

(51:47) يوسف أبو عواد: وكان من الآيات في هذا أيضًا: {إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ}. هنا في مرحلة موسى ما كانت الفكرة فقط فكرة دراهم للتبادل المالي، صار فيه كنوز بمعنى ثروات ضخمة مخزنة، وفكرة الكنز هذه تجدها أيضًا في أكثر من موضع. يعني، مثلًا، في زمن يوسف عليه السلام كان فيه خزائن الأرض وكانت للدولة، لكن هنا صار فيه أفراد عندهم حسابات ضخمة، وحتى بطريقة أقرب لفكرة الحسابات الكبيرة اليوم. وأيضًا في قصة موسى مع العبد الصالح: {وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا}. أيضًا ترى فكرة الكنز موجودة. ففكرة الكنز وأنه يكون فيه مفاتح وثروات كبيرة بهذا الشكل كانت من مظاهر التطور الحضاري الذي وصلت له المدائن في هذا الزمن.

(53:01) باسم الجمل: بالضبط، هو نفس التوصيف الموجود عند قارون وما كان عنده من أموال، توصيف أن هنالك دولة حضارية برأس مال وعمل.

(53:17) يوسف أبو عواد: نعم، ولذلك قلنا إن القرآن يصفها بالمدائن: {وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ}، ففرعون لم يكن يحكم مدينة واحدة فقط، وإنما مجموعة مدائن. وكان هناك أيضًا قانون، ليس بالمعنى التشريعي العادل، بل قانون جزاء وضعه فرعون بما يراعي مصلحته هو، لا مصلحة المجتمع.

(53:37) باسم الجمل: وكما يحدث في كل المجتمعات حاليًا، يأتي الكثير من الناس ضمن مجموعةٍ تحكم، وتستعمل الحُكم في مجتمعٍ ما، وتضع الكثير من القوانين لتحقق مصالحها الخاصة.

يوسف أبو عواد: على حساب المصلحة الاجتماعية.

باسم الجمل: على حساب المصلحة الاجتماعية للمجتمع كله.

مفهوم «بني إسرائيل» وحركة الإسراء

(53:57) يوسف أبو عواد: بعد هذا جاءت المرحلة السابعة، وهي مرحلة الغرق، وهذه مرحلة معروفة طبعًا دكتور، فلن أتعمق فيها، لكنها جاءت بعد كل المؤشرات السابقة. لكن فيها لفتة مهمة، وهي الإسراء، وأيضًا سبب تسمية بني إسرائيل. لاحظ ماذا قيل لموسى عليه السلام: {فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا}، لذلك نقول الإسراء، وهي الحركة لأجل الله، أي كل حركة يقوم بها نبي أو مجموعة معه من أجل الله، من أجل نشر الحق والحفاظ على دين الله والحفاظ على أنفسهم من أعداء الله، فهي إسراء.

(54:34) باسم الجمل: نلاحظ أن ذات الطلب طُلب من النبي لوط عليه السلام، أيضًا طُلب من النبي موسى.

يوسف أبو عواد: نعم.

باسم الجمل: طُلب من النبي موسى: {فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ}.

(54:40) يوسف أبو عواد: لوط عليه السلام كان معه فقط أهله، كما قلنا: {فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ}؛ لأنه ما كان عنده مؤمنون غيرهم، بناته فقط. 

باسم: اللافت أن الطلب ذاته طلب من النبيين.

(54:57) يوسف أبو عواد: هذه الفكرة أن بني إسرائيل هم كل البشر من أبناء إبراهيم ولوط الذين يسرون بفكرة رسالة السماء، فالذي كان مؤمنًا من آل فرعون هل تتوقع أنه بقي مع فرعون أو ذهب مع موسى؟ يعني هل يعقل أن موسى يتخلى عنهم؟ أكيد ذهب معهم، فلما أسرى مع موسى صار تحت مسمى بني إسرائيل الآن، هذا هو؛ لأننا سنجد أيضًا بعد مجاوزة البحر أنهم أتوا على قوم يعكفون، وأيضًا لما قيل لهم: ادخلوا الأرض المقدسة، كان فيه أقوام. طيب، لماذا القرآن لا يسميهم بني إسرائيل دائمًا، مع أنهم من نسل إبراهيم ولوط؟ لأن صفة بني إسرائيل لا تُطلق إلا بعد تحقق معنى الإسراء فيهم.

(55:52) باسم الجمل: دكتور، كالعادة الحوار ممتع وذو شجون، وهناك الكثير من الأسئلة حول التحقيب الزمني للقصص القرآني، نتركها لحلقة قادمة إن شاء الله.

(56:05) يوسف أبو عواد: إن شاء الله، شكرًا لك.

(56:10) باسم الجمل: نلتقي في حلقة جديدة من برنامج «مفاهيم» لنكمل التحقيب الزمني للقصص القرآني. إلى اللقاء.