Skip to content Skip to footer

التعدّد الهوياتيُّ بين السّياقين الغربيّ والعربيّ | مصطفى إنشاء الله

في عالمٍ تتزايد فيه أشكال التنوّع والتداخل بين الهويّات، يبرز التعدّد الهوياتي كقضية معقّدة تؤثر في استقرار المجتمعات أو اضطرابها. ورغم كونها ظاهرةً كونية، فإنّ جذورها وطرائق إدارتها تختلف باختلاف السياقات التاريخية والسياسية. يهدف هذا المقال إلى مقارنة التعدّد الهوياتي في الغرب، حيث تقوم الدولة الحديثة على المواطنة، وفي العالم العربي، حيث ما تزال العصبيات التقليدية تحكم التفاعلات، سعيًا لفهم خصوصية الحالة العربية واستشراف سبل معالجتها.


 

التعدُّدُ الهُويَّاتي واحدٌ من أكثرِ القضايا المعاصِرةِ أهمِّيَّةً وتعقيدًا وتأثيرًا في الاجتماعِ الإنسانيِّ المعاصرِ. لذلكَ ما كان في مُكنةِ أيِّ باحِثٍ في الدراساتِ الاجتماعيَّةِ تَخطِّي هذا السُّؤال، لأنَّه يقعُ في الجينومِ المُكوِّن للمجتمعاتِ المعاصرةِ؛ مجتمعاتٍ هي اليومَ أكثرُ عَوْلَمَةً وتفاعُلًا فيما بينها. التعدُّد حقيقةٌ موضوعيَّةٌ فرضت نفسَها على أَجندةِ الباحثينَ شرقًا وغربًا، وكُتِبت فيه أطنانٌ من الأَوْراقِ العلميَّةِ والرَّسائلِ والدِّراساتِ حفرًا جذورِه وبيانًا لطبيعتِه وكشفًا للتحدِّياتِ التي يفرِضُها على المجتَمعات، واقتراحًا لِسُبُلِ تدبيرِه وحُسنِ إدارتِه بما يَكفَلُ للبلدان استقرارَها ومَنَعَتها الداخليَّةَ.

وإذا كان التعدُّدُ الهُويَّاتي مسألةً كونيَّةً، لا تستثني دولةً ناميةً كانت أو متقدِّمةً، فهل تكونُ كذلكَ الأجوبةُ التي اقترحتْها لهُ النظريَّاتُ المعاصِرةُ كونيَّةً هي الأُخرى، تَقبَلُ التعميمَ في سياقاتٍ اجتماعيَّةٍ مختلفةٍ؟ إنَّ قسمًا مُعتَبَرًا من الكتاباتِ العربيَّةِ المتأخِّرةِ في الموضوعِ يُجيبُ -وباستسهالٍ عجيبٍ- بنعم، مع اجتهادٍ كبيرٍ من الكتابات تلك في لَيِّ عُنُقِ النظريَّاتِ المعاصِرةِ وإسقاطها، كَرْهًا، على السياقِ العربيِّ، من دون التفاتٍ إلى اختِلافِ السياقاتِ وتبايُنِ أَنماطِ التعدُّدِ بين دولةِ المواطَنةِ ودولةِ العصبيَّةِ. هي محاولاتٌ أشبه باستجلابِ علاجاتٍ سريعةٍ وجاهزةٍ ومستوردةٍ لمعضلةٍ قديمةٍ ومُزمِنةٍ مُتأصِّلةٍ في تاريخِ المجتمعاتِ العربيَّةِ، تخطَّت حدودَ التعدُّدِ والتنوُّعِ الثقافيِّ إلى الاختلافِ والتناقضِ، بل، والصراع العصبويِّ. ولن ينجُمَ من محاولاتٍ مُتسرِّعةٍ كهذهِ إلَّا أضرارٌ جانبيَّةٌ فادحةٌ على الدولةِ والمجتمعِ.

تنظُرُ هذه المقالةُ، إذن، في التعدُّدِ الهُويَّاتي؛ في أَسبابِه وخَصائصِه ومقارَباتِ تدبيرِه، غربيًّا وعربيًّا، وَفقَ مقاربةٍ مُقارِنةٍ تتغَيَّا استكشافَ طبيعتِه في مجتمعاتِنا العربيَّةِ، وتعيينَ مَكْمَنِ الخَلَلِ في إدارتِه، في أُفُقِ اجتراحِ حلولٍ تُلائِمُ السياقَ العربيَّ. تَسمَحُ هذه المقارنةُ بقياسِ الوُسْعِ بين نقاشٍ متقدِّمٍ حول التعدد في الدولةِ الحديثةِ؛ دولةِ المواطَنةِ، من جهةٍ، والصِّراعِ بين هُويَّاتِ ما قبلَ المواطَنةِ في الدولةِ العربيَّةِ، من جهةٍ ثانيةٍ.

أولًا: التعدّد الهويَّاتيّ في الغرب، أو تعدُّدُ دولة المواطنة

بِدايةً، لا بدَّ مِنَ التَّذكيرِ بأنَّ الدَّولةَ في الغربِ أَنْجَزَتِ الحُدودَ الدُّنيا للمُواطَنَةِ، وأَقَرَّت حُقوقًا مَدنيَّةً (=فَرْديَّةً) إلى جانبِ الحُقوقِ السياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ. تَجاوَزَتْ هذه الدَّولةُ، إلى حَدٍّ بعيدٍ، النِّقاشَ حَوْلَ الِاختلافاتِ الدينيَّةِ والعِرقيَّةِ والمناطِقيَّةِ والقَبَليَّةِ العَشائريَّةِ، أو تعدُّدُ ما قَبْلَ المواطنة. دَولةُ المُواطَنَةِ الحديثة على المُساواةِ مَبناها؛ مُساواةٌ لا تُميِّزُ (على صعيدِ القانونِ على الأقَلِّ) بين مؤمنٍ وكافرٍ، بين أَبْيَضَ وأَسْوَدَ، بين ذَكَرٍ وأُنثى في التَّمتُّعِ بِحُقوقِ المُواطِنِ. لِذلك فإنَّ النِّقاشَ حَوْلَ التَّعدُّديَّةِ الهُويَّاتيَّةِ في دَولةِ المُواطَنَةِ إنَّما تَرْكيزُهُ على التَّعدُّدِ في أَشْكالِهِ الجديدةِ المُعاصِرةِ. فَما يَنابيعُ هذا التَّعدُّدِ في رِحابِ الدَّولةِ الحديثةِ؟ وما هي أَهَمُّ نَظريَّاته ومُقترَحات تَدبيرِهِ؟

يَحتدمُ النِّقاشُ حول التَّعدُّدِ الهُويَّاتيِّ والثقافيِّ، خاصَّةً في الدَّولةِ الغربيَّةِ ذاتِ تاريخٍ استعماريٍّ (=دُوَل أُوروبا الغربيَّةِ) أو تِلْكَ التي قامَتْ على أَنْقاضِ شُعوبٍ أَصليَّةٍ (أَمريكا الشماليَّةِ) أو ذاتِ حُدودٍ مع بُلدانٍ أَقَلّ منها تَقَدُّمًا (جَنوبِ أُوروبا). والعامِلُ الرَّئيسُ في صِناعةِ التَّعدُّدِ في هذهِ البُلدانِ هو الهِجْرَةُ. الهِجْرَةُ الخارجيَّةُ مِنَ المُستعمراتِ السَّابقةِ بالنِّسبة إلى الدُّول الكولونياليَّةِ سابِقًا كَفَرَنْسا، والهِجْرَةُ الطوعيَّةُ في الدُّوَلِ الَّتي نَهَضَتْ على استعمارٍ استيطانيٍّ وما فتئت تُوَسِّعُ ديموغرافيَّتَها بتوسُّلِ هِجرةٍ انتقائيَّةٍ، كما هو الحالُ في المِثالَينِ الكَنَديِّ والأَمريكيِّ. وستَتضاعف الهِجْرَاتُ مع تفاقمِ الهوة بين “دول الشَّمالِ” (المُتقدِّمةِ) و”دول الجنوبِ” (النَّاميةِ)، وسَيَحْمِلُ مَلايينُ المُهاجرينَ معهم أَلْوانَهُم الأَنْثروبولوجيَّةَ والعَقديَّةَ واللُّغويَّةَ الغريبةَ، حُكمًا، عن بلد الاستقبالِ. هكذا مَثَّلتِ الهِجْرَاتُ المُعاصرةُ إلى الدّول الحديثةِ مُولِّدًا رَئيسًا لِلتَّعدُّدِ الثقافيِّ فيها، إلى جانِبِ التَّثاقُفِ بين المُستعمِرِ والمُستعمَرِ وبَيْنَ السُّكَّانِ الأَصليِّينَ والمُستوطنينَ.

ولأنه من الهجرةِ مَأتاهُ، سينجُمُ من هذا التعدُّدِ في الدَّولةِ المتقدِّمةِ تَبايُناتٌ واضِحةٌ دينيَّةٌ ولُغويَّةٌ وإثنيَّةٌ لا تَنْتَمي، في سَوادِها الأعظمِ، إلى المجالِ الثقافيِّ التاريخيِّ لدول الِاسْتِقْبالِ وإنَّما هي وافِدةٌ وحديثةٌ وطارِئةٌ. وقد تباينت نظريَّاتُ تَدْبيرِ هذا النَّمطِ من التَّعدُّد حسب طبيعة الدَّولةِ. ستنهجُ الدَّولةُ ذاتُ التاريخ الاستعماريِّ، تحديدًا فَرَنْسا، مُقاربةً إدماجيَّةً قسريَّةً وسِياساتٍ اسْتيعابيَّةً تُلْزِمُ الوافِدَ بالتَّوافُقِ مع ثقافةِ وهُويَّةِ بلدِ الِاسْتِقْبالِ. أمَّا الدُّوَلُ الغربيَّةُ النَّاشئةُ على الاستعمارِ الاستيطانيِّ والهجراتِ الطوعيَّةِ، ككندا وأمريكا، فستزدهرُ فيها دعواتٌ اعترافِيَّةٌ تُرافِعُ عن الحُقوقِ الجَماعيَّةِ والثقافيَّةِ.

وقد تنوَّعت مُقارباتُ مَسأَلةِ التَّعدُّدِ، في دَولةِ المواطَنَةِ بين نَزْعةٍ جمهورانيَّةٍ تَسْعى إلى توحيدٍ هُويَّاتيٍّ قسريٍّ، ونَزْعةٍ تَعَدُّديَّةٍ تَدْعو إلى إقرارِ حُقوقٍ ثقافيَّةٍ جماعيَّةٍ، ونَزْعةٍ لِيبراليَّةٍ تُدْمِجُ الحُقوقَ الجماعيَّة ضمن حقوق الفَردِ. ولَئِنْ كانَ جان جاك روسو أبًا للنَّزعةِ الجمهوريَّةِ، فقد خَلَفَهُ من بعدِه خَلْفٌ أشدُّ تَعصُّبًا، حَرَّفوا فكرةَ المواطَنَةِ إلى إيديولوجيا تبتلعُ كلَّ اختلافٍ لُغويٍّ أو عرقيٍّ أو عقديٍّ. ومن زُمرتِهم آلان فِينكِلكْراوْت (Finkielkraut, 2013)، وإليزابيث بادِنتر (Élisabeth Badinter, 2003) وغيرهم ممن يُرافِعون عن تنميطٍ هُويَّاتيٍّ وتوحيدٍ قَسْريٍّ لمُجتمعٍ. أمَّا المقارَباتُ الأنغلو-أميركيَّةُ والكنديَّةُ فهي أَكْثَرُ انفتاحًا على التَّعدُّدِ. في كَنَدا وأمريكا، تحديدًا، يُسْمَعُ صَدى أَطروحاتِ شارلز تايلور (Charles Taylor, 1992)، ومايكل والزر (Michael Walzer, 1983) وويل كِمليكا (Will Kymlicka, 1995) وماريون يونغ (Marion Young, 1990) وغيرهم، المُناصِرينَ لسياساتٍ تعدُّديَّةٍ أكثر إقرارًا بالحُقوقِ الجماعيَّةِ والثقافيَّةِ. وهذهِ الأطروحاتُ، في مُجملِها، تجاوزٌ للتَّصوُّرِ الليبراليِّ القائمُ على اختزالِ الحُقوقِ الجماعيَّةِ في الحَقِّ الفرديِّ، وتشييدِ التوافُقِ على عدالةٍ توزيعيَّةٍ تَصْهَر التناقُضاتِ الثقافيَّةَ، وأبرزُ مُمثليهِ جون راولز (John Rawls, 1987). والسؤالُ الناظمُ لهذهِ المقارَباتِ جميعِها هو: هل تستوعبُ رابطةُ المواطَنَةِ الحُقوقَ الثقافيَّةَ وتُهيمنُ عليها، كما تطلبُ النَّزعةُ الجمهوريَّةُ، أم تشملُ حقوقُ الفردِ كلَّ الحُقوقِ الثقافيَّةِ، كما تدَّعي النَّزعةُ الليبراليَّةُ، أم أنّ للجماعاتِ الثقافيَّةِ حقوقًا لا تُغني عنها الحُقوقُ الفرديَّةُ ولا مناصَ من إثباتِها للجماعةِ لا للفردِ، كما تطلبُ النَّزعةُ التعدُّديَّةُ؟ لكن لا بدَّ منَ الانتباهِ، هنا، إلى أنَّ هذهِ النقاشاتِ أفقها المواطنةُ وحدودها حقوق الفرد والجماعة. فكيف يستقيمُ إسقاطها في سياقٍ ما تزال المواطنة فيه مشروعًا غيرُ ناجزٍ؟ ماذا عن التعدُّدِ الهُويَّاتيِّ في الأقطارِ العربيَّةِ، إذن؟ ما منابعه وخصائصِه؟ وكيف السّبيل إلى حُسن إدارته؟

ثانيًا: التعدّد الهوياتيّ عربيًّا، أو تعدّد ما قبل دولةِ المواطنة

لا تعدمُ المنطقةُ العربيّةُ قواسمَ مشتركةً بينها وباقي دولِ العالمِ في مسألةِ التعدّدِ الهوياتيّ، إلّا أنّ لهذه المسألة، في الحالِ العربيّة، خصوصيّاتٍ تميّزُها. ومن بينِ أهمّ تلك المميزات أنّ التعدّد: أوّلًا، نابعٌ من الداخلِ وليس وافدًا على المجتمعاتِ العربيّةِ من خارجِها؛ من هجراتٍ حديثةٍ، كما في الأمثلةِ أعلاه. وهو، ثانيًا، تعدّدٌ قديمٌ ليس بالطارئِ على الاجتماعِ العربيّ، ضاربةٌ جذورُه في الماضي البعيد. ومبناه، ثالثًا، على عصبيّةٍ عقديّةٍ يتمايزُ فيها أفرادُ المجتمعِ على أساسِ مذهبِهم أو طائفتِهم أو عشيرتِهم. ورابعًا، تزدادُ حدّتُه حينما يتّصلُ الأمرُ بالتعدّدِ داخلَ الدينِ نفسه (الإسلام)، فالتوتّراتُ بين النِّحلِ في إطارِ الإسلامِ أشدُّ وطأةً على المجتمعاتِ العربيّةِ، في حينِ يغلبُ التعايشُ بين المللِ المختلفةِ في رحابِ المجتمعاتِ العربيّة. خُذ مثلًا ما ينجمُ من الصراعِ السنيِّ والشيعيِّ في المنطقةِ العربيّةِ، في مقابلِ تعايشٍ قديمٍ بين المسيحيين والمسلمين العرب. خامسًا، هو تعدّدٌ عابرٌ لحدودِ الدولةِ حين يتّصلُ بالمذهبِ والطائفةِ والعشيرةِ. ليست هذه لائحةً شاملةً من خصائصِ التعدّدِ في مجتمعاتِنا العربيّة، لكنها كافيةٌ لتُطلعَنا على شدّةِ تناقضِها مع أنماطِ التعدّدِ في الدولةِ الحديثةِ: دولةِ المواطنة.

التعدّدُ في المجتمعاتِ العربيّةِ، إذن، على العصبيّةِ مبناه. ما يزالُ ابنُ خلدون يُسعفُنا في الوعيِ بأنّ بنيانَ الدولةِ العربيّةِ اليومَ من إسمنتِ التعصّبِ لدينٍ أو طائفةٍ أو مذهبٍ أو عشيرةٍ أو عائلةٍ أو منطقةٍ. معضلةُ التعدّدِ الهوياتيِّ عربيًّا، ليست تنفصلُ، بالتالي، عن المعضلةِ الأساس: تأسيسُ السياسيِّ على الطائفيّ. بهذا تصيرُ الدولةُ دولةَ الطائفةِ لا دولةَ مواطنين سواسيةٍ أمامَ القانونِ. هذا البنيانُ الأشوهُ غيرُ الحديثِ للدولةِ هو بمثابة عبواتٍ تهدِّد بنسفِ المُجتمعِ من الداخلِ. إنّ قيامَ الدولةِ على العصبيّةِ يُحفّزُ ديناميّتَين متضافرتَين: تمتطي الأولى صهوةَ العصبيّةِ من أجلِ مغانمَ سياسيّةٍ، وتوظّفُ الثانيةُ السلطةَ السياسيّةَ لتحقيقِ مآربَ عصبيّةٍ. لذلك شحذت أطروحاتٌ عربيّةٌ ناضجةٌ تركيزَها على تفكيكِ هذهِ البِنَى العصبيّةِ الطائفيّةِ المتكلّسةِ، بدلًا من اجترارِ أطروحاتِ الفكرِ المعاصرِ في المسألة. من تلك الإسهاماتِ: (محمد عابد الجابري، 1994)، و(مهدي عامل، 1986)، و(عبد الإله بلقزيز، 2008)، و(برهان غليون، 1979)، و(عزمي بشارة، 2019). وقد شقّت هذه الأعمالُ، في التحليلِ والنقدِ والاقتراحِ، طريقًا بعيدةً عن التراكمِ النظريِّ المعاصرِ لمسألةِ التعدّدِ الهوياتيّ، لسببٍ موضوعيّ: أن الدولةَ العربيّةَ لم تبلُغ بعدُ رُشدَ الدولةِ الحديثةِ، ولم تُجِب إلى اليوم على نحوٍ شافٍ، عن سؤالِ المواطنةِ، ولم تُدرك دولتُنا العربيّةُ حتى “بعد خرابِ مالطا” قيمةَ الاعترافِ بذاتِها المتعدّدةِ.

يتبدّى جليًّا، إذن، أن التعدّدَ هناك، في دولةِ المواطنةِ، طارئٌ على مجتمعاتٍ قائمةٍ، حديثةٌ أسبابُه، والهجرةُ على رأسِها. أمّا هنا، في الدولةِ العربيّةِ، فتعودُ جذورُه إلى عهدِ البَسوسِ وداحسَ والغبراءِ، منابعهُ عصبيّةٌ دينيّةٌ أو طائفيّةٌ أو قبليّةٌ…إلخ، أو جميعُها معًا. هو في الدولةِ الحديثةِ تعدّدٌ بين ذواتٍ مختلفةٍ، بين الأنا المُستقبِلِ والآخرِ الوافدِ، بينما في الدولةِ العربيّةِ فهو تعدّدٌ بين الأنا والأنا، بين أبناءِ أمّةٍ واحدةٍ وقُطرٍ واحدٍ ولسانٍ واحدٍ، تفرقوا إلى طوائفَ محتربة. كما أنّ أدواتِ إدارةِ التعدّدِ في دولةِ المواطنةِ هي النقاشُ السياسيُّ والمدنيُّ الحرُّ في الفضاءِ العامِّ وأروقةِ المجتمعِ المدنيّ. أمّا في الدولةِ العربيّةِ، فيتّخذُ النقاشُ الهوياتيُّ شكل جيلٍ متطوّرٍ من حروبِ الجملِ وصِفّين وكربلاء. لا تُدير السياسة الاختلافاتِ الهوياتيّةَ العربيّةَ، وإنّما تُساسُ الدولة بتوسُّلِها؛ بتوظيف ألوانِ العصبيّةِ الطائفيّةِ والمذهبيّةِ والعشائريّةِ والمناطقيّةِ في الصراع السياسيّ. لذلك تظل هشّةً هذه الدول، طالما استمسكت بالعصبيَّة، إن سقطت عصبيَّتُها سقطت.

نخلصُ، إذن، إلى أن النظرَ إلى مشكلةٍ معقّدةٍ كالتعدّدِ الهوياتيِّ في الاجتماعِ العربيِّ، ليس يتَّضحُ إلّا بعدساتٍ محليّةٍ، تلحظُ جذورَه الأصلَ وتُدركُ أسبابَه الفعليّةَ قبل التسرّعِ في اقتراحِ حلولٍ لتدبيرِه. لا بدَّ كذلك من التمييزِ، عند البحثِ في هذه المعضلة، بين جوهرِها وعَرضِها. التعدّدُ في المجتمعاتِ العربيّةِ تنوّعٌ هويّاتيٌّ طبيعيٌّ، وتداعياتُه الفادحةُ على الاجتماعِ العربيِّ ليست سوى عرض لمعضلةٍ أعمق: هشاشةُ رابطة المواطن بوطنه. جوهرُ المعضلةِ يكمنُ هنا؛ أي في غيابِ دولةِ المواطنةِ، التي بقيامِها تنتفي العصبيّاتُ التقليديّةُ لصالحِ مواطنةٍ جامعةٍ على أساسِ المساواةِ في الحقِّ والواجبِ. التفكيرُ في تدبيرِ الهويّاتِ المتعدّدةِ عربيًّا مبتدأُه، إذن، التفكيرُ في بناءِ الدولةِ الوطنيّةِ والتنشئةِ على المواطنةِ.

المراجع

عامل، مهدي. (1986).  في الدولة الطائفية. دار الفارابي.

الجابر، محمد. عابد. (1994). الدولة العصبية. مركز دراسات الوحدة العربية.

بشارة، عزمي. (2019). الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

بلقزيز، عبد الإله. الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام. الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

غليون، برهان. (1979). المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. دار الطليعة.

 

Kymlicka, W. (1995). Multicultural citizenship. Clarendon Press.

Rawls, J. (1987). La théorie de la justice (C. Audard, Trans.). Seuil.

Taylor, C. (1992). Multiculturalism and the politics of recognition. Princeton University Press.

Walzer, M. (1983). Spheres of justice: A defense of pluralism and equality. Basic Books.

Young, I. M. (1990). Justice and the politics of difference. Princeton University Press.