Skip to content Skip to footer

بين المقدس والبشري.. تجديد الخطاب أم تجديد فهم الدين؟ | د. محمد الخُشت

آليات تجديد الخطاب الديني ومراعاة اختلاف الثقافات والمستويات المعرفية

باسم الجمل: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نعاود اللقاء مع الدكتور محمد الخُشت رئيس جامعة القاهرة السابق، أهلًا بك دكتور مرة أخرى.

محمد الخُشت: أهلًا وسهلًا.

باسم الجمل: اللقاء معك كان مشوِّقًا في السابق، إن شاء الله يكون أكثر تشويقًا اليوم.

محمد الخُشت: نفس الشعور تجاهك دكتور باسم، وتجاه هذا الحوار الثري.

باسم الجمل: في الحلقة السابقة كنَّا نناقش مشاكل ما يُسمَّى “تجديد فهم النص القرآني”، أو تجديد الخطاب الديني. أحب أن أناقش معك أيضًا الآليات التي يمكن اتِّباعها لتجديد هذا الخطاب، لتطوير هذا الفهم. ومن هو المسؤول عن هذا التطوير؟ الدولة؟ المجتمع؟ المؤسسات الدينية؟ الأفراد؟ الجامعات؟ معاهد تعليمية؟ حتى الآن لسنا عارفين من هو الأكثر تأهيلًا لقيادة هذا الفعل.

محمد الخُشت: هو سؤال مركَّب، فيه جزءان مهمَّان جدًا: الجزء الأول يتعلَّق بفكرة التجديد، وجزء يتعلَّق بمن الذي يجدِّد. فنبدأ بكيف يمكن أن نجدِّد. نحن عندما نتحدَّث عن التجديد ننظر في تجارب العلماء السابقين عبر التاريخ الإسلامي، وأيضًا عبر تواريخ الأمم اللاحقة.

محمد الخُشت: كيف ينتقل الخطاب من عصر إلى عصر؟ وكيف تتغيَّر الثقافة من عصر إلى عصر؟ من هذا المنطلق أستطيع أن أقول لك: يمكن أيضًا أن نتأسَّى بما فعله الله في إرسال رسالاته المختلفة. فعندما كان يُرسِل الله رسولًا كان بلسان قومه، ليس مجرَّد اللسان المتعلِّق باللغة…

باسم الجمل: “وَما أَرسَلنا مِن رَسولٍ إِلّا بِلِسانِ قَومِهِ”.

محمد الخُشت: “إِلّا بِلِسانِ قَومِهِ”. اللسان هنا ليس فقط اللغة، لكن المفاهيم والثقافة ومراعاة ظروف العصر ومراعاة السقف المعرفي.

باسم الجمل: المعرفي للناس، للمجتمع المسلم.

محمد الخُشت: لا، هذا تفسير مختلف للسان.

باسم الجمل: يعني يدخل فيه فلسفة التأسيس للسان الحالي؟

محمد الخُشت: طبعًا، لأنه أنا عندي اللسان ليس مجرَّد لغة فقط، ولكن اللسان ثقافة.

باسم الجمل: هو ليس لغة؟

محمد الخُشت: نعم، هو ثقافة وفكر — “مصطلح إنجليزي” — رؤية للعالم. فمراعاة الرسالة أو مراعاة الخطاب لا بد أنه يراعي ظروف العصر، ويراعي المخاطَبين، ويراعي القضايا والتحدِّيات. ومن ثَمَّ في مرحلة أخرى تأتي رسالة أخرى وتُخاطِب الناس بجانب مشترك — الذي هو التوحيد طبعًا — لكن فيه جوانب مختلفة لا بد أن يراعي طبيعة المتغيِّرات، حتى الاقتصادية.

التفكيك عند دريدا وتفكيك التراث: من هدم القديم إلى بناء فهم جديد

باسم الجمل: مئة في المئة. ظروف المجتمع مختلفة.

محمد الخُشت: بالضبط. ولذلك أنا لي كتاب اسمه “تطوُّر الأديان” أشرح فيه كيف تطوَّرت الأديان عبر تاريخ البشرية كله، وكيف تطوَّرت في وعي الإنسان.

باسم الجمل: يعني نعتبر الدين موحَّد، هو دين الله؟

محمد الخُشت: نعم، الدين واحد.

باسم الجمل: أما تطوُّر الشرائع في الدين؟

محمد الخُشت: أنا أقول لك بأيِّ معنى؛ لأنه عمومًا أيُّ أحد يسمعني يقول لك: “تطوُّر الدين”، هو دين ربنا يتطوَّر؟!

باسم الجمل: لا، ليس فقط أنه هل الدين واحد، أم أديان مختلفة.

محمد الخُشت: أنا سأقول لك هذا وهذا، فيه تطوُّر أديان. منذ قليل أنا قلت لك المقدِّمات، وأنت اتَّفقت معي أن الله في إرساله الرسالة يراعي طبيعة المتلقِّي واللسان والثقافة والظروف وكذا وكذا. لكن في عصر آخر الناس تطوَّرت، والسقف المعرفي ارتفع، والبشرية تقدَّمت. فتأتي رسالة أخرى تتَّسع لهذا الفهم الأكثر تطوُّرًا، وهذا الوعي البشري الأكثر إدراكًا. ثم يتطوَّر الوعي البشري، انظر ستجد أن الأديان تتطوَّر بهذا المعنى، ليس بمعنى أن الله يتطوَّر، أو أن الدين يتغيَّر.

باسم الجمل: والنص تغيَّر. صح.

محمد الخُشت: لا، هو الجوهر هو جوهر الدين والإيمان واحد. وأيضًا جوهر السلوك الذي كل الأديان تدعو له: الأمانة والصدق والتعاون والحياة المشتركة. لكن في التفصيلات وفي طبيعة التشريع تأتي التشريعات التي تُلائِم هذا العصر. بدليل أنه كان فيه أمور محرَّمة على بني إسرائيل وغير محرَّمة علينا نحن. فهذا المعنى إذا كانت الأديان تتطوَّر والخطاب الديني يتطوَّر فنحن علينا تطوير هذا الخطاب الديني لكي نراعي ظروف عصرنا والسقف المعرفي لعصرنا.

محمد الخُشت: هذا مدخل. فيه مدخل ثانٍ أنه حتى نقوم بعملية تطوير للخطاب الديني لا بد أن نُفكِّك القديم، نُفكِّك القديم.

باسم الجمل: صح، يعني نُفكِّك الفهم التراثي للنص.

محمد الخُشت: هذا احتراز واجب وإيضاح مهم جدًا منك دكتور باسم. نحن نتعامل مع علوم بشرية، مع خطاب بشري. الخطاب الديني ليس بخطاب إلهي، الخطاب الديني خطاب بشري. الدين هو الإلهي.

باسم الجمل: القرآن هو الإلهي.

محمد الخُشت: نعم، القرآن. فالدين هو الإلهي، لكن الخطاب الديني هو طريقة فهم البشر للدين، سواء كان طريقة فهمه الشافعية التي نتحدَّث بها الآن، أو حتى الكتب. “الرسالة” للشافعي هذا كتاب بشري، “الرسالة” التي عمل فيها أصول الفقه هذا كتاب بشري، كتاب “الأم” بشري.

باسم الجمل: هي رؤيته هو لفهمه الخاص للدين.

محمد الخُشت: الخاص. حتى “مسند أحمد”، رغم أنه في الأحاديث، لكنه بشري. بشري لمَ؟ لأن معايير الصحة والصواب والجمع والتصنيف كلها معايير بشرية. فنحن لا بد أن نقوم بعملية تفكيك للمفاهيم القديمة. والتفكيك هنا ضروري؛ لأنك لا تستطيع أن تبني بناءً جديدًا دون أن تُمهِّد الأرض، تُمهِّد الأرض، وتحفر، وتبني على أساس جديد.

محمد الخُشت: وكل المفاهيم التي تشكَّلت في العصر السابق تُفكِّكها من أجل أن تبني مفاهيم جديدة تُلائِم العصر. هل هذا التفكيك هو مثل تفكيك دريدا أو التفكيكية الأوروبية؟

باسم الجمل: هل هو مثل تفكيك دريدا أو التفكيكية الأوروبية؟

محمد الخُشت: لا. التفكيكية الأوروبية أنا أرفضها. وكنت مختلفًا مع أساتذتي وأنا بعدُ معيد في الموضوع؛ لأني أرفض التفكيكية، التفكيك من أجل التفكيك. لا. التفكيك مرحلة من أجل أن يعقبها البناء. التفكيك عند دريدا هو يقوم على فكرة ضياع المعنى، فوضوية المعنى، لا معنى ثابت للنص. فأنت إذا قلت: لا معنى ثابت للنص…

باسم الجمل: أنت هكذا أبطلت النص.

محمد الخُشت: أبطلت النص. لكن أنا لست أقول بمعنى ثابت. بالمناسبة أنا أقول بنوعين من المعاني: معانٍ ثابتة ومعانٍ متغيِّرة. ودريدا والتفكيكيون بشكل عام يقولون: فكرة حتى غياب مركز المعنى الخارجي — لا توجد حقيقة خارجية. أنا عندي حقيقة خارجية، نؤمن بالإله الواحد.

باسم الجمل: النص حقيقة.

محمد الخُشت: بالضبط. والله هذا حتى العلم الطبيعي، أنا عندي العلم الطبيعي أساسًا يقوم على فكرة التوحيد في المبادئ؛ لأنه أنت عندك ظواهر متنوِّعة تضعها في قانون واحد، تقدر ترده لمجموعة قوانين، لقانون واحد أعمَّ، وهكذا حتى تصل إلى المبدأ الأوحد، الواحد الأحد.

محمد الخُشت: وبالمناسبة هذا كانط، الفيلسوف الألماني هذا كانط، اعتبر أن فكرة الله شرط معرفي لتنظيم المعرفة.

باسم الجمل: صح، ولتنظيمها تتشكَّل، يعني أُسِّس منشئ للتفكير الصحيح.

محمد الخُشت: نعم. حتى قال بتعبيره: اعتبر فكرة الله سبحانه وتعالى فكرة “ترانساندنتالية”، يعني فكرة شرطية لقيام حتى العلوم الطبيعية والورائية. فإذن أنا أرفض تفكير دريدا والتفكيكيين؛ لأنهم يوقعوننا في النسبية المطلقة.

محمد الخُشت: لكن أنا في المقابل لا أقع في العكس، أنه هو معنى واحد والباقي خطأ. يعني لا مع الطرف هذا ولا مع الطرف هذا.


محمد الخُشت: التفكيك مهم جدًا: تفكيك النصوص. وبعد ما تُفكِّك وتفرز — تفرز الإيجابي من السلبي — لست أقول لك تأخذ من الإيجابي كما يقولون. لأن فيه ناس تظن التجديد معناه الانتقاء، أنك تنقِّي التراث، الناس تفهم هكذا.

محمد الخُشت: هذا فيه ناس من المسؤولين عن التجديد يفهمون التجديد على أنه انتقاء. لا، التجديد عندي ليس انتقاء. التجديد هو مركَّب جديد من عناصر إيجابية من التراث، ومن العصر، ومن العلوم، ثم بناء مركَّب جديد في هذا الفهم.

سيدنا إبراهيم مثال للتفكيك الفكري والبحث عن الحقيقة

محمد الخُشت: التفكيك الذي أنا أقول به بهذا النوع ليس بدعة في الدين. تخيَّل من عمله؟ الفكرة هذه جاءتني البارحة: سيدنا إبراهيم. سيدنا إبراهيم قبل أن يقول أن الله واحد، بدأ ينظر في العقائد القديمة، رأى الأصنام أنها لا تضرُّ ولا تنفع.

محمد الخُشت: إذن من فعل هذا يا إبراهيم؟ قال: “اسألوا كبيرهم، نعم، لعلَّهم ينطقون”. يُفكِّك ليس مقتنعًا. هو لم يعرف ربَّنا مباشرة، سيدنا إبراهيم. ثم ذهب لفكرة “الصابئة”، عبادة الكواكب والأقمار والشموس. “الكوكب هذا ربِّي”، “فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلين”. ثم ذهب للقمر، “فَلَمّا رَأَى الشَّمسَ بازِغَةً”.

محمد الخُشت: يواصل تفكيك المعتقدات القديمة. بعد ما فكَّك المعتقدات القديمة قال: “آمَنتُ بِاللَّهِ”. وقال: “وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرضَ حَنيفًا”.

باسم الجمل: ولهذا سُمِّي “أُمَّة”.

محمد الخُشت: أُمَّة.

باسم الجمل: لأنه قاد تفكيرًا استقرائيًا، يعني لم يسبقه إليه أحد.

محمد الخُشت: بالضبط. أنا أعتبر أيضًا أن المرحلة هذه عنده مرحلة تفكيكية. هو لم يكن قاصدًا لها لكنه تطوَّر وعيه وتطوَّر عقله، هو ليس قادرًا على الاقتناع بالموجود. كما نحن الآن لسنا قادرين على الاقتناع بالأفكار…

باسم الجمل: بالقراءة الموجودة.

محمد الخُشت: بالقراءة الموجودة للنص. فنُبيِّن عيوب القراءة وسلبيات القراءة وكذا وكذا. بعد ما ننتهي من عملية التطهير — أحد سيقول لي حتى لا يكون كلامي عامًا — فيه أفكار فيها مشكلة: فكرة الحاكمية، وفكرة الولاء والبراء، وفكرة أهل الذمة. يعني فكرة أهل الذمة تصلح لعصرها لكن لا تصلح لعصرنا؛ نحن الآن في عصر المواطنة.

محمد الخُشت: فبعد هذا التفكيك نقوم بعمليات بناء الأفكار من جديد على أرض طاهرة ونقية. ونحن نبني نتَّبع مناهج كثيرة جدًا؛ منها المنهج النقدي، منها المنهج المقارن، منها المنهج “الديالكتيكي”، ونُعيد بناء الأفكار هذه. لكن حتى عندما نُعيد بناء الأفكار هذه لسنا بعيدين عن النص؛ لأن أنا عندي ضوابط. يعني أنا لست مع الذين يُضفون على النص ما ليس فيه؛ الناس تُفسِّر القرآن وتعمل أشياء غريبة جدًا لكي تستنتج منه ما ليس فيه، لأن النص لا بد أن يحتمل. أنا أرجع أولًا للغة. كما اتَّفقنا في حواراتنا نرجع للسان وللسياق والظرف التاريخي. أحد يقول لك: هذا فلان يريد أن يفهم القرآن فهمًا تاريخيًا. نعم، أليست أسباب النزول فهمًا تاريخيًا؟ أليس العلماء القدامى والمفسِّرون فسَّروا القرآن بأسباب النزول؟

السياق القرآني والاجتماعي: مفتاح فهم النص وتجديد الخطاب الديني

محمد الخُشت: أليس هذا هو السياق التاريخي؟

باسم الجمل: هم الذين فرضوا التاريخية على النص.

محمد الخُشت: هم الذين فرضوا على النص. أنا أريد أن أُحرِّر النص من التاريخية، أريد أن أُحرِّره من التاريخية؛ لأنه بالرغم من أنني أذهب لأسباب النزول…

باسم الجمل: أو مناسبات النزول.

محمد الخُشت: أو مناسبات. أنا أستخدم مصطلح الفقهاء. البعض يقول أسباب الورود. أنا أتذكَّر كتابًا قرأته منذ 30 سنة تقريبًا كان اسمه “أسباب ورود الحديث” مثلًا.

باسم الجمل: هذا بالنسبة للحديث. نحن نتحدَّث عن أسباب نزول أو مناسبات النزول بالنسبة للقرآن. أنا لا أميل لا للأسباب ولا للمناسبات.

محمد الخُشت: وأنا أيضًا. أنا أستخدمها كنوع من الإضاءة، كنوع من إضاءة النص؛ لأنه فعلًا أحيانًا تجعلنا نُحرِّر النص نفسه من قيود حصلت فيه. ممكن أضرب لك مثلًا إن أردت. ففكرة التفسير بالسياق، السياق له عدة أنواع: سياق الآية، سياق الكلمة في الآية، وسياق الآية في مجموعة الآيات الواردة فيها، وسياقها في السورة، وسياقها في القرآن ككل. لا بد أن أراعي السياق القرآني.

باسم الجمل: يعني حسب التعبير القرآني الذي هو الترتيل والتدبُّر.

محمد الخُشت: بالضبط؛ لأنه أنت في التدبُّر أنت لا تفهم الآية بمعزل عن الأخرى.

باسم الجمل: بالضبط.

محمد الخُشت: والقرآن نفسه نبَّهنا لهذا يعني. القرآن نبَّهنا لضرورة مراعاة السياق العام.

محمد الخُشت: أنا سأقول لك أمرًا: بالرغم من أننا نقول بالتجديد لكن أنا سآخذ من القدماء. القدماء يقولون: الكتاب يُفسِّر بعضه بعضًا. إذن فسِّر يا متطرِّف الكتابَ بعضه بعضًا! لا تقتطع آيات وتُبرِّر بها موقفك وتُفسِد بها بلدك وتعمل حربًا أهلية.

باسم الجمل: وهذا لا يقع. هم يُعاملون القرآن “عِضين”.

محمد الخُشت: بالضبط. فأنا هنا أقول له: لا، القدماء منهم من قالوا: الكتاب يُفسِّر بعضه بعضًا.

محمد الخُشت: أنا لن أقدر أن أستنبط حكمًا من آية، ولا معنى من آية إلا عندما أرى السياق القرآني كله. وأرى أيضًا كما تفعلون في الإسلاميات: أنت ترى الكلمة والمفردة، استُخدِمت بعدة طرق، بسياقات مختلفة، وبتركيبات مختلفة، ولها معانٍ مختلفة، وهكذا.

محمد الخُشت: إذن نحن حتى في التجديد لا نخرج من المعايير. نحن عندنا معايير تتعلَّق بالسياق القرآني، وتتعلَّق أيضًا بسياق الفهم الذي فهمه المفسِّر القديم، الذي هو السياق الاجتماعي والثقافي مهم جدًا لفهم القرآن.

باسم الجمل: أكيد النسق الاجتماعي والثقافي الموجود، الذي عليه أيُّ مجتمع، مهم جدًا.

محمد الخُشت: جدًا.

تجديد الخطاب الديني بين فهم النص وضوابط التأويل

باسم الجمل: لفهم مقاصد النص فيه. لكن هنا قبل أن ندخل في: من سيقوم بالتجديد؟ المعيارية التي يتمُّ اتِّباعها مثلًا — أنا أريد أن أُجدِّد في الخطاب الديني، يعني في مفهوم النص، أو نقد سردية التفاسير. كيف نُفكِّر؟ يعني نحن فكَّكناها واعتبرنا أن جزءًا منها غير ملائم لظرفنا الحالي، لكن ما هي المعيارية التي سنقيس بها ما سنُجدِّد به؟

محمد الخُشت: مدى صوابه؟ يعني طبعًا فيه معايير، وهي معايير علمية؛ لأنه الآن علوم القراءات والتأويل هذه علوم في التفسير، وفيها تقدُّم كبير جدًا، سواء عندنا نحن أو عند الغرب. فأنا أستفيد من أدوات التأويل الحديثة، وأيضًا أدوات التأويل القديمة، بحيث أستطيع إلى أقصى مدى أن أكون مُعبِّرًا عن النص ولست بعيدًا عنه. فأنا عندي معايير كثيرة جدًا: عندي معيار اللغة، عندي معيار أسباب النزول، أو كما قلتم مناسبات النزول. أيضًا النظر في التواريخ هذا مهم جدًا، في التواريخ والوقائع الخارجية هذا كله سيُساعدنا على فهم النص.

محمد الخُشت: ولا أُحمِّل اللفظَ ما ليس فيه. فيه بعض الناس كما قلت لحضرتك تُضفي على اللفظ ما لا يحتمله اللفظ. لا بد أن تحتمل اللغة، حتى لو على مستوى الجذر، حتى لو على مستوى جذر الكلمة، فلا بد أن تحتمل اللغة. لكن أن أُضفي معنى من عندي على النص لا يحتمله لا، سنقع في فوضى التأويل. وهذا المشكلة التي حصلت عند الذين يُفسِّرون في التفسير “الإشاري”، عند بعض التيَّارات الصوفية؛ هو يُسقِط على النص ما ليس فيه.

باسم الجمل: ويستنطق النص بما ليس فيه.

محمد الخُشت: نعم. نتيجة التجربة الروحية التي هو يراها، أو حالة الشطح التي يمرُّ فيها، ويبدأ يُسقِط على النص ما ليس فيه. وهذا أيضًا في التفسير “الباطني” في القرآن، يُسقِط على النص ما ليس فيه.

تحرير تفاسير القرآن من فقه التراث القديم والإسرائيليات واللاهوت المسيحي

باسم الجمل: الفقهاء القدماء، فقهاء التراث — دعنا نُسمِّيهم مع احترامي لهم ولإنتاجهم، لأن فيه إنتاجًا جميلًا جدًا يمكن الاستئناس به — ليس كل…

محمد الخُشت: نعم طبعًا. أليس العلم تراكميًا؟

باسم الجمل: ما منع. أسألك سؤالًا أنا: هل مارسوا مثلًا آلية اللسان في فهم القرآن؟ وإذا لم يمارسوا هذه الآلية فمن منعهم؟ لِمَ قُرئ القرآن بالرواية وبالرأي؟

محمد الخُشت: مشكلة كبيرة جدًا. هي المشكلة بدأت في البداية، وعلى وجه التحديد من أهل الديانات الأخرى الذين عندهم ثقافات قديمة، عندما أسلموا فبدأوا يُفسِّرون القرآن حسب ثقافتهم القديمة.

باسم الجمل: يعني فيه تأثير من أصحاب الملل السابقة.

محمد الخُشت: طبعًا. والتأثير هذا أنا لن أفترض فيه سوء النية، لن أفترض. هو رجل حامل لثقافة ولقصص دينية، سواء القصص هذه موجودة في التوراة، أو أسفار الأنبياء، أو التلمود، أو في الميدراش، أو حتى في الأساطير الشعبية في ثقافته.

محمد الخُشت: ويُسلِم، ولن أُشكِّك في إسلامه. مثل مثلًا “عبد الله بن سلام”، الصحابي الجليل جدًا، وكان حبرًا يهوديًا محقِّقًا ويتحرَّى.

باسم الجمل: ابن إسحاق.

محمد الخُشت: بالضبط، وكعب الأحبار، ووهب بن منبِّه. ونحن نتكلَّم في العلم. وعبد الله بن سبأ. المشكلة حدثت كيف؟ المشكلة أنه هو بدأ يفهم القصص القرآني والأحكام القرآنية في ضوء الثقافة اليهودية.

باسم الجمل: وَفق ما لديه من تصوُّرات قديمة.

محمد الخُشت: بالضبط. فأنت تأتي لتفتح تفسير “الطبري”…

باسم الجمل: تجد كله إسرائيليات.

محمد الخُشت: نعم. تفتح تفسير “ابن كثير”، وتفتح “الدر المنثور”، وتفتح كل كتب التفسير — ليس كلها طبعًا، فيه يقلُّ عند ناس معيَّنة. يعني لا تكاد تجد هذا عند مثلًا “الفخر الرازي”؛ لأن “الفخر الرازي” كان يُفسِّر تفسيرًا عقلانيًا ويرجع للغوي وكل شيء. لكن المشكلة إذن أن التفاسير التي استخدمت الروايات الإسرائيلية هي التي شكَّلت العقل العام، هي التي شكَّلت العقل العام لدى المسلمين.

باسم الجمل: يعني هل يمكن أن نطلق هذا، يعني نعتبر ذلك جزءًا أساسًا من تشكيل الفقه الثقافي أن الملَّة اليهودية أو مفكِّري الملَّة اليهودية أو الثقافة أثَّروا؟

محمد الخُشت: نعم طبعًا. ولذلك أحد مهام الخطاب الديني الجديد هو تحرير القرآن من التفسيرات الإسرائيلية واليهودية، أو أيِّ ثقافة، أو حتى الثقافة المسيحية القديمة؛ لأنه حتى المسيحيين الذين أسلموا…

باسم الجمل: أثَّروا.

محمد الخُشت: لأنه غيَّر ثقافته. سأقول لك أنا أمرًا: في علم الكلام — الذي هو علم أصول الدين — من أهم المشكلات التي عملت مشكلات ضخمة جدًا: مشكلة خلق القرآن. وأنا أرى أنها مشكلة فارغة. مشكلة خلق القرآن جاءت من أين؟ مثل الثقافة المسيحية عندما اختلطوا باليونان وبثقافة المسيحيين في الشام وفي العراق. ففكرة الكلمة، المسيح عليه السلام هو كلمة الله، عندهم كلمة الله هي كلمة أزلية. فخلاص تعالَ ننظر في القرآن: هل هي كلمة مخلوقة أم كلمة قديمة؟ هذه ليست مشكلتنا نحن أساسًا؛ هذه مشكلة آتية من اللاهوت المسيحي. أنت عندما يأتي التراث المسيحي يدخل في تفسيرك، ويأتي التراث اليهودي يدخل في تفسيرك، هذا أخرج القرآن عن مقصده. أصل القرآن ليس آتيًا ليحكي تواريخ؛ القرآن يقول لك قصة بهدف.

محمد الخُشت: قصة بهدف كيف؟ هو القرآن فيه شيء أنا أُسمِّيه: تحييد المكان والزمان. فعندك مثلًا “ذو القرنين”، أنت لن تجد…

باسم الجمل: لا جغرافيا ولا زمن يحكم قصَّتك.

محمد الخُشت: بالضبط. هذا في قصص القرآن. لا ستجد زمنًا ولا ستجد مكانًا.

باسم الجمل: عِبرة، هي عِبرة للآخرين.

محمد الخُشت: بالضبط. وحتى المكان ستجده بوصف، لن يقول لك في بلدة كذا، سيقول لك “مَجمَعَ البَحرَينِ”، فتِّش. لكن لم يقل لك في بلد كذا. ويأتي يُفسِّر “ذا القرنين” بأنه الإسكندر. القرآن لم يقل، لم يقل. ستجده في كتب التفسير، وبعضهم فسَّروا بعض الملوك العرب القدامى. فالمهم وضربوا أمثلة وتنفع. هذا ينفع يُركَّب. أليس القرآن لم يأتِ لأجل هذا؟

محمد الخُشت: القرآن يُعطيك نموذجًا “أيديال” يصلح لكل زمان ومكان. إذن “ذو القرنين” هو يريد أن الحاكم يتمتَّع بمواصفات معيَّنة تتعلَّق بالإنصاف، والدفاع عن المظلومين وعن المقهورين، وأنه يتَّبع في هذا الأساليب…

باسم الجمل: صفات سلوكية.

محمد الخُشت: نعم. “آتوني زُبَرَ الحَديدِ”. فهو آتٍ بهذه القصة، أو حتى قصة “العبد الصالح”. هو لم يقل اسمه، لكن مَن الذي قال لنا إنه “الخضر”؟ اليهود. لكنه ليس الخضر. وبعد ذلك هو أيُّ خضر فيهم؟ يكاد يكون في كل بلد “خضر”.

محمد الخُشت: فالمهم، المشكلة التي حدثت: القرآن هذا جاء لكي يُعطيك نماذج تصلح كنماذج لكل زمان ومكان، ولكل شخص، ولكل حاكم. لكن لم يربطها بعصر.

محمد الخُشت: بخلاف الكتاب المقدَّس، بخلاف التوراة، أسفار العهد القديم؛ هو يُحدِّد لك الزمان والمكان. القرآن لا يعنيه هذا. فيأتي المفسِّر يبدأ يأخذ القصة القرآنية، التي هي تدلُّ أساسًا على شيء آخر، مع أن القصة نفسها واردة في الكتاب المقدَّس، لكن الدلالة التي يريد القرآن أن يستنتجها مختلفة. فيأتي المفسِّر يضعها في السياق…

الأحاديث النبوية وأهمية التحقُّق من صحَّتها وتنقيحها من الروايات الموضوعة والإسرائيليات

محمد الخُشت: لكي يخرج مَن؟ ويبدأ يُدخلك في مشكلة الشجرة: “لا تأكلا من هذه الشجرة”، يبدأ يختلف نفس الاختلافات: هل التين؟ هل هي النخلة؟ هل هي التفاحة؟ فنحن من ضمن مهام تجديد الخطاب الديني أن نُحرِّر القرآن من الإسرائيليات، أو من الثقافات الأخرى مثل “اللاهوت المسيحي” التي دخلت في إضفاء معانٍ على قصص مشتركة. أليس هناك قصص مشتركة؟

محمد الخُشت: مثل قصة العبد الصالح، هي موجودة لكن ليست موجودة في الكتاب المقدَّس بالمناسبة. هي موجودة في التراث اليهودي، وقِس على هذا. لكن ليس بنفس الطريقة أيضًا، ليس بنفس الأسماء، ليس بنفس العدد.

باسم الجمل: المفسِّرون المسلمون العرب، حتى عندما لاحظوا وجود تقاطع في ذكر بعض القصص القرآنية مع القصص في الأسفار اليهودية، اعتبروا أنه يمكن أن تُلبَس هذا النص القرآني التفسيراتُ، وأسقطوا التفسير الموجود أو التفاصيل الموجودة في الإسرائيليات، ما يُسمَّى “بالإسرائيليات”، على القرآن.

باسم الجمل: وهذا دخل أيضًا حتى على مستوى الأحاديث، الكثير من الأحاديث المُصاغة تجد لها تقريبًا نفس المتن، مرَّات حتى نفس الألفاظ، في التلمود.

محمد الخُشت: تجدها بالنص. لكن هذه أنا لا أعتبرها أحاديث. هم بعض الناس يقولون إنها أحاديث، أنا لا أعتبرها أحاديث. أنا لا أنكر السنَّة — إن قال فقد صدق — فأنا أريد أن أتأكَّد أنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو لم يقل هذا الكلام، لم يقل، لم يقل. لكن كان يُنسب للرسول. ولذلك أتعلم أفضل حديث من حيث الثبوت ما هو؟ “من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار”. كل علماء الحديث قالوا إنه هذا أصحُّ حديث. لكن سترى مدى… فيه جزء يتعلَّق بالكذب الذي ذُكِر في الأحاديث الموضوعة، فيها مصنَّفات: أحاديث منسوبة كذبًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

باسم الجمل: حتى الآن هناك شيوخ يكذبون على الرسول لصالح الرسول. يعني اليوم بالصدفة كنت مع أحد الشيوخ يقول: إذا أردنا أن نُخبِر العامة بمفاصل الدين سنُفسِد عليهم دينهم، بالتالي نحجب عنهم الرواية. يقول هذا الكلام. فهذا يؤكِّد فعلًا أنه مورِس الكذب، ومورِس الدجل والتدليس على النص القرآني باسم الرسول.

محمد الخُشت: هذا حدث لأسباب منها سوء نية، وأسباب تتعلَّق بحسن النية. فيه أمور تتعلَّق بسوء نية كثيرة جدًا؛ لأن بعض السلطات في ذلك الوقت تريد أن توظِّف الدين لصالح استقرارها هي، وهذا حدث.

محمد الخُشت: وفيه بعض الناس فعلوه بحسن نية. يعني رأى هؤلاء الناس بعيدين عن الدين وبعيدين عن الالتزام فبدأ يقول لك: من فعل كذا فله خمسة قصور ومئة حور عين. أولئك كانت نيَّتهم طيِّبة.

باسم الجمل: عملية تسويق.

محمد الخُشت: نعم، أولئك كانت نيَّتهم طيِّبة، يريدون أن يجذبوا الناس للالتزام. لكن أنا في الآخر كل هذا أرفضه. أنا الصدق عن الله ورسوله هذا لا يتمُّ التفريط فيه تحت أيِّ مبرِّر، تحت أيِّ مبرِّر.

الدارقطني وابن حجر: مثال على نقد الأحاديث النبوية والتحقُّق من صحَّتها

باسم الجمل: دكتور، أنت حدَّدت المجال الذي يحتاج إلى تطوير الفهم، وهذه مساحة كثيرة واسعة. سواء مساحة تجديد ما أُدخِل على لسان النبي وما أُدخِل على تفسير الآيات القرآنية؟ كيف نجدِّدهم؟ كيف بودِّنا أن نفكَّ الارتباط ما بين الكذب أو التدليس المنسوب للنبي الكريم، وأيضًا ما أُلبِس للنص القرآني أو للقصص القرآني؟

محمد الخُشت: هذا جهد له مستويات متعدِّدة. يعني لا بد من إنشاء جيل من العلماء الذين يتمتَّعون بتفكير نقدي، ويكون فيه مهام. فيه أمور تصلح أن يعملها أفراد، وفيه أمور لا بد لها من مؤسَّسات. أنا حتى الآن لست قادرًا أن أقوم بجهد مؤسَّسي جماعي أفرز به كل الأحاديث التي ثبتت للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا ليس موجودًا.

محمد الخُشت: هذه اجتهادات فردية للعلماء، اجتهادات فردية.

باسم الجمل: رغم أنه في علم الأحاديث، علم الحديث هناك تقسيمات. يعني هم يفرزون مسبقًا. يعني يقولون لك: حديث ضعيف، حديث حسن، حديث مقطوع.

محمد الخُشت: فيه شيء لا بد أن أقوله للسادة المشاهدين: في الحقيقة علماء الأحاديث قاموا بجهد رائع جدًا في تقييم صحَّة الأسانيد. هذا حتى حديث البخاري العلماء تكلَّموا فيه، والناس لا تعرف. يعني “الدارقطني”، الإمام “الدارقطني” صاحب سنن “الدارقطني”، هذا عالم جهبذ في ركن مسلم والبخاري، أخرج 160 علَّةً في حوالي 160 حديثًا. لكن “ابن حجر” ردَّ عليه. يعني انظر عندهم فكرة أن هذا جهد علمي، جهد علمي. ينقد عمل نِدٍّ له، ويبيِّن الأمور التي فاتته، وأنه هو لم يُطبِّق فيها منهجه. ويأتي آخر يردُّ عليه، يقول له ويبدأ يُثبِت له صحَّتها. هذا جهد علمي.

محمد الخُشت: والعلماء قاموا بجهد عظيم جدًا في تحديد الإسرائيليات، تخيَّل! وفي تحديد الأحاديث الموضوعة. فيه مساحة يختلفون فيها، وهذا مشروع. فيه واحد يُضعِّف حديثه وفيه واحد يُصحِّحه، هذا مشروع.

باسم الجمل: حديث مضعَّف، حديث مُصحَّح، حديث ضعيف. لِمَ هو متروك؟

محمد الخُشت: أليست هذه هي المشكلة؟ والمشكلة أن البعض يدرسه ويذكره. حضرتك عندما ترجع لمقالاتي وكتبي ستجدني أستشهد بالحديث، لكني أستشهد بالحديث الصحيح المطابق للقرآن، لا يكون معارضًا له، لا يقول شيئًا معارضًا للنص.

باسم الجمل: لأنه لا يمكن للنبي الكريم أن يقول شيئًا أو يفعل شيئًا معارضًا للنص.

محمد الخُشت: من كلام ربِّه. لا يمكن. الرسول صلى الله عليه وسلم يُبيِّن للناس ما نزل إليه. لكن ننشر قولًا معارضًا له! أنت انظر المصيبة! المصيبة أن بعض الفقهاء اعتبروا أن السنَّة ناسخة للقرآن.

باسم الجمل: وحاكمة عليه.

التأثُّر بالفكر التلمودي في تقديس الأئمة والفقهاء كتقديس الحاخامات

محمد الخُشت: لكن طبعًا فيه علماء كثيرون رفضوا هذا الكلام.

باسم الجمل: تجنٍّ وقح على القرآن.

محمد الخُشت: هو علميًا خطأ يعني، بالعلم هكذا ليس بالفكر. فالقرآن قطعي الثبوت، النص القرآني قطعي الثبوت تاريخيًا. لكن الحديث الذي أنت تزعم أنه نسخ القرآن هذا حديث ظنِّي الثبوت. ولست أنا الذي أقول هكذا، هذا علماء الحديث هم الذين يقولون ظنِّي الثبوت. فكيف أنه ظنِّي الثبوت؟ كيف أن حديثًا يُنسَخ به المتواتر؟

باسم الجمل: يقولون لك: وحجَّة الأمة أن الحديث حاكم على النص.

محمد الخُشت: لا لا، هذا كلام خطأ. وربِّي أيضًا حتى لو قيل إن الرسول في هذا الحديث تحدَّث عن وحي، الوحي لا يُناقِض نفسه. يعني هذه مشكلة، هل تنتبه معي! هذا معظم الكلام في النسخ آتٍ هكذا. هو عقليَّته كعالم يظن أن هناك تعارضًا بين هذه الآية وهذه الآية، فكيف يُزيل التعارض؟ أزاله بالنسخ. لا يا سيدي. أنت ليس ثمة تعارض.

باسم الجمل: في التلمود اليهودي هناك نصوص تقول كالتالي: أنه إذا اختلفت مع أحد الأحبار فكأنَّك اختلفت مع الله، وأن الأئمة الاثني عشر عندهم — الذين هم الأئمة المعصومون — وأنه يمكن للإمام المعصوم أن يُصلِح بين — بين قوسَين — “لله سبحانه وتعالى”. هذا موجود بالنص. إذن أُخِذ ووُضِع عندنا في ثنايا الفقه التراثي، نجد أقوالًا من هذا النوع. كيف نُفكِّكه؟

محمد الخُشت: أليس هذا نُفكِّكه بكل… هنا لا بد أن نُميِّز بين المقدَّس والبشري. من أول الأمور التي ناديت بها في تجديد الخطاب الديني — في مقالات من أكثر من 15 سنة — أول أمر أن نُميِّز المقدَّس من البشري: أين المقدَّس وأين البشري؟ أنت تأخذ كل أقوال الحاخامات والفقهاء والمفسِّرين والأئمة كلها بشرية. فهل يُصيب ويُخطئ؟ طبعًا. لا تستطيع ألا تقول إنه يُصيب ويُخطئ. لو قلت لا يُخطئ أنت هكذا أشركت، لأنك تُقدِّسه. نعم، أشركت طبعًا. أنت كيف تقول عن عالم إنه لا يخطئ؟

باسم الجمل: نفس التقديس الموجود في التلمود، تقديس الشيخ وتقديس الإمام، والتقديس الموجود في التلمود.

محمد الخُشت: أزيدك. في الديانات المختلفة بصرف النظر عن اسمها — ليس دينًا أو ثلاثة — كل دين يكون فيه تيَّارات مختلفة. فيه تيَّار منهم — كل دين فيه تيَّار تقديسي لرجل الدين — نحن سنُسمِّيه فقيهًا، هم سيُسمُّونه حاخامًا.

باسم الجمل: أولئك الذين يُغالون بالدين.

محمد الخُشت: طبعًا. فهو هنا تقديس البشر. أن يعتبر العالم لا يُخطئ. أنت هكذا أنا أقول لك: أخشى عليك من الشرك. الذي لا يُخطئ هو ربِّي، والذي لا يُخطئ هو الرسول في ما بلَّغ عن ربِّي، في ما بلَّغ عن الله. فكيف أنت تقول إن هذا العالم لا يُخطئ؟ ولذلك الإسلام ليس فيه فكرة أنه يوجد إمام تلقَّى عن الله أو تحدَّث باسم الله، لا أحد.

محمد الخُشت: لذلك أنا أختلف بالمناسبة مع “ابن القيم”. “ابن القيم” له كتاب اسمه “إعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين”.

باسم الجمل: يعني طبقة الكهنة من أنشأها؟ كيف نشأت طبقة الكهنة في القرآن وفي الدين وفي الإسلام؟ والإسلام لا يحتمل وجود كهنة، لا يحتمل وجود طبقة من رجال الدين.

تحوُّل المرجعية الدينية إلى طبقة كهنوتية، والتمييز بين الرسول كمبلِّغ للوحي وقاضٍ بشري

باسم الجمل: يعني طبقة الكهنة من أنشأها؟ كيف نشأت طبقة الكهنة في القرآن وفي الدين وفي الإسلام؟ والإسلام لا يحتمل وجود كهنة، لا يحتمل وجود طبقة من رجال الدين؟

محمد الخُشت: انظر، هي موجودة كيف؟ لكي أوضِّح لبعض المستمعين سيقول لي: ما اسمه؟ “إعلام الموقِّعين”، أصل المسألة فيها اختلاف. فأنا أقول لهم هذا فيه اختلاف: “أعلام” لو أنا أتكلَّم عن سِيَر، هو لا يتكلَّم عن سِيَر، هو يتكلَّم عن قواعد. فهو “إعلام الموقِّعين”. الخطورة هنا في ماذا؟ الخطورة أنه يعتقد أن هناك مُوقِّعًا عن الله، أن هناك متحدِّثًا باسم الله.

باسم الجمل: يختم على مصداقية الشيء.

محمد الخُشت: نعم. أنا عندي وفي ديني كما أفهمه: لا أحد يتحدَّث باسم الله إلا واحد فقط، هو الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا حتى الرسول نفسه قال: “ميِّزوا في كلامي بين ما أنقله عن الله وبين ما هو مني”. يعني معناه هكذا.

محمد الخُشت: في حديث تأبير النخل، حديث تأبير النخل شهير لن أحكيه. عندما النخل لم يُثمر بناءً على نصيحة الرسول، قال لهم: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم. ما أتيتكم من أمر دينكم فخذوه، لكن ما أتيتكم في شأن دنياكم فأنتم وشأنكم”.

محمد الخُشت: فالرسول عليه الصلاة والسلام أساسًا فيه مقامات. بعض الفقهاء العظماء قالوها، أساسًا لست أنا الذي أقول. الرسول كان يتصرَّف: فيه أقوال عنه كنبيٍّ عليه الصلاة والسلام — هنا مبلِّغ عن ربِّه — وفيه مواقف يتصرَّف فيها كقاضٍ. وحين يتصرَّف كقاضٍ احتمالية الخطأ موجودة.

محمد الخُشت: بالمناسبة، لست أنا. خشية أن يقول المشاهد إنني أقول باحتمالية الخطأ عند الرسول عليه الصلاة والسلام. كلنا نعلم في ثقافتنا، والذي يسمعني الآن يعرف الحادثة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، قال لهم: “إذا قضيتُ لأحدكم بشيء لا يستحقُّه، فإنما اقتطعت له قطعةً من النار”. وفي الحديث نفسه قال ما معناه “قد يكون أحدكم ألحنَ بحجَّته”. ألحنَ…

محمد الخُشت: انظر يا عزيزي، الرسول عليه الصلاة والسلام هو يحكم بناءً على ما يُعرَض عليه، فما يُعرَض عليه قد يكون الواحد عنده حجَّة أقوى. فحذَّرهم من خداع الله. الرسول قال له: فإنَّما… هو حكم قال: “إنما اقتطع له قطعةً من النار”. هنا النبي يحكم كقاضٍ. فيه أمور يتكلَّم فيها الرسول عليه الصلاة والسلام كحاكم بشري. أُعطيك نموذجًا. المشكلة أنهم لا يُميِّزون في تصرُّفات النبي.

باسم الجمل: صح، لم يُميِّزوا ما بين صفات الرسول.

محمد الخُشت: لكن فيه فقهاء ميَّزوا، فيه علماء ميَّزوا.

باسم الجمل: القرآن ميَّز.

محمد الخُشت: بالضبط. القرآن يُحدِّد: أين الرسول وأين البشر وأين وأين.

حُجِّية الأحاديث ظنِّية الثبوت في العقائد والأحكام

محمد الخُشت: لكن أحيانًا لا تكون عندنا، أو عند البعض، الشجاعة أن يذكر الآيات. يعني لكن الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام ميَّز، ميَّز هذا التمييز. فالذي يتحدَّث عن الله وباسم الله هو واحد، هو الرسول فيما بلَّغ عن ربِّه.

باسم الجمل: في حياته.

محمد الخُشت: بعد حياته عليه الصلاة والسلام ما ثبت من أقواله فقط.

باسم الجمل: والنص.

محمد الخُشت: نعم. والقرآن، نص القرآن. وما ثبت من السنَّة يقينًا يمكن أن آخذ به في العقائد والأحكام الشرعية. لكن ظنِّي الثبوت مثل الآحاد لا. لكني لست أرفض الآحاد كليَّةً. لا، أنا آخذ بما يتَّفق منه مع القرآن ومع المقاصد.

باسم الجمل: التي هي تجارب البشر.

محمد الخُشت: بالضبط. لأنه ظنِّي الثبوت. لكن إن قال فقد صدق.

تجديد الخطاب الديني مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والعلماء

باسم الجمل: إذن الآن يعني ننتقل للمستوى الآخر من السؤال، المستوى الثاني: من مسؤول عن التجديد؟

محمد الخُشت: لا، كثير. الدولة مسؤولة عن التجديد.

باسم الجمل: دعنا نقول كالتالي: عندنا الآن تراث منهَّج ومصاغ في كتب ومكتبات ومؤسَّسات دينية. نحن لا نتحدَّث عن شيء مجهول، نتحدَّث عن شيء مكتوب بين أيدينا، موجود والكل قرأه. هذه الكتب كيف نتعامل معها؟

محمد الخُشت: ليست كتبًا فقط، أيضًا كما حضرتك تقول: كتب. والذي يخرج ليتكلَّم على المنبر أو في التلفاز أو في الإذاعة.

باسم الجمل: من يتولَّى قراءتها أو تفسيرها للناس.

محمد الخُشت: كل هذا تراث. هو يأتي بكلامه من التراث المكتوب. الذي يتولَّى هذا مستويات عديدة جدًا. أول أمر العلماء، والعلماء ليسوا علماء الدين فقط، علماء العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ لأن فيه أمورًا لن يعرفها الفقيه. الفقه هو فقه، الفقيه تكوينه فقهي، لكن فيه أمور في القرآن وفي السنَّة لا يفهمها إلا عالم متخصص.

باسم الجمل: عالم بالاقتصاد، بالاجتماع، بالسياسة.

محمد الخُشت: والاجتماع والاقتصاد وكذا وكذا. أنت لا تستطيع أن تُخرِج لي الآن حكمًا اقتصاديًا وأنت لا تعرف الاقتصاد. فالاقتصاد هنا له دور، وعالم النفس له دور، وعالم الاجتماع له دور، وعالم السياسة له دور. فكل المشتغلين بالعلم لهم دور في تجديد الخطاب.

محمد الخُشت: أيضًا الدولة. أنا لا أتحدَّث عن دولة محدَّدة. الدولة لها دور؛ لأن الدولة عليها أن تفتح المسارات أمام التجديد. كل الدول. فلا بد أن صوت المجدِّدين يصل. ولها دور أكبر من هذا.

محمد الخُشت: أيضًا المنابر الثقافية. يعني التجديد في الدين ليس حكرًا على المختصِّين بالدين. لا، هذا حتى المنابر الثقافية لها دور.

باسم الجمل: دور المجتمع.

محمد الخُشت: طبعًا. حتى الإعلام له دور. وهذا يظهر أيضًا في تجديد المقرَّرات التعليمية؛ لأنه حتى لو جدَّدت الخطاب الديني لكنك تُخرِّج طالبًا مُغلَق الذهن — أنا أُسمِّيها “العقلية المُغلَقة” — هو لن يفهم كلامك ولن يتقبَّله.

باسم الجمل: وسيَقِف ضده بعد ذلك.

محمد الخُشت: يقف ضده. أنت لا بد من البداية أن تُخرِّج لي عقليةً قابلة لأن تفهم، ليست مُغلَقة على مجموعة من الأفكار تُقدِّسها وغير قابلة لتفهُّم أفكار أخرى. فالعبء على الدولة عبء كبير جدًا.

محمد الخُشت: وأيضًا دعني فقط أُكمِّل لك: المؤسَّسات، أقولها لك باختصار: المؤسَّسات الدينية لها دور كبير جدًا. أيضًا المجامع العلمية سواء على المستوى الوطني أو المستوى الإقليمي أو المستوى الدولي. فكلها جهود نحن بحاجة إليها لكي تتضافر. لكن بشرط أنه ليس من هؤلاء أحد يحتكر هذا الحق.

محمد الخُشت: لو احتكرت الحق، أنت هكذا تضع التجديد في مقتل؛ لأن التجديد لا يأتي بجهد جهة واحدة. دعنا نذهب، ألم يقل الله: “قُل سيروا في الأرض فانظروا”؟ ربنا أمرنا أن ننظر في سنن التاريخ وسنن الاجتماع. فأنت عندما تنظر في سنن التاريخ وسنن الاجتماع، تعالَ لنرى في المفاصل التي يحدث فيها الانتقال من عصر لآخر.

محمد الخُشت: بالمناسبة في الفلسفة يقولون إن ديكارت هو مُفتَتَح العصور الحديثة. أنا طبعًا هذه فكرة مرفوضة بالنسبة لي؛ لأني أعتبر أن العصر لا يصنعه فرد. العصر هو جهود متعدِّدة متنوِّعة تتراكم تراكمًا كميًّا.

باسم الجمل: نتاج مجموع.

محمد الخُشت: نتاج أمور كثيرة. نتاج حتى الاقتصاد. أليس عصر النهضة هذا لم يكن ليخرج إلا بظهور الاقتصاد الرأسمالي بعد الاقتصاد الإقطاعي في العصور الوسطى؟ فتتضافر الجهود. وبالمناسبة البعض يظنُّ أني منشغل فقط بتجديد الخطاب الديني والتراث.

محمد الخُشت: لا. أنا في شقٍّ كبير جدًا من كتاباتي في نقد الفكر الغربي، وأعدتُ تفسيرَ وتأويلَ الفكر الغربي كله. ولي كتب مثل “أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط”، و”فلسفة لايبنتز وديكارت”. أنا أُصحِّح مفهومًا شائعًا؛ لأن البعض يظنُّ أننا هنا فقط. لا، نحن ننقد الفكر الغربي.

محمد الخُشت: فأريد أن أرجع لنقطة حضرتك ذكرتها: العصر لا يصنعه فرد، وإنما يصنعه أفراد ومؤسَّسات ودول وقادة سياسيون.

باسم الجمل: لا شكَّ.

محمد الخُشت: أنت تعرف أن “مارتن لوثر” لم يكن لينجح إلا عندما وقف معه أمراء الإقطاعيات ضد الكنيسة الكاثوليكية. بشرط ألا تحتكر جهة هذا.

دور الدولة في دعم التجديد وحماية المجدِّدين

باسم الجمل: إدارة المجتمع، كون إدارة المجتمع هي المسؤولة عن كل المجتمع تُجيز هذا ولا تُجيز هذا. الدولة هل هي مهمَّتها تسهيل الحوار في المجتمع ومؤسَّساته المعنية حمايتها؟ أم مدَّها بالأساليب؟ أين دور الدولة؟ لأن دور الدولة — أو دور إدارة المجتمع الكلية — هي المسؤولة عنه كله، هي المسؤولة عن حمايتي وحمايتك أو أيِّ إنسان آخر يريد أن يُقدِّم رأيه أو يجتهد. وإذا في مؤسَّسة أو حتى المنابر الثقافية التي سمَّيتها “الثقافية”، هذه المنافذ أو هذه الأدوات التي ممكن من خلالها أن يتمُّ صياغة مفهوم خاص للنص في مرحلة.

محمد الخُشت: الدولة دورها كل هذا. وأنا لا أتكلَّم عن دولة معيَّنة؛ لأننا هنا نتكلَّم في سياق عربي وعالمي. الدولة دورها أنها تفتح المسارات وتُيسِّر. ودورها أيضًا أنها تقوم بمشاريع تُساعد المجدِّدين على أن يؤدُّوا دورهم، أو يُوصِّلوا أفكارهم، وأن يقوموا أساسًا بمشروعاتهم؛ لأن المجدِّد، المفكِّر المجدِّد لا ينام ويصحو ليجدد. لا، يحتاج جهدًا، يحتاج وقتًا، يحتاج دعم بحث علمي.

باسم الجمل: ويحتاج حماية من أن يُتَّهم بالزندقة من قِبَل الآخرين.

محمد الخُشت: بالضبط. ويحتاج حماية طبعًا. فأنا أرى أن الدول لها دور كبير جدًا في عملية التجديد. وإن لم تشأ أن تقوم بهذا فلتفسح المجال، وتلجم من يريد أن يحتكر الحقيقة.

مواجهة احتكار الحقيقة ودعم التعدُّد الفكري

باسم الجمل: أليس حتى يكون هناك تجديد متطوِّر أو قراءة متطوِّرة لمفهوم النص، هذا همُّ الدولة أولًا؛ لأن الدولة عندها الرؤية الاستراتيجية الأشمل للمجتمع: ماذا أريد من هذا المجتمع؟ وإلى أين أريد أن أضعه؟ أنت تريد أن تجدِّد المجتمع، أنت تريد أن تقود المجتمع إلى مصافٍّ اقتصادية علمية معرفية. بالتالي أنت مسؤول عن التسهيل وحماية أصحاب هذا الرأي، وفي الوقت نفسه حماية أصحاب الرأي الآخر أن يطرحوا رأيهم، بشرط ألا يطغوا على الآخرين.

محمد الخُشت: وضع حدٍّ للذين يدَّعون احتكار الحقيقة. أنا لا أريد إقصاءهم، أريد أن أقول لهم: أنتم لا تحتكرون الحقيقة، وعبِّروا عن رأيكم كما يُعبِّر الآخرون. لأن الأفكار في تفاعلها مع بعضها البعض هي التي تصنع عصرًا جديدًا، الأفكار في تفاعلها مع بعضها البعض هي التي تصنع عصرًا جديدًا. فأنا لا أريد أن أُقصي من يدَّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. كل الذي أقوله: لا تزعم أنك تمتلك الحقيقة المطلقة؛ لأننا في النهاية بشر. وفي النهاية الثقافة جهد تراكمي، وتطوُّر العلوم أيضًا جهد بشري تراكمي. أليست علوم الدين لم تتطور لذلك؟ أنت تعرف لو أنهم واصلوا، لكانت علوم الدين قد تطوَّرت. لكن جاء ابتداءً من القرن التاسع بالذات ودخلنا في عصر “الشروح والحواشي والمتون”، أصبح كل دوره أن يشرح، أو يُلخِّص. وبعد أن يشرح يرجع يُلخِّص ثانية.

محمد الخُشت: أنا أرى في عصرنا بالذات، عصر “الدولة الوطنية”، أن المهمَّة كبيرة وضرورية، والمهمَّة أيضًا عاجلة؛ لأنه للأسف أعداء الأوطان يستخدمون ملّاك الحقيقة لهدم الأوطان. أعداء الأوطان يستخدمون ملاك الحقيقة، أو من يزعمون امتلاك الحقيقة، أو يستخدمون “الأصوليين” من أجل ضرب الأوطان.

قياس صلاح الخطاب الديني بقدرته على صنع واقع ناجح

باسم الجمل: السؤال الذي كان لا بد أن أطرحه من البداية: هل فعلًا نحن بحاجة لتجديد الخطاب الديني؟ ما حاجتنا؟ ما هي أوجه الحاجة الضرورية لأن يكون هناك تطوُّر في مفهوم النص؟ أو في تجديد الخطاب الديني؟

محمد الخُشت: أنا أجبت عن هذا السؤال في بداية كتاب قديم لي اسمه “نحو تأسيس عصر ديني جديد”. يعني أنا كتاباتي وتحقيقاتي من سنة 82، ولكن يعني أسير بثبات وهدوء.

محمد الخُشت: المهم في هذا الكتاب سألت نفسي في الفقرة الأولى السؤال الآتي: أنا عندي الأمور تُقاس بنتائجها. وعندي الفكرة الصائبة هي التي تعمل بنجاح في أرض الواقع. الفكرة الصائبة هي التي تعمل بنجاح في أرض الواقع. الواقع الذي كان في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، لكني لن أقول عصور ازدهار الإسلام.

باسم الجمل: الإسلام دائم الازدهار.

محمد الخُشت: لا، دائم الازدهار. هذا حتى في الوقت الذي انهزم فيه المسلمون أمام التتار انتصر الإسلام.

محمد الخُشت: فأريد أن أقول لك ثانية: ستجد في فترات الازدهار ماذا يحدث؟ فترات الازدهار: النتائج أننا متقدِّمون علميًا فكريًا فنيًا أدبيًا، نملك السيادة والاستقلال على أنفسنا. إذن الخطاب الديني إيجابي وناجح وفعَّال.

محمد الخُشت: حسناً تعالَ للعصر الحالي. تجد فشلًا عند الغالبية في كل شيء. ستجد أُمَّةً مهزومة، أُمَّةً يُتلاعَب بها. جماعات لم تتنبه إلى أنها تُستخدَم كدمى ماريونيت. أنا من وجهة نظري أن كل الجماعات هي دمى ماريونيت يستخدمها آخرون.

محمد الخُشت: فحين تجد هذا الواقع الأليم ستسأل نفسك: هل يمكن أن نكون نُفكِّر بطريقة سليمة، ونعمل بطريقة سليمة، وتكون هذه هي النتيجة؟ لا. طالما هذه هي النتيجة فنحن إذن نُفكِّر خطأ، وسلوكنا خطأ، وطريقة فهمنا للدين خطأ. فحين نكون نحن في هذا الوضع الذي تراه، إذن الخطاب الديني فيه مشكلة.

محمد الخُشت: هذا وأنا يمكن لو كان عندي وقت أن أشرح لحضرتك العلاقة بين نمط معيَّن للعقيدة والنظام الاقتصادي، وبين فهم آخر للعقيدة في نظام اقتصادي آخر. وهذه من المحاولات، يعني رغم أني كتبتها في وقت مبكِّر لكن لم يتمَّ الالتفات إليها. أنا أزعم أن فيه توازيًا بين النظام العقدي والنظام الاقتصادي. فلو أن عندك منظومة عقائدية في عقول الناس تؤدِّي لاقتصاد متطوِّر، لو كان عندي وقت لكنت شرحتها لك، واقتصاد متقدِّم…

الحاجة إلى تجديد مفاهيم الخطاب الديني وربط السلوك بالعبادة والعمل الصالح

باسم الجمل: ممكن في حلقات ثانية، الأمر يحتاج حلقة ثانية. لكن أنا قصدي كالتالي: أن أُسس السلوك المجتمعي التي تسود في المجتمعات الإسلامية — للأسف — تجعل المرء يحسُّ أن هناك استسهالًا للغش، واستسهالًا للكذب، واستسهالًا لأكل مال الغير. حتى في بناء العلاقات الاجتماعية تحسُّ أن فيه نفاقًا أكثر من سلوك مجتمعات أخرى. هذه المفاصل التي تحتاج لإصلاح، وتحتاج لإعادة تثقيف المجتمع.

محمد الخُشت: طبعًا. وتحتاج لإعادة تجديد الخطاب؛ لأن الخطاب له علاقة بكل ما حضرتك قلته. ما الذي يقوله الخطاب لهم؟ حضرتك ذكرت التدليس، والنفاق، والسرقة. هذا يأكل مال اليتيم، وهذا يأكل مال أُخته في الميراث.

باسم الجمل: نعم. المشكلة أن هذا وِفق قوانين التشريعات الموجودة.

محمد الخُشت: ويُصلِّي ويحجُّ. هذا هو الخطاب الديني. سأقول لك كيف يكون الخطاب الديني؟ الخطاب الديني يربط مفهوم النجاة بالطقوس: تحجُّ، تصوم، تُصلِّي، أنت ناجح.

باسم الجمل: يعني لا وجود لأيِّ تركيز أو تدقيق في سلوك الفرد الخاص.

محمد الخُشت: نعم. وأن العمل الأُخروي غير العمل الدنيوي. في الخطاب الديني الجديد: مفهوم العبادة مفهوم يختلف.

باسم الجمل: ومفهوم الصراط المستقيم.

محمد الخُشت: يختلف. نعم، لكي نُوضِّح للسادة المشاهدين: لا، العبادة عندي ليست هي فقط الطقوس. العبادة عندي هي العمل الصالح: أن تؤدي عملك بإتقان، وأن تكون صادقًا، وأن يكون عندك اقتصاد مبني على الثقة. فكيف يكون عندك اقتصاد مبني على الثقة وأنت تكذب، أو تسرق، وتغشُّ؟

باسم الجمل: ولذلك هناك قول أنا دائمًا أُحبُّ أن أردِّده: “إنه يعبد الله في الأسواق”.

محمد الخُشت: طبعًا طبعًا. وربُّنا هو الذي قال هكذا: “إِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ”. إذا كنت تُصلِّي وتفعل الفحشاء والمنكر فلن تدخل الجنَّة.

محمد الخُشت: هذه المشكلة جاءت من أين؟ المشكلة جاءت من اللحظة المؤلمة حين فصلوا ما بين الإيمان والعمل، وقالوا: “من قال لا إله إلا الله دخل الجنَّة”، والعمل؟ ربُّنا في كل آية يتحدَّث فيها عن النجاة يتحدَّث عن: “الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ”.

خاتمة: تجديد الخطاب الديني وتجديد المسلمين للإسلام — توسيع مفهوم العبادة وإعادة بناء الفهم الديني

محمد الخُشت: ثم المشكلة في الخطاب الديني: هي مفهوم العمل الصالح. العمل الصالح مرتبط بالطقوس. لا، العمل الصالح يشمل حتى الأمور الدنيوية؛ أن تكون مدرِّسًا متقناً وتُدرِّس بأمانة، أن تكون ميكانيكيًا متقناً، أن تكون سائقًا تتَّقي الله في سياقتك.

باسم الجمل: أن الله معك في كل لحظة في حياتك.

محمد الخُشت: بالضبط. انظر هنا في الخطاب الديني الجديد اتَّسع مفهوم العبادة، واتَّسع مفهوم الدين. اتَّسع مفهوم الدين، لم يعد طقوسًا فقط.

محمد الخُشت: لكن أنت تنظر في مجتمعات كثيرة جدًا يذهبون ليحجوا ويقول لك: يكفي ما سبق، فخلاص كل سنة يذهب ليحج.

باسم الجمل: أثر القرآن النصِّي وبنود الصراط المستقيم في المجتمع تبدو كأنها تقريبًا ضعيفة، أو لدرجة الصفر.

محمد الخُشت: هذا بسبب المفاهيم، بسبب المفاهيم المسيطرة في الخطاب الديني على الناس. لكن لو قيل للناس طوال الوقت: إن شغلك عبادة، وإنك تصلح السيارة جيدًا فأنت هكذا تأخذ ثوابًا، وإنك لو أهملت…

باسم الجمل: مردوده السلبي.

محمد الخُشت: نعم. الموضوع في أصله متشعّب جدًا، ولكن يكفي أن نكون قد دلَّلنا هنا على الرابطة بين الخطاب الديني وسلوكيَّات المجتمع.

باسم الجمل: إذن نحن بحاجة لتجديد المسلمين…

محمد الخُشت: هذا اسم فصل وضعته في “نحو تأسيس عصر ديني جديد”.

باسم الجمل: تجديد المسلمين للإسلام.

محمد الخُشت: نعم، تجديد المسلمين للإسلام. في الأول كتبت مقالات وبعد ذلك نشرته.

محمد الخُشت: نحن لِمَ نقول تجديد المسلمين؟ نحن نجدِّد الفهم — كما تفضلت حضرتك في البداية. فهذا التجديد هو تجديد الفهم للنص الديني. إذن مَن الذي يفهم النص الديني؟ المسلم. فلا بد عند تجديد المسلمين: أول أمر نجدِّد التعليمَ والثقافةَ، بحيث يُفكِّر بطريقة منضبطة. فحين يُفكِّر جيداً وحين ينظر للعالم نظرة منضبطة سيفهم النص بشكل إيجابي. نحن بحاجة إلى تجديد في المسلمين، لا في الإسلام.

محمد الخُشت: ولذلك حتى بمناسبة الإسلام، المشكلة أن هناك ناساً يربطون دائمًا بين كل شيء والإسلام، هذه المسألة تُزعِجني. فيه انفصال بين الإسلام والمسلمين. يعني حتى الغرب في العصور الوسطى وإلى فترات ليست ببعيدة كان يعتبر أن كل حكم على المسلمين هو حكم على الإسلام.

محمد الخُشت: يعني تجربتهم مع الأتراك في أثناء الخلافة العثمانية في البلقان قال لك: هذا الإسلام. هؤلاء نمط من أنماط المسلمين، أو من…

باسم الجمل: أنا لا أُسمِّيهم مسلمين، هذا لا يجوز، لأن الإسلام من أهم المعاني المفهومية في لفظة إسلام هو السِّلم. “من سَلِمَ الناسُ من لسانه ويده”.

محمد الخُشت: طبعًا. فأنا أريد أن أقول لك: فكرة فكِّ الارتباط بين الإسلام والمسلمين. الإسلام يُعبِّر عنه القرآن والسنَّة.

باسم الجمل: وسلوك المسلمين عبارة عن فقه التراث.

محمد الخُشت: يُعبِّر عن المسلمين.

باسم الجمل: دكتور، أنا بودِّي أن نستمرَّ أكثر، ولكن ليس بودِّي أن أُرهِقك معي. وإن شاء الله يكون لدينا مجال للقاءات أخرى في “مجتمع” لنجدِّد المسلمين.

محمد الخُشت: إن شاء الله، أنا سعدت جدًا.

باسم الجمل: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. إلى اللقاء.

Leave a comment