ماذا لو كانت بعض الروايات التي نعرفها عن تاريخنا تخفي أكثر مما تكشف؟ ومن يملك حق رسم جغرافيا الماضي وتحديد جذورنا وهويتنا؟ وكيف نميّز بين التاريخ الذي تسنده الأدلة، والسرديات التي تعيد تشكيله؟
في حلقة جديدة من #بودكاست_مجتمع، يحاور د. باسم الجمل الدكتور عارف المخلافي، أستاذ الآثار والتاريخ القديم، حول مفهوم «التاريخ المقنع»، والجدل حول مملكتي سبأ وحمير، وروايات خروج بني إسرائيل من مصر، وتأثير القراءات الاستشراقية في فهم تاريخ المنطقة.
حوار عن الوثائق والآثار والجغرافيا، وكيف نختبر الروايات التاريخية بدلًا من التسليم بها أو رفضها مسبقًا.
التعريف بالضيف، والمؤرخ والمنهج: بين الحقيقة والتاريخ المقنع
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل، في حلقة جديدة من برنامج «مجتمع»، في حلقة اليوم نلتقي الدكتور عارف أحمد المخلافي، وهو أستاذ التاريخ القديم والآثار في اليمن.
عارف: نعم.
باسم: اسم «مخلافي» من أين جاء هذا الاسم؟
عارف: المخلافي نسبة إلى منطقة المخلاف، والمخلاف هي عبارة عن تجمع لعدد من القبائل، وصاروا متصاهرين ومتداخلين اجتماعيًا.
باسم: تآلف مجموعة من القبائل يسمّونه «مخلاف»؟
عارف: يعني، يعيشون في هذه المنطقة، فالكل ينتسب إليها ويقول: «المخلافيون».
باسم: طبعًا هذه التسمية القديمة، هذه عادة قديمة؟
عارف: طبعًا. المخاليف كانت مشهورة باليمن، كانت مقسمة إلى مخاليف من أيام العثمانيين، وحتى ما قبلهم. فهذا أحد المخاليف الذي كان موجودًا، ويضم مجموعة قرى.
باسم: يعني، القبيلة تسكن قرية، ثم القرية تصبح جزءًا من المخلاف، البداية القبائل؟
عارف: مجموعة من القبائل تسكن في قرى مختلفة في منطقة تُسمّى «المخلاف».
باسم: يعني على شكل محافظة مثلًا؟
عارف: على شكل مديرية، التي هي مديرية السلام، أو تُسمّى «شرعب السلام».
باسم: لكنّ اسم «مخلاف» اسم يمني قديم.
عارف: طبعًا. المخاليف كانت موجودة في اليمن، كما قلت، والقاضي الأكوع أيضًا له كتاب عن مخاليف اليمن، وتحدث عنها كثيرًا، وعرفت بعد ذلك حتى ضمن التقسيم الإداري الذي كان موجودًا، ولكن لم يعد هذا التقسيم الإداري حاليًا قائمًا، وبقيت هذه المناطق معروفة بمنطقة المخلافي تعز، حتى يوجد مخاليف في أماكن أخرى.
باسم: يعني، هذا جزء من الاهتمام بالتاريخ. كونك أستاذًا في التاريخ، أنا حقيقةً اطلعت على نشاطك الأكاديمي البحثي، واكتشفت ووجدت أنه أنت متخصص في نقد السردية التاريخية.
وحقيقةً هذا جزء من نشاطنا نحن كمنصة، ويهمني أن أسمع أنا دائمًا من متخصص، ومن أهل الاختصاص رؤيتهم الفلسفية، ورؤيتهم في كيفية التعامل مع التاريخ؛ لأنه، تعرف التاريخ عبارة عن قصص: منه المثبت، منه الوهمي، منه المزور، منه ما يصيغ خارج الجغرافيا، ومنه ما يسقط على جغرافية أخرى.
فالتاريخ لعبة ليست سهلة، وبالتالي حتى الحديث عن التاريخ يحتاج إلى دقة متخصصين في الحديث عنه. أنا أودّ أن أسمع منك: لما نقول «مؤرخ»، أو «مشتغل بالتاريخ» أو «أستاذ التاريخ»، هل نتحدث نحن عن شخصين مختلفين، أو عن أفعال مختلفة؟ أم هو الفعل نفسه؛ المهتم بالتاريخ نسمّيه المؤرخ، ونسميه أستاذ التاريخ؟
عارف: في الحقيقة، أولًا، بداية، شكرًا جزيلًا دكتور باسم على الاستضافة في منصة «مجتمع»، وسعيد أن أكون معكم في هذا الحوار، وأشرف بكم كثيرًا.
بالنسبة لموضوع المؤرخ، هذه في الحقيقة صارت مشكلة هذه الأيام، كما يقال: كلٌّ يدّعي وصلًا بليلى، كله يعتبر نفسه مؤرخًا. المهتم يُطلق على نفسه مؤرخًا، وحُيِّد المؤرخون الحقيقيون، وتربع وظهر غير المؤرخين والمتخصصين؛ منهم في الطب، والهندسة، ومنهم في البلاغة، ومنهم في الأدب، ومنهم في الرواية بشكل كبير جدًا يعني.
وهنا يكون الفارق بين الهاوي والمتخصص المشتغل في التاريخ: الفرق بينهما المنهج. المنهج مؤسس لكل شيء، فمنهج المؤرخ يعتمد على الوثيقة، يعتمد على الأثر، يعتمد على الموقع. يعني باختصار التاريخ بالنسبة للمؤرخ اسم، وزمان، ومكان، وحدث، وسبب، ونتيجة.
إذن، إذا سقط فرع من هذه الفروع، لا يعد تاريخًا. بالنسبة لهواة التاريخ الذين يدعون ما يكتبون تاريخًا، لا يلتزمون بهذه الأشياء؛ إما يلتزم بمعيار جغرافي، أو بمعيار سردي، أو بمعيار حكائي. أحيانًا تُحيد الوثيقة التاريخية تمامًا والأثر عندهم، ولذلك يقدّمون سردية متخيلة أضرت بالتاريخ كثيرًا جدًا.
ولذلك عندما يتحدث المؤرخ، قد تتفق معه، قد لا تتفق معه، وهذه هي سنة الحياة.
الناس ليسوا متفقين ومختلفين دائمًا في كل شيء، ولكن المنهج هو الفيصل، وهو الذي يحكم في الأخير، وهذا هو الفرق بين الاثنين.
ولذلك أطلقت في كتابي الجديد، أستطيع أن أقول ابتكرت مصطلحًا جديدًا اسمه «التاريخ المقنع».
باسم: الذي هو؟
عارف: التاريخ المقنع يعبر عن هؤلاء الهواة الذين يضعون قناعًا على الحقيقة، ويظهرون غيرها، وينقلون الجغرافيا والحدث التاريخي من منطقة إلى منطقة، ويحيدون الدليل الأركيولوجي، أو الآثاري، والوثيقة الموجودة ويعتمدون على سردية منتقاة من هنا، أو هناك.
فأطلقته «التاريخ المقنع»، هذا المصطلح توصلت إليه سنة 2015، وثبته سنة 2017 وأنا أشتغل في كتاب «التاريخ المقنع»، الذي استغرق منّي ثمانية عشر عامًا.
وبحثت عنه هل اُستخدم في أي مكان في العالم، أم لم يُستخدم، فكان مصطلحًا جديدًا يعبر عن الكتابات التي كتبها من أطلقت عليهم في نفس الكتاب «التراث الآخر».
منهج نقد السرديات التاريخية: مثال مملكة سبأ وحُمير
باسم: هل هذا جزء من نقد السرديات مثلًا؟
عارف: نعم.
باسم: لأنه؛ ما تنتقدهم أنت هم من أسميتهم «أصحاب التاريخ المقنع»، أو «رواة التاريخ المقنع»، هم المشتغلون بالتاريخ المقنع، بين قوسين، كما قلت، ليسوا مؤرخين، ولكن هم قد يكونون مهتمين، قد يكونون قرّاء على التاريخ، وخاصة أنت ربما المقصود من الذين قرأوا نصًا محددًا، يعني هؤلاء قراء فهم النص على محمل مختلف.
لكن أنا معني بنقد السردية بشكل عام: كيف ننقد سردية تاريخية، ونتأكد من مصداقيتها، وعدم مصداقيتها؟ أنت كإنسان مشتغل بالتاريخ، وأستاذ تاريخ، وكتبت مجموعة كتب، أودّ أن أعرف فلسفتك أنت في كيفية نقد التاريخ؟ وبالذات التاريخ الذي نحن نعيشه، التاريخ العربي بشكل عام، أو تاريخ المنطقة العربية أنا أسميه؛ لأن هناك تشابكًا في قراءة التاريخ العربي، وهناك تداخلات كثيرة في كيفية قراءته، الاستنتاجات التي يمكن أن تخرج منه، واشتُغل عليه كثيرًا، انشغل داخليًا وخارجيًا.
الشغل الخارجي: الاستشراق الأوربي أكثر من الشغل الداخلي، الذي اشتغله العرب على تاريخهم أنفسهم؟
عارف: في الحقيقة، بالنسبة لي أنا، في عملي النقد التاريخي، وهو مشروع أقوم به منذ مدة، أعتمد ليس على العاطفة، ولا على الهوى، ولا على موقف من هذا الشخص، وإنما أعتمد على مادة علمية أمامي، أخضعها للاختبار وفق معايير المنهج.
فالتاريخ يُكتب حسب الوثائق سواء وثيقة مكتوبة، أو وثيقة أثرية، أو نص، أو نص موجود عندنا، تغيب الوثيقة، أو الشاهد الأثري بدرجة أساس.
والجزئية التي ركزت عليها، أو انطلقت منها، أنه هناك توجه لتحييد الوثيقة التاريخية، والاعتماد على النص التوراتي، وهكذا تحديدًا، يؤمنون بصحة الجغرافيا التاريخية، بصحة النص التوراتي كاملًا، وخطأ الجغرافيا، وهنا نقلوا الجغرافيا من مكان إلى مكان، وحيدوا ورفضوا الاعتراف بكل الكتابات التي سبقتهم، والتي تقوم على أساس المنهج.
فبالتالي، أنت كمؤرخ، عندما تخضع فكرة لنقدها، للنقد التاريخي، تأتي بما قاله الشخص نفسه. يعني لا تتكلم في وهم، أو تقوله ما لم يقل، وإنما تنقل الفقرة كما هي، وتأتي بالصفحة.
أضرب لك أمثلة على هذا الموضوع. على سبيل المثال، عندما جاء فاضل الربيعي في كتابه «مصر الأخرى» وكتبه المتعددة، وقال بأن مملكة سبأ هي مملكة إسرائيل، وأن مملكة حمير هي مملكة يهوذا.
فلاحظ الكارثة هنا، لماذا؟ لأن مملكة سبأ أصلًا الدولة بدأت في الألف الثاني قبل الميلاد، وأقدم نص موجود في القرن العاشر قبل الميلاد حتى الآن.
مملكة حمير لم تنشأ إلا سنة 115، أو 110 ق.م، يعني لا مقارنة بين هذه وتلك. فأتى بمملكة سبأ على أنها إسرائيل، ومملكة حمير على أنها يهوذا، وجعلهما يتصارعان فيما بينهما لماذا؟ لاحظ الفرق بين المؤرخ وغير المؤرخ الآن في هذه النقطة تحديدًا…
الخلط بين الشخصيات والأزمنة في السردية التاريخية… مملكتا سبأ وحمير
عارف: وجد في سبأ واحدًا اسمه «كرب إيل الوتر». كرب إيل الوتر هذا هو الذي وحد كافة الممالك اليمنية القديمة بزعامة سبأ في القرن السابع قبل الميلاد. وجد في حمير اثنين «كرب إيل الوتر»: واحد من القرن الثاني الميلادي، وواحد في القرن الثالث الميلادي.
لم يفرق؛ لأنه ليس مؤرخًا أصلًا، وليس متخصص تاريخ قديم، روائي أيضًا عالمي، فاعتبر أن كرب إيل الوتر السبئي هو كرب إيل الوتر الحميري، فبالتالي، وجعلهما متزامنَين، وجعل يهوذا وإسرائيل فرعين مع بعضهما.
باسم: تعامل معهم وكأنهم نفس الشخص؟
عارف: كأنه نفس الشخص، وبالتالي نقل حمير إلى زمن غير زمنه، من أواخر القرن الثاني الميلادي، نقلها إلى القرن الثامن قبل الميلاد، تخيل! القرن السابع قبل الميلاد.
فهنا أوجد مفارقة لا يمكن أن تلتقي على الإطلاق، وبدأ يتخيل جغرافيا ومعارك وزحف وصراع بين مملكتي إسرائيل ويهوذا، وقال بالتحديد: إنّ مملكة سبأ إذا أردت أن تفهم تاريخ بني إسرائيل، فعليك أن تسقطه على سبأ.
وإذا أردت أن تفهم يهوذا، فعليك أن تسقطه على حمير. فهذه الثغرة الخطيرة جدًا، بأنه لم يفرّق بين القرن الثامن قبل الميلاد، والقرن الثاني قبل الميلاد، أو الأول، وأمثلة كبيرة حول هذه الوثيقة.
الاستشراق الأوروبي ونقد السرديات التاريخية الموروثة
باسم: لو أردنا تعميم هذه الرؤية في نقد السرديات، مثلًا، أنت ربطتها في شخص، لكن هناك سرديات كاملة، وأنت درست تاريخ منطقة بلاد الشام، وتاريخ مصر، وتاريخ الجزيرة العربية. يعني أنت مطلع على السرديات التاريخية التي نتجت عن هذه المناطق الجغرافية. هل هناك من نقد يوجه لهذه السرديات؟ قرأنا عن بلاد ما بين النهرين، بلاد الشام ومصر قراءة تاريخية ظلال القراءة الاستشراقية اللاهوتية ما زالت ماثلة.
أنت كمؤرخ عربي، أنت قرأت التاريخ بلغة عربية، بعيون عربية، وأنت ابن الجغرافية العربية. لو أردت أن تقوم بنقد للسرديات المتوارثة من المستشرقين الأوربيين، سواء كانوا ذوي النوايا الحسنة، أو ذوي النوايا السيئة؛ لأنه هناك فعلًا مستشرقون جيدون في قراءة التاريخ العربي، كانوا أمناء في قراءة التاريخ، لكن هناك مستشرقون قرأوا التاريخ العربي بعيون الاستعمار، وعيون خدمة الاستعمار.
أنت كمؤرخ، وكمتبنٍّ لنقد لهذه السردية، أين يمكن أن ننتقد؟
عارف: يمكن أن ننتقد انطلاقًا من الوثيقة، بالتأكيد، فعندما ننظر، مثلًا، ما كتب في تاريخ العراق القديم، لم يُكتب بالمذهب، لكن كُتب وفقًا لآلاف النصوص المسمارية. آلاف النصوص المسمارية موجودة ومترجمة.
يعني، لو قلنا إن المستشرقين ترجمتهم خطأ، فعلماء عراقيون أيضًا اشتغلوا فيها، وأستاذي في الماجستير الأستاذ الدكتور فاروق الراوي، أستاذ في المسماريات يعني، يقرأها كما تقرأها أي كتابة عربية معروفة.
فهذه سردية تقوم على الوثيقة، وعلى العلم، وعلى تحقيب موجود بحسب المكتشفات الأثرية الموجودة، من الأقدم. ومن الأول عندنا السومريون، وعندنا الآكاديون، عندنا البابليون، وعندنا الآشوريون، البابل، الآشور الوسيط، البابل الحديث موجودة.
وبالتالي، تقوم على الوثيقة نفسها. يعني، لا نستطيع أن نخرج، أو نتقد. متى يكون النقد؟ إذا وجد خطأ في قراءة الحدث التاريخي، أو قراءة النص الموجود، على سبيل المثال، عندنا تنقل معارك الآشوريين إلى بلاد اليمن، والآشوريون لم يصلوا إلى بلاد اليمن على الإطلاق في تاريخهم نهائيًا.
لا يوجد أي دليل على الإطلاق على وصول الآشورين؛ لأنه ليس لديهم مصلحة.
مصلحتهم مع بلاد الشام، ومع الحيثيين، ومع العيلاميين، وفي إطار الصراع مع مصر على منطقة بلاد الشام الموجودة.
لو نظرت إلى مصر أيضًا، آلاف النصوص الهيروغليفية ليست مجهولة، فليست سردية استشراقية، وإنما صارت سردية وطنية يقوم بها علماء مصريون، وبالتالي، هذه التي كُتبت على ورق البردي، كُتبت…
بني إسرائيل في مصر: بين الرواية التراثية والدليل التاريخي
باسم: لا، علماء المصريات، العلماء الأوربيون الذين قرأوا التاريخ بداية هم أوربيون. العرب لم يقرأوا التاريخ المصري. حاليًا، لما بدأ المؤرخون المصريون والعرب في قراءة تاريخ مصر، بدأت تبرز سردية مختلفة عما قيل عن مصر.
حديثًا، رأيت أحد الكتب، وأحد المداخلات لأستاذ تاريخ مصري ينقد كليًا السردية التوراتية، أنه بني إسرائيل كانوا في مصر، ينقدها بشكل مطلق، وينفي وجود هذا الحدث، بحكم أنه، اعتمادًا على نفس الطريقة التي اعتمدت عليها، لا وجود لا لنقوش، ولا آثار جغرافية، أو أركيولوجية.
فبالتالي الحدث نفسه غير موجود. ليس هذا محورنا؛ لأنه في قراءاتك، أقول لك كيف الانتقاد يمكن أن يتوجّه؟ في قراءة المؤرخين الأوربيين للتاريخ العربي في الخمسينات، يعني القرن الماضي كله، قراءة أوربية، مشاركة العرب في قراءة تاريخهم قليلة جدًا، والمشاركة التاريخية، حتى علماء الآثار العرب، هي قليلة؛ لأنه ينقل ما قيل عنا وقدمه لنا.
كل ثقافاتنا هي ثقافة ما قُرِئ عنا، وما قُدم إلينا على أساس أنه آثار وتاريخ لنا، لكن عندما تتحدث وأنت متخصص، أو كتبت عن حضارة ما بين النهرين حسب التوصيف الاستشراقي، هناك أمم، هناك شعوب وأسماء.
عندك السومريون، والآكاديون، والبابليون، والآشوريون. هل نحن نتحدث عن مجتمع واحد بمسميات مختلفة؟ أم نتحدث فعلًا عن شعوب منفصلة، بلغة مختلفة، بثقافة مختلفة، بتدين مختلف، بسمات مختلفة، رغم أنهم عاشوا في نفس البقعة الجغرافية؟
القراءة الاستشراقية، أو القراءة الأوربية قُدم لنا أن العراق فيه سومريون، وفيه بابليون، وفيه آكاديون، وكأنه عبارة عن لغات مختلفة، أجناس مختلفة، أعراق مختلفة، سمات مختلفة، وثقافة مختلفة، رغم أنهم كلهم عاشوا بنفس الجغرافية، وأن هذه المنطقة الجغرافية لم يصمت التاريخ عنها لحظة.
كان التاريخ متواصلًا، حياة مباشرة، لم تحدث فيه فترات انقطاع، ولا مات هذا الشعب كليًا، أو قُتل أو أُهلك، كيف تبرر القراءة الاستشراقية التي تميّز ما بين سومر وآكاد إلى آخره، بينما أنه هذه الجغرافية واحدة؟
عارف: هذه نقطة ثانية. النقطة الأولى هي ما بدأت به. سأوضحها بإيجاز، وبعد ذلك ننتقل للنقطة الثانية.
للذين يقولون بأنه الحدث التراثي لا يرتبط، أو غير موجود في الكتابات المصرية القديمة، وليس هناك دليل على الإطلاق بما هو موجود، في الحقيقة، ارتبط الحدث التراثي بمن؟ ببني إسرائيل، موسى وقومه، أليس كذلك؟
موسى كان نبيًا معارضًا لمن يعتبر نفسه إلهًا. هل نتوقع من ملك أن يقول: «أنا ربكم الأعلى»، أن يكتب قصة نبي معارض له، أو حادثة الخروج أو الغرق؟ هل يمكن أن يكتبوها؟ لو كتبوها ستكون كارثة على مستوى مصر والشرق القديم بالنسبة للملوك؛ لأنهم المؤلفون أنفسهم. وبالتالي تجاهلوها تمامًا.
أيضًا حتى المستشرقون اليهود يقولون إنّ بني إسرائيل كانوا مجرد حزب صغير، يعني، ليسوا بالأهمية التي يمكن تغير، أو تجعل الكتابات الناس يتحدثون عنها، بل أريدها أن تُغيب؛ لأن من قام بها نبي، وبالتالي سيقضي على كل الديانات الموجودة، لكن ثبت تاريخيًا أن كلمة فرعون موجودة في الكتابات المصرية القديمة، وليس كملك، وإنما…
باسم: لكن المؤرخون المصريون الحداثيون ينفون مطلقًا وجود هذا اللفظ حتى في الكتابات.
عارف: غير صحيح، وأنا أقول لك الآن لماذا؟ أستاذنا، الأستاذ الدكتور عبد الحليم نور الدين، هو أستاذي في البكالوريوس، يعني، دائمًا يتبنّى اليمنيين، يرحمه الله كأبنائه، لديه كتاب عن اللغة الهيروغليفية، أتى بمجموعة من الأسماء وذكر فيه، وأكد أن فرعون كاسم كان موجودًا «بر-عا»، يعني القصر الملكي، والبيت العظيم.
باسم: يعني وصف المؤسسة؟
عارف: نعم.
باسم: ليس لشخص.
عارف: اسمح لي أوضح النقطة هذه لأنها متسلسلة، هذا كان في القرن السابع عشر قبل الميلاد، كان يطلق على القصر الملكي، ووجد كتابات كثيرة تدل أن «بر-عا» معناه البيت العظيم، والقصر العظيم، بعد ذلك في الدولة الحديثة عندما طُرد الهكسوس، وأُقيمت الإمبراطورية حكمت مصر بلاد الشام بالكامل، وكان النفوذ الكبير أيضًا على السودان إمبراطورية كبيرة جدًا، خُلعت هيبة اسم القصر الملكي على الملك نفسه، وصارت منذ القرن الخامس عشر منذ عهد تحتمس الثالث لقبًا ثانويًّا، أُطلق لقب «بر-عا» إلى جانب اللقب الرئيسي، الذي هو ملك في نسو بمعنى ملك، للملك المصري الذي كان موجودًا حتى أنه يوجد خراطيش يُكتب اسم الملك بلقبه الأصلي ملك معناه بير سود بالهيروغليفية، وبرعون بمعنى سيد القصر، فبعد ذلك ظهر بكثرة، وصار ثانويًّا حتى جاءت الأسرة التاسعة عشرة، وقفز إلى الألقاب الرئيسية في العصر المتأخر، يبدأ العصر المتأخر من الأسرة 21 حتى الأسرة 31 صار فرعون أحد الألقاب الملكية الموجودة، بل أحيانًا يُلقب تمامًا.
لماذا شاع لقب فرعون؟ شاع لقب فرعون في الحقيقة في الكتابات…
باسم: وهل هو هذا الفرعون، فرعون الخروج؟
عارف: الآن نتكلم عن اللقب، كيف تطور؟ فالخارج تحدث عن فرعون؛ لأنه لقب الملك المصري طويل ومتعدد الأسماء.
خروج بني إسرائيل من مصر: جدل الرواية والدليل
باسم: الاهتمام بالقصة؛ لأنه ارتبط هذا الاسم فرعون بخروج النبي موسى ببني إسرائيل، والقصة المذكورة سواء بالأسفار اليهودية اليمنية – أنا أسميها «اليمنية» – والقصة القرآنية، الحدث مذكور في التاريخ، ومنصوص عليه، لكن قراءة الحدث فيه اختلاف حولها، سواء فيه اختلاف في كيفية تطور الحدث، واختلاف الجغرافيا.
القراءة المصرية الحديثة حاليًا تنفي أن يكون حدث الخروج وقع في مصر، علماء الآثار اليهود الإسرائيليين أيضًا ينفون. إسرائيل فنكلشتاين يقول: «لم يكن موسى في مصر ليخرج منها»، العلماء المصريون الحداثيون أيضًا ينفون هذا الحدث.
أنت تعيد علينا القراءة التي تعودنا عليها: أن مصر كانت المكان الجغرافي لحدث الخروج، وأن الخروج صار من مصر، وأن اليهود لما خرجوا، حسب ما تذكره – ما يُسمّى تجاوزًا التوراة، هو «التناخ»، أنه كان هناك 200 ألف، يعني حوالي 600 ألف و 600 ألف ضيف العائلات.
تتحدث عن 2 مليون أو 3 مليون، هذا الخروج أدّى إلى انهيار مصر، فلا يمكن هذا الخروج أن يُربط في مصر؛ لأنه الوقائع لا تثبت ذلك.
عارف: هذه وجهة نظر.
باسم: لا، ليست وجهة نظر، هذه قراءة واقعية.
عارف: نناقشها علميًا. الذي يقول 1 أو 2 مليون…
باسم: أنا أناقش الموضوع من زاوية نقد السردية التاريخية. ما هي الأدوات التي نحتاج لنستخدمها لنقد هذه السرديات؟ يعني، لدينا أكثر من سردية تاريخية.
لديك سردية الوجود الفلسطيني في اليمن، في العراق، في الشام، في مصر، هذه السرديات التاريخية، ظلال القراءة الاستشراقية للحدث التوراتي، بالنص العبري تمّت ترجمته، هنا الخلل، وأُسقط على الجغرافية التي كنا نتحدث حولها.
الآن نقد هذه السردية، ما هي الأسس التي يجب اتباعها لهذا النقد؟ العلماء المصريون الحداثيون ينقدون هذه السردية بناء على وقائع، سواء نقشية، أو حتى أثرية.
هناك وقائع تثبت أنه الحدث لم يكن في مصر.
أنت تقول كان. أنت تعيد عليّ الرواية القديمة نفسها التي تعلمناها.
عارف: شكرًا. في الحقيقة أنا لا أعيد، ولكني أصحح، هؤلاء الذين أتوا وركبوا التاريخ…
باسم: لا، أنت تصححهم بالرواية القديمة التي هم نقدوها.
عارف: أبدًا، ليست هذه القصة. مثلًا، تحدثت عن القرآن وأنها وثيقة: «لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه» أليس كذلك؟ كلنا نؤمن به. تعرف بأنه هناك إعجاز تاريخي مهم في القرآن. عندما في عهد يوسف عليه السلام، لأنه كان في عصر الهكسوس، جاء في القرآن: «وقال الملك إني أرى سبع بقرات». لاحظ وقال من؟ الملك، عندما تحدث عن موسى، ذكرنا ذا؟
باسم: فرعون.
عارف: فرعون و «نادى فرعون في قومه: أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون»؟ ما هو الفرق؟ أيام موسى عليه السلام كان الملك يلقب ملكًا إلى بداية الدولة الحديثة.
في عهد موسى عليه السلام كان اللقب «فرعون» قد صار ضمن الألقاب الشائعة.
لاحظ الدقة القرآنية في النقد التاريخي عندما ننظر إليه كمصطلح. فالمصطلح عندما يباد في عهده، إذن هذا إعجاز موجود.
الأمر الثاني: اسم موسى اشتهر في مصر بالنقوش، ومن بينهم شخص حوكم، وعرض على المحاكم، وحكمت عليه بأشياء.
الأمر الثالث: ما يتعلق الذي هم، طبعًا، ما يتكئون عليه: أنه ليس لدينا أي أثر في الثنايا يدل على الخروج. لماذا؟ وهذا حقيقة. لماذا؟ لأن بني إسرائيل تاهوا في الأرض أربعين سنة، أربعين سنة تيهًا في الأرض.
إذن، أربعين سنة، هل هم كانوا يعلمون أنهم سيبقون في التيه أربعين عامًا؟ لم يعرفوا؛ لأنه عقوبة. ولهذا ظلوا منتظرين: اليوم سنغادر، غدًا سنغادر.
فعاشوا في الخيام؛ لأنهم عاشوا في الخيام فلا يوجد لهم آثار، لا مباني، لا قصور ولا قلاع فلم يكن موسى عليه السلام ملكًا حتى يبني قصرًا، ولا أي شيء.
السردية الاستشراقية وتاريخ العراق القديم
باسم: فيه رواية أخرى أنهم فعلًا عاشوا في منطقة بعيدة عن أرض الميعاد، منطقة حول أرض الميعاد. وهناك مؤرخون أو دارسون للتاريخ الإسلامي، دارسون للتاريخ وفق تراث النص لسانيًا، النص التوراتي، أو نص الأسفار اليهودية لسانيًا، أن الجغرافيا اليمنية كانت هي الأكثر ملاءمة لفترة التيه.
والتيه هنا كان عقابًا، لا أنهم ذهبوا شرقًا وغربًا، ولا يعرفون الطريق؛ لأنه مُنعوا من الدخول لهذه الأرض التي وعدوا فيها، التي هي مهيئة للحياة البشرية بطريقة أفضل عقابًا لهم. أنا لا أريد الدخول في هذا، أنا أركز فقط على منهجية النقد السردي.
أنا أتفق معك أنه لننقد سردية يجب أن نتبع منهجية خاصة. هذه السرديات التي هي جزء منها السرديات التوراتية، التي هي قراءة الاستشراق للأسفار اليهودية، لدينا قراءتان: عندنا القراءة المباشرة النصية، وقراءة الاستشراق. أنا في رأيي تم تطويعها لتلائم رغبات استعمارية، وأُسقطت على جغرافية تخالفها. عند تتبع الحركة في النص من مكان إلى آخر، هل الجغرافية المتعارف عليها فلسطين، أو بلاد الشام؟ تتعارض. تلك ينطلق من النقطة «أ»، فجأة تراه في النقطة «ص»، بينما عند تطبيق هذا على الجغرافيا تشعر أنه «أ، ب، ج»، وأنا لا أريد أن ندخل في هذا الموضوع، أريد أن أدخل في فلسفة نقد السرديات.
عارف: نعم، هو في الحقيقة ندخل في فلسفة نقد السرديات من هذا الموضوع. أفضل بذلك، يمكن أن نتحدث عنه على سبيل المثال…
باسم: لا، هناك نقد السرديات في العراق، تم تصوير مجتمع واحد أنه عدة مجتمعات، وعدة لغات، وعدة ثقافات.
عارف: هذا ما كان المفروض أن نتحدث عنه، هل نبدأ فيها، أم نكمل؟
باسم: لا نبدأ فيها.
عارف: نبدأ فيها. بالنسبة للعراقيين القدماء، معروف طبعًا أنها عبارة عن سلالات حاكمة، سلالات حاكمة كانت من أيام السومريين، ومن أيام الآكاديين الذين أعتقد أنهم هاجروا إلى الجزيرة العربية، والبابليين أيضًا من أصول الأمورية كانوا موجودين في بلاد الشام، وفي الجزيرة العربية وغيرها.
لكن عندما تجد ثقافتهم، هي ثقافة واحدة، ثقافة واحدة في الكتاب، ثقافة واحدة في المعبودات، ثقافة واحدة في الفهم، ثقافة واحدة في العادات والتقاليد، في الحياة اليومية.
باسم: بالتأكيد كانت لغة واحدة.
عارف: فليست هناك مشكلة، الوحدة الحضارية موجودة، الوحدة الحضارية موجودة، وفي مصر الوحدة الحضارية موجودة. أسرة تنتقل، الأسرة الأولى، الأسرة الثانية، الأسرة الثالثة، هناك مثلًا السومريون، والآكاديون، أو يسمّونهم «السلالات».
باسم: يعني، أسر مختلفة حكمت نفس المجتمع.
عارف: أسر مختلفة حكمت.
باسم: على مدار التاريخ الذي قلت.
عارف: نعم، لكن الوحدة الحضارية موجودة، وهذا بالمناسبة موجود في اليمن، وموجود في اليونان، موجود في كل مكان.
وحدة المجتمع وتعدد السلالات في العراق القديم
باسم: أنا أؤيد هذا الاستنتاج، لكن لماذا الاستشراق الأوروبي، أو المؤرخون الأوربيون، عند قراءتهم لهذا التاريخ، قدموا لنا السومريين شعبًا مختلفًا، والآكاديين شعبًا مختلفًا، والآشوريين شعبًا مختلفًا، والبابليين شعبًا مختلفًا؟ وبالتالي، فترات زمنية متباعدة، تواريخ مختلفة، جغرافية مختلفة، رغم أنه الجغرافيا كانت موحدة، لكن اللغة مختلفة، أجناس مختلفة، وثقافات مختلفة. لماذا؟
عارف: هو، في الحقيقة، أنا كمؤرخ، سأجيب بدقة على هذه النقطة: هم لم يقدموا كشعوب مختلفة، وإنما قدموها كواقع موجود ومتشعب، ولا بد من تجزئته. عندما نتحدث عن السومريين، لهم نصوصهم الخاصة التي كانت تصويرية. عندما نتحدث عن الآكاديين، لهم نصوصهم الخاصة في مرحلتهم.
هم يتحدثون عن مراحل تاريخية، وليس عن جماعات منفصلة لا علاقة لها ببعضها البعض.
وفي نفس الوقت أيضًا كانوا متناحرين، مثلما كان الآشوريون مع البابليين، مثلما دويلات المدن السومرية أيضًا، دخلت في صراعات للسيطرة على بعضها البعض…
باسم: الصراع كان ما بين سلطات الحكم، وليس بين المجتمع الواحد.
عارف: أنا قلت لك: المجتمع موحد حضاريًا.
باسم: لكن قراءة المؤرخين الأوربيين، أو المستشرقين قدموها فعلا؛ أنه صحيح قدّموها حقبًا زمنية مختلفة، لكن هذه الحقب الزمنية قُدمت على أساس شعب مختلف، وجغرافية مختلفة، وتاريخ مختلف مهما قُدم، أم نحن فهمناها خطأً؟
عارف: ربما وصلتنا الفكرة خطأً، لا أنهم فهموها خطأً. كيف قدموها؟ أن السومريين كانوا في جنوب العراق، والآكاديين كانوا أيضًا في جنوب العراق، والبابليين كانوا في جنوب العراق، الآشوريون حكموا من شمال العراق.
فهذه هي القصة عندما تُقدم أين كانت الأسرة الحاكمة؟ وأين تمركزها؟ فعندما قُدمت؛ لأنه هؤلاء في شمال العراق، وهؤلاء في جنوب العراق، وهؤلاء في وسط العراق، كتحصيل حاصل، لكن ليس للتفريق الحضاري، لم يحصل على الإطلاق.
لكن متى حصلت المسألة؟ والدليل على ذلك، لاحظ مثلًا عندما قام الملك الآكادي «سرجون الأول» بتوحيد الممالك السومرية، وتأسيس الدولة الآكادية كلهم عاشوا كمجتمع واحد، وكلغة واحدة. ليس هناك مشكلة حتى نعتمد اللغة السومرية ضمن اللغة الآكادية.
بل أيضًا «حمورابي» في العصر البابلي القديم وحد كل العراق القديم، ولا يوجد أي اختلال، ولم يوجد أي مشاكسات في الثقافة والدين والمجتمع.
في العصر الآشوري الحديث أيضًا توحدت بلاد العراق بالكامل، وصارت إمبراطورية على مستوى الشرق القديم، وكذلك في الدولة البابلية الحديثة، وبالتالي، لا توجد شعوب متفرقة، ولكن يوجد أسرات مهيمنة، سلالات مهيمنة.
تشظي الهوية العربية وأزمة قراءة التاريخ والحضارة المشتركة
باسم: أنا أتفق معك، لكن في الذهن العربي الجمعي ليس كما تتحدث. أنا أتفق معك، وهذا كلام صحيح، استنتاج صحيح، لكن كيف في الذهن الجمعي العربي؟ حتى في المدارس، ترى أن هناك فترات، أحقاب زمنية مختلفة، وأحدثت انطباعًا، أحدثت فهمًا، لا انطباعًا، فهمًا أنه نتحدث عن شعوب مختلفة، بثقافات مختلفة.
لماذا هذا الفهم الذي أنت تتحدث عنه؟ هو صحيح، أو استنتاج صحيح، لماذا لا يبدو سواء في كتب التدريس، أو منهج التدريس عند العرب؟ لأنه اسأل أي إنسان عربي، يقول لك: السومريون يختلفون عن الآكاديين، والبابليون يختلفون عن كذا والآشوريين.
حتى الآن، في العراق مجموعة تقول لك: أنا آشوري. ألستَ أنت بنفس المجتمع، تتحدث نفس اللغة، نفس الجغرافيا، نفس التاريخ؟ يعني، لم تعش في بقعة جغرافية منفصلة، ولم تعش في تاريخ منفصل، أو زمن مقتطع من التاريخ، أنت عشت فيه مختلف.
فهذه الفكرة حتى الآن موجودة.
عارف: نعم، تستطيع أن تقول ربما أنه بسبب سوء تقديم الفكرة، لم تقدم الفكرة بوحدة حضارية، وإنما تقدمت كتحقيب تاريخي، قُدمت كتحقيب تاريخي، وهذه مشكلة من المشاكل الموجودة. لكن عندما تنظر لها كعلم، أبدًا لا يوجد…
باسم: لماذا لم تتضح الفكرة؟ لماذا لا يوجد توضيح لهذه الفكرة، مثلًا، في كتب التاريخ التي تعلّم؟ غير موجودة عند الطلاب، غير موجودة يا دكتور.
عارف: أنا أُدرِّس في الجامعة، وأُدرِّس هذا الكلام، وفي كتابي «تاريخ وادي النيل، مصر والسودان» أتكلم عن وحدة حضارية ثقافية واحدة. في كتابي الثاني «العراق وبلاد الشام» أتكلم عن وحدة حضارية…
باسم: أنا أودّ أن تكون هذه الفكرة سائدة. حاليًا، في مصر هناك أناس يقولون لك: أنا فرعوني، فلسطيني يقول لك: أنا كنعاني، مباشرة، هذا يقول لك: أنا آشوري، وهذا يقول: أنا آرامي، في سوريا يقول: أنا آرامي، واللبناني يقول: أنا فينيقي…
عارف: في الحقيقة، المبالغة في توضيح الصورة السياحية، كل واحد يتباهى بالحضارة التي كانت في بلاده لجذب السياح بقدر الإمكان، انعكست بعد ذلك على طبيعة فهم المجتمع لذاتهم، وأنهم مجموعة منزوية.
لكن عندما تنظر لتاريخ الشرق القديم كله، ستجد أن كل وحدة حضارية، من العراق إلى الشام، إلى مصر، إلى الجزيرة العربية وحدة حضارية ثقافية، شعوب تتحرك من هنا وهناك، وبالتالي، المسألة بالفعل قصور في توضيح الفكرة وليس حقيقتها، وهذا الذي اشتغل عليه الآن بعض المشتغلين…
باسم: خلل في التسويق السياحي.
عارف: نعم، خلل في التسويق السياحي كجزء. عندما يعتز الواحد بحضارته، وأنها أفضل حضارة، من حق أي بلد طبعًا، من حق أي بلد، ولكن الطريقة التي قدموا بها الحضارة للشعب سياحيًا أحدثت هذا الخلل.
باسم: لدرجة أنه هناك صار هناك من يطرح هذه، تبني هذه الطروحات الجزئية، أسميها أنا، وإسقاطها على أن تكون جزءًا من الهوية الذاتية. صار هناك استعلاء في طرحها، وأدت إلى نوع من التناحر بين هذه الفكرة وهذه الفكرة. هذه الهوية، يعني، أدّت إلى قيام هويات أنا أسمّيها «هويات جزئية مجزئة».
لكن هذه الهويات بدأت تأخذ دور الصراع ضد الآخر، بدأت تدخل في أدوات الصراع والتمايز المختلف عن الآخر، بينما أنت تتحدث عن ثقافة واحدة، وعن لغة واحدة، وجغرافية واحدة، وتاريخ واحد، وهو نفس الزمن.
عارف: نعم، تعرف ما هو السبب؟ السبب في الحقيقة، هو ظهور تواريخ السرديات المتخيلة. السرديات المتخيلة بالفعل نقلت الجغرافيا من مكان إلى مكان، والتاريخ من مكان إلى مكان ساهمت في هذا التشظي الموجود، أنا مصري، أنا عراقي، أنا يمني، وصارت، عندما تنظر في وسائل التواصل الاجتماعي تناحر كما صورته أنت، وغابت الوحدة الحضارية.
لماذا؟ لأنهم صاروا ينكرون هذا الحدث التوراتي، هذا الحدث الذي قام في مصر، ينكرون أنه هناك حضارة كانت قائمة في فلسطين، ينكرون أن المعارك كانت تدور في بلاد الشام، ونقلوها إلى بلاد اليمن، نقلوها إلى الجزيرة العربية.
عندما، على سبيل المثال، تجد كمال الصليبي، وأحمد داوود، عندما ينقلون جغرافيا التراث إلى عسير، وعندما يأتون بتحتمس الثالث، أشهر ملوك مصر، وأكثر من قدم في تاريخ مصر القديم وآثاره موجودة في كل مكان، قالوا بأنه كان في عسير، قزموه لدرجة أنه كان شيخ قبيلة أدار معركة كذا، بينما عنده مئات النصوص والمعابد والآثار الموجودة للملك تحتمس الثالث في مصر، وغيبوها تمامًا، بأننا لا نؤمن بهذه القراءة، تحت حجة، مبرر: لا نؤمن بهذه القراءة الاستشراقية.
الاستشراق وإعادة تشكيل الهوية العربية: بين القراءة التاريخية والسردية الاستعمارية
باسم: عودة للقراءة الاستشراقية اللاهوتية للنصوص. هل هم سبب تشظي الهويات في المجتمعات العربية؟
عارف: من؟
باسم: الاستشراق. هل أنت مع هذه الفكرة؟ هم الذين قرأوها، وبالتالي، الإسقاطات التي نتجت، الهويات التي نتجت عن القراءة هي التي أدت إلى تجزئة هذا اكس، وهذا س، وهذا ص، وهذا ع، بينما أنت تتحدث عن نفس المكون المجتمعي، عن نفس المكون البشري، نفس الثقافة، نفس اللغة، نفس الجغرافيا، نفس التاريخ، إن لم يكن نفس التدين.
عارف: عندما تدرس تاريخ الاستشراق، باستثناء الإيجابيين منهم، ليسوا جميعًا، تجد أنهم أصلًا كانوا يهيئون لسيطرة استعمارية، يهيئون الأمة لسيطرة استعمارية. وبالتالي، لا يمكن أن تستعمر أمة إلا إذا أدخلت فيها المشاحنات والمناطقية، والتعصب لهذه الحضارة أو تلك، والاعتزاز بالوطن أو غيره.
فهذه الثقافة خرجت حتى بالعلماء إلى مسألة غير معقولة. يعني، على سبيل المثال، الدكتور خزعل الماجدي عندما ينكر عروبة أهل سبأ، ويقول: السبئيون واليمنيون بالكامل قبل الإسلام لم يكونوا عربا. لماذا؟ مبرره الوحيد لماذا؟ قال لي: لأني لا أستطيع قراءة المسند مثلًا.
وهل تستطيع فهم القصيدة الجاهلية؟ إذا لم يكن عندك معجم لغوي بكلماتها الصعبة؟ حتى أنه في لقاء بيني وبينه قلت له: هل من أجل أن أثبت أنك عربي أقول: خزعل العربي؟ ألستَ خزعل الماجدي العربي، تحصيل حاصل لا يحتاج. العرب كأنهم أنفسهم بمهنهم، بقبائلهم، بمناطقهم، أو بالأسرة الحاكمة، لم يقل أحد على نفسه أنه عربي، وبالتالي، مبرر لا قيمة له على الإطلاق.
عندما يأتي مثلًا كمال الصليبي بمصر إلى عسير ويقول: هي المصرمة، يعني، مصر هذه الكبيرة الطويلة العريضة، سبعة آلاف سنة، من أعظم حضارات العالم، يقول لك: هي قرية المصرمة، أو مصران في…
باسم: لا، كمال صليبي لم يقصد أن يصغّر مصر هذه. لا، هو قال إنّ مصر الحالية كثقافة وحضارة عظيمة…
عارف: غير مصر توراتيًّا.
باسم: غير مصر توراتيًّا. حضارة مصر لا أحد يستطيع إنكارها، من ينكرها؟
عارف: ولهذا السردية جاءت شرخًا، شرخ للسردية الجديدة أحدثت شرخًا هائلًا؛ لأنها قامت على الوهم، الوهم. عندما نتحدث عن جغرافيا، ما هو معيار نجاح الفكرة؟ منهجيًا، دكتور، وأنت دكتور يعني، ولذلك أثق تمامًا أن من أمامي سيقتنع.
عندما تجد الجغرافيا، متى تفشل الفكرة الجغرافية؟ عندما تفشل في تطبيق الحدث التاريخي عليها، كيف أنت قلت إنه تحتمس الثالث كان في عسير، وهو موجود عنده آلاف النصوص؟
كيف تقول رمسيس الثاني كان في عسير، وهو عنده آلاف النقوش؟ كيف تقول أن الآشوريين كانوا في اليمن كما قال فاضل الربيعي، وهم لم يصلوا إليها، وعندهم آلاف النقوش؟
الاستشراق واسقاطاته الجغرافية
باسم: لكن، أنت توجه النقد للذي يحاول أن يتصدّى لقراءة التشظي في القراءة الاستشراقية. هم يحاولون أن يقولوا: لا، أن القراءة خطأ. أنت، النقد الذي توجّهه، يجب أن يوجه للقراءة نفسها، لقراءة الاستشراق.
سؤالي: لماذا الاستشراق؟ أنت جزء منهم، سمّهم يعني حسني النية، سيئي النية.
لماذا قُرئت هذه النصوص بإسقاطات جغرافية أدت إلى تشظي الهويات عند العرب؟
عارف: كما قلت لك، بالنسبة للمستشرقين، يهيئون للهوية الاستعمارية، ولا يمكن أن يستطيعوا استعمار أمة إلا إذا لم تكن موحدة، تكون متصارعة في الهوية، تكون متصارعة في الجذور، تكون متصارعة في الأصول.
والمسألة، عندما تنظر إلى نفسك، أنا وأنت، وكل الموجودين، نحب بعضنا بعضًا، ونعتز ببعضنا بعضًا، هوية واحدة، وانتماؤنا واحد، لكن هم أرادوا غير ذلك؛ لأنه لا يمكن السيطرة على مجتمع إلا إذا أوجد لديه حالة التي أسماها «مالك بن نبي»: القابلية.
عندما توصله إلى حالة «القابلية»، يتقبل هذه الأفكار، أفكار التشظي، وأفكار صناعة الموجودة، تستطيع أن تسيطر عليه. ولذلك السردية الموجودة الآن، التي أنتقدها، وانتقدتها في كتبي من قبل «التراثيين إلى العرب»، يسيرون على نفس الطريقة، بالمناسبة، بنفس الاتجاه، بحجة أنهم يصححون.
يصحّحون كما يقولون الجغرافية التوراتية فيها خطأ، والنص التوراتي بالجملة صحيح هكذا، والخطأ في الجغرافيا، وبالتالي لا أثر للآثار الموجودة، والكتابات المكتوبة.
باسم: هو أثار العودة. أنا قارئ للكثير من هذه التي تتحدث عنها، بما فيهم اليهود…
عارف: الحوار معك شيق.
السردية التوراتية والتاريخية لليهود وإسرائيل في فلسطين
باسم: بمن فيهم الأثاريون اليهود، هم أيضًا رجعوا للنصوص، ووجدوا النصوص لا تنطبق على الجغرافيات التي اختُرعت. يعني صار هناك اختراع للجغرافيات، سواء بفلسطين، أو مناطق بلاد الشام، أو حتى مصر.
عند تطبيق النص بين الموجود على الجغرافيا، وُجد أنه لا يوجد تطابق، ما تسميهم أنت، بين قوسين وأنا لا أشاركك هذا الرأي، (التوراتيون العرب)، هي محاولة لقراءة نفس النص، واستنطاقه جغرافيًا.
الآن أجمع الكثير، بمن فيهم، لاحظ أنا ذكرت لك حتى «شلومو ساند» اليهودي، «زئيف هرتسوغ»، «إسرائيل فنكلشتاين»، «نيل آشر سيلبرمان»، من العرب عندك، ذكرتهم أنت، وتعرفهم كلهم، حتى هناك مستشرقون آخرون: عندك المستشرق ديفيد جيلمور، لديك فلهاوزن، كلهم، كيث وايتلام، وتوماس طومسون.
كلهم اهتموا بالجغرافيا اليمنية على أساس علّ وعسى أن تكون هي فعلًا المكان الذي حدثت فيه القصة التوراتية.
الآن، حتى ننتهي من هذا الجدل، أنا لا أسميها القصة التوراتية؛ لأنه أنا أقول التوراة التي أُنزلت ما بعد النبي موسى، لا علاقة للنبي موسى بالتوراة. في القرآن، الرواية القرآنية تقول: إن القراءة أُنزلت للنبيين الذين أسلموا ليحكموا في الذين هادوا… إلخ
وبالتالي، نزلت التوراة من بعد موسى، يجب استثناء النبي موسى من التوراة. أُنزل على النبي موسى الكتاب والألواح، وهذا شيء مختلف كليًا. الآن التوراة لا علاقة لها بالنبي إبراهيم…
عارف: وجهة نظر، كثير من وجهات النظر.
باسم: حسب النص القرآني…
عارف: وجهة نظر، في تفسير النص القرآني، وجهة النظر في تفسير النص القرآني.
باسم: وجهة نظر لسانية، دعنا نقول، لكن أنا لا أحب أن نسميها «التوراة»…
عارف: العهد القديم.
باسم: العهد القديم. أو التاريخ. أنا أسميها «الأسفار اليهودية». لماذا؟ لكنني أريد أن أخرج من هذا الجدال…
عارف: فقط نقطة، لو سمحت لي: الآن، مثلًا، هل الباحثون العرب، وهؤلاء الذين قدموا رؤية وسطية جديدة، هل هم ملزَمون بأن يثبتوا صحة التوراة، ينقدونها من مسائلها؟ إذا كان طومسون، وكيث، وكثير ممن ذكرت، يثبتون أن التاريخ التوراتي غير صحيح، ولا يعتد به كتاريخانية، كنصٍّ تاريخاني، لمَ تثبته في بلد آخر…
باسم: ليس فقط طومسون، أيضًا عندك إسرائيل فنكلشتاين، في كتابه «The Bible Unearthed»، وهو اكتشاف حقائق التوراة.
هو يقول كالتالي بلسانه: وضع ثلاث فرضيات: هل النبي إبراهيم ذهب إلى فلسطين؟
هل يوشع بن نون دخل أريحا، وبالتالي دمر أسوار بالمزمار؟ هل النبي موسى وصل لهناك؟ هو يقول عن هذا كله: لا؛ لا النبي إبراهيم دخل فلسطين، ولا يوشع بن نون دخل أريحا، ولا النبي موسى كان في مصر حتى يخرج منها، هو بلسانه يقول «وعليه، فمن أين جئنا؟».
وبالتالي اخترع نظرية سمّوها «نظرية الأصل»، ويقول: نحن جزء انشق، أو انبثق عن الفلسطينيين القدماء. هو بهذه النظرية يبرر أن الوجود الصهيوني اليهودي في فلسطين هو قديم، والجذر الأصلي الذي هو الفلسطينيون القدماء اندثروا، لم يعودوا موجودين.
فنحن موجودون هنا؛ لأننا موجودون في التاريخ.
يرد عليه زئيف هرتسوغ، يقول: إنه لا، هذا الحدث كله. لذلك حتى إن هناك جملة مشهورة تقول أن التوراة، بين قوسين، التي بين أيدينا لا تستحق أن نصنع عليها شكشوكة، بيض مع الطماطم.
شلومو ساند يقول، كتب كتابًا يقول، أو شيئًا اتهم فيه شعب إسرائيل نظرية مختلقة، أرض إسرائيل نظرية مختلقة. وهو يقول في هذا الكتاب: توقفت أن أكون يهوديًا، بمعنى أنه ينفي كامل السردية.
هم نفوا السردية، المصريون نفوا السردية، اليمنيون نفوا السردية، هذا الحدث أين حدث؟
عارف: هذا الحدث أين حدث؟ الإجابة عندما نريد الإجابة عنه، يجب أن ننقله لجغرافية أخرى، ونعطيه سردية أخرى. لا يمكن.
لو نظرنا بالمناسبة تاريخ فلسطين، سنجد أنه، وهذا تناولته في كتابي الآخر الذي هو «فوضى السرد»، كانت فلسطين عبارة عن دويلات متماثلة مثل باقي الشرق القديم.
هناك غزة، وهناك عسقلان، وهناك أورشليم، وهناك كذا وكذا.
من بينها دويلتان واحدة اسمها في التوراة اسمها إسرائيل ذات سرجون الآشوري سنة 721 ق.م، وكان كما قال عاصمتها السامرة، يهوذا أيضًا كانت دويلة مدينة، من الذي ضخم هذا؟ التوراة، قالت إسرائيل هذه حكمت الدنيا كلها، ويهوذا حكمت الدنيا كلها، الذين جاءوا الآن بحجة تصحيح السردية أعادوا فكرة تضخيم إسرائيل، وتضخيم يهوذا مثلما فعل فاضل الربيعي عندما قال: يهوذا هي سبأ، إسرائيل هي سبأ، وإلى آخره…
تفكيك السردية التوراتية والجغرافيا المتخيلة
باسم: في رأيي، الله يرحمه، فاضل أخطأ في هذا التقدير، لكن هناك آخرون كانوا دقيقين جدًا في وصف الجغرافيا، وهو حدث جغرافي في بقعة جغرافية، في منطقة محددة في اليمن، لا أكثر، وهذا الحدث عبارة عن مجموعة أحداث دارت ما بين أبناء عمومة، يعني، ليس ذلك الهيلمان الكبير.
عارف: أنا سأكمل لك الفكرة. من الأدلة التي يقولون عليها في هذا، نسبة الجغرافية اليمنية، خمسة نصوص كتبها اليهود في اليمن بين القرن الرابع والقرن السادس الميلادي، ذكرت اليهود، وأسقطوا عليها كل شيء. هذه متأخرة، من أي مكان اعترف بها اليهود.
باسم: دكتور، طالما نتحدث عن تفكيك السرديات، هذه السردية تحتاج لتفكيك دقيق، حتى على مستوى اللفظ، والاسم، والتاريخ، الجغرافيا يجب وجود جغرافيا للحدث…
عارف: هو فعل تاريخي له جغرافيا
باسم: حسنًا، ومجموعة بشرية ما رسمت هذا الحدث، وبالتالي، نحن نتحدث عن ثلاثة مكونات: المجموعة البشرية، الزمن، الجغرافيا. موجود هذا الحدث، يعني، هناك أماكن جغرافية تتلاءم أكثر من الأخرى، لكن أنا نقطتي كالتالي: نسب هذا الحدث إلى مجموعة بشرية عرقيا، ثقافيا، أو مليا، ملة أو دين.
نحن نحتاج للغة تفكيك. يعني، ربما قد يكون، دعني أفترض قد يكون هذا الحدث وقع في اليمن، لكن نسبه لهذه المجموعة دون غيرها ربما هنا ما يحتاج إلى تفكيك. وهنا المؤرخون مطالبون بالتفكيك الدقيق للمسمى، وللحدث، وللجغرافيا.
عارف: وهنا دور التاريخ.
باسم: ودور المؤرخين. ولهذا أنا معنيٌّ جدًا أن هذه السردية، كما قلت لك، أنه هذه السردية التي ظلالها، طبعًا، شملت كل قراءاتنا التاريخية، حتى تشظينا على مستوى الهويات والجغرافيات بناء على هذه التسميات، الذي حدث في سايكس بيكو، هو تشظٍ، انعكاس، أو ارتداد لهذا الفهم.
عارف: أنا انطلقت، دكتور باسم، في مشروعي النقدي من نقطة أعتبرها مهمة، وهي أن التاريخ يبدل الجغرافيا المتخيلة. طالما تخيلت جغرافيا، ولا تستطيع تطبيق الحدث، اختبار الحدث التاريخي عليها، لا يمكن أبدًا…
باسم: ولهذا سماها الدكتور فاضل الربيعي الله يرحمه «سماها فلسطين المتخيلة».
عارف: سماها «فلسطين المتخيلة»، وذهب بعيدًا. فعندما تسقط الحدث التاريخي على الجغرافيا المتخيلة، تجد أنه وهم. يعني، من الممكن يا دكتور منطقة تتشابه في اليمن، منطقة تتشابه في مصر، منطقة تتشابه في لبنان.
مثلًا عندنا دكتور لطيف إلياس ألّف كتابًا «لبنان التوراتي»، ومن ضمن الأشياء التي قالها: جبلة، منطقة جبلة في تعز تبعد 9 كيلومترات عن تعز، بينها وبين البحر 250 كيلومترًا، وقال إنها جُبيل، جُبيل في لبنان على البحر. يعني، كيف هذه الأشياء تتدخل في العقل؟ عندما قال صيدا في كمران، وأنها كانت في هذه المنطقة، وصور نقلها إلى صعدة.
باسم: إنصافًا للرجل، الدكتور، ربما قد توفي الله يرحمه. هو أستاذ للاهوت كان في الجامعة اللبنانية، كان، وأنا التقيته، وأنا قرأت كتابه…
عارف: أنا، بالمناسبة، لا أنتقد الاسم، ولكن الأعمال.
باسم: لا، ليس هذا انتقادًا، لكن إنصافًا لهذا الرجل، هو قال لي بلسانه: أنا إنسان لاهوتي، أؤمن باللاهوت، وأؤمن بالنبي عيسى، وكل حدث في بيت لَحم وفلسطين. لكن قراءاتي الأكاديمية بهذه النقطة استنتجت أن هذا الحدث في اليمن. هذا قوله، نتفق معه أو نختلف، لكن وهو أكاديمي، أنا احترمت أكاديميته.
لكن نحن ما زلنا في نقد السرديات. نحن فعلًا بحاجة إلى هذه السردية، دون الدخول بصراع نفي كامل، نفككها: كيف تركبت هذه السردية، وأصبحت ملك مجموعة بشرية كانت صغيرة في التاريخ؟ أُعطيت ثقافة خاصة بها، جغرافيا خاصة بها، تاريخ خاص بها، اسم خاص بها، دين خاص بها، ورب خاص بها، هذه التي تحتاج إلى تفكيك يا رجل.
عارف: لطيف إلياس، لاحظ الفرق بين جبلة وجبيل المتخيلة…
باسم: لا أناقش أنه، لا، ربما يخطئ الباحث في وصف الجغرافيا، لا شك، كونه ليس من اليمن. أنا أعتبر ما تقوله أنت أكثر دقة من الناس الذين لم يعيشوا باليمن؛ لأنه أنت ابن البلد.
وأيضًا أحيانًا ابن البلد لا يعرف البلد كلها.
أنا اطّلعت على خريطة كان أنتجها الجيش الأمريكي، خريطة يمنية لليمن. يا رجل، كل الأسماء الموجودة في الأسفار اليهودية موجودة فيها. لماذا؟ الآن سأريك إياها.
عارف: لأنهم قلبوا الأسماء التوراتية. على سبيل المثال، عندما نقرأ سينا أنها صينا، أو أنها سنا، ما علاقة السنا في العدين؟ هي منطقة جبلية، وليست صحراوية.
مثلًا عندما نقول الفرات بالفرث، غير معقول. عندما نقول وادي السحول هو نهر النيل، متى يا دكتور؟ نقديًا، كزاوية من زوايا النقد التاريخي المهمة، متى يمكن أن تفكر في دراسة جزئية عندما تكون مجهولة؟ أيُعقل أن أذهب لأبحث عن نهر النيل وهو موجود؟ هو موجود بتأثير في مصر، ما شاء الله ليل نهار، معقول ننفي نهر دجلة أو نهر الفرات الموجودين، أنا أركز على الأشياء التي ليست موجودة، ولا أنفي ما هو موجود، وأخترع مصر الأخرى، ومصر التوراتية، ولبنان الأخرى، ولبنان التوراتية.
هي سردية بالنسبة لي أنا كناقد تاريخي لا تؤيدها الوثيقة التاريخية على الإطلاق. وعندما تأخذها على الاختبار، وإن شاء الله ستقرأ الكتاب الذي أهديته لك، وأخضعت كل النصوص للاختبار، ستجد أنه بعيد جدًا عن الواقع.
وحدة الجذور اللغوية وتنوع اللهجات والخطوط في الحضارات العربية القديمة
باسم: عندي سؤال ثانٍ قبل أن ننهي، الذي هو استكمالًا لعملية النقد للنظرة الاستشراقية. أنت غطيت، ضمن قراءاتك أو أبحاثك، منطقة بلاد الشام، وباقي الحضارات في منطقة بلاد الشام، وبلاد ما بين النهرين، والجزيرة العربية، أريد أن أسأل سؤالًا: وطبعًا مصر، اللغة، هل وجدت لغة موحدة؟ هل لغة مختلفة؟ هل كانت هناك لهجات مختلفة للغة واحدة؟ أم هناك عدة ألسن، وعدة لغات، وعدة لهجات؟
عارف: هذه من أجمل ما هو موجود في حضارة الأمة العربية: وحدة الجذر، وحدة الأصل في اللغة، اللهجة واحدة، في الأبجدية واحدة، وفي بلاد الشام واحدة، وفي الجزيرة العربية واحدة، وحتى اليوم، عندما تنظر حتى لأصول اللهجات في الهيروغليفية، ستجد أنها واحدة، ولو أنه هناك من يقول بأنه الهيروغليفية خارجة، ولكنك تجد فيها وحدة حضارية مع ما هو موجود في هذه المنطقة.
الأذن أذن، والعين عين، والأخت أخت، والشعر شعر، كله موجود كما هو موجود في أصول اللغات. ما الذي تغير؟ لماذا؟ وهذا سؤال مهم: لماذا لا نفهم بعض النصوص؟ أو أنهم كتبوا في نصوصهم المناطق بشكل مختلف؛ لأنهم كتبوا باللهجة، بلهجتهم، وليس باللغة.
باسم: دعنا نفرق ما بين اللفظ، والترميز له، ما بين الخط، الحروف التي كُتبت فيه حروف مختلفة. لكن هل الحروف المختلفة التي كُتبت فيها النصوص كانت تتحدث عن نفس اللسان، أو نفس اللغة، مثلًا؟
عارف: إذا عدت لجذورها، تجدها واحدة بشكل لافت وعجيب.
باسم: يعني، لو أتينا بلوح مسماري بالخط المسماري، ونقش بالخط المسند، أو الزبور اليمني، هل يمكن أن نتحدث عن لغة واحدة، لكن كُتبت بخطين مختلفين؟
عارف: بخطين ولهجتين، ولكن ليس لغتين. المشكلة أن القراءة التي تُقدم لتاريخ الأمة خطأ، يقدّمونها بشكل منفصل تمامًا، كل بلد منفصل وحده، يعني، عندما تنظر مثلًا في قواعد…
دعنا نتحدث عن المستشرق إسرائيل ولفنسون في كتابه «تاريخ اللغات السامية». وجد جداول كثيرة، فلاحظ الكلمة الآكادية، والكلمة العربية، والكلمة في بلاد الشام، والسومرية، والفارسية، كلها جذورها واحدة، وأصولها واحدة، لا خلاف.
يعني كُتبت بجذر واحد، ولكن بخط مختلف، ولهجة مختلفة. وهذا طبيعي جدًا. لماذا طبيعي؟ لأن الهجرات، والتحركات التي حصلت في منطقة الشرق القديم، أغلبها كانت قبل مرحلة، قبل اكتشاف الكتابة، وبالتالي اختلطوا وذهبوا من مكان إلى مكان.
لاحظ كيف؟ بطبيعتهم، بلهجتهم، بأشيائهم. اليوم إذا جاء الدكتور باسم إلى اليمن، وبقي يمكن خمس سنوات، سيكتسب اللغات، مفردات اللهجة اليمنية، التحولات هذه عندما نتحدث عن التاريخ القديم دكتور، التحول لا يأتي بين عشية وضحاها، وإنما عبر آلاف السنين.
ولذلك، في تلك المنطقة اخترعوا خطًّا، هنا انتقل، هنا تطور، هنا كان له شخصيته، هنا كان له ميزاته. ولكن عندما تعود إلى الجذر ستجده لا اختلاف بين هذه اللغات بالكامل.
وما قدمه المستشرقون غير صحيح، وحدة الأمة واحدة ثقافيًا، لغويًا، غيرها.
أما نحن، نذهب لإثبات سردية جديدة متخيلة خارجة عن إطار الوحدة الحضارية للأمة، بل نجذر الانقسام، ونسيل لعاب الاستعمار، ونعطي شيكًا على بياض لآخر يطمع هنا وهناك، فهذا تقريبًا غير صحيح.
اللغة الفينيقية واللهجات والخطاب السياحي
باسم: أي شخص يمكن أن يخرج لي ويقول لي: أنا أتحدث «اللغة الفينيقية مثلًا»، يعني، أنا فوجئت جدًا.
تُصدم، يخرج لك أحدهم، طبعًا هم ناس عاديون مساكين، يتكلم اللهجة، نسميها لغة، وكيف تختلف عن اللهجة العربية؟
عارف: الخطاب السياحي، نريد أن نركز على الخطاب السياحي.
باسم: هل هذا جزء من الخطاب السياحي؟
عارف: الخطاب السياحي يُسوق بطريقة خاطئة جدًا. كل همهم أن يربطوا السواح بالمنطقة، وبالتالي يضخّمونه، وهو موجود بالمنطقة، صار جزءًا من الذاكرة الجمعية للشعب نفسه، صار جزءًا من شخصيته، من سلوكه، يدعي بالاعتزاز والفرح.
يمكن أن يُقدَّم بطريقة مختلفة، هذه كارثة في الحقيقة. السياسة السياحية، والخطط السياحية في توصيل الفكرة، في الترويج السياحي خاطئة مئة في المئة في البلاد العربية حقيقةً، أو تحدث شرخًا كبيرًا، وأتاحت للآخرين الانغلاق من خلالها إلى زوايا فرقت الأمة، ولم تقربها، رغم أننا أمة واحدة.
باسم: سؤال أخير قبل أن أُنهي هذا الحوار الممتع: الخط المسند، الحرف المسند، اندثر، رغم أنه جميل وهندسي، وكُتبت فيه ثقافة حضارة رائعة جميلة.
حين تنظر إلى الخط المسند تتغزّل فيه من جماله، ومن دقته. كيف اندثر؟
عارف: هذه المسألة ببساطة شديدة. طبعًا، بالنسبة للخط المسند، كان أيضًا بالمناسبة، يعني، كان لوقت قريب يعود للقرن الثامن قبل الميلاد، لكن في الحقيقة الحفريات…
باسم: أظنه أقدم من ذلك.
عارف: نعم، حفريات جديدة تمت في منطقة «يلا» القريبة على بعد 30 كم من مأرب، داخل مساكن سبئية، فوجدوا قطع فخارية، عبارة عن جرار لتجار، مكتوب عليها اسم صاحبها، بحروف مسندية. أرسلوا هذه الشقف الفخارية إلى روما، ومن خلال كربون 14 المشع، تبين أن هذا الخط يعود إلى 1200–1300 ق.م، وأيضًا شقف أخرى تعود إلى 1400 ق.م، ليس عليها الحروف.
ووجدت البعثة السوفيتية في ريبون في حضرموت نفس الشقف، ونفس الأسماء الشبيهة بها، ونفس الحروف، وتعود إلى 1300 ق.م، هذا أعطى لنا فارق 500 سنة لصالح المسند، أنه من 1300 وليس من 800.
هذه بحفرية واحدة، تخيل باقي المناطق، في منطقة واحدة في ريبون في حضرموت، ما زالت الأرض في باطنها الكثير، الجمال هذا كله في الخط السبئي حقيقة، ممكن أن نقول بأنهم يتغزلون بخطه الجميل، وحروفه…
باسم: والترميز الذي فيه واضح.
عارف: والترميز الذي فيه واضح. لماذا اندثر؟ السؤال هذا هو السؤال. اندثر بسبب أن أهل اليمن اعتنقوا الإسلام، وبالتالي القرآن بالحرف العربي، وليسوا بحاجة للكتابة بالخط المسند.
ولذلك اندثر كتابة المسند، وكل من اعتنق الإسلام يكتب بالخط العربي، ويتكلم باللغة العربية. والدليل على ذلك أن بعض حروف المسند باقية في الحبشة. لماذا؟ لأنهم مسيحيون، ما كتبوا بالخط العربي، فبقي فيه، في كتابهم إلى اليوم بعض حروف المسند، موجودة. ومعروف أن مملكة أكسوم في الحبشة، طبعًا أساسها مهاجرون يمنيون ثابت.
اندثار الخط المسند
باسم: هل الأصوات كلها موجودة، مرمزة بالحرف المسند، أم هناك أصوات؟
عارف: بالحبشة؟
باسم: لا، بالمسند؟
عارف: في المسند كلها موجودة.
باسم: كل الأصوات التي في العربية، مرمزة كلها؟
عارف: كلها مرمزة، باستثناء حرف واحد يسمّونه «…»، يعني قوسين متداخلين، وهو حرف السين. يستخدم في كتابة الآلهة، وفي كتابة بعض الأشياء المقدسة، مثل «شمس»، لا يكتبونها بالسين؛ الباء مقلوبة مع ألف.
باسم: بالخط الذي يُسمّى سرياني، الذي هو الخط الآرامي.
عارف: نعم، لكن الحروف الأبجدية العربية نفس الحروف الموجودة في المسند، ولذلك…
باسم: أقصد لا الحرف، أقصد الصوت، اللفظ، يعني، ع، ص، س، ق، ض، ظ، ع كلها موجودة في المسند، هل يوجد حرف غ بالمسند؟
عارف: لا يوجد، إلا هذا «س». ولذلك خليل يحيى نامي، العالم المصري، عندما حول الحرف المسند إلى الحرف العربي، قامت ثورة. يعني، في البداية كان الخط المسند يُحول إلى الحرف العبري؛ لأنه قريب أبجديًا منه، وبعد ذلك صار إلى اللاتيني.
جاء خليل يحيى نامي في الثلاثينات، وحوله إلى الحرف العربي، وصرنا الآن نقرأه في الحرف العربي، بدلًا من أن تقول…
باسم: لكن ليس فيه غ ض
عارف: بدلًا من أن تقول «ك ا» تقول «ك ر ب»، «و ت ا ر» نفسه، نفس الموضوع، ولذلك بالمناسبة، عندما جاء فاضل الربيعي، ورأى كتابة تحويل الخط المسند للعبري، لاحظ هذا: الخط المسند، هذا العبري، هذا اللاتيني، ماذا قال؟ قال: لدي آلاف النقوش العبرية باليمن؛ لأنه لم يفهم أنه تمت عملية ما يُسمّى «نقحنة»، تحويل الحرف السبئي للعبري من أجل أن يُفهم. وجدوا أن العبري غير متداول، حولوه إلى اللاتيني.
خليل يحيى نامي قال: لماذا اللاتيني؟ اللاتيني في الأبحاث الأجنبية، ولكن العربي للأبحاث العربية
الخاتمة، سبب اندثار المسند وعلاقته بالإسلام والحبشة
باسم: دكتور، لماذا حُول المسند إلى الخط العبري؟ هو الخط الآرامي
عارف: رؤية أبجدية.
باسم: هي الأبجدية الآرامية
عارف: نعم، ولماذا حولوه للعبري؟ هو سؤال مهم جدًا.
باسم: العبري هو الحرف الآرامي.
عارف: نعم، سؤال مهم جدًا. لماذا؟ لأنه أصلًا أولئك الذين ترجموا الخطوط القديمة، 90% منهم من معتنقي الديانة اليهودية، ولذلك…
باسم: من أتباع الملة اليهودية.
عارف: ولذلك كتبوا العبرية، باعتبار أن العبرية ضمن عائلة اللغات السامية الموجودة.
وبالتالي وجدوه، لكن وجدوا مشكلة بعد ذلك: لا أحد يستطيع قراءته، مثله مثل الخط الذي حوّلوه إلى لاتيني، أيضًا يقرأه الأجانب، ولا يقرأه العرب.
باسم: ألم يندثر بحكم أنه عدد الأصوات الموجودة فيه قليلة؟
عارف: أبدًا.
باسم: عدد الأصوات في الحرف الآرامي، حرف ما يُسمّى بالعبري، أو نفسه تقريبًا، أو ما يُسمّى بالسرياني فيه 22 صوتا.
عارف: إلا المسند، نفس الحروف العربية.
باسم: حرف «غ» قلتَ لي إنه غير موجود.
عارف: لا، موجود. كل الحروف، فقط أنه ال «س» مرتين.
باسم: إذن، ممكن، كما ذكرت، أنه بحكم أن القرآن نزل بالحرف العربي الحالي، الذي يسمّونه حرف الجَزم؟
عارف: نعم، الجَزم، وبعد ذلك صار الخط الذي هو الخط يعني… لكن في المسند عندما تقرأ بالمناسبة، أنت تقرأ العربية، يعني، مثلًا عندنا تجد: «كرب إل وتر»، «هقني المقه»، «ثهوان»، «صلمن»، «ذ ذهبن».
«هقني» من الجذر قنى، يعني قدّم. «كرب إل وتر» ملك سبئي.
باسم: لكن الاختلاف للتعريف.
عارف: نعم، الإله المقه اسمه «ثهوان». ماذا قدم له؟ «صلمن ذ ذهبن»، يعني تمثال ذهبي.
واضحة المسألة ليست فيها شائبة.
باسم: وهذا عودة لما قلته أنت: أنه هذه الثقافات كلها ثقافة بُنيت حول لغة واحدة، أو لسان واحد، وإنما لهجات متعددة، وخط مختلف بحكم اختلاف الجغرافية، إلى آخره، أو مكونات تقنية الكتابات.
عارف: نعم.
باسم: دكتور عارف المخلافي، أنا استمتعت بالحوار معك. شكرًا لك، الباحث والمؤرخ اليمني. أهلًا وسهلًا بك في منصة «مجتمع».
عارف: شكرًا جزيلًا على هذا الحوار، ودائمًا عندما يكون مقدم البرنامج واعيًا وفاهمًا، تشعر بإحساس بأنه يتحدث في العلم.
باسم: الله يبارك فيك. شكرًا، دكتور. شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج «مجتمع». إلى اللقاء.
