في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام، تنطلق احتفالية سنوية في مدينة هانوفر الألمانية، مسقط رأس المفكرة والمؤرخة والمنظِّرة السياسية الألمانية الكبيرة حنة آرندت. هذه الاحتفالية تُعرف بأيام حنة آرندت، ذلك أن الفيلسوفة المشهورة ولدت في 14 تشرين الأول/ أكتوبر. ومن المفارقات الساخرة، في هذا العام على وجه التحديد، 2023م، أن يَفتتح الشعارُ “حقوق الإنسان ليست ترفاً” احتفالياتِ إحياء ذكرى الفيلسوفة الراحلة. والمفارقة تكمن في الأجواء التي رافقت منح جائزة حنة آرندت للفكر السياسي هذا العام، حيث بدت مُجافيةً للشعار المطروح في السابق.
تأسست جائزة حنة آرندت عام 1994م، برعاية مؤسسة هاينريش بول التابعة لحزب الخضر الألماني، وتبلغ قيمتها المالية 10 آلاف يورو، ولقد أعلنت لجنة تحكيم الجائزة في آب/ أغسطس الماضي فوزَ الكاتبة الروسية “ماشا غيسن” بجائزة حنة آرندت؛ نظراً لأن أعمالها “تشير إلى سعة موضوعيّتها وقراءتها، ومساهمتها في توضيح ووصف النزاعات السياسية في المجتمعَين الروسي والأمريكي، وقدرتها على فتح آفاق جديدة تساعد على فهم عالم يشهد تغييرات متسارعة”، وكان من المقرر أن يُقام حفل منحها الجائزة في مدينة بريمن الألمانية، يوم 15/12/ 2023م، لولا الضجة التي أثارها مقالها المنشور في مجلة “نيويوركر” يوم 8/12/2023م، تحت عنوان “في ظلال الهولوكوست”، الذي كان سبباً في إلغاء حفل تقديم الجائزة. وقد حاول العضوان المؤسسان للجائزة “هيلغا تروبيل ولوثر بروبست” حجبَ الجائزة عن الكاتبة ماشا غيسن، بحجة أن مقالها الأخير “في ظلال الهولوكوست” قد تضمَّن تصريحاتٍ من شأنها أن تشوِّه سمعة جميع الأعضاء المساهمين في تقديم الجائزة، ليس هذا فقط؛ بل ومن شأنه أيضاً أن “يشوِّه سمعة حنة آرندت” نفسها على نحوٍ خاصٍّ. لكنَّ لجنة التحكيم الدولية، صاحبة القرار الفصل في منح الجائزة، تمسَّكت برأيها حول ضرورة منح الجائزة لماشا غيسن، رغم كل الزوبعة التي أحدثتها تصريحاتها. نالت غيسن الجائزة يوم 16/12 /2023م، أي بعد يوم واحد من قرار إلغاء الحفل. ماشا غيسن، الكاتبة الروسية- الأمريكية من أصول يهودية، كانت جدتها إحدى اليهوديات البولنديات، واستطاعت النجاة من المحرقة بهروبها إلى الاتحاد السوفييتي. ولدت ماشا عام 1967م في موسكو، وهاجرت مع عائلتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1981م، وعُرِفت بموقفها المناهض لبوتين وترامب والحرب الروسية على أوكرانيا، ولقد وضِعت مؤخراً على قائمة المطلوبين في روسيا؛ بتهمة نشر معلومات كاذبة عن الجيش الروسي. في مقالها السابق، ذكرت ماشا غيسن أن النصب التذكاري للمحرقة في المتحف اليهودي في برلين، جعلها تفكِّر في الآلاف من سكان غزة الذين ماتوا بسبب الرد الانتقامي على أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وشبَّهت ماشا حالَ غزة اليوم بحال أحد أحياء اليهود في أوروبا الشرقية أيام الحكم النازي، “الغيتو اليهودي”. هذا التشبيه أثار استياء حاملي تهمة “معاداة السامية” سلاحاً يمارسون به القمع الفكري بحق كل مَن يجرؤ على الخروج عن سرب السياسات المشبوهة التي تخدم أهداف الصهيونية، وما يوازيها ويصبّ في خندقها من مؤسسات اقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية.
ولعلَّ أكثر المتشددين في حمل هذا الشعار حاليّاً، الألمان الذين يحملون “عقدة ذنب المحرقة”، أو الهولوكوست، ويسعون للتكفير عن الجرائم العنصرية الفظيعة التي ارتكبها النظام النازي بزعامة هتلر، بحقّ اليهود والغجر والأقليات التي يُنظر إليها على أنها أقلّ رِفعةً مِن أصحاب “العرق الآري” الأوروبي، وهذا بالطبع ما دفع المسؤولين عن جائزة حنة آرندت للفكر السياسي والمؤسسة المانحة ومجلس بلدية بريمن، للانسحاب من الحفل؛ إذ إنهم اعتبروا الكاتبة تحاول “الإيحاء بأن إسرائيل ستقوم بتصفية غزة مثلما أقدم النازيون على تصفية بعض الأحياء اليهودية في السابق”. ولقد أكدت ماشا غيسن أثناء حوار لصالح مجلة “بوليتيكو”: “ينبغي على الجميع التعلُّم من دروس التاريخ؛ فالأمر الذي يميِّز الناس اليوم ليس أنهم أكثر ذكاءً أو أخلاقاً مِن أسلافهم، بل إنهم أكثر وعياً بإمكان حدوث أشياء لم يكن يعتقد الناس أنها ستحدث في الماضي، مثل المحرقة على سبيل المثال، لذلك يجب العمل على تلافي تكرار مثل هذه الأمور الفظيعة، فهي، أي المحرقة، ليست استثناءً أو أمراً غير قابل الحدوث”.
أشارت ماشا غيسن، في حوارها، إلى تهمة “معاداة السامية” التي بدأت تأخذ منحًى متعنِّتاً يعمل على “خنق النقاشات السليمة” وبخاصّةٍ حول إسرائيل، فثمة فرق، حسب تعبيرها، بين معاداة السامية ونقد السياسات الإسرائيلية. ولعلّ أبرز ما جاء في الحوار الذي دار بين غيسن ونائب رئيس تحرير مجلة “بوليتيكو” (كالدر مشوغ)، تعبيرها عن المفارقات العجيبة التي تتحكَّم بظروف منح الجوائز هذه الأيام، “فحتى حنة آرندت في هذه المرحلة لن تكون مؤهّلةً للحصول على جائزة حنة آرندت”. وهذا أمر غير مستبعد بالفعل، فلقد اتُّهمت حنة آرندت نفسها من قبل بأنها “معادية للسامية”، رغم كونها يهوديةً تعرَّضت سابقاً إلى الظلم والاضطهاد على يد النازيين في بلدها الأصل ألمانيا. جاء الاتّهام بمعاداة السامية بسبب المقالات التي كتبتها آرندت لصالح مجلة “نيويوركر”، ذاتها، بصفتها صحفية مراسلة لتغطية محاكمة “أدولف إيخمان” في القدس. “أدولف إيخمان” الذي اختطفته إسرائيل من الأرجنتين؛ من أجل محاكمته كمجرم حربٍ ساعد “في حل المسألة اليهودية”، وذلك عبر ترحيل اليهود وارتكاب المجازر بحقِّهم خلال فترة الحكم النازي لألمانيا. حنة آرندت رأت في إيخمان أثناء المحاكمة رجلاً عادياً؛ بل ولائقاً ومهذّباً في بعض التفاصيل: “كان إيخمان خلافاً لعددٍ آخر من النازيين، منبهراً على الدوام بالمجتمع الراقي، وإن كان مهذّباً للغاية مع المسؤولين اليهود، فلأنه يخاطب أشخاصاً أعلى منه مرتبةً في السلّم الاجتماعي”. وحاول تبرير بعض أفعاله مستنداً إلى فلسفة “كانط” في فهم وتفسير القانون، التي أكدت آرندت أنها تبريرات مشوَّهة؛ حيث قالت في كتابها عن عادية الشر: “صرّح إيخمان فجأة بأنه عاش طوال حياته على التعاليم الأخلاقية الكانطية، وبالخصوص التعريف الذي يمنحه كانط للواجب.. حيث صاغ إيخمان تعريفاً تقريبياً ولكن صحيحاً للواجب القطعي: (أريد القول، في خصوص كانط، يجب أن يكون مبدأ إرادتي دوماً قابلاً لكي يصبح مبدأ للقوانين العامة)”، كما قالت: “كان إيخمان، المثقف البسيط، غير قادر على مناقشة هذه المفاهيم، أو بوضع أخرى من إنتاجه، فقد أنجز ما كان يعتبره واجباً على مواطنٍ يحترم القانون، كي يكون محمياً عليه التصرف حسب الأوامر، عدا ذلك قد تغرق أفكاره في ضبابية شديدة، وينتهي الأمر به إلى الحيرة بين فوائد وسلبيات الطاعة العمياء، طاعة الجثة”.
كما ألقت آرندت الضوءَ على تعاون بعض المجالس اليهودية وتعاونها مع النظام النازي لاختيار المرسَلين إلى الموت منهم: “إن سب هذا التغافل واضح؛ فكتاب أدلر يشرح تفصيلياً كيف أن قوائم النقل وضعها المجلس اليهودي لثريسينستادت، التي تشير إلى عدد الأشخاص الذين سيقع نقلهم مع أعمارهم وجنسهم ومهنتهم وبلدهم الأصلي، والحال أن المدَّعي العام قد وجد نفسه في وضعية حرجة لو أجبر على الإقرار بأن أسماء المرسلين إلى الموت، قد وقع اختيارها، مع بعض الاستثناءات من طرف الإدارة اليهودية”. لقد كانت حنة آرندت مخلصة لمبادئها وقناعاتها؛ بحيث استطاعت بفضل ثقافتها الواسعة معالجةَ المسائل المصيرية بشكلٍ منفصل عن مسألة الانتماءات الدينية، ولقد حاولت ماشا غيسن الالتزام بنفس النهج رغم تعرُّضها للمحاربة بسبب مقالها الناقد لسياسة إسرائيل ضد غزة، خلافاً للمسؤولين عن رعاية حفل الجائزة الذين خانهم ذكاؤهم وفقدوا المحاكمات المنطقية لتقدير الأمور.
من الجدير بالذكر أن عدداً مِن الجوائز والمناسبات الأدبية قد تمّ إلغاؤها وتأجيلها؛ بسبب مواقف الكتاب والصحفيين أو تصريحاتهم السياسية التي اتَّضح أنه ينبغي أن تكون مقولبةً أو ملائمةً لتوجهات المؤسسات أو الدول أو اللجان المسؤولة عن الحدث رغم ادعاء تلك المؤسسات أو اللجان أو الدول دعمها المسبق وغير المشروط لحرية الموقف والتعبير، ومِن مظاهر قمع حرية الكتاب والصحفيين التي برزت بشدة خلال الأحداث الأخيرة إلغاء وتأجيل قراءة وتوقيع كتاب “يوم في حياة عابد سلامة” للكاتب الأمريكي ناثان ثرال، الذي يتحدث عن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.
سحب جائزة سيمون فيل الفرنسية من الصحفية الفرنسية المنحدرة من أصول مغربية “زينب الغزوي” التي فازت بالجائزة عام 2019، بسبب تصريح مشابه لتصريح ماشا غيسن؛ شبَّهت فيه تعرُّض الفلسطينيين في غزة إلى ظلم يشبه المحرقة اليهودية. كما لا ننسى إلغاء حفلة منح جائزة ليبراتور إلى الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، في معرض فرانكفورت للكتاب؛ على خلفية أحداث تشرين الأول/ أكتوبر، إضافةً إلى إلغاء قرار استضافة الكاتب الفيتنامي الحائز على جائزة بوليتزر “فييت ثانا نجوين” في نيويورك؛ بسبب توقيعه على رسالة مفتوحة تنتقد ضربات إسرائيل لغزّة. هذا كله يذكِّرنا بأمر إلغاء مدينة دورتموند الألمانية عام 2019م قرارَ تسليم جائزة “نيللي ساكس” إلى الروائية البريطانية من أصل باكستاني “كاميلا شمسي”؛ بسبب دعمها حركة مقاطعة إسرائيل.