Skip to content Skip to footer

                            الختان اليهودي في الموروث الفقهي الإسلامي | سامر إسلامبولي

       لا تدخل الأحكام الوافدة إلى ثقافة أخرى دائمًا بأسمائها ومصادرها الأولى، بل كثيرًا ما تُنزع منها علاماتها الأصلية، ثم يعاد تركيبها في أخبار محلية حتى تبدو جزءًا من الذاكرة الجديدة. تبدأ العملية بوجود طقس معروف في ثقافة سابقة، ثم تُنسج له قصة تربطه بشخصية مشتركة بين الثقافتين، وبعد ذلك تضاف روايات توصله بالنبي وبمفاهيم الثقافة المستقبلة، حتى يتحول مع الزمن من عادة وافدة إلى حكم يُلزم به الناس. وتظهر هذه الآلية في الختان بوضوح؛ فالثقافة اليهودية تملك نصًا صريحًا يجعله عهدًا إبراهيميًا وعلامة في لحم الذكر، بينما يخلو القرءان من أي أمر به، ثم يظهر الحكم داخل الموروث الفقهي محمولًا على روايات عن إبراهيم ومحمد، ومندمجًا في قائمة سميت بالفطرة.

    لا يتعلق البحث بمن مارس الختان أولًا، لأن وجود الفعل عند شعوب أقدم لا يجيب عن سؤال مصدر الحكم الذي استقر في الفقه. موضوع المقارنة هو الصيغة الثقافية والتشريعية: ربط الختان بإبراهيم، وجعله علامة لازمة للذكور، ووجوبه على الطفل قبل اختياره، ثم إقصاء غير المختون أو الانتقاص من اكتماله. وحين توجد هذه البنية مفصلة في الثقافة اليهودية، وتغيب من القرءان، ثم تعود في روايات منسوبة إلى النبي، لا يعود التشابه منفردًا، بل ينضم إلى الغياب القرءاني والتناقض الروائي ليكوّن قرائن متضافرة على انتقال الحكم ودسّه.

    التوثيق اليهودي للختان

    يقرر سفر التكوين أن الختان هو العلامة الجسمية للعهد المنسوب إلى إبراهيم، فينقل: «يختن منكم كل ذكر… فيكون علامة عهد بيني وبينكم… وأما الذكر الأغلف… فتقطع تلك النفس من شعبها». ويحدد اليوم الثامن للطفل، ويشمل الحكم مولود البيت والمشترى بالمال، وبذلك لا يكون الإجراء علاجًا لحالة مرضية، بل علامة انتماء مفروضة على كل ذكر داخل الجماعة؛ سفر التكوين، الإصحاح السابع عشر، الفقرات من التاسعة إلى الرابعة عشرة.

ويواصل النص بناء الأصل الإبراهيمي، فيذكر أن إبراهيم ختن نفسه وهو ابن تسع وتسعين سنة، وأن إسماعيل ختن في الثالثة عشرة، وأن رجال البيت ختنوا في اليوم نفسه، ثم ينسب إلى إبراهيم ختان إسحاق في اليوم الثامن؛ سفر التكوين، الإصحاح السابع عشر، الفقرات من الثالثة والعشرين إلى السابعة والعشرين، والإصحاح الحادي والعشرين، الفقرة الرابعة.

ثم تمنح المدونات الحاخامية الختان مرتبة مركزية، فتقول المشنا: «عظيم هو الختان، فقد عُقد عليه ثلاثة عشر عهدًا»، وتجعله مقدمًا على أحكام السبت في وقته، بل تربط اكتمال إبراهيم بختانه. فالعناصر المؤسسة للحكم موجودة قبل ظهور المدونات الفقهية الإسلامية: إبراهيم، والعهد، والقطع في اللحم، واليوم الثامن، والانتماء إلى الجماعة، واعتبار الختان علامة كمال.

   الدس في الثقافة الإسلامية

   تظهر أول طبقة من الدس في الرواية المنسوبة إلى أبي هريرة: «اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم»، والمثبتة في صحيح البخاري. يتغير العمر من تسع وتسعين في سفر التكوين إلى ثمانين في الرواية، لكن الهيكل لا يتغير: إبراهيم يختن نفسه في الشيخوخة بأداة حادة، ويصبح فعله أصلًا يكتسب منه الختان المشروعية.

لا ينفي اختلاف السن انتقال القصة، لأن النقل الثقافي لا يشترط نسخ التفاصيل حرفيًا، وإنما يكفي بقاء البنية والوظيفة. فالخبر لا يضيف معلومة عابرة عن حياة إبراهيم، بل يسد فراغًا لا وجود له في القرءان، ويمنح الحكم اليهودي بابًا للدخول من خلال نبي مشترك. وقد عرض القرءان إبراهيم في محاجته لقومه، وهجرته، وابتلائه، وبناء البيت، ودعائه لذريته، ثم أمر باتباع ملته بوصفه حنيفًا غير مشرك: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123] لم يجعل القرءان قطع جزء من الجسم عنصرًا في الحنيفية، ولذلك تعمل الرواية على إدخال ما لم يذكره الكتاب في مفهوم الملة، ثم تستعمل الأمر القرءاني باتباع إبراهيم لإلزام الناس به.

   وتظهر الطبقة الثانية في محاولة إنشاء صلة بين الختان والنبي محمد. فقد رويت دعوى أنه «ولد مختونًا مسرورًا»، ورويت في المقابل دعوى أن عبد المطلب ختنه في اليوم السابع، كما ظهرت رواية ثالثة تزعم وقوع ختانه عند شق الصدر. وهذه الأخبار لا يمكن جمعها في واقعة واحدة؛ فمن ولد مختونًا لم يختنه جده، ومن ختنه جده لا يحتاج إلى ختان آخر. وتعرض كتب الموروث نفسها هذه الأقوال المتعارضة، كما تقرر في نقد خبر عبد المطلب أن إسناده لا يصح، وتصف خبر الختان عند شق الصدر بالشذوذ والغرابة.

يكشف هذا التناقض أن الأخبار لم تنشأ من واقعة تاريخية واحدة، بل من محاولات مختلفة لسد الفراغ الناتج من غياب أي نص قرءاني أو خبر ثابت يأمر بالختان. فكل رواية تقدم جوابًا مختلفًا عن السؤال نفسه: لماذا لا توجد واقعة معروفة لختان النبي محمد؟ تقول إحداها إنه ولد مختونًا، وتقول الثانية إن جده ختنه، وتقول الثالثة إن ختانه وقع في حادثة أخرى. ولم يكن المطلوب من هذه الروايات تسجيل التاريخ، بل إنشاء صلة بين الحكم الوافد والنبي حتى يكتسب داخل الموروث سلطة لا يمنحها له القرءان.

ولو كان الختان من دين الإسلام المتعلقة بكل ذكر، لنُقل أمر صريح يحدد وجوبه ووقته وحدوده وحكم الممتنع عنه، بدل صناعة قصص متنافرة عن حالة جسم النبي عند الولادة أو عما فعله به جده قبل البعثة. وحتى لو ثبت أن أهله ختنوه طفلًا، فإن فعلًا وقع قبل الرسالة وفق عادة بيئية لا يتحول وحده إلى تشريع للناس، لأن إثبات وقوع العادة يختلف عن إثبات أن الله أمر بها.

وتظهر الطبقة الثالثة في إقحام الختان في الفطرة. تروي مدونات الحديث: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط»، في صحيح البخاري وصحيح مسلم. غير أن صحيح مسلم يورد رواية «عشر من الفطرة»، فتذكر قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك والاستنشاق وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة والاستنجاء، ثم يصرح الراوي بأنه نسي العاشرة، ولا تذكر الرواية الختان أصلًا.

لا يكشف هذا الاختلاف اضطراب العدد فقط، بل يكشف نقل الختان إلى قائمة أعمال النظافة حتى يندمج بما ليس من طبيعته. قص الأظفار والشعر إزالة لزائد يستمر نموه ويتكرر تقليمه، فلا يتغير أصل العضو ولا يفقد الجسم جزءًا ثابتًا منه. أما الختان فاستئصال نهائي لنسيج سليم لا يعود بعد قطعه. فضم العملية الجراحية إلى أفعال دورية لا يثبت أنها منها، وإنما يمنح الطقس غطاء الفطرة بعد أن منحته قصة إبراهيم غطاء الملة.

وتتكامل هذه الطبقات في صناعة الحكم: النص اليهودي يربطه بإبراهيم والعهد، والرواية الأولى تنقل الارتباط بإبراهيم، والروايات اللاحقة تلصقه بمحمد، ثم توضع العملية ضمن الفطرة لتتحول من علامة يهودية ظاهرة إلى ممارسة تبدو طبيعية داخل الثقافة الإسلامية. فالاختراق لا يقع بنقل النص اليهودي كاملًا، بل بتفكيك عناصره وإعادة توزيعها على روايات متعددة، ثم جمع نتائجها في حكم فقهي واحد.

ولا يستطيع الخطاب الصحي اللاحق إزالة هذا الأصل الثقافي، لأن وجود استعمال علاجي لعملية ما لا يحولها إلى شعيرة عامة تفرض على الأصحاء. فالختان عملية جراحية لها مضاعفات موثقة؛ وقد قدّر تحليل تلوي منشور سنة 2021 نسبة المضاعفات في الختان غير العلاجي بنحو 3.34 بالمئة، وتشمل المضاعفات المعروفة النزف والعدوى والالتصاقات وتضيق فتحة البول. كما تبنت الجمعية الطبية الملكية الهولندية موقفًا يرى أن ختان القاصرين غير العلاجي غير ضروري طبيًا، وينطوي على مخاطر فعلية، ويتعارض مع سلامة جسم الطفل.

ورصدت دراسات مباشرة آثارًا تمس الحساسية والوظيفة الجنسية. ففي دراسة لقياس الحس الدقيق، منشورة في مجلة BJU International  سنة 2007، كانت حشفة غير المختون أكثر حساسية للمس الدقيق، وكانت خمسة مواضع من القلفة تزال عادة في الختان أشد حساسية من أكثر موضع حساس في العضو المختون، وانتهى الباحثون إلى أن الختان يزيل أكثر مناطق العضو حساسية للمس الدقيق.

ووجدت دراسة منشورة سنة 2013 أن القلفة ذات أهمية في الحساسية والمتعة والوظيفة الجنسية، وأن نسبة أعلى من المختونين المشاركين أبلغت عن الألم أو الانزعاج أو الأحاسيس غير المعتادة مقارنة بغير المختونين. كما رصدت دراسة دنماركية شملت رجالًا ونساء ارتباط الختان بصعوبات متكررة في بلوغ الذروة لدى الرجال وبصعوبات جنسية لدى بعض شريكاتهم. لا تعني هذه النتائج أن كل مختون سيعاني الأثر نفسه، لكنها تنفي الادعاء بأن إزالة نسيج سليم إجراء خال بالضرورة من الأثر الحسي والوظيفي، وتثبت أن وجوبه على طفل سليم يتضمن احتمال ضرر لا يستطيع الطفل قبوله أو رفضه.

كما أن النسيج المستأصل لا يمكن إعادته بعد بلوغ الطفل، ولذلك لا تتعلق المسألة بألم عابر فقط، بل بقرار دائم يُتخذ نيابة عن إنسان قبل أن يملك القدرة على الاختيار. وما دام الإجراء غير علاجي، فإن احتمال المضاعفات وفقد النسيج الحساس كافيان لإسقاط دعوى أنه عمل محايد يمكن وجوبه بلا ضرورة.

   تبيين حكم الله

   بعد كشف مسار الحكم يأتي عرضه على القرءان، لا قبله. يقول الله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]، ويقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116]. فالحكم الذي يبيح قطع جزء من جسم الإنسان أو يوجبه لا يثبت برواية، ولا بكثرة تداوله، ولا بوجوده في ثقافة سابقة، بل يحتاج إلى إذن من الله في الكتاب.

ويقول الله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30]. فالجزء الذي يولد به الإنسان داخل بنيته الأصلية لا تصبح إزالته فطرة لمجرد أن رواية جمعته مع قص الأظفار. الفطرة هي الخلقة التي فطر الله الناس عليها، أما إزالة جزء ثابت من هذه الخلقة فهي فعل يحتاج إلى ضرورة تبرره، لا إلى اسم روائي يقلب معنى الفطرة.

ويضع القرءان القطع الطقسي وتغيير الخلق في سياق واحد على لسان الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119]. فالمذموم ليس العلاج الذي يرفع مرضًا أو يصلح خللًا، بل تحويل القطع إلى علامة ثقافية مقدسة وأمر عام لم يأذن به الله. فالطب يتدخل لأن علة موجودة في جسم شخص معين، أما الطقس فيقطع الجسم السليم لأن الجماعة ورثت حكمًا سابقًا ثم نسبت إليه القداسة.

    نهاية

    الأصل هو نفي وجوب الختان عن الإسلام ومنع إجرائه على الجسم السليم، لأن الإنسان لا يولد ناقصًا حتى تكمله سكين الثقافة، ولا تملك الأسرة أن تنشئ في جسم الطفل علامة عهد لم ينزل الله بها سلطانًا. ولا يلجأ إلى الختان إلا عند وجود حالة طبية مشخصة، مثل تضيق مرضي مصحوب بمشكلة وظيفية، أو التهابات متكررة لم تنجح معها البدائل الأقل تدخلًا، أو عند حاجة إلى عملية تجميلية تصحيحية أو ترميمية لمعالجة تشوه أو ضرر. أما العملية التجميلية الاختيارية المحضة فتترك للبالغ ليقررها لنفسه عن رضا واع.

وتؤكد الإرشادات الطبية أن العلاج المحافظ، مثل الستيرويدات الموضعية في بعض حالات التضيق، يسبق الجراحة، وأن الختان يكون خيارًا عند وجود استطباب مرضي حقيقي، لا بوصفه إجراءً عامًا لكل طفل. كما أن القلفة قد تكون مطلوبة في بعض العمليات الترميمية، وهو ما يؤكد أنها نسيج وظيفي وليست فضلة زائدة يجب التخلص منها.

بهذا الحد الفاصل يبقى الطب علاجًا للحاجة، ولا يتحول إلى ذريعة لتثبيت رواية ثقافية؛ فما كان مرضًا يعالج بقدره، وما كان جسمًا سليمًا يبقى على خلقته، ولا تنقل إلى الإسلام علامة العهد اليهودية باسم إبراهيم أو الفطرة أو السنة.

Leave a comment