حين نقول إن محمدًا ﷺ في القرآن ليس محمدًا ﷺ في التراث الفقهي الإسلامي، فإننا لا نتحدث عن شخصين، بل عن صورتين لشخص واحد: صورة يقدمها النص القرآني في سياق الرسالة ومقاصدها، وصورة تشكلت عبر تراكم الروايات والتفسيرات والأحكام، واختلط فيها المنسوب إلى النبي باجتهادات الرواة والفقهاء وظروف المجتمعات التي عاشوا فيها. وبين الصورتين مساحات واسعة من عدم التطابق في مواضيع مختلفة. ففي بعض الأحكام تظهر فجوة تستحق السؤال: كيف يكون الرسول ﷺ مبلغًا لكتاب يقرر مبدأ، ثم تنسب إليه أقوال تستخدم لإقامة حكم ينازع ذلك المبدأ أو يضيّق مداه؟
هذا السؤال ليس إساءة إلى النبي، ولا يستلزم رفض السنة كلها، بل ينطلق من ضرورة التمييز بين محمد ﷺ التاريخي وبين المعرفة المنقولة عنه. فما قاله النبي بالفعل شيء، وما وصلنا منسوبًا إليه شيء آخر، وما استنبطه الفقهاء من المنقول شيء ثالث. والخلط بين هذه المستويات يمنح الاجتهاد البشري حصانة لا يستحقها، ويجعل الاعتراض على حكم فقهي اعتراضًا على الرسول ﷺ نفسه. عندئذ تصبح حماية الموروث أهم من التحقق من مدى وفائه للرسالة التي يستمد منها شرعيته.
ولا يجوز، في المقابل، تصوير التراث كتلة متجانسة، أو افتراض أن المحدثين لم يهتموا بنقد المتون. فقد عرفوا اختلاف الروايات وعللها، وناقش الأصوليون تعارض الأدلة وطرق الجمع والترجيح. كما أن وصف حديث بالصحة لا يعني عندهم دائمًا أن كل فهم شائع له صحيح. لكن هذه الجهود لا تلغي السؤال عن ترتيب المرجعيات: هل يبقى القرآن معيارًا لفهم المنسوب إلى النبي، أم تصبح الرواية، بعد تصحيحها وفق منهج معين، قادرة على إعادة تشكيل دلالة القرآن إلى حد يبدو معه تابعًا لها؟
يقدم القرآن محمدًا ﷺ رسولًا بشرًا، يتلقى الوحي ويتبعه، ويبلغه ويدعو إليه. وترد فيه حدود واضحة لوظيفته: «لست عليهم بمصيطر» (الغاشية: ٢٢)، و«وما أنت عليهم بجبار» (ق: ٤٥). كما يعرض عتابه في بعض الوقائع، ويأمره بالشورى، ويؤكد بشريته. هذه الصورة لا تنفي قيادته السياسية والعسكرية، لكنها تمنع تحويل كل ما ينسب إليه من تدبير ظرفي إلى تشريع أبدي. فالنبي الذي يعيش داخل التاريخ لا ينبغي أن يصبح، بفعل القراءة الفقهية، مصدرًا لإلغاء التاريخ والفروق بين أحوال البشر.
تظهر إحدى أبرز الفجوات في مسألة حرية الاعتقاد. يقول القرآن: «لا إكراه في الدين» (البقرة: ٢٥٦)، ويسأل: «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس: ٩٩). والقراءة التي تأخذ هذين النصين مأخذ المبدأ ترى أن الإيمان يفقد معناه إذا صار نتيجة تهديد. فالدين، من حيث هو اقتناع ومسؤولية، لا يمكن إنتاجه بالسيف؛ يمكن إجبار الإنسان على إعلان عبارة، لكن لا يمكن إجبار ضميره على التصديق بها.
في مقابل ذلك، يرد في صحيح البخاري حديث: «من بدل دينه فاقتلوه» (البخاري، ٦٩٢٢). وقد أصبح هذا النص من أهم مستندات عقوبة الردة في الفقه الموروث، مع اختلاف الفقهاء في شروط تطبيقها وبعض تفاصيلها. والإشكال هنا يتجاوز وجود عقوبة قاسية إلى طبيعة الفعل المعاقب عليه: هل يعاقب الإنسان لأنه اعتدى أو حارب، أم لأنه غيّر اعتقاده؟ فإذا كان مجرد الخروج من الدين موجبًا للقتل، فكيف نفهم حرية الاعتقاد التي يقررها القرآن؟
وتزداد المسألة إلحاحًا حين نقرأ آية تتحدث عن أناس آمنوا، ثم كفروا، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم كفروا مرة أخرى، قبل أن يزدادوا كفرًا (النساء: ١٣٧). فالآية تعرض حركة متكررة بين الإيمان والكفر، وتربطها بالجزاء الإلهي، من دون ذكر عقوبة دنيوية. وهذا لا يحسم بمفرده كل خلاف فقهي، لكنه يجعل تعميم القتل على مجرد تغيير المعتقد محتاجًا إلى حجة أقوى من افتراض أن الرواية تستطيع إغلاق السؤال.
حاولت قراءات معاصرة معالجة الإشكال بربط الردة المعاقب عليها بالمحاربة والخيانة السياسية والانضمام إلى معسكر معتدٍ. وهذا تمييز معقول من حيث فصل الاعتقاد عن العدوان، لكنه لا يمثل كل ما قاله الفقه التراثي التقليدي، ولا يجوز تقديمه كأنه محل اتفاق تاريخي. ثم إنه، إذا كانت العلة هي المحاربة، وجب أن يتعلق الحكم بها، وأن تبقى حرية الضمير مصونة. أما الانتقال من معاقبة العدوان إلى معاقبة الاعتقاد، فهو انتقال يغيّر صورة الرسول من داعية إلى الإيمان إلى حارس لحدود الجماعة بالقوة.
وتبرز فجوة أخرى في فهم القتال. فالقرآن يأمر بقتال الذين يقاتلون المسلمين وينهى عن الاعتداء (البقرة: ١٩٠)، ويربط الإذن بالقتال بتعرض المقاتلين للظلم (الحج: ٣٩)، ويدعو إلى الجنوح للسلم إذا جنح الطرف الآخر إليها (الأنفال: ٦١). صحيح أن القرآن يضم أيضًا آيات شديدة في سياقات الحرب، ولا يصح إخفاؤها، لكن قراءتها تستلزم النظر في العهود والاعتداءات والظروف التي تتحدث عنها، بدلًا من فصلها عن بقية الخطاب.
في صحيح البخاري يرد حديث «أمرت أن أقاتل الناس»، ثم يربط عصمة الدم والمال بالشهادة والصلاة والزكاة (البخاري، ٢٥). وإذا حملت كلمة «الناس» على البشر كافة، بدا الاختلاف الديني نفسه سببًا للقتال. أما حملها على جماعة مخصوصة في سياق معلوم، فيغيّر الدلالة. ولهذا يصبح تحديد المخاطبين والظرف التاريخي جزءًا من فهم الحديث، لا حيلة للتهرب منه. كما ينبغي التمييز بين «أقاتل» و«أقتل»، من دون الادعاء أن هذا الفرق اللغوي يزيل وحده جميع الإشكالات.
المشكلة تقع عندما تتحول قراءة تعميمية إلى تصور دائم للعلاقة بالعالم، فيصبح السلم استثناءً والحرب أصلًا. عندئذ تتراجع صورة الرسول الذي يبلغ ويجادل ويفاوض، وتتقدم صورة تنسب إليه مشروعًا لإخضاع المختلف لمجرد اختلافه. وليس السؤال إن كان محمد ﷺ قد قاتل؛ فهذا ثابت في القرآن نفسه، بل لماذا قاتل، ومن قاتل، وهل يجوز تحويل حروب محددة إلى تفويض مفتوح يتجاوز أسبابها؟ إن الفصل بين الواقعة التاريخية والقاعدة الدائمة شرط لفهم الرسالة، وليس انتقاصًا من صاحبها.
وفي العقوبات يظهر مثال الرجم. تنص سورة النور على جلد الزانية والزاني مائة جلدة (النور: ٢)، ولا تذكر الآية نفسها تقسيم العقوبة بين متزوج وغير متزوج. لكن روايات الحديث تتضمن الرجم، ومنها حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم، الذي يجمع في حق الثيب بين الجلد والرجم (مسلم، ١٦٩٠). ومن هنا نشأ سؤال يتصل بأصل التشريع: كيف انتقل الحكم من عقوبة قرآنية معلنة إلى عقوبة تنهي الحياة؟
جواب جمهور الفقهاء أن السنة بيّنت اختلاف الحكم بحسب الإحصان، وأن عموم الآية يحمل على غير المحصنين. وداخل البناء الأصولي الذي يقبل تخصيص القرآن بالسنة، يبدو هذا جوابًا منسجما مع مقدماته. لكن موضع النقد هو هذه المقدمات نفسها: ما حدود البيان؟ ومتى يصبح إدخال عقوبة مختلفة في النوع والنتيجة تشريعًا إضافيا؟ لا يكفي القول إن الفقهاء جمعوا بين النصوص؛ ينبغي أيضًا مناقشة الأساس الذي جعل هذا الجمع مقبولا، وما إذا كان يحفظ أولوية القرآن.
وتضيف آية الإماء وجهًا آخر للإشكال؛ إذ تقرر في سياقها أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب إذا أتين بفاحشة (النساء: ٢٥). وقد استند ناقدو الرجم إلى قابلية الجلد للتنصيف، في مقابل استحالة تنصيف الموت. وللفقهاء جواب يقوم على تفسير المحصنات هنا بالحرائر، وعلى التمييز بين أحكام الحرة والأمة. لذلك لا يصح وصف الآية بأنها تحسم النقاش وحدها، لكنها تكشف أن القضية تقوم على منظومة تفسيرية كاملة، وليست مجرد تطبيق مباشر لنص لا يحتمل السؤال.
وفي موضوع المرأة والسلطة يرد حديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» في صحيح البخاري، مرتبطًا في الرواية بخبر تولية ابنة كسرى حكم الفرس (البخاري، ٧٠٩٩). وقد استُدل به على منع المرأة من الولاية العامة أو بعض صورها. هنا يتكرر الانتقال نفسه: خبر ورد في مناسبة تاريخية يصبح قاعدة تتجاوز المناسبة، ويغدو الجنس معيارًا للحكم على الأهلية السياسية، قبل النظر في المعرفة والخبرة والسلوك والقدرة على إدارة الشأن العام.
لكن القرآن يعرض ملكة سبأ شخصية تستشير قومها، وتفهم آثار الغزو، وتحاول تجنب الكارثة، ثم تتخذ موقفها بعد النظر فيما تواجهه. ولا يصوغ النص حكايتها إدانة لقيادة النساء، ولا يجعل كونها امرأة سبب خطئها الديني. وهذا ليس تعارضًا تشريعيًا مباشرًا؛ فقصة ملكة لا تساوي نصًا دستوريًا عامًا. غير أنه توتر دلالي واضح بين سرد قرآني يبرز التبصر في حاكمة، وقراءة فقهية تجعل الأنوثة مانعًا أصليًا من الحكم. والفارق بين التعارض الصريح والتوتر الدلالي ضروري حتى لا يتحول النقد إلى مبالغة مضادة.
ولعل أهم ما يبيّن مشروعية مراجعة الرواية بالقرآن واقعة محفوظة داخل كتب الحديث نفسها. فقد نُقل أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، واعترضت عائشة على الفهم المنقول، واستشهدت بمبدأ قرآني: «ولا تزر وازرة وزر أخرى». وترد هذه المناقشة في صحيح البخاري ضمن روايات الجنائز (البخاري، ١٢٨٦–١٢٨٨). ومعنى الاعتراض أن عدالة المسؤولية الفردية تمنع قبول تفسير يجعل إنسانًا يتحمل وزر فعل غيره لمجرد القرابة.
ولا يمثل هذا المثال حكمًا فقهيًا من جنس حد الردة أو الرجم، لكنه بالغ الأهمية منهجيًا. فعائشة لا ترفض مقام النبوة، بل تناقش ما نقل عنه وكيف فُهم. كما أن البخاري نفسه يضع للباب قيدًا يتعلق بكون النوح من عادة الميت، بما يدل على وجود محاولة لتفسير الرواية على نحو يربط المسؤولية بفعل الشخص. وهكذا يكشف التراث عن إمكان النقد من داخله: يمكن احترام الراوي ومناقشة نقله، واحترام المصنف ومراجعة استنباطه، من دون تحويل السؤال إلى تهمة.
من هنا ينبغي الحذر من مساواة صحة الإسناد بعصمة الفهم. فقد يصح الحديث وفق شروط المحدث، ثم يختلف النظر في دلالته، أو عمومه، أو علاقته بغيره من الأدلة. وقد تتعدد ألفاظ الواقعة، أو يغيب بعض سياقها، أو يكون القول متعلقًا بقضاء مخصوص. وهذه احتمالات للفحص، لا أحكام جاهزة ببطلان الروايات. كما أن وجود إشكال أخلاقي في نظر قارئ معاصر لا يثبت وحده الوضع أو الخطأ؛ المطلوب تحقيق يدرس النص وتاريخه ولغته وآثاره، ويعرض الاعتراض والجواب بأمانة.
وفي الوقت نفسه، لا يصح استخدام التخصيص والنسخ والبيان كمفاتيح تنهي أي مساءلة. فهذه أدوات علمية لها شروطها وخلافاتها، وليست رخصة لإفراغ المبدأ القرآني من مضمونه. إذا اتسعت الاستثناءات حتى ابتلعت الأصل، كان من حق القارئ أن يسأل عما بقي من الأصل. وإذا استدعى كل إشكال افتراضًا جديدًا لحماية الحكم الموروث، وجب النظر في احتمال أن المشكلة كامنة في الحكم أو في طريقة بنائه، لا في عجز السائل عن التسليم.
كذلك لا ينبغي تفسير كل حكم شديد باعتباره اختراعًا سلطانيًا مقصودًا. فالفقه نتاج تفاعل بين النصوص واللغة والأعراف والسياسة وتجارب المجتمعات، وفيه اجتهاد جاد وخلاف واسع. لكن هذا التعدد لا يعفيه من النقد التاريخي. فقد قرأ الفقهاء النصوص في عوالم تعرف الإمبراطوريات والتراتبية الاجتماعية وتداخل الولاء الديني والسياسي. وما بدا لهم تنظيمًا ضروريًا للجماعة قد يتحول، إذا نُقل بلا مساءلة، إلى قيد أبدي على الحرية والعدالة.
إن استعادة محمد ﷺ من القرآن لا تعني اختراع نبي يطابق أذواقنا، أو حذف ما يصعب علينا من النص القرآني نفسه. إنها تعني البدء من الوثيقة المؤسسة، وقراءة الأخبار في ضوئها، والتمييز بين مقام الرسالة وبين الصور التي صنعتها الذاكرة الفقهية. كما تعني الاعتراف بأن فهمنا نحن أيضًا اجتهاد قابل للنقد. فلا تستقيم مراجعة احتكار القدماء للمعنى إذا انتهت إلى احتكار جديد يزعم أن قراءته وحدها تمثل القرآن.
وعليه، فإن عبارة «محمد ﷺ في القرآن ليس محمدًا ﷺ في التراث الفقهي» تصح باعتبارها نقدًا للفارق بين الرسول وتمثيله في بعض الموروث، لا حكمًا بأن التراث كله انحراف عنه. جوهر المسألة أن محبة النبي لا تلزم بتقديس كل ما نسب إليه، وأن الوفاء له قد يقتضي الاعتراض على قول يسيء إلى رسالته أو على فهم يحوّلها إلى نقيض مقصدها. فالرسول أكبر من المدونة التي روت عنه، والقرآن أسبق من المذاهب التي فسّرته، والعدل لا يصبح أقل قيمة حين يطالب الناس بإعادة النظر في أحكام قيلت باسمه.
