Skip to content Skip to footer

من الفضاء التجريبي إلى فضاء التجربة| ريم حبيب

(أي تشابه بين شخصيات الرواية أو أية شخصيات حقيقية هو من قبيل الصدفة البحتة).

 

إن هذه الجملة المفتاحية التسويغية لتجنب المساءلة، هي ما كان يعتمده المؤلفون من أجل تعزيز إيهامهم للقارئ، بأن العمل الأدبي تسجيلٌ لأحداثٍ حقيقيةٍ حدثت لأشخاص حقيقين، فخلقْ عالم من الكلمات لا يكمن في الرواية وحدها.

بل كل الأشكال والوسائل الأدبية البارزة كانت تستحضر عالماً افتراضياً؛ فصفة افتراضي كانت مرادفة للخيال الأدبي، ولكل ما هو غريب وغامض وعميق وأساسي صدر عن الأدب، إلى أن اتخذ الافتراضُ فضاءً تكنولوجياً راح يسجل فيه الأحداث الواقعية؛ فأي حيل بلاغية ومخيلة جامحة سيستخدمها المؤلف في العالم الرقمي وزمن الذكاء الاصطناعي ليفتح لنا نوافذه وعلى أي عالم سيطل؟

لطالما خلقت النصوص الأدبية واقعاً افتراضياً جديداً؛ حيث لا يتطلب الأمر سوى بضع كلمات وحسب، كي تتحرر الروح من قيود الواقع، وتجوب عالماً آخر في أُفق يجدد تصوراتنا عن الواقع وعلاقتنا به، والمضي في اكتشافه والسيطرة عليه، بالمعنى الذي يبرر الصياغة المتجددة لحق العقل الإنساني في التمرد الدائم على أدوات إنتاج المعرفة السائدة في عصره وعلاقات إنتاجها على السواء، بما يكافئ الحلم الإنساني في خلق واقع يتجاوز الواقع؛ بتفاصيل دقيقة تنقل القارئ بطريقة سحرية من عالمه المألوف إلى مكان آخر متفرد.

فالقراءة فعل روحي ومعنوي، والأدب يستخدم تلك الطقوس المادية ليخلق واقعاً بديلاً، أو يكشف عن واقع بديل من خلال القرَّاء الذين تتغير معتقداتهم وسلوكياتهم بسبب القراءة، فيصدقون أن ما يقرؤونه حقائق ويتفاعلون معها بحيث تصير جزءاً منهم؛ فالتكنولوجيا كانت قفزة في الزمن، ولا شك أنها غيرت في شكل الفضاء الأدبي، وفي الطرق التي يتبعها البشر لتثقيف أنفسهم أو لتسليتها، كما غيرت في فضاء العلاقات المتبادلة التي تربط النص بكاتبه، ومعنى ذلك أن الكاتب ليس هو وحده الذي يكتب، وأنه لا ينبغي أن نسند إلى العارف دور النموذج المحتذى والذي يحدد علاقته بالمعرفة بوصفها علاقة وجودية.

لقد خلق الفضاء التكنولوجي مجالاً موحداً للعارف والجاهل معاً، مشكلاً علاقة متعددة الأبعاد، وما يصحبها من صياغة جديدة لمفاهيم قائمة في الأذهان، وموجهة لمتغيرات العصر وحاجاته، على سبيل المجاز، بالمعنى الذي يجعل علاقة العارف بالجاهل هي علاقة الفضاء نفسه حين يغدو اللا قياس في هذا الفضاء قياساً، وتصبح اللا علاقة، علاقة؛ فالخصائص الرئيسية لتلك العوالم الافتراضية التي خلقها كل من الأدب والتكنولوجيا ليست مكافئة لبعضها البعض، فكل منها عالم متفرد بذاته.

إذ يمكننا أن نعرف الواقع الافتراضي الذي ينتج عن الأدب: بأنه استخدام غريب للكلمات، بينما الافتراض الذي ينتج عن التكنولوجيا: هو استخدام غريب للأشخاص، كما أن الافتراض الذي تمخض عن الأدب كان يدور حول الإنسان ذاتاً وموضوعاً، بينما الفضاء التكنولوجي يضعنا في مسارَين متوازيَين لا يلتقيان؛ مسار يفرض علينا اتصالاً ولغة واحدة لذوات لا علاقة لبعضها ببعض، اتصالاً سطحياً لا يمس الداخل؛ فلا يمكن أن يكون فعلياً. ومسار انفصالي لكنه لا يسفر عن تنوع واختلاف جوهريَّين.

 أما في ما يخص لغة العالم الافتراضي في الأدب؛ فكانت تميزه وتوحده، تعطيه أفقاً ثابتاً مشكلةً ترابطاً أفقياً ومجالاً مشتركاً لتجارب عديدة، بينما تفرز اللغة المستخدمة عبر الوسائط الحديثة أشكالاً مختلفة من لغة نافعة، أداة ووسيلة، إلى لغة منطق ومعرفة، إلى لغة تواصل بطريقة مباشرة، ثم تتلاشى في تراتبية الاستهلاك، كأن تصبح اللغة ظرفية، خاضعة، ومألوفة.

إذن؛ بين أدب يصنع فضاءه وعالمه الافتراضي، وبين عالم افتراضي يصنع أدباً، هنا ندخل مستوى آخر من الاعتبارات وأكثرها صرامة هو شكل الفضاء ذاته؛ ففي العالم الافتراضي الذي يخلقه الأدب، يُسهم كل من الكاتب والقارئ في صنع ذلك الفضاء ويذوبان به معاً، أما في فضاء التكنولوجيا فيدخل الكاتب باحثاً عن قارئ، أو يوجه كلامه إلى اللا أحد، أو سيضطر ليخاطب أحداً لم يكن قاصداً له، فهما حاضران معاً ولكن لا يجتمعان. لنوجز كل هذا ولنتساءل: ماذا يعني؟

نحن الآن نقف على أبواب عتبة أخرى، ولذا علينا أن ندرك أهمية اللحظة التي نعيشها؛ فلا يمكننا أن نتحدث عن الخصائص الشكلية للفضاءات، فيما لو توافر محتوى غني يصلح لأن نفيد منه كي نؤمن به ونستشرف من خلاله.

الوسائط الحديثة أغوتنا بالفعل على أمل أن تخلق لنا تلك التقنيات، مساحة يبدأ فيها وجودنا الأدبي الحقيقي؛ إذ إن علاقة الأدب بأصوله هي دوماً سابقة عليه أو تالية له، لكنها لا تكون حاضرةً فيه أبداً.