هل يمكن أن يتغير فهم النص الديني بتغير العصور والمجتمعات والمستويات المعرفية؟ ولماذا تحولت بعض الآراء البشرية إلى ما يشبه القداسة؟ وهل كان الصراع السياسي وراء نشأة كثير من الخلافات والفرق الدينية؟ وكيف يمكن للتعليم والتفكير النقدي أن يحررا العقل من السمع والطاعة؟
في هذه الحلقة، يناقش الأكاديمي والمفكر العربي د. محمد الخُشت مفهوم «تطوير علوم الدين»، والفرق بين الدين وعلوم الدين، وحدود الثابت والمتغير، ودور الفقه المقاصدي والتعليم في تطوير الفهم الديني، في #بودكاست_مجتمع على #منصة_مجتمع
“التعريف بالضيف وآلية تطوير علوم الدين”
باسم: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج مجتمع، في حلقة اليوم نلتقي ضيفاً متميزاً، أو مميزاً دكتور، الدكتور محمد الخُشت رئيس جامعة القاهرة السابق، أهلاً بك دكتور.
محمد: أهلاً بك دكتور باسم.
باسم: تعرف أنه من زمان أفتش عليك؟
محمد: هذا من دواعي سعادتي وسروري.
باسم: يعني من زمان كنت أحب أن نناقش معك القضايا التي تتعلق بما تطلق عليه أنت إحياء علوم الدين، أو تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين، في الواقع أنت من الأوائل الذين بدأوا الإشارة إلى ضرورة هذا التطوير، رغم أنه حالياً يشاع ترند تجديد الدين، تجديد الخطاب الديني، أنا حقيقةً لا أميل لهذا الاسم، أنا أميل إلى مفهوم تطوير فهم النص بأدوات معرفية مختلفة، لأن مستوانا المعرفي يختلف من كل فترة لأخرى، لكن حقيقةً أحب كما يقال: «لا يفتى ومالك في المدينة»، أحب أن أسمع منك مفهومك، وفلسفتك، ورؤياك، لهذا الموضوع.
محمد: طبعاً أرحب بك، وسعيد بهذا الحوار معك دكتور، وسعيد أن ألتقي بالسادة المشاهدين عبر هذه النافذة المهمة، كما يقولون لا مشاحة في الألفاظ، أو لا مشاحة في المصطلحات، فإذا كان المقصود هو تجديد الفهم الديني هو هذا ما نعنيه، تأسيس خطاب ديني جديد، لأن الدين في ذاته كقرآن، وسنة متواترة ثابتة يقينية عن الرسول عليه الصلاة والسلام هذا دين ثابت، النص ثابت، لكن الفهم هو المتغير، الفهم هو المتغير بتغير العصور، وهذا يتضح لنا من القرآن الكريم نفسه، ﴿قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا﴾ [الكهف: 109]، طيّب كيف أن الكلمات لا تنفد؟ الكلمات هي القرآن. لا تنفد في تفسيرها، ومعناها بتغير العصور، وتغير السياقات، وتغير الأدوات المعرفية، وهذا القول ليس شطحاً، وإنما هذا القول من مقتضيات أن القرآن يصلح لكل زمان ومكان، فإذا كان النص القرآني في دلالاته، وفي معانيه ثابتًا جامدًا غير قابل لتعددية في الفهم، إذن هو لن يصلح لكل زمان ومكان.
“ضرورة تجديد فهم النصوص بما يواكب الزمان والمجتمع”
باسم: يعني أسقطنا العالمية عنه؟
محمد: أسقطنا عنه العالمية والاستمرارية، تمام. أسقطنا العالمية والاستمرارية؛ لأنه هنا النص يتوقف عند الفهم الأول، والفهم الأول الذي يقدمه العلماء الأوائل هو قد يكون فهماً صحيحاً في زمانهم.
باسم: في زمانهم، ولقضاياهم.
محمد: ولقضاياهم. لأنه نحن هنا لا نخطئهم، ولكن نقول إنه هذا في ضوء سياق ثقافي، اجتماعي، سياسي، في ضوء احتياجات الناس، في ضوء مدى تعقد الظاهرة الاجتماعية. وهم نفسهم أدركوا هذا، يعني أنا أريد أن أذكر لك مثلاً بمن يعتقد عندنا في الشائع أنه متشدد مع أنه ليس كذلك، في الإمام أحمد بن حنبل، الإمام أحمد بن حنبل…
باسم: مشهور عنه التشدد.
محمد: نعم، لما يجدوا أحداً متشدداً يقولون إنه حنبلي، هذا خطأ تماماً. الإمام أحمد بن حنبل، أنا أتذكر عكفت على ”المغني“ لابن قدامه، بعد أن انتهيت من الليسانس مباشرة، وأخذت الكتاب وحملته في حقيبة كبيرة؛ كان حوالي 14 مجلداً، وذهبت إلى الإسكندرية، وعكفت على الكتاب، الكتاب يذكر للإمام أحمد بن حنبل في كثير جداً من المسائل، ثلاثة آراء، وفي مسائل يزيد بأربع آراء، وخمس آراء للمسألة الواحدة، هي ذات المسألة.
هل هذا تردد من الإمام أحمد؟ أبداً، هل هو يصوب نفسه؟ أبداً، هو يقول الرأي في ضوء المعروض عليه من عوامل، مجموعة عوامل، ما يصلح كفتوى لهذا لا يصلح لهذا، ما يصلح في هذا الظرف لا يصلح لهذا الظرف فالأئمة نفسهم، وقس على هذا كثيرًا…
الإمام الشافعي يعني فقهه في العراق، غير فقهه في مصر؛ لأنه راعى اختلاف الظرف الاجتماعي، والسياسي…
باسم: وربما أيضاً، عفواً دكتور، لمراعاة التطور الذهني عند الشخص ذاته.
محمد: جداً.
باسم: مرحلة ما قد يكون معارفه متوسطة، وفي حال تطور المعارف يتغير الموقف.
محمد: جداً، وفي قول منسوب للإمام علي: ”خاطبوا الناس على قدر عقولهم“، فالمخاطبة على قدر العقل لإيصال الحقائق على قدر عقل المتلقي هذا مهم جداً، مهم جداً، فأرجع ثانية لنقطة فكرة تطوير علوم الدين.
باسم: يعني التعبير عفواً، تطوير علوم الدين يبدو لي اللفظ هو اللفظ الأدق من ”تجديد الخطاب الديني“.
محمد: هو يصلح، أنا قلت لحضرتك: لا مشاحة في الألفاظ، قد نسميه ”تطوير علوم الدين“ هذا صحيح، قد نسميه تجديد الفهم الديني كما قلت جنابك دكتور، قد نسميه ”تجديد خطاب ديني جديد، أنا الذي أرفضه من بين هذه التسميات، تجديد ”الخطاب الديني“؛ لأن الخطاب الديني خطاب بشري، هو الخطاب الذي قدمه العلماء الأوائل، هل هذا الخطاب لابد أنه أنا أجدده؟ أم آتي بخطاب جديد؟ لستُ أنا شخصياً، أنا وغيري…
باسم: كمجتمعات.
محمد: كمجتمع، كعلماء، كمفكرين، كفلاسفة، فأنا أقول بتأسيس عصر ديني جديد هل أنا أرفض، مثلاً فكرة تصويب الخطاب الديني؟ لا، تمام، هو مصطلح معقول، ”تجديد فهم الدين“ مقبول، ”تطوير علوم الدين“ لكن ”تطوير علوم الدين“ هو خاص بالعلوم، وليس بالخطاب كله؛ لأن الخطاب الديني فيه جزء منه يتعلق بعلوم الدين، وفيه جزء منه يتعلق بمعتقدات الناس، وأفكار الناس، والشائع بينهم.
فإحياء علوم الدين، يعني، ماذا تعني؟ إحياء علوم الدين تعني أني أحيي علوم الدين الأوائل طيّب علوم الأوائل مقيدة بظروف عصرها، وأوضح هذا للسادة المشاهدين أكثر، أنا عندي علوم الدين هي علوم بشرية مثل علم النفس، ومثل علم الاجتماع، ومثل علم الطبيعة، مثل كل العلوم لأنه وضعها بشر، وهنا أحتاج أن أوضح للسادة المشاهدين فيه فرق بين الدين، وعلوم الدين.
الدين في هذا السياق الذي أتحدث فيه، لأن الدين له تعريفات كثيرة حسب السياق، أنا أعني هنا بالدين القرآن والسنة النبوية، فإذا كان منطلقي القرآن والسنة المتواترة، علوم الدين هي العلوم التي أنشأها العلماء لفهم النص.
باسم: يعني الفرق بين الدين والتدين؟
محمد: بالضبط، علوم الدين هذه علوم وضعها العلماء. يعني، علم أصول الفقه، الجمهور على أنه الإمام الشافعي، لكن هناك من يقول إنه للإمام جعفر الصادق، في النهاية هم بشر، علم الفقه تدرج حتى اشتد عوده وأصبح علماً، علوم التفسير، يعني أنت لما تبدأ في علوم التفسير تبدأ بكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وابن عباس رضي الله عنه تتلمذ على يديه، وبعد كذا حصل مدرسة انبثقت من ابن عباس، فابتدأ العلم يتبلور لحد ما ابتدئ يصنف فيه المصنفات.
فهي في النهاية علوم بشرية، يعني علم التفسير يجب أن يتطور مثل تطور علم السياسة، يعني، هل علم السياسة في كتاب أرسطو هو علم السياسة الآن؟
باسم: لا مختلف.
محمد: تطور، تطور عبر مراحل حتى يا دكتور علم الطبيعة نفسه، علم الطبيعة مر بمراحل كثيرة، ولازال يتطور، علوم الدين إذا ظللنا نقدس القدماء لن نجدد فهم الدين طبعاً، ومن ثم…
“علة جمود العقل العربي الإسلامي”
إحياء علوم الدين ستجعلنا نعيش عصراً غير عصرنا؛ سنعيش في عصر القدماء. طيّب نحن عندنا الدولة الوطنية مثلاً، هل فقه الأحكام السلطانية الخلافة الأموية والعباسية وغيرها يصلح لنا؟ لا يصلح؛ هذا عصر الإمبراطوريات، لم يكن فيه مفهوم الدولة الوطنية أصلاً. ومن ثم نحن محتاجون تجديد الخطاب الديني، يعني، لو استخدمناها حتى لا أناقض نفسي، لكن أنا سأستخدمها على اعتبار أن هذا المصطلح الأكثر شيوعاً، لكن خلاص بقينا عارفين أنا وحضرتك، ماذا نقصد؟
ومن ثم أنا أقصد بتطوير علوم الدين أنه نطبق قواعد تطور العلوم على علم أصول الدين، وعلم أصول الفقه، ومن ثم… طيّب هل هذا يعني أنني أرفض القدماء؟ أبداً.
باسم: المتتبع، أو القارئ للفقه التراثي القديم، والفقهاء بشكل عام سيجد أنه هناك غنى مذهل في متابعة قضايا الإنسان، والقضايا الحياتية، لكن كما تفضلت دكتور، القضايا التي عولجت في هذا العهد هي تختلف عن القضايا التي نعيشها، وحتى المستويات المعرفية التي تم معالجتها وفقه أيضاً مختلفة، يعني لم تكن هناك جامعات كما فيه جامعات حالياً.
محمد: يعني، حتى السادة العلماء الذين تعلمنا منهم، حتى أنا أقول: كثير من آرائهم تصلح لعصرهم، ولا تصلح لعصرنا، أنا لا أقلل من شأنهم، هم قادة، قادة علم، لكن نحن لا نقدس الرجال، نحن لا نقدس الرجال، ومن ثم هذا ليس تقليلاً من شأنهم، ولكن وضع لآرائهم في حدود عصرهم، وهي قابلة للصواب والخطأ، وهم كانوا يقولون هذا: ”آراؤنا صواب تحتمل الخطأ، وآراء غيرنا خطأ يحتمل الصواب“، أما متشددو عصرنا فجاءوا بهذا الكلام من أين؟
باسم: من فرض على العقل العربي الإسلامي هذا الجمود، وأصر أن يظل محكوماً للمعارف التي قيلت سابقاً؟ من؟
محمد: نحن عندنا -أقدر أن أقول لك- طرفان، طرف من الداخل جاءته صدمة حضارية تجاه التقدم الحضاري القوي في بداية القرن التاسع عشر بالغرب، فالبعض قال: نقلد الغرب، والبعض رجع تمسك ظناً منه أنه يتمسك بهويته، وابتدأ يتغنى بالمجد القديم مثل أي ضعيف، ومثل أي مهزوم؛ عندما ينهزم يتغنى بمجده القديم، ويتمسك به، ويصر عليه، لكن في نفس الوقت حتى الطرف الآخر، أياً كان خارجي، الطرف الخارجي لا يظننّ أحد أنه هو يريد أن يعمل تحديثاً عندنا، أو تطويراً؛ أبداً، الطرف الخارجي ينمي تياراته الأصولية، والجهادية عندنا لأنه يمشي على طريقة ”فرق تسد“. أكثر حاجة تساعد على التفرق، والصراع الداخلي، والتفكك الداخلي هي تغذية التيارات، وهي تغذية الأصوليات، الأصوليات تقوم على الإقصاء، وعلى الصراع، وعلى نفي الآخر. خلاص هي هذه نقطة الصراع والتعارض، ومن ثم التخندق بحرب الخنادق القديمة. نحن عندنا خنادق قديمة الأشعري، المعتزلي، المرجئة، الخوارج، الشيعة، أهل السنة. كل المعارك التي خاضوها في عصرهم خاصة بعصرهم، الآن ماذا يحصل؟ حضرتك، يحصل استدعاء هذا التخندق؛ تنظر فتلاقي الأصولي يستدعي التيارات الجهادية، ويستدعي الخوارج، تنظر فتلاقي الشيعي، أو حتى السني، أو الأشعري يستدعي الأفكار التي هي ابتدأت تتشكل في القرن الثالث، ويبتدئ يتخندق، حضرتك لما تنظر في كل الدول التي فيها نزاعات، ستلاقيها طائفية؛ هي كل ما فيها متخندق بتيارها القديم، مع أن معاركهم لم تكن معاركنا.
“الفرق العقائدية وتوغل الصراع السياسي الديني“
باسم: فيه جهتان. أنا مسرور جداً أنك حددت جهتين. هم وصلوا لنا أن نظل على القديم على قدمه، وفوق أكتافنا. فيه جهات داخلية، وجهات خارجية، الجهات الداخلية هي من نفسنا، ثقافتنا، وشعوبنا، وسلطاتنا ودولنا، إلى آخره… هذه كانت بدءاً من العصر العباسي وصولاً حتى الآن، هذا تحت سيطرتنا، لكن نحن صبرنا عليه طوال هذا التاريخ. كل محاولات التجديد، أو تطوير هذا الفهم للنص، النص القرآني، لم تنجح، ولم يترك لها المجال للنجاح، وهوجمت وقوتلت.
محمد: لم تنجح إلا إذا تحولت إلى تيار عام، وأصبحت جزءاً من مناهج التعليم والثقافة. كيف ستنجح؟
باسم: إذن، نحن الأساس.
محمد: نحن عندنا مفكرون عظماء في العصر الحاضر، العصر الحديث، لكن أين آراؤهم؟
باسم: لكن، من الذي فرض سلطة القديم على الجديد؟
محمد: الذي فرضها أصحاب المصالح. هو مصلحته في الحفاظ على قدسية القديم، أنه يتحدث باسمه. فيه أصحاب مصالح للحفاظ على سلطة القديم، لأنه في الحفاظ على سلطة القديم، هو الحفاظ على مصالحهم.
باسم: لو هذا الحارس على القديم، بين قوسين، المستفيد من بقاء القديم على قدمه، لو جدد سيظل في مكانه.
محمد: فيه منهم يقول لك: أنا أجدد. وانتبه؛ يعني، الذين يقرون بقداسة القديم، وليتهم يقولون بقداسة القرآن! يقول بقداسة الأقوال البشرية. وعلى فكرة، أنا أخشى عليه من الشرك؛ لأنه أنا منزه جداً، وحريص أن لا يكون في معتقدي مع الله شرك. فإذا كنت أنت تقدس أفكار الجاه، وكتب العلماء، أنت تعطي لهم صفة هي المفروض للقرآن.
باسم: خاصة أن القرآن يحث الناس على عدم التفرق في الدين، ونحن نفرق ديننا شيعاً، وكل ما ورثناه هو عبارة عن فرق متناحرة.
محمد: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍ﴾ [الأنعام: 159] فأنت في هذا الوقت لما تدعي أنك تمتلك الحقيقة المطلقة، أنت بهذا تقصي كل الفرق الأخرى. والمفهوم هذا مفهوم خطر جداً: فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة، البعض كان يفهمنا غلطاً، ويقول: هؤلاء ينكرون الحقيقة المطلقة. لا، أنا، أو غيري لسنا ننكر الحقيقة المطلقة؛ الحقيقة المطلقة موجودة، لكن، لا يعلمها إلا الله؛ ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، ”لا يعلمها إلا هو“، أنت تقول لي: إن عندك الحقيقة المطلقة، أخشى عليك أيضاً من الشرك، لأن الحقيقة المطلقة لا يعرفها إلا الله، لأنه هو الذي أحاط بكل شيء علماً فأنت لا تزعم أنك تمتلك الحقيقة المطلقة، ولا تستطيع أن تملكها. فأنا هنا أيضاً أنزه الله سبحانه وتعالى، وموغل في الإيمان به عندما أقول إن الحقيقة المطلقة لا يعرفها إلا الله. أنا أو أنت، أو من يدعي القداسة لا نعرف إلا في حدودنا البشرية، وحسب ما تعلمنا.
باسم: المشكلة أن حدودنا البشرية محدودة بعمرنا الزمني.
محمد: وبما تعلمناه.
باسم: ومستوانا المعرفي، قد يكون منخفضاً، وقد يكون عالياً، لكن هذا…
محمد: بالضبط، ولذلك أنت جئت لنقطة المستوى المعرفي. أنا أيضاً من ضمن الأشياء التي أقولها: المستوى المعرفي للفقيه القديم، غير المستوى المعرفي عند الفقيه الحديث. الفقيه القديم متعلم بطريقة، والفقيه الحديث متعلم بطريقة نظامية، على فكرة، فالطريقة النظامية هي الأكثر فاعلية، والأكثر ثباتاً في تكوين العلم، غير المتعلم الحر، غير المتعلم على عمود، أو على شيخ لا يكون منتظماً، أنت هذا الوقت تدخل امتحانات فصلية، وشهرية، فمسألة السقف المعرفي نحن مقيدون في إدراكنا الأمور بحدود ثقافتنا، أنا وحضرتك، وكانْتْ، وهيجل حتى نيوتن.
باسم: كيف سمح العرب المسلمون بأن الفرق التي قسمت، أو فرقت الدين إلى شيع أن تظل قائمة؟ رغم أن الكل يقرأ النص، ويقرأ هذه الآية ويمر عليها مرور الكرام؟ والكل يتفرق حول هذا الفهم: هذا كذا، وهذا كذا، وهذا يكفر هذا، وهذا يكفر هذا، يعني، الكل كافر في نظر الكل، والكل يدعي الإسلام هو بعيد عنه، ولكن العقل الجمعي تائه، والنص أبعد إلى الزاوية؟
محمد: مضبوط، لا أستطيع أن أفهم خلاف العقائد بين الفرق إلا في ضوء الصراع السياسي. الصراع السياسي طبعاً. هو حضرتك لو رجعت للصراع السياسي الموجود في العصر الأول ابتداءً من تولي الإمام علي، ابتدأ ينشأ الخلاف السياسي، والخلاف السياسي كان مرتبطاً بخلاف عقائدي. يعني أول ما سيدنا عثمان رحل وجاء سيدنا علي، ابتدأ يحصل صراع سياسي ليس فقط بين معاوية وعلي، ولكن أيضاً ظهرت الخوارج، وظهر أيضاً المؤلهون لعلي رضي الله عنه. بدأت تظهر فرق عقائدية، الفرق العقائدية التي ظهرت مرتبطة بالموقف السياسي.
باسم: يعني الخلاف السياسي قاد إلى افتراق في الدين مثلاً؟
محمد: نعم، طبعاً.
باسم: وليس العكس؟
محمد: لا، السياسي أولاً، انظر الأحداث، أنا دليلي تراتب الأحداث التاريخي.
الخلاف بين علي بن أبي طالب وجماعة معاوية بن أبي سفيان {الخوارج}
باسم: ألا يمكن أن يكون سوء فهم النصوص، أو سوء فهم النص قاد إلى تفرق في الدين؟ إلى نشوء مدارس أو مذاهب، أو طوائف، هذا قاد إلى تعمق الافتراق السياسي؟
محمد: في بعض الحالات كلامك مضبوط، يعني، أنا لن أكون مع رأي يوافق الرأي الآخر. الخلاف الرئيس الذي نشأ عقائدياً نشأ نتيجة خلاف سياسي، لكن كان فيه جناح من الأجنحة هذه، سوء فهمه للنص ساهم في مثل هذا التفرق. ألسنا قلنا: السياسة أولاً؟، وبعد هذا الاختلاف العقائدي؟ لكن الخوارج لما ظهروا في الجو هذا، البيئة دي كانت نتيجة سوء فهم النص.
باسم: ولهذا هو منشأ سؤالي من هناك؟
محمد: كلامك مضبوط. العلوم الإنسانية، مثل ما نحن دارسون، ما لها قانون ثابت ينطبق على كل الحالات مثل العلوم الطبيعية. فأنا أقول: منشأ الخلاف كان عوامل سياسية، هي الصراع حول الخلافة بين معاوية وبين الإمام علي، هذا السبب الرئيس؛ لأن الخلاف العقائدي ما كان ظاهراً قبل كذا. يعني، لو ترجع لعصر عثمان، أو عمر، أو أبي بكر رضي الله عنهم، لن تجد خلافاً عقائدياً، لكن الخلاف العقائدي بدأ من هنا، لكن إذا كانت الدوافع الرئيسة في الصراع الرئيس سياسية، لكن، جناح ظهر نتيجة سوء فهم.
“الخوارج مثال على سوء فهم النص الديني”
محمد: هو هنا الذكاء والدهاء، راحوا قالوا: (لا حكم إلا لله). الذين هم الخوارج، هذا نتيجة لسوء فهم النص، فجاء الإمام علي رد عليهم قال لهم: أن المصحف خط مسطور بين دفتين لا ينطق، وإنما ينطق به الرجال، ينطق به الرجال، يعني، الفهم هنا حسب…
باسم: الواقع والمتلقي.
محمد: لكن فكرة رفع المصحف فادت تيار معاوية، بسبب نشوء الخوارج، كان سبباً عقائدياً، لكن الخلاف الأكبر سياسي طبعاً.
باسم: بودي أن أسأل هنا بهذه الجزئية مباشرة، لأني أرى أن هذا السؤال ظل قائماً إلى اليوم، السبب الذي أدى إلى الخوارج والخروج، والسبب الذي قاد لعلي بن أبي طالب أن قال لهم: أن القرآن خط مسطور بين دفتين، لا ينطق إنما ينطق به الرجال، هذا دليل على أن هناك فيه اختلاف أنه ما فيه أداة موحدة لفهم النص؟
محمد: طبعاً، ولذلك الذين يقولون بهذا من المحدثين هذا ليس بدعة لأن الإمام علياً، وهو من أئمة التأويل، من أئمة التدبر مدرك لأن فهم النص مرتبط بالمتلقي، بالرجال، بالفاهم.
باسم: يعني، بتبدل المستويات المعرفية، والظروف، والنشأة.
محمد: صح، وبالتالي إذا أنت يا خارجي فهمت القرآن بمعنى هذا فهمك أنت، وليس هذا هو…
باسم: مقاصد النص.
محمد: مقاصد النص، لأنه فيه آخر سيفهمها بطريقة مختلفة، فالإمام علي أدرك منذ وقت مبكر أن طريقة فهم النص تختلف باختلاف الناس، طبعاً هذا ليس معناه أن نقع في فوضى تأويلية، لكن هناك ضوابط ومعايير لفهم النص، لكن، في الآخر، هل هناك فهم وحيد للنص، وبقية الأفهام باطلة؟ لا، هذا كلام غير سليم لأنه ممكن أن تتعدد الأفهام، ونصه يحتملها، وعلى فكرة هذا من عظمة القرآن، لأنه جاء لمراعاة ظروف مختلفة.
“الفقه المقاصدي وفقه التراث”
باسم: يعني، إجمالاً الفكرة أنا أتقبلها بالإجمال، لكن إذا بودك أن تدخل في صلب النص، هناك فعلاً آيات، مثلاً آيات التحليل والتحريم واضحة، لا تحتاج إلى إفتاء، لا تحتاج أن أختلف. يعني، لن أختلف وإياك أن الكذب حلال أم حرام، لن نختلف أن الزنا حلال أم حرام، لن نختلف أن الكذب أو السرقة أو أكل مال اليتيم إلى آخره… هذا لا خلاف عليه، الاختلاف بقضايا أخرى جوهرية بفهم مقاصد النص الكتابي، هنا الخلاف. إذن، لكي لا نختلف، لكن الاختلاف صار في الحلال والحرام.
محمد: لا، هو هنا المشكلة.
باسم: يعني، يزيد على الحرام بأضعاف مضاعفة بالحلال.
محمد: أنا سأوضح. نحن لسنا مختلفين في النقطة هذه على فكرة، لكن النص نوعان: نص محكم ونص متشابه، نص قاطع الدلالة، ونص ظني الدلالة ففيه قطعية دلالة له معنى واحد لا يتغير، ف”الله أحدٌ أحدُ”، “أقيموا الصلاة أقيموا الصلاة”، “حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً” تمام؟ هذا محكم وقاطع الدلالة، لن يتغير. لكن الذي سيتغير، وأيضاً أحكام الحلال والحرام التي نص عليها القرآن. يعني، مثلاً، القرآن نص على حرمة قتل النفس، ستظل حراماً، لن يقدر أن يقولها على حرمة الزنا، على حرمة كذا. فيه ثوابت. لذلك، أحد الأشياء التي ركزت عليها في كتاباتي هو الثوابت والمتغيرات في الدين. الدين فيه ثوابت لا تتغير، ما يسميه علماء أصول الدين القدامى: (ما علم من الدين بالضرورة). لكن أنا عندي معلومة (بالدين والضرورة)؟ لا، أنا أتوسع فيها، معلومة (بالدين والضرورة) الذي قاله القرآن.
باسم: ليس الذي قاله فلان.
محمد: ليس الذي قاله فلان، ليس الذي قاله عبد القادر البغدادي، ولا الذي قاله الأشعري، ولا الذي قاله الماتريدي، ولا الذي قاله المعتزلي. لا، أنت بشر، هذه طريقة فهمك للنص للعقيدة، لكن ما علم بالدين معروف: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، إلخ… أركان الإسلام واضحة، الحلال والحرام واضح، هذه أشياء ما فيها نقد، هذه ثوابت. إن الله واحد، ثوابت، لن ينفع لأحد أن يؤولها، يجعل الآلهة اثنين أو ثلاثة، وأربعة.
باسم: طيّب، أليس المسلمون قد اختلفوا؟ وهذا الاختلاف قديم؟ يعني الفقه فيه تفاصيل مذهلة حول ما هو الحلال، وما هو الحرام، رغم أن هذا ليس من اختصاص الناس. يعني، رب العالمين حدد الحرام وقال: ”تعالوا أتل ما حرم ربكم“. رب العالمين حدد بالضبط الحرام، والحلال هو الذي نحن نفتي فيه، وكل مجتمع يفتي بالحلال بقدر ما يحتاج إلى ممارسة الحلال فيه. حتى الرسول، كان صلى الله عليه وسلم، لما أقام المدينة، دولة المدينة هو أفتى بالحلال. كانت التجربة الأولى في كيفية تطبيق حلال رب العالمين، أما الحرام لا يتدخل فيه.
محمد: كلام حضرتك مضبوط، الحلال أيضاً محدود، والأصل في الأشياء الإباحة. الأصل، لكن بعض الفقهاء، وليس كلهم ابتدأ يضيق على الناس عيشتهم.
باسم: لكن فقه التراث مثقل بقيود الحرام.
محمد: التراث فيه الإيجابي والسلبي، وفيه إبداعات، ومثقل بمشاكل ضخمة جداً قائمة على التضييق على الناس. لكن هذا الذي أنا أتمناه هو شيوع الفقه المقاصدي. الفقه المقاصدي ضرب كل هذا؛ لأنه حدد أين الإلهي وأين البشري، وأصر على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وربط الأحكام بتحقيق المصلحة، المقاصد والمصالح. لكن الفقه الذي يقوم على القياس، وربط الماضي بالحاضر هذا خطر جداً على فكرة؛ لأنه يقيس دائماً على علة ماضية.
باسم: أنا عندي جملة أقول دائماً: ”أسوأ العقول هو العقل القياسي“.
محمد: طبعاً، لأنه لا يصح بكل الأحوال. فيه حالات يصح فيها، خلاص، الخمرة حرام لأنها تذهب العقل، فأقدر أحكم على المخدرات بأنها حرام؛ لأن العلة واحدة. لكن المشكلة هي التوسع في القياس. تبقى مسائل مستجدة تماماً، فيبتدئ الفقيه تابع القياس يبحث عن أي واقعة قديمة تشتبه معها في العلة، حتى لو كانت العلة ليست يقينية، قرينة، يبتدئ يبني حكمه في الوقائع المستجدة على علة موجودة في حكم قديم مرتبط بزمن آخر. هنا تأتي المشكلة الضخمة: يبتدئ يخنق الجديد؛ لأنه دائماً يقيسه على القديم. لذلك، أنا يعجبني في الفقه المقاصدي أنه غير مرتبط فقط بفكرة التحقيق، هو مرتبط أكثر بفكرة تحقيق المناط، وهو فقه يسمونه فقه ”المآلات“، يعني، دائماً عينه على المستقبل، المفروض عينك تكون في المستقبل، لا ينفع أن عينك كلها على الماضي، لا، عين على الماضي تستفيد، وهذا القرآن قاله، لازم أن تستفيد من التجارب السابقة، لكن لا أظل أسيراً لهذه التجارب السابقة.
دور السلطة السياسية والمنظومة الثلاثية في تشكيل العقل العربي
باسم: ما موجود لدينا من تدين، قد نقبله، وقد لا نقبله، فيه ناس ينتقدون، وفيه ناس لا ينتقدون. ما دور السلطان السياسي في تشكيل هذا التدين؟ يعني لماذا هذا الفهم سمح لتطويره، وتم طمس العقل النقدي لنقد سردية تطور هذا الفقه؟
محمد: السلطان القديم كان من مصلحته وجود هذا؛ لأنه كان يستخدم الفرقة هذه من أجل السيطرة، ومن أجل أنها تعطيه بعداً أيدولوجياً؛ لأنه لا سلطان بلا أيدولوجيا فيستعين بفرقة، يستعين بطائفة تعطيه الأيدولوجيا، تعطيه الأفكار، تعطيه المنظومة الفكرية. التي يسيطر بها، عسكرياً فقط لا ينجح؛ لابد أن يكون هناك فكر وثقافة، وقوة ناعمة. فتكون فرقته هي الداعم الرئيس، تصبح فرقته هي الداعم الرئيس له، مثلاً في عصر المأمون والمعتصم، المعتزلة كانت هي القوة الناعمة الفكرية الأيدولوجية التي يستند عليها. ممكن أن نضرب أمثلة كثيرة في التاريخ دون أن نقع في مشاكل.
باسم: لسنا بحاجة لمشاكل، لكنها نمطية الحكم بين السلطان ورجل الدين، هذه التبادلية ظلت قائمة، وتحكم العقل العربي الإسلامي منذ العهد العباسي إلى الآن.
محمد: لأن العقل العربي عقل متدين. هو عقل متدين، لكن الآن هناك من أهل السلطان من يريدون أن… أدركوا خطورة القديم، وأنه لابد من وجود جديد حتى نلحق بالحداثة، ونلحق بالتقدم، وحتى نلحق بالازدهار. فمن ثم، ولذلك التيار الذي حضرتك أشرت إليه، التيار العقلاني الذي يريد أن يجدد، وأن يراعي ظروف العصر، وأن يلحق بالتقدم، لن يكتب له النصر.
باسم: مع الحفاظ على الثوابت؟
محمد: مع الحفاظ على الثوابت طبعاً. أنا بالنسبة لي منتهية: مع الحفاظ على الثوابت، لن يكتب له الغلبة بدون دعم مؤسسي، لابد من دعم مؤسسي، أنت لن تقدر أن تعمل تنويراً وأنت تخلي الناس تتكلم. العقلانية لابد أنها تدخل في المناهج، في الثقافة، أن تكون على منابر المساجد، أنت عندك ثلاث حاجات مهمة جداً: عندك التعليم، وعندك المنابر الثقافية، وعندك المنابر الدينية، هذه التي تشكل وعي الناس. أنت الآن لما تنظر على السوشيال ميديا في بعض الدول، تكتشف مدى الانحدار الذي حصل في الصراع، وفي الفضائح، وفي المشاكل، وفي التجني على الناس، أين دور التعليم؟ وأين دور المنابر الثقافية؟ وأين دور المساجد؟ فهنا أنت لن تستطيع تغيير فكر العامة إلا لما تغير المنظومة الثلاثية.
تجربة جامعة القاهرة في قمع التطرف الديني، وتدعيم التفكير النقدي
باسم: المنظومة الثلاثية هي منظومة نخبوية، وبالتالي لا نتوقع من الشارع المهموم بأكله اليومي، وشربه اليومي، أن يتوقع أن يكون هو، أنا متأكد أنه عنده نقد، لهذه السردية، لكن ما عنده القدرة لكيفية إنجازها، المنظومة الثلاثية التي أنت تحدثت عنها، هي منظومة أنا في رأيي قد تمتلك دالة النقد لسردية هذا التدين، وليس الدين، وبالتالي عنده الإمكانية أنه فيما لو كانت في موقع مؤسسي أنه تأثر، بودي أن أتخذ من تجربتك أنت كرئيس جامعة القاهرة، وأنت كان لك الكثير من مساحة التغيير، وقمت بها، هل كان الهاجس هو هذا أنه أريد أن أحدث ثورة في كيفية نظرة العقل الطالب مثلاً أن يتحول إلى عقل نقدي؟
محمد: طبعاً، لأنه كان فيه عدة مشاريع كلها مرتبطة ببعضها ارتباطاً شديداً جداً، فأنت وليت وأتيحت لك الفرصة، فهل كلامك سيظل كلام، أم يتحول إلى سياسات؟ لأ تحول لسياسات، على مستويات كثيرة جداً، أعطيك بعض نماذج أحد أهم أسباب التطرف، وأحد أهم أسباب العنف، وأحد أهم أسباب الإقصاء ورفض الآخر، وأحد أهم أسباب عدم القدرة على العيش في مجتمع متنوع متعدد، هو غياب التفكير النقدي، لأنه التفكير المتطرف العنيف هو تفكير قائم على التلقي والحفظ، والسمع والطاعة.
أنت كيف ستعمل هذا؟ إذن، لابد أن طريقة التفكير النقدية يتعلمها الطالب، أنا لو بيدي أعملها من الكي جي، من الحضانة، وتمشي مع الطالب، فعملنا مقرر التفكير النقدي…
باسم: في الجامعة؟
محمد: في الجامعة بطريقة… فمقرر التفكير النقدي هو ليس مجرد أنه يعلمه التفكير النقدي فقط بطريقة نظرية، ولكن بطريقة عملية مطبقاً على قضايا، حتى أيضاً أعلمه التفكير النقدي، ليس لأقضي على التطرف الديني فقط، حتى أخلي الطالب جزءاً في مواجهة الحرب النفسية، لأنه الآن أي شيء على السوشيال ميديا يصدقها، فلما أعلمه التفكير النقدي، هو خلاص سيرى من مصدر الخبر، ومدى موثوقيته، ويبدأ يتحرر، لكن الآن أي أحد يقول شيئاً يصدقونه.
فاشتغلنا على هذا بجهود كبيرة جداً، وفي الآخر أصدرنا كتاباً تحت إشرافي المباشر، وخطة الكتاب وكله مباشرة، وكونت فريقاً من تخصصات متعددة، وبعد ما عملناه جعلنا الكتاب مقرراً على كل طلاب الجامعة.
باسم: كل الأقسام؟
محمد: لأن الجامعة كانت مثل، كان خريج طب القاهرة مثلاً، وخريج تجارة القاهرة، لا رابط بينهم غير الاسم… جامعة القاهرة.
باسم: لا لغة مشتركة بينهم، أو لا ثقافة مشتركة بينهم.
محمد: لا لغة مشتركة، هذا يدرس هنا الطب، وهذا يدرس تجارة، فأين القاسم؟ فأين الثقافة المشتركة؟ فأصبح كتاب التفكير النقدي هو كتاب يدرسه طالب طب، وطالب هندسة، وطالب صيدلة، وطالب تجارة، وطالب آداب، وطالب دار علوم. فأصبح فيه جانب ثقافي مشترك وفي نفس الوقت أنا لا أعمل منهج تفكير نقدي حتى أجعله يفكر بطريقة علمية فقط، أنا أيضاً أريده أن يتخلص من بعض الأفكار القديمة. نحن عندنا أفكار قديمة مسيطرة: إن الواحد يشتغل؛ لازم يشتغل في الحكومة، هذه أحسن حالة فنحن كنا نريد…
باسم: الأسهل.
محمد: فنحن نريد أن نعلم الناس المبادرة الفردية، والمشروعات الخاصة، أنه لا يعتمد على الانتماء، ليس بلازم أن يشتغل في شركة حتى، ولا يشتغل في الحكومة، فعملنا مقرراً، أنا قلت سنعمل مقرر ”ريادة الأعمال“ لأعلمه كيف يعمل مشروعاً، كيف يعمل تجارة؟ كيف أعلمه أن يقوم بدراسة جدوى لو أراد أن يعمل شيئاً. يعلمه دراسة الجدوى وهو طالب طب أنا أعلمه دراسة الجدوى في ريادة الأعمال.
باسم: حتى إذا فتح عمله الخاص يعرف كيف يبدع فيه.
محمد: نعم، يعرف، يطلع، حتى لو بعد هذا طلع حتى في أي مشروع صغير سيقدر أن يعمله، فهذا لم يكن فقط، أنا لست أعمل مناهج تكون جناحاً مع مناهج قديمة، نحن اشتغلنا على كل المناهج القديمة تصل ل 15 ألف مجلد. جامعة القاهرة جامعة عملاقة، فيها برامج…
باسم: 15 ألف مقرر.
محمد: طبعاً، على مستوى الجامعة كلها، ولأننا عندنا أنظمة تعليمية مختلفة داخل الجامعة، لأننا نؤمن بفكرة التنوع، غيرنا، وضعنا معايير لتطوير المناهج، وكان من ضمن المعايير هذه أن كل كلية تريد أن تطور منهجاً، أو منهاجها لا بد أن تقيس نفسها على مقررات أول عشر جامعات في التصنيفات. يعني، ترى مقررات هارفارد في نفس التخصص، ترى مقررات كامبردج، ترى مقررات مثلاً جامعة بكين، طبعاً، لازم أن ترى، لكن هل تقلد؟ لا، هي ترى طبعاً، لأنها في الحقيقة هي تستفيد منهم، هم عندهم أفكار وعلوم، وأدوات، وأشياء مهمة جداً.
عدم تقديس الأشخاص والاحتكام إلى قوة الحجة
محمد: لكن في الآخر، أنا لا أثير التقاليد، أنا أقلد المعايير والتقدم، وآخذ ما يناسبني منه. فهذا أحد الأشياء التي عملناها خاصة أننا نحن ابتدأنا نعتمد أكثر على اعتماد نظم دراسة دولية. فأنا الآن أريد أن أتقدم، وأقيس نفسي على هذا، على المتقدم.
باسم: دكتور يعني هذه التجربة فعلاً يبدو لي…
محمد: لكن هذا جزء. أنا أقول لك ما يعادل 1%، يعني هذه التجربة تعمل فيها حلقات. يعني، أنا أقول فقط التحفظ هذا، لئلا يظن سيادة المشاهد الكريم أنّا عملنا هكذا فقط، نحن عملنا أشياء كثيرة جداً.
باسم: هذه التجربة، تعليم الطالب كيف يفكر؟ كيف يفكر بحرية نقدية؟، والنقد هنا لا يعني النقد سلباً، وقد تنقد موضوعاً تكتشف فيه جوانب إيجابية، سلباً وإيجاباً.
محمد: حتى لو أُخدع.
باسم: بالضبط، كيف يمكن استخدام هذا النموذج، أو هذه التجربة في نقد ما نعالجه؟
محمد: نعم طبعاً، سأقول لحضرتك شيئاً كان من ضمن الأفكار التي نحن طرحناها، لأنا لم نكن ننشر فقط على مستوى الجامعة، بل كنا نقوم بمشروعات فقط على مستوى الجامعة. نحن كنا نقوم بمشروعات لها طابع مصري وعربي، يعني، نحن طلعنا بمشروع اسمه ”تطوير العقل المصري“، ومشروع ثانٍ كان اسمه ”تطوير العقل العربي“، ماذا كان هدفنا؟ كان فيه النقطة التي حضرتك تشير لها دكتور: كيف يفكر؟ أنا قلت نحن ليس مطلوباً منا أن نغير أفكاراً فقط. أن أنتزع فكرة وأضع فكرة، يعني: أنت ارجع إلى ما يكتبونه ضد التطرف؛ ماذا يفعلون؟ يمسك فكرة ويضع بدلاً منها فكرة. لا، أنت لا بد أن تغيّر ماكينة التفكير.
باسم: منشأ الأفكار.
محمد: نعم. انظر، في طريقة التفكير: طريقة التفكير هذه تركّبها بطريقة فتخرج نتائج، ولو رُكِّبت بطريقة ثانية بالمدخلات نفسها ستخرج نتائج أخرى؛ فكنت أقول إن الأزمة ليست في الأفكار فقط، الأزمة في طريقة…
باسم: يعني، كيف تحوّل العقل من التعوّد على النقل والسماع، إلى التعوّد على أن يُنتج ويبدع، ومن ثم ينتقد.
محمد: وينقد؛ فلا يصدّق كلام أي شخص، ولا ينخدع بالمظهر؛ لأنك تعرف المغالطة، وتعرف «وهم المسرح» الخاص بفرانسيس بيكون. فرانسيس بيكون قال إن هناك أربعة أوهام مسيطرة على الناس، منها وهم اسمه «وهم المسرح»؛ وهو لمجرد أن أرسطو قال كذا، أو لمجرد أن الفقيه الفلاني قال كذا—ثم يأتي بعد ذلك في هيئة عظيمة، ويرتدي كذا وكذا والناس توقره—فيقول: «إن قال فقد صدق».
وهم المسرح يعني: أنا هنا لا ألتفت للشخص، بل ألتفت للقول؛ يعني أنا لن آخذ بالقول لمجرد من هو الدكتور باسم، لا، أنا سأنظر إلى القول نفسه ومدى حجيته. لن آخذ بكلام الشافعي لأن الشافعي قاله، لا، بل هل حجته قوية أم لا؟ فالفيصل بيني وبين الشافعي، الفيصل بيني وبين أرسطو، الفيصل بيني وبين أفلاطون، الفيصل حتى بيني وبين نيوتن.
المسئولية الفردية مقابل السمع والطاعة
باسم: القدسية والاحترام يذهبان إلى الفكرة، وليس لصاحبها، رغم احترامنا للصاحب.
محمد: بالضبط، فهذا هو «وهم المسرح» لفرانسيس بيكون، وحتى الفقهاء—على فكرة—بعضهم لا يأخذ بالقول لمجرد التقليد، بل للحجة الموجودة فيه، الحجة القائمة في القول. فأنا أيضاً أريد أن أعلّم الطالب، وأريد أن أعلّم الناس أن يلتفتوا إلى الحجة، لا إلى مَن القائل؛ لأن هذا أحد الأسباب الكبرى للتطرف: فكرة طاعة أمير الجماعة. طاعة أمير الجماعة؛ هو يقول له، وحتى لا يستطيع أن يناقشه.
باسم: مثل الشيخ الذي حكى عنه الدكتور وهو العمدة راكب الحمار: اترك الحمار—أي اترك عقلك بالخارج—وادخل عند العمدة؛ انظر إلى المثل في أن العقل حمار.
محمد: بالضبط، فهنا ترك عقله؛ يعني هو يقول له كذا فانتهى الأمر، هو يسمع كلامه. أنت لو رأيت كل الجماعات المتطرفة لوجدتها هكذا؛ هي قائمة على فكرة السمع والطاعة، وتصديق الأمير.
باسم: هي تنظيمات سرية يعني، جزء منها يمتهن الإرهاب.
محمد: بالضبط، والمشكلة أن هذه الطريقة موجودة حتى في بعض التنظيمات غير السرية، والتي لها طابع رسمي أيضاً، قائمة على السمع.
باسم: كل الأحزاب: الأحزاب الماركسية القديمة، الأحزاب الوطنية.
محمد: قائمة على السمع والطاعة، نعم. وعلى فكرة، مَن الذي علّمنا التفكير النقدي؟ هذا القرآن: «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ»، «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ»، «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا». أنت لو أفتاك مفتٍ، أتظن أن الوِزر سيرجع إلى المفتي إن أفتى خطأً؟ سيرجع إليك أنت؛ لأن المسؤولية في الإسلام مسؤولية فردية.
باسم: فردية لأن القرآن أمرك بالتدبر مباشرة.
محمد: بالضبط، وحمّلك المسؤولية. فالقرآن أمرك بالتدبر وحمّلك المسؤولية؛ لن ينفع أن تقول له—لن ينفع أن تذهب إلى ربنا وتقول له: «أصل الشيخ الفلاني قال لي» أو «العالم الفلاني قال لي»؛ لأنه قال لك: «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ»؛ فالإسلام المسؤولية فيه مسؤولية فردية. أنت مسؤول، لكن في المقابل ماذا أعطاك؟ انظر، هو حمّلك المسؤولية لكن أعطاك حقاً؛ ما هي المسؤولية واجب إلهي، تكليف، هذا واجب إلهي ونحن مكلّفون، ولذلك سيحاسبنا الله.
باسم: «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ»، «إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا».
محمد: بالضبط، عندك الحرية.
باسم: أنت مسؤول عن سلوكك؛ إن أحسنت فلنفسك وإن أسأت فعليها، فتتحمل نتيجة الإساءة والإحسان.
محمد: لن ينفع أن تقول لي: «أصل فلان قال لي، أو علان قال لي»؛ أنت هكذا، التطرف لن ينفع معه هذا، والتصديق القائم على الحفظ لن ينفع، وعلى السمع والطاعة لن ينفع. لكن تعال في المقابل: أليس الإسلام قد وضع عليه هذا الواجب والتكليف وحمّله المسؤولية؟ لكنه أعطاه حقاً؛ إذ لا واجب في الإسلام إلا في مقابل حق. ما هو الحق؟ حق فهم الكتاب، وأن تكون علاقته بالكتاب علاقة مباشرة. عظمة الإسلام أنه أزال أي واسطة بين العبد…
باسم: وبين الكتاب، وبين رب العالمين.
الاجتهاد حق أصيل للفرد بحسب قدرته وقربه من النص
محمد: سنأتي بها إلى المنطقة التي ليس فيها خلاف بيننا وبين غيرنا، هذه المنطقة تقول: هل يتدخل أحد في العلاقة بيني وبين الله؟ قطعاً لا. تعال ننتقل إلى الخطوة التالية: حسناً، ومن المعبّر عن الله؟ الكتاب، الرسالة؛ فعلاقتي بالكتاب، علاقتي بالرسالة علاقة مباشرة.
باسم: العلاقة مع رب العالمين تمر عبر الكتاب.
محمد: عبر الكتاب. أستعين—أحاول أن أستعين بالآخرين وبعلومهم، لكن في النهاية ما أفهمه أنا أستطيع أن أتحمل مسؤوليته، لكن الذي أستعين به هذا لا يفرض عليّ رأياً وأصدّقه؛ فهنا العلاقة علاقة مباشرة، ولا تمنع من الاستفادة من الآخرين ومن علومهم؛ أسأل الدكتور باسم، والدكتور باسم يسألني، نسأل الآخرين، نتشاور، لكن في النهاية أنا أتحمل مسؤولية قراري. وعلى فكرة، بعض الفقهاء المسلمين المعتبرين قالوا: إن كل فرد حتى العامي يجتهد—تخيّل! يجتهد ولكن بحدود الآتي…
باسم: يجتهد بحدود مدى اقترابه من النص.
محمد: ويجتهد في الاختيار بين آراء المذاهب. يعني، الشوكاني له كتاب اسمه «القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد»، هذا الكتاب أنا حققته تقريباً سنة 1984، يعني منذ 42 سنة؛ واضح أنني كبرت في السن، لكنني قرأت هذا الكتاب في وقت مبكر، وحصلت على مخطوط له في دار الكتب المصرية، وحققت الكتاب ونشرته. من ضمن الأشياء التي يقولها: حتى العامي يجتهد؛ يجتهد في الاختيار بين المذاهب.
باسم: أنا في رأيي أن هناك نقطة ضروري أن نلقي الضوء عليها: أن أساس اجتهاد الفرد وصلاحيته في الحياة هو الفطرة السليمة؛ فالفطرة متلائمة مع النص لأن النص متلائم مع الفطرة. هناك تشويه للفطرة، وهذا التشويه ربما قد يكون التشدد في فهم النصوص؛ قد أساء، أو قد أفسد الفطرة على الناس.
محمد: تماماً. والجزء هذا يأتي من التعليم. هو فيه تعليم يفسد الفطرة، ويقفل أفقك، لكن فيه تعليم ثانٍ يفتح الأفق.
تطوير المحتوى، ومناهج التاريخ أساس الحفاظ على الفطرة السليمة
باسم: كيف نحمي فطرة الناس السليمة؟
محمد: بالتعليم، بالتعليم، لابد أن الطالب في المقررات المختلفة… عارف حديث ”ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه“؟ هذا في التعليم برضه؛ هو التعليم يشكله، بتشكله طبقاً لمنظومة فكرية محددة.
باسم: هل التعليم الموجود حالياً في المجتمعات العربية، هل أسلوب التعليم، ومادة التعليم، أو متون التعليم الموجودة في المجتمعات العربية، رغم أنه إحنا خرجنا شوية عن الموضوع، بس لكنه في صلب الموضوع؛ أنه التعليم له أساس، مثل ما أنت حكيت، في الحفاظ على فطرة الإنسان، وصحته العقلية؛ ملائم للقيام بهذه المهمة؟
محمد: لن أقدر أن أتكلم على العالم العربي كله ككتلة واحدة؛ لأنه فيه تنوع الآن في العالم العربي. فيه تنوع، فيه بلاد لا تزال تغط في القديم، وفي علم ما يسمى بالعالم العتيق في علوم القدماء. مش لازم أسمي، خلينا مع الفكرة. وفيه بلاد تانية لا هي عارفة تمشي مع التقدم في المقررات، ولا ترجع للوراء، عندها مشاكل. وفيه بلاد أساساً فاهمة فكرة التطوير غلط؛ يعني فكرة أنك تطور، إنك تجيب سبورة سمارت، أو أنك تعمل التعليم أون لاين، التعليم أون لاين، أو غيره، هذا كله أدوات، مش هو التعليم نفسه.
التعليم هو المحتوى، التعليم هو المحتوى الذي يتعلمه الطالب. وفيه بلاد كثُر، في الحقيقة أدركت وقدرت، فيه بلاد أدركت ولم تستطع؛ لأنه عندها عوائق داخلية، وضغوط، وعوامل صعبة، فيه بلاد في الحقيقة، في العالم العربي أدركت هذا، وعملت؛ لأنه التعليم هو الذي يجعلك بعد كذا المهندس، ويجعلك الطبيب، وهو الذي سينتج المواطن الصالح لن يقصد أن يمسك السلاح ويحاربك. فيه بلاد أدركت هذا، لكن إحنا محتاجين في الكل.
المشاكل العامة، نحن عندنا مشكلة في المناهج. سأعطيك على سبيل المثال: فيه مشاكل في كتب التاريخ في كتير من الدول، في كتير مش كل العالم العربي، فيه دولة ما أخذت بالها، على فكرة، وضبطت الدنيا في الموضوع هذا. لكن أنا عندي مفهوم: دراسة التاريخ مش مجرد كتاب أنت بتذاكره، وبتحفظه وتكتب، لا هذا يشكل رؤيتك للعالم.
باسم: الرؤية والهوية.
محمد: الهوية، ويشكل القدرة عندك، فاكر وإحنا صغيرين مين العظماء؟ مثل ما بتقول كتب التاريخ، نريد أن نكون مثل العظماء دول، إذا كان كتاب التاريخ يظهر لي كل العظماء أنهم المحاربون، يعني تاريخ الدولة، الذي هو تاريخ الحروب… لا طبعاً، تاريخ الدول الحروب جزء منه. هل تاريخ الدول هو تاريخ الأنظمة السياسية؟ لا. تاريخ الدول هو تاريخ الآداب، الفنون، الثقافة والعلوم الطبيعية، والعادات والتقاليد، أنا لازم أعيد تدريس التاريخ بمفهومه، كتابته أولاً بمفهوم شامل.
تاريخ العالم يشمل التاريخ السياسي والحربي، والفني والعلمي، والعادات والتقاليد، وتاريخ الثقافات. يعني، هل نحن مثلاً في البلد ”س“ هل ثقافة الشعب الآن هي ثقافة الشعب من قرن؟ الثقافة لها تاريخ. أتدري بماذا أحلم؟ أحلم أن نمسك كتاب التاريخ كذا، مثل قصة الحضارة لـ”ويل ديورانت“. ليس هو يعني لأنه طبعاً لن يدرسوا
باسم: لن يدرسوا 37 مجلداً.
محمد: نعم، كبير يعني، فنحن محتاجون أن ندرس، الطلبة، قصة الحضارة؛ فيها تاريخ، فيها تاريخ سياسي، وفيها عدل، هذا سيصنع أفقاً واسعاً.
تأثير المؤسسات الدينية على المجتمع، بين دور الدولة وانتشار الفرق الطائفية
باسم: كيف سمح للفرق الدينية أن تسيطر على العقل العربي طوال فترة زمنية طويلة؟ برغم أن هذه الفرق تحت أعين السلطان، لكن في فترات من التاريخ العربي كان وجود رجل دين، أو المؤسسة الدينية، خلينا نقول دور وطني في الوقت اللي غابت المؤسسات الوطنية عن ممارسة الدور. يعني، مؤسسات المجتمع، أو إدارات المجتمع غابت عن القيام بهذا الدور. نلوم مين حالياً؟ خاصة في فترات الاستعمار؟ يعني في فترات الاستعمار، يعني، في فترات الاستعمار هي غياب، أو وجود مؤسسات وطنية تحكم المجتمع بما يلائم؟ ظهرت المؤسسات الوطنية، أو عفواً المؤسسات الدين، أو التدين في المجتمعات العربية، هي التي قادت مثلاً في الجزائر، المؤسسات الدينية قادت حركة التحرير مثلاً، يعني، لا يمكن نلومها. لكن في ثنايا هذه الفترات ساد تطرف ديني، سادت فرق دينية، سادت أحزاب دينية، ساد… بالتالي على نفس الفهم القديم.
محمد: الدولة لما تقوى، وتستطيع أن تسيطر، وتئد كل الفرق، وهذا حصل في الدولة الأموية، يعني، الدولة الأموية لما كتب لها السيطرة، سيطرت، بكل الوسائل، بالقوة الحادة، وبالقوة الناعمة، هو معاوية لم يسيطر بالقوة الحادة فقط. يعني، ليس بالحرب والعقوبات، ولكن هو مدرك، أنشأ قوة ناعمة كبيرة جداً في مختلف التخصصات والعلمية، وسمح بها، وكذا…
تطور التعليم يقضي على الفرق الطائفية ويقي الانقسامات الدينية
في فترات التفكك والتحلل ترجع الفرق هذه تظهر ثانية، ترجع تظهر ثانية. لذلك بدأت أقول لهم: نطور التعليم؛ لأنا لم نقضِ بعدُ على التطرف، هذا فيه حالة كمون، فيلزم أن التعليم هو الذي سيغير هذا، لازم تطهير الأرض. فتأتي الجماعات، تظهر، تبتدئ تطلع في فترة تحلل الدولة، في آخر الدولة الأموية، لحد ما تُكتب الغلبة لطائفة. وكتب الغلبة في الوقت هذا، من حسن الطالع لبني عباس، بني عباس كانوا في الحقيقة يتمتعون بأفق ثقافي واسع. في أغلب الفترات، وليس كلها، أيضًا لم أستطع أن أحكم حكمًا كليًّا. في العصر العباسي حصلت حركة الترجمة، وحصلت حريات في الفنون والآداب، والتدوين.
باسم: وتم تمثل ثقافات الآخرين.
محمد: لكن في نفس الوقت كان عندك علماء عظماء، لم يكونوا أيضًا.. يعني، مثلاً ساعتها أيضًا، أنت تذكر قصة الإمام مالك لما الخليفة العباسي قال له: اكتب كتابًا يسير عليه الناس، يكون كتاب واحد، يكون أيدولوجية الدولة، فالإمام مالك رفض، عمل الكتاب لكن رفض تعميمه، ورفض إجبار الناس عليه. إمام عظيم، لكن صاحب السياسة يريد أن يخليها لونًا واحدًا. في فترات التحلل ترجع الجماعات تظهر ثانية، خاصة مع الانشقاق الكبير، الانشقاق الكبير الذي لايزال يضر حتى الآن. هو الانشقاق بين السنة والشيعة، لو نحن سنخرج من الخنادق القديمة، لن نتطور. الدول عليها دور قوي جداً، لكن السيطرة هنا لا يصلح أن تكون سيطرة ظاهرية.
باسم: دكتور شكراً لك، استمتعت بالحوار معك، فيه أسئلة كثيرة بقيت لكن خلنا نتركها إلى حلقة جديدة.
محمد: أكون سعيداً جداً لمواصلة الحوار مع هذا المحاور القدير.
باسم: شكراً لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج ”مجتمع“، إلى اللقاء.
