Skip to content Skip to footer

كيف فقدنا عالمية الرسالة، وجعلناها خاضعة للثقافة العربية؟ | فاطمة سالم

التعريف بالضيفة والحركة التجديدية

باسم الجمل: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي بالباحثة والكاتبة السودانية فاطمة سالم أحمد ضيف الله. دكتورة أهلًا وسهلًا بكِ.

فاطمة سالم: أهلًا وسهلًا.

باسم الجمل: أنا تابعتك، رأيتُ كثيرًا من لقاءاتك في التلفزيون، والمقالات، وحتى أبحاثك. ما شاء الله عليكِ، يعني أنتِ مثل الأخطبوط.

فاطمة سالم: مشكور كثيرًا جدًا، أستاذ باسم. أنا حافيةٌ جدًا حقيقةً بهذا اللقاء، لأنه لأول مرة هو ليس محض لقاء حواري تلفزيوني، وإنما ربما يكون جزءًا من مطالعة، يعني الاشتراك في حركة إحيائية كبيرة جدًا — حركة في التجديد العلمي والفكري. فهي حركة حقيقةً بالاحتفاء، وأرجو أن تكون مساهمتنا المتواضعة فيها بعض إضافة ونفع للمشاهدين.

باسم الجمل: يعني كلنا نساهم، كل إنسان يساهم بقدر ما يستطيع. لكن ما شاء الله عليكِ، جهودك واضحة في هذا المضمار. طالما نتحدث عن التجديد الفكري في المجتمعات العربية، ماذا نقصد بالتجديد الفكري؟ ما هي المجالات التي تشمل هذا التجديد الفكري؟ والسؤال الثاني: من هو المؤهَّل للقيام بهذه المهمة؟

مفهوم التجديد الفكري: العودة إلى أصول الأشياء

فاطمة سالم: هذا سؤال طبعًا مهم ومركزي، لأنه يمثِّل شاغلًا، يعني سواء كان بالنسبة للعلماء، أو المجتهدين، أو المفكِّرين المهمومين باستحداث رؤى جديدة، وباستنهاض الوضع الحضاري، والعلمي، والاجتماعي بالنسبة للأمة، أو سواء كان بالنسبة للمجتمعات نفسها التي تراقب بقلق تدهور الحركة العلمية في المجتمع، وتدهور حركة التطور الاجتماعي، وما يرونه من تخلف إنتاجي وحضاري وعلمي منعكس على واقع الناس المعاش.

فاطمة سالم: لذلك يعني مسألة التجديد، ابتداءً، أحبُّ دائمًا أن نتخلَّص من بعض الإشكاليات النفسية. ينظر كثير من الناس أو يعتقدون أن الحديث عن التجديد يعني أن تأتي بجديد مغاير، اقتلاعي، يعني مناهض، أو ربما تتحدَّث عن رسالة جديدة أو منظومة جديدة. لكن، ببساطة، التجديد يعني إعادة أصول الأشياء، والمعاني، والأفكار، والرؤى التفسيرية نفسها إلى أصولها المنهجية. هذه مسألة مهمة جدًا: أنت تجدِّد فيما هجره الآخرون، أو فيما هجره السابقون، أو فيما هجره المعاصرون، من أصول. هذه مسألة مهمة جدًا لإزالة الحساسية تجاه مفهوم التجديد.

فاطمة سالم: لذلك نحن نقصد بالتجديد الفكري أن تتعامل مع المصدر الرئيس للمعرفة، الذي هو القرآن، بمفهوم تدبُّري، بمفهوم تفسيري يقرأ في مرادات النص كما أراد النص القرآني نفسه.

باسم الجمل: يعني أنتِ تقصدين بالتجديد الفكري تقديم قراءات جديدة للنص، أو العمل على تقديم آليات لقراءة النص؟

فاطمة سالم: تمام.

باسم الجمل: باعتبار أن النص هو المركز، أو منطلق المعارف، منطلق العلوم التي يمكن أن يستنبطها الفرد.

فاطمة سالم: صحيح. تمامًا، لأن القرآن نفسه يقدِّم وظائف فكرية للتعامل معه، وهذه مسألة مهمة للغاية. القرآن نفسه هو نص حيوي، نص يخاطب الحياة، يخاطب الأفكار. فلا يمكن أن تتعامل معه بجمود، ولا يمكن أن تتعامل معه بحالة نقلية، ولا يمكن أن تتعامل معه بحالة توقفية، لأنه قول قرآني ممتد في الزمان والمكان، لأنه يخاطب أحوال الإنسان، ويخاطب كينونة الإنسان، ويخاطب قضايا الإنسان في مسيرته الطويلة منذ المسيرة الآدمية. لذلك ما نقصده بالتجديد الفكري هو كيف نفهم القرآن، ونستنبط منه المعارف التي تخاطب لحظتنا.

باسم الجمل: اللحظة الراهنة في حياة المجتمع؟

فاطمة سالم: نعم، وهي لحظة ممتدة مع تاريخه كله. هذا الإشكال الذي يلتبس في أحايين كثيرة على كثير من الناس: أن القرآن كتاب مقدَّس كغيره من الكتب المقدَّسة. طبعًا كلمة “مقدَّس” نفسها هي مصطلح إجرائي، لم يصف القرآن به نفسه. القرآن وصف نفسه بأنه كريم، وعظيم، وأنه مجيد. وهذه الأوصاف التي يُلحقها القرآن بكتابه هي ليست أوصافًا شكلانية، وإنما هي أوصاف معرفية. علينا أن نعرف: كيف يكون القرآن عظيمًا؟ وكيف يكون القرآن كريمًا؟ وما هي تجلِّيات هذا الكرم؟ وما هي تجلِّيات هذا المجد؟ كيف يكون القرآن مجدًا لتابعيه؟ لاحظ أن القرآن رسالة أُرسلت كافةً للناس، وهذه مسألة في غاية الأهمية. طالما أُرسِل كافةً للناس، هذا يعني أن كل كسب في عالم الناس من فتحات معرفية وفتحات حضارية ومفاهيم متَّفق عليها أخلاقيًا وحقوقيًا هو من كسب هذا القرآن.

باسم الجمل: سؤالي: هل المسلمون العرب، والمسلمون بالعموم، يتعاملون مع القرآن بنفس الأريحية، بنفس التوصيف المتوازن؟ هل يتعامل المسلمون مع القرآن على أنه بناء معرفي يشمل الناس كافة؟ أم حصروه في بقع جغرافية محددة لمجموعة بشرية محددة في فترة زمنية محددة؟

فاطمة سالم: لا، للأسف هذا ما حدث. يعني نُظِر للقرآن الكريم كأنه رسالة مخصوصة لقوم من الأقوام. نحن طبعًا سنناقش مسألة القوم هذه لاحقًا. الإشكال أنه يُنظَر للقرآن كأنه نزل لبيئة جغرافية محددة لأمة محددة، لدرجة أن المسلمين لشدة ما التبس عليهم أصبح القرآن بالنسبة لهم جغرافيا. فنحن مثلًا نقول “المسلمون” ونقول “العالم الآخر، العالم الغربي أو العالم الشرقي”. يعني هذا شيء لا يشبه القرآن، ولا يشبه الإسلام أصلًا.

باسم الجمل: يعني تمَّ حشره في جغرافيا محددة لمجموعة بشرية واحدة.

فاطمة سالم: لخطاب لا جغرافيا له أصلًا. يعني الخطاب القرآني خطاب إنساني ممتد في الزمان وفي المكان. هذه مسألة في غاية الأهمية، لأنه ترتَّب عليها أن نشأت عصبية المكان. فبالتالي نشأت عصبية الثقافة المكانية التي نزل فيها القرآن. والأخطر من ذلك أن كل التكييفات المعرفية والفقهية والتطبيقية في حياة الناس في مختلف المجالات انطلقت من هذا الفهم. فلا بد أولًا — أول فهم في تجديد النظر للقرآن الكريم — أنه هو خطاب إنساني وللناس كافة. وهذا كان واضحًا جدًا: “وَمَا أَرسَلناكَ إِلّا كافَّةً لِلنّاسِ”. هذا يعني أن أيَّ فهم للنص لا بد أن يُقرأ في إطار الحالة الإنسانية العامة الكافة. وحتى القصص القرآني لم يكن قصصًا تاريخيًا بالمعنى العضوي. التاريخ هو لحظة توثيق لحظة من حياة البشرية. هذا مهم لأن الفهم العضوي للتاريخ هو الذي جعل كثيرًا من الناس ينظرون للقرآن كأنه رسالة جغرافية خاصة ببيئة التنزيل.

علَّة الثقافة العربية وعالمية الرسالة القرآنية

باسم الجمل: لماذا لم يفهم العرب المسلمون أن القرآن رسالة عالمية؟ الكل يقول رسالة عالمية، لكن ما فيه أحد يعمل على أن يكون القرآن رسالةً عالمية. كل التفسيرات الموجودة حاليًا وكل المحاولات لقراءة النص هي قراءات محلية، تمَّ تكبيلها بثقافة محلية قديمة أصبحت هي الحاكمة على النص، وبالتالي ضاعت العالمية رغم ادِّعائنا أن القرآن عالمي.

فاطمة سالم: طبعًا يعني الإشكال فيه محدِّدان. المحدِّد الأول: فيه إشكال ثقافي عام في عالم الناس، الذي هو نشأة عصبية الزمان والمكان والجغرافيا، ونشأت منها الأفكار القومية إلى آخره. يعني هذه التحيُّزات العرفية الجغرافية والقومية هي علل عانت منها كل المجتمعات البشرية. لكن الذي جعل المسلمين عمومًا — في الحقيقة هذه علَّة العرب المسلمين وليست علَّة المسلمين الآخرين. الآخرون ليست لديهم إشكالية ويحسُّون بالانتماء العالمي، لأن الإسلام يحقِّق عالميته بأنه من كل الأجناس ومن كل الشعوب ومن كل الأمم يتداعون إليه. فبالتالي هو متحقِّق بعالميته أصلًا. لكن من الأفضل أن نصوِّب نقدنا إلى الثقافة العربية التي جعلت العرب يتوهَّمون أن هذا القرآن يخصُّ جغرافيتهم العربية. ويمكن أن نناقش لاحقًا أن تيارات أخرى كرَّست لهذا المفهوم، مثل حركة الاستشراق التي دائمًا ما تربط بين العرب والإسلام كأن الإسلام رسالة عربية. لا بد أن يفهم المسلمون العرب أن الإسلام ليس امتيازًا عربيًّا، وأن الله سبحانه وتعالى ليس متحيِّزًا لا لجغرافيا ولا لفئة ولا لأمة. فبالتالي كل الرسالات هي للعالم، لكن ميزة القرآن أنه أُرسِل كافةً للناس لتراتبية متعلِّقة بأطوار الرسالات.

باسم الجمل: فكرة مهمة كثيرًا ، أعجبتني. في رأيي نُلقي مزيدًا من الضوء عليها.

أطوار الرسالات ووحدة الرسالة الإلهية

فاطمة سالم: نعم، سنُلقي مزيدًا من الضوء. الإشكال الثقافي نشأ من فهم أطوار الرسالات. فالإسلام هو دين البشرية أصلًا الذي ارتضاه الله للناس.

باسم الجمل: كلام سليم. والقرآن يعبِّر عن ذلك.

فاطمة سالم: والقرآن يعبِّر عن ذلك. لكن الغالبية من المسلمين يعتبرون خفيًا غير معلَن أن الإسلام دينهم والآخرين لهم دينهم. لذلك من المهم أن نفكِّك هذا الالتباس. والقرآن في الحقيقة قدَّم فكرةً تحريرية من هذه الإشكاليات، سواء على مستوى الإيمان الرسولي، لأنه يقول: “لا نُفرِّق بين أحد من رسله”. فهذا يتكلَّم عن وحدة الرسالة الإلهية. يعني هذا النص كافٍ جدًا، أنه نحن متحرِّرون عن قصر الرسالات على قومية أو جغرافيا.

فاطمة سالم: المسألة الثانية: أن أطوار الرسالات السابقة كانت خاصة بأقوام محددة وجغرافيا وفترة زمنية محددة.

باسم الجمل: بأقوام محددة.

فاطمة سالم: أقوام محددة وجغرافيا. لكن القرآن جاءت رسالته كافيةً للناس لأن طبيعة الخطاب الذي قدَّمه القرآن هو مقدَّم للإنسان. وهذه مسألة مهمة أن الرسل ليسوا داخلين في منافسة ولا في مفاضلة، فهذه الوحدة الرسالية مهمة جدًا للجميع. لكن سنركِّز على العلَّة العربية لأن الثقافة العربية هي التي أوقعتنا في هذا الإشكال، وهي التي فتحت المجال للآخرين أن ينظروا إلى القرآن أو إلى الإسلام باعتباره رسالة جغرافية أو قومية.

فاطمة سالم: طيب، سنرجع إلى مسألة القوم. كل الرسل أُرسِلوا إلى أقوام لأن طبيعة المحدَّد الجغرافي والسكاني في ذلك الوقت كان يقتضي ذلك. يعني الرسالة عندما تأتي إلى قوم نوح لأن الجغرافيا البشرية السكانية في ذلك الوقت كانت محدودة بقوم نوح. حينما جاءت رسالة موسى وعيسى عليهم السلام أيضًا كانت الجغرافيا البشرية محدودة.

باسم الجمل: تقصدين أنه لم يكن الانتشار البشري قد أخذ مداه في عصر النبوة الخاتمة.

فاطمة سالم: نعم. هذه مسألة في غاية الأهمية: أن تلك الأطوار تناسبت مع الطور التكويني للجغرافيا البشرية والسكانية في ذلك الوقت، وكذلك تناسبت مع مستوى الكسب المعرفي للأقوام في ذلك الوقت.

باسم الجمل: أنا في رأيي، هذا يقودنا إلى نقطة من الضروري الإشارة إليها. ربما يسأل سائل: لنفترض مثلًا رسالة النبي عيسى جاءت في مرحلة كان البشر منتشرين. وحتى في عهد النبي موسى كان فيه انتشار بشري. السؤال الذي سيُطرح: طالما كان البشر منتشرين، كيف تُسمِّي القرآن بالرسالة الخاتمة للبشرية كلها؟ أنا في رأيي هناك خلل في التحقيب الزمني الذي نتعامل معه، وأن الأزمان التي قيل إن النبي عيسى أو النبي موسى عاشا فيها ليست أزمانًا حقيقية بالوصف الطبيعي.

فاطمة سالم: هذه إشارة مهمة طبعًا. ولذلك القرآن وفهم كافِّية الرسالة يحتاج إلى مجموعة من المعارف للتعرُّف. يعني مثلًا الانتشار الجغرافي الذي تحدَّثت عنه، لم ينتبه كثير من العلماء والإنسانيين لأهمية مسألة التحقيب والوقوف على حقيقة مستوى الانتشار البشري والجغرافي. القرآن عندما يُحيلنا دائمًا إلى وحدة الأصل وعلاقتها بالانتشار التكاثري لم ينتبه الناس إلى: “يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم”.

“شعوبًا وقبائل”: الشعب التشعُّبي والقبيلة الاتِّجاهية

فاطمة سالم: الآن مفهوم القبيلة أو الشعب هو غير المفهوم الذي يقدِّمه القرآن. القبيلة مفهوم اتِّجاهي وليست مفهومًا نسبيًّا. المفهوم النسبي هذا ليس مفهومًا عرقيًّا من جماعة بشرية إطلاقًا. هذا تعريف تعارف عليه الناس، تعريف عرفي وضعي، وهو نفسه غير منضبط، لأن القبيلة تتصاهر مع أطراف مختلفة فبالتالي تصبح مسألة النسب لا تأتي إلا من قِبَل العِمادة الأسرية.

باسم الجمل: لاحظي الترتيب: “إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ”. يعني من المفروض حسب المفهوم الحالي للشعب أن القبيلة جزء من الشعب.

فاطمة سالم: نعم، لأن الشعب أعمُّ وأشمل من القبيلة. ماذا يعني الشعب؟ الشعب الآن ما عنده مدلول جغرافي سياسي في المفهوم الحديث. لكن في المفهوم البشري المشترك الإنساني ليس كذلك، هو التشعُّب. ووحدة الأصل مهمة جدًا، “خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى” يُحيل لوحدة الأصل. يُحيل القرآن دائمًا لوحدة الأصل لأن الإشكاليات الثقافية التي ستترتَّب لاحقًا — العنصرية والتفاوتية والطبقية والتمييزية — لأن الناس ينسون وحدة الأصل هذه.

فاطمة سالم: فكان هذا تأسيسًا مهمًا: أنتم آتون من أصل واحد ومن طبيعة خلقية واحدة، من ذكر وأنثى، ثم تتشعَّبون. التشعُّب دائمًا فكرته نفسها أنه إذا أردنا أن نرسم مخططًا للتشعُّب تكون هناك نقطة ثم تتشعَّب. من المهم جدًا أن يتذكَّر الناس أنهم متشعِّبون من وحدة أصل واحدة. إذن التشعُّب متعلَّق بالانتشار. أما القبيلة فهي تتعلَّق بالاتِّجاه الجيوغرافي، لأن القِبلة تعني الوجهة. إذن العالم عبارة عن قبيلة كبيرة.

باسم الجمل: أنا أتفق مع هذا الفهم. إذن العالم عبارة عن قبيلة كبيرة متوجِّهة على القِبَل الجغرافية ليس أكثر.

فاطمة سالم: ولذلك كان “وَمِن آياتِهِ خَلقُ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافُ أَلسِنَتِكُم وَأَلوانِكُم”. ففيمَ تكون الآية إذا ما كان الاختلاف؟ لأنه مرتبط بوحدة الأصل. هذه مسألة في غاية الأهمية، لأنه كلَّما كان التركيز عليها وتصويب الوعي الإنساني عليها سيشعر الناس والشعوب في قبلياتها الجغرافية المختلفة أنهم ينتمون لوحدة أصل واحدة. وبالتالي كانت ستكون العلاقات الإنسانية بشكل مختلف عن ذلك.

فاطمة سالم: هذا الفهم ألم يكن واضحًا للفقهاء الأسبقين؟ لم يكن واضحًا. حتى للذين عاشوا في فترة التنزيل. لسبب واحد أن الرسول صلى الله عليه وسلم من داخل الخطاب القرآني قال: “يا رَبِّ إِنَّ قَومي اتَّخَذوا هذَا القُرآنَ مَهجورًا”. ماذا يعني “مهجورًا”؟ المهجور يتجلَّى في مظهرين أساسيين: مهجور فقهيًا كمصدر للفقه والمعرفة والإدراك، لأن الفقه نفسه تحوَّل من حالة إدراك ومعرفة وتنزيل إلى مفهوم فني وإجرائي وشكلاني. والرسول صلى الله عليه وسلم بصفته الرسولية — لأن الصفة الرسولية متعلِّقة بتنزيل الرسالة وتعاليمها ومفاهيمها في الحياة. فإذن هذه الشكوى من داخل النص القرآني هي شكوى متعدِّية، هذا يعني أن القوم الذين يتحدَّث عنهم ليسوا قومه العرب وحسب.

باسم الجمل: يعني شكوى الرسول ما زالت قائمة وفاعلة؟

فاطمة سالم: وفاعلة، وستظل قائمة، لأنه أصلًا هذا احتياط حتى لا تتكرَّر هذه العلل. لأن هذا القرآن يتحدَّث عن علل متجدِّدة في حياة الناس وفي حياة البشر. فهذه الشكوى ستستمر: ألا تهجر القرآن كمصدر للفقه، ولا تهجَر القرآن كمصدر للمعرفة والعلم.

هجر القرآن: ليس عدم الحفظ بل عدم التنزيل

باسم الجمل: ربَّ قائل يقول: نحن لم نهجر القرآن، نحفظه غيبًا، وندرسه، وفي كل بيت فيه ثلاث أو أربع نسخ من المصحف. أين الهجر؟ هل الهجر هو عدم حفظه مثلًا؟

فاطمة سالم: أول شيء هذا سؤال مهم: حفظ القرآن ليس نسخه، يعني ليس مجرَّد طبعه، لا ليس مجرَّد نسخه في الورق، ولا حتى نسخه في الصدور بالمناسبة — شيء في قائمة الأهمية. وإنما الحفظ في المفهوم القرآني هو أن تحفظه وتتمثَّله وتُنزِّله.

باسم الجمل: أن يظل فاعلًا وغير مهجور سلوكيًا بين الناس.

فاطمة سالم: لذلك مفهوم الهجر في القرآن، لو تدبَّرنا طبيعة الموضوعات المتعلِّقة، لو تتبَّعنا مصطلح الهجر — “اهجرني مليًّا”، “اهجرهم هجرًا جميلًا” — هذه السِّمات المعنوية لفكرة الهجر تُلقي الضوء على ماذا يعني: أن قومي اتَّخذوا هذا القرآن مهجورًا؟ يعني هجروا معناه التنزيلي، وهجروا معناه في الفهم، وهجروا معناه في الاتِّباع.

باسم الجمل: أيُّ إنسان واقعي ينظر إلى واقع المجتمعات العربية الإسلامية أو حتى الإسلامية بشكل عام سيرى أن نسبة تفعيل النص القرآني السلوكي بين الناس لا تتعدَّى الصفر، إلا من رحم ربِّي.

فاطمة سالم: صحيح. بالعودة لعلَّة الثقافة العربية — المسألة المهمة نركِّز عليها: مسألة قصر القرآن على بيئة جغرافية محددة، وبالتالي النظر توقُّفيًا على أن هذه الجغرافيا هي المجتمع المرجعي أو النموذج المرجعي للتفسير أو التطبيق — هذا يتعارض مع عالمية الرسالة. هو يقول: “وَمَا أَرسَلناكَ إِلّا كافَّةً لِلنّاسِ”. كافةً للناس — ليس للعرب. طيب، لماذا اختار الله بيئة التنزيل العربية؟

باسم الجمل: هذا الاختيار تمييزًا للعرب — بين قوسين — أم تمييزًا للبقعة الجغرافية؟ أم في النهاية أن ربَّ العالمين يتعامل مع خلق الله وعباده وليس مع العرب وحدهم؟

فاطمة سالم: بخلق الله وعباد الله. فبالتالي إذا أراد العرب تفضيلًا فعليهم أن يتفهَّموا أنهم كجزء من المسلمين المخاطَبين بالقرآن أن يقدِّموا نموذجهم في ذلك. لكن بيئة التنزيل يجب النظر إليها كبيئة معيارية للإصلاح. علماء الاجتماع، علماء الآثار، علماء النفس، علماء الجيوغرافيا البشرية — لماذا؟ ما هي الميزات التي تحتاج إلى الإصلاح أو التي تصلح كعيِّنة عامة للنموذج البشري لتكون بيئة التنزيل؟

باسم الجمل: والله، هذا سؤال جميل جدًا. كيف ترك المسلمون قراءة هذه البيئة لمجموعة من الناس الذين يقصُّون الحكايا على الناس وينقلون أخبارًا، حتى الآن لا نستطيع أن نتأكَّد أنها صادقة أو كاذبة؟

وثيقة المدينة: “أمة من دون الناس”

فاطمة سالم: صحيح. ومن المهم أن الجيوغرافيا العربية نفسها كانت جيوغرافيا قائمة على التنوُّع. الذين يبحثون في آثار الجيوغرافيا البشرية — إذا نظرنا فاحصًا إلى نموذج المدينة: المدينة هي النموذج التطبيقي لنموذج الدولة النبوية. والدولة بالمعنى القرآني هي أعمق من فكرة الدولة السياسية الآن، أعمق بكثير، تستوعبها وتتجاوزها. لكن هي أصلًا كانت قائمة على التنوُّع، فيها العرب وفيها غير العرب وفيها مِلَل وفيها نِحَل. ولذلك إذا درسنا وثيقة المدينة.

باسم الجمل: وثيقة عظيمة، وثيقة تعددية.

فاطمة سالم: وثيقة تعددية. وسنجد مسألة مهمة جدًا جدًا: أن المفردة التي استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في وثيقة المدينة لكل مجموعة كانت متساوية ومحايدة. يعني كل مجموعة كان يقول عليهم “أمة من دون الناس”. انظروا هذا المصطلح العجيب. الناس لم يدرسوا هذه الوثيقة بشكل جيِّد. النسخة المحقَّقة من وثيقة المدينة أنه كان ينظر لكل مجموعة — كما تفضَّلت لأنها تعددية — سمَّاهم بذات الاسم. لم يسمِّهم قبائل مع أنهم كانوا موجودين بالمسمَّى القبلي والعشيري، لكن كل مجموعة سمَّاها “أمة من دون الناس”، لأن فكرة الأمة هي فكرة جامعة بشرية لا نسبية.

باسم الجمل: على سلوك.

فاطمة سالم: على سلوك. يعني فكرة الأمة أصلًا لا عنصرية. ولذلك حتى في المخلوقات الأخرى توجد أمم: “وَما مِن دابَّةٍ فِي الأَرضِ وَلا طائِرٍ يَطيرُ بِجَناحَيهِ إِلّا أُمَمٌ أَمثالُكُم”. ففكرة الأمة فكرة عميقة ومعبِّرة ومتَّسقة مع المفهوم القرآني.

كيف اندرجت الثقافة العربية حاكمةً على النص القرآني؟

باسم الجمل: كيف اهتدى العرب إلى عملية أنا أُسمِّيها “قومجة القرآن” — يعني دمجه في الثقافة العربية، باعتبار أن الثقافة العربية هي الثقافة الشارحة والموضِّحة للنص القرآني، وفي فترات أخرى فقهاء يُحكِّمونها على القرآن ويجعلونها سيِّدةً على النص؟

فاطمة سالم: هي طبعًا كل أمة لها كسب حسب سقفها المعرفي، حسب الأدوات المنهجية المتاحة لها. فهم الأمة التي كانت موجودة — وربما هذه كذلك من ميزات عالمية الرسالة القرآنية — أن أمةً كانت محدودة في كسبها الثقافي وكسبها الكتابي، لم تسبق لها ثقافة كتابية. البيئة التي نزلت فيها، فهم بالأصل لم تكن لهم ثقافة كتابية أو تجربة كتابية سابقة، وطبيعة نشاطهم الاقتصادي والثقافي والاجتماعي لم يكن منشغلًا. ولذلك عبادتهم للأصنام والأوثان كانت استسهالًا عقديًا باعتبار أن الفطرة البشرية لا بد أن تدين بدين ما.

باسم الجمل: يتحبَّب إليه الفرد.

فاطمة سالم: لكن ما كانوا منشغلين فكريًا. ما عدا في الثقافة العربية نماذج قليلة جدًا كنَّا ندرسها في المطالعة كـ”قُسِّ بن ساعدة” الذي كان يتساءل تساؤلات وجودية حول وجود إله ربما. أو يُسمُّونهم “الحنفاء السابقين”، الذين بفطرتهم تساءلوا عن أنه لا يمكن أن تكون هذه الأصنام والأحجار مراجعَ إلهية فوقية. ثم كذلك كان يتأمَّل في قضايا الوجود: “ما لِلَّيلِ داجٍ”، “وَسَماءٍ ذاتِ أَبراجٍ”، “ما لي أرى الناس يذهبون فلا يعودون”. يعني هذه التأمُّلات، لكنها لم تكن بشكل تيَّار ثقافي وفكري في البيئة العربية.

الإسقاط الثقافي على النص: صدمة الرسالة في البيئة العربية

فاطمة سالم: ولذلك أحدثت لهم صدمة. الرسالة القرآنية أحدثت لهم صدمة كبيرة جدًا. ولو لاحظت طبيعة التلقِّي الذي تعاملوا به مع الرسالة حسب ثقافتهم: “إِن هو إلا رجل يريد أن يَتَفَضَّلَ عَلَيكُم” — تصوَّروا أن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الجديد يبحث عن مُلك أو يبحث عن زعامة. هذه الإسقاطات الثقافية. عندما ظهر الدين بقوته الذاتية الاجتماعية وأصبح لا يمكن للمجتمع السلطوي العربي مواجهته، فأصبحوا يتعاملون معه ولكن يُسقطون عليه ثقافاتهم، ومحاولات لتكييف الأحكام الجديدة والأفهام الجديدة.

باسم الجمل: عندي سؤال حول هذه النقطة: النقطة التي منعت العرب من تفعيل عالمية النص القرآني، أن القرآن نزل بلسان عربي مبين. وبالتالي لو افترضنا أن العالمية تعني أن يكون اللسان الذي نزل به النص مفهومًا من قِبَل العالم، كيف يمكن التوفيق ما بين عالمية النص القرآني واللسان الذي نزل به؟

اللسان العربي المبين: المنطوق والمحمول

فاطمة سالم: طبعًا، هذا سؤال جوهري مهم. أنه نزل بلسان عربي — يعني لم ينزل بلغة عربية وإنما نزل بلسان عربي مبين. اللسان منظومة متكاملة. اللسان ليس متعلِّقًا بالمنطوق فقط، وإنما متعلِّق بالمحمول. هذه مسألة في غاية الأهمية. اللسان متعلِّق بالمنطوق ومتعلِّق بالمحمول. ولذلك عندما تشعَّب البشر وتكاثروا قبليًا في القِبَل المختلفة مع بيئاتهم الجديدة استحدثوا ألسنةً تناسب موجودات بيئاتهم، ومن هنا جاء اختلاف الألسنة رغم وحدة الأصل.

باسم الجمل: هذا اللبس هو الذي يدلُّ على كون العرب في ذلك الوقت لم يحلُّوا هذه النقطة الإشكالية.

فاطمة سالم: لم يحلُّوا هذه النقطة الإشكالية. تصوَّروا أنه مجرَّد أن القرآن نزل بلسان عربي فيه مقاربات من منطوقهم العربي، تصوَّروا أنه بالكلِّية يسقطون عليه محمولات. هم لم يُفرِّقوا بين المنطق المتعلِّق بالنطق — كما علَّمنا “عُلِّمنا مَنطِقَ الطَّيرِ” عند سليمان — ولم يُفرِّقوا بين محمولاته الجديدة. ولذلك ترتَّب على هذا أنهم أسقطوا ممارساتهم الثقافية اللغوية على فهم القرآن. وترتَّب على ذلك هذه الإشكاليات التي نجدها في اجتهادات الشرَّاح السابقين.

فاطمة سالم: يعني على سبيل المثال حتى نقرِّب الفهم: يتحدَّث القرآن عن مفهوم “المعروف” — مفهوم عميق جدًا يبدأ من العلاقة التأسيسية التي هي العلاقة الزوجية، “المعاشرة بالمعروف”، إلى الأمة التي تتفاعل بالخير: “كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ”. حتى هذه الأمة أسقطوها إسقاطًا مكانيًا، وهو يتحدَّث عن أمة الإسلام بغضِّ النظر عن هذه الخيرية في الإسلام ككينونة معرفية وأخلاقية ودينية وسلوكية خاصة بالجميع، يشارك فيها العرب كغيرهم.

باسم الجمل: يعني ليست حكرًا على العرب.

فاطمة سالم: يعني المثال الذي أريد أن أقيس عليه: المعروف في القرآن له مفهوم محدَّد ومتجذِّر ومتشعِّب في تراتبية العلاقات من الوحدة النووية التي هي العلاقة الزوجية الأسرية إلى الأمة التي تدعو إلى الخير للناس كافة. عندما تسقط الثقافة العربية مفهومها ماذا يقولون؟ يقولون إن مفهوم المعروف يعني “العادة”. وهذا مفهوم خطير جدًا. العادة هي ما اعتاد عليه الناس سواء كان شيئًا قبيحًا أو شيئًا حسنًا. فكيف يمكن أن نُسقِطه على مفهوم “المعروف”؟ هذا مثال واحد على مفهوم اللسان، الفرق بين المنطوق والمحمول. إذن العرب: المنطوق عربي لكن المحمول القرآني غير ذلك. ولذلك في التجديد في فهم اللسان: لسانك عربي في منطوقه لكنه غير مبين، لكن القرآن مبين لأنه يعتمد على إبانة المفهوم.

باسم الجمل: تمييز دقيق. أعتبره حقيقةً. يبدو لي أن بعض العرب الذين يفترضون أنه حتى تتعلَّم القرآن وتتقنه وتفهمه، مطلوب عليك أن تتعلَّم اللغة العربية. وبالتالي هذه دعوى غير صحيحة.

العربية يجب أن تُستقى من القرآن لا العكس

فاطمة سالم: صحيح. يعني من المهم أن نفهم جميعًا كعرب أن القرآن جاء بالمستوى الأعلى للعروبة اللسانية. فعلينا أن نتعلَّم العربية وقواعدها وأصولها وتقعيدًا جديدًا لقواعد رسالة المفاهيم من القرآن — وليس العكس. وهذا مجهود مهم. ولذلك الإشكال الذي يقع فيه كثير من الناس أنهم يتعاملون مع المعاجم العربية الوضعية كمرجع لفهم القرآن، فنقع في هذا الإشكال: تكييفات مفاهيمية خاطئة، تكييفات فقهية خاطئة، تنحرف تمامًا عن مرادات الدين. والأخطر من ذلك أن هذا ينسحب على كل شيء في التديُّن الإسلامي وفي المعرفة القرآنية. ولذلك من المهم جدًا أن نفكَّ هذا الاشتباك دون أدنى حساسية. إن كان ثمَّة فخر يحبُّ العرب أن يفخروا به، هو أن منطوقهم كحالة جزئية موافق للرسالة الخاتمة لكل الناس. وعليهم أن يرتقوا في تقديم الخطاب اللساني الذي يشبه هذه الدرَّة التي بضَّعها القرآن الكريم.

باسم الجمل: أنا مسرور أن أسمع هذا الكلام منك. أنا أؤيِّد هذا النهج: أن القرآن يجب أن يُقرأ لسانيًا وفق الآلية التي نزل بها. نزل بلسان عربي مبين، وهذا اللسان مبين بذاته ولا يحتاج لإبانات خارجية، لا يحتاج لإبانات ثقافة محلية أو ثقافة جزئية لا يمكن أن تُغطِّي المحمول العام الموجود في المصدر.

فاطمة سالم: حتى كلمة “العربي” أو “الإعراب”…

باسم الجمل: معناها مختلف في النص، بمعنى الواضح الجليل.

فاطمة سالم: الواضح المُعرِب القادر على أن يُعرِب عن ذاته — عن ذاته الخطابية، وعن ذات خطابه المفهومية، وعن ذات خطاب رسالته في أبعادها الأخلاقية. لا يعني عِرقًا طبعًا. حتى كلمة “عرق” هذه جزء من الأخطاء الكبيرة العلمية التي على الدوائر الأكاديمية أن تراجعها.. كلمة “عرق” غير علمية، النظرية الإحيائية التي يقدِّمها القرآن، العلمية، من وحدة الأصل تُعيد ترتيب كثير جدًا من المفاهيم، بما فيها مفاهيم المعارف التطبيقية والإحيائية — يعني تُعيد تسديدها.

باسم الجمل: من “العُروق” مثلًا.

فاطمة سالم: ممكن أن يكون من عراقة الشيء، يعني بمعنى امتداده التاريخي أو التقادمي. لكن “العِرق” ليس هو الوعاء الدموي. الغريب أن القرآن الأوعية الدموية تحدَّث عنها كما هي — يعني “الوريد” موجود في القرآن: “وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَريدِ”. فإذن نحن نحتاج في دراستنا للخطاب القرآني إلى جهد كبير لترتيب هذه المصفوفات من المفاهيم.

من المؤهَّل لتقديم هذا الفهم؟ الوظائف الفكرية الخمس

باسم الجمل: إن مؤسسات في المجتمعات — مؤسسات دينية كبيرة، مؤسسات مجتمعية، إدارة مجتمعات — والكل يسعى أنه يجب أن نعمل شيئًا. لكن من المؤهَّل أن يضع النقاط على الحروف في هذا الفهم؟ هذا الفهم ضائع عند الناس. الناس ما زالت تفهم القرآن بجزئيته وإن تتحدَّث عن عالميته، لكنها تُسقِط كل الثقافة المحلية والعربية على النص القرآني، ويقدِّم القرآن على أساس أنه للعرب أو للمسلمين المحصورين في مجموعات بشرية محددة ضمن جغرافية محددة. من المؤهَّل للبدء في إحداث هذا التغيير؟ وأين الوسائط التي ممكن أن نتجادل من خلالها؟

فاطمة سالم: أولًا القرآن يقدِّم أدواته: أنه يجب أن تتعامل معه وفق أربع أو خمس وظائف فكرية: مستوى التفكُّر ويشتغل على منظومة، مستوى التعقُّل ويشتغل على منظومة، مستوى التدبُّر يشتغل على منظومة، ومستوى التفقُّه، ومستوى الاستنباط.

باسم الجمل: حسنًا، هذه خمس.

فاطمة سالم: يعني هذه خمس وظائف. إذا رجعنا إلى القرآن وذهبنا إلى المواضع التي وردت فيها الدعوة إلى التفكُّر ومجالاته — فيها الكوني، وفيها الاجتماعي، وفيها الاقتصادي إلى آخره. فيها المجالات الإنسانية التي تشتغل على مسألة التفكُّر. لاحظ أن التفكُّر دائمًا في القرآن تجد الأفعال بطابع تكثيفي حتى تكون منتجة. وهنا مسألة مهمة جدًا تُلقي الضوء على مفارقة المفهوم العرفي للثقافة والمعجمي والفرق بينهما وبين لسان القرآن. مثلًا في المرويَّات أو في التداول الثقافي العربي حتى اليوم نتحدَّث عن “العقل” وخلقنا له تيَّارًا، وأنشأنا حوله إشكالًا مدرسيًا: “العقل والنقل”. والآن كذلك “العقل التنويري”. ليس هناك شيء اسمه “عقل”. العقل هو مصدر. وإنما في القرآن “التعقُّل” حالة إدراكية. هذه الحيوية في التعامل مع المفردات ستُنتج شيئًا مختلفًا — يعني ليس هناك في البنية التشريحية شيء اسمه “العقل”، لكن هناك حالة اسمها “التعقُّل”.

باسم الجمل: لماذا حوَّلنا الفعل إلى مصطلح؟

الطوائف المعرفية الحيَّة: التفكُّر والتعقُّل والتدبُّر والتفقُّه والاستنباط

فاطمة سالم: مسألة في غاية الأهمية. يعني الحالة التفكُّرية ستُنتج، والحالة التعقُّلية ستُنتج، والحالة التدبُّرية ستُنتج، والحالة التفقُّهية ستُنتج، والحالة الاستنباطية ستُنتج. يعني كل من يشتغل حسب طبيعة نظره وطبيعة اهتماماته: الطائفة من المتفكِّرين ستُنتج مجموعة من المعارف والأفكار حول الخطاب القرآني حسب مجالات الموضوع، والطائفة التعقُّلية كذلك، والطائفة التفقُّهية، والطائفة التدبُّرية، ثم الطائفة الاستنباطية. الاستنباط كذلك مفهوم مهجور تمامًا.

باسم الجمل: مئة بالمئة صح. قد أفهم منكِ أن كل هذه النقاط التي طرحتِها تندرج تحت إطار شكوى الرسول أن القرآن مهجور.

فاطمة سالم: مهجور، نعم.

باسم الجمل: كون هذه النقاط لا تُناقَش في الحياة العامة وليست داخلةً في تشكيل الوعي العربي للإسلام أو النص القرآني، وبالتالي القرآن مهجور. يعني ملامح هجر القرآن في المجتمعات العربية أين تبدأ؟ كيف؟ ممكن توضيح؟

فاطمة سالم: طبعًا، توضيح. يمكن في مستويَين أساسيَّين أو أكثر كمظهرات هجر القرآن. أولًا: في الفقه الاجتماعي بشكل عام، الفقه الاجتماعي ابتداءً من دائرة التأسيس الزواجي حتى فقه الاجتماع البشري عمومًا الذي ينظِّم العلاقات بين الناس وبين الشعوب وبين الأمم وبين الدول إلى آخره — في هجر تام. يعني أنت الآن إذا نظرت إلى الصيغة الاجتماعية الموجودة بدءًا من الزواج إلى محيط الأسرة إلى آخره: علاقة شكلانية تمامًا، وأحيانًا علاقة منحرفة، دون أن ينتبه الناس عمَّا رتَّبه القرآن من منظومة حقوقية وتبادلية وتفاضلية إلى آخره. المظهر الثاني المهم: هجرانه كمصدر للعلم ومصدر للمعرفة. وبالتالي نتج عنه هذا التخلُّف الذي تحياه الجغرافيا التي فيها غالب المسلمين. من المسائل المهمة جدًا: نحن نُفرِّق تمامًا بين التخلُّف الحضاري الذي تعيشه بعض المجتمعات وبين الدين، لأن فكرة الدين هي فكرة سعي في الحياة — الحضارة إنتاج سعي واجتهاد.

باسم الجمل: مئة بالمئة.

فاطمة سالم: تمام، إذن حالة الخمود التي تعيشها، لأنهم لم يتحرَّكوا بأسباب المدافعة الوضعية، ولا تحرَّكوا بأسباب المدافعة العلمية والمعرفية التي يُعطيها لهم الدين.

هل الفقهاء السابقون ينتبهون لهذا؟ الارتداد الثقافي الطبيعي

باسم الجمل: أريد أن أسأل الأسئلة التقليدية التي الناس كلهم يسألونها: معقول أنه طوال الألف وأربعمائة وخمسين عامًا، الفقهاء على عظمتهم واحترامهم، لم ينتبه أحد إلى هذه النقطة الجوهرية: أن العرب قزَّموا النص القرآني بثقافتهم الخاصة؟ أنا لا أُسجِّل على هذه الثقافة، بل هي ثقافة الناس. لكن مسألة أن تُسقِطها وتجعلها هي الحاكمة على النص القرآني، أنت حجَّمت النص، منعت عالميته. وما زلت مصرًّا على أن ما تفهمه أنت هو الفهم الصحيح للنص، وتمنع الآخرين من محاولة الدخول للتعامل مع النص. لماذا هذا النص القرآني ليس فاعلًا بين أيدي المثقِّفين؟

فاطمة سالم: هي طبعًا الإجابة المنصفة على ذلك: في العهود التي تعامل فيها العرب أنهم جزء من المساهمين في الحضارة الإسلامية، جزء من كل الناس والإنسان الذي توجَّه إليه الخطاب القرآني، كانوا حاضرين كجزء من هذا الكل. لكن في الوقت الذي فصلوا هذا الدين كامتياز جغرافي وكانتخاب جغرافي أو ثقافي، حدث ما حدث، حدث الذي أنت شكوت منه.

باسم الجمل: أنتِ في رأيك متى حدث هذا؟ أنا أُسمِّيه الانحراف في فهم النص، أو تقزيم عالمية القرآن. هل كان في المراحل الأولى في عهد النبي؟ أو فيما بعد وفاة النبي الكريم؟ أو أن الناس في تلك الفترة ما فهموا هذه العالمية؟ لم يسمح لهم الزمن بأن يمارسوا فهمهم لعالمية النص؟

فاطمة سالم: سؤال تقعيد مهم موضوعي. إذا أردنا أن ننظر بموضوعية: الدين والقرآن هو بطبيعته يُحدِث تحوُّلات كبرى، لكن التحوُّلات الكبرى يلزمها وقت ويلزمها أدوات ويلزمها فهم. حقيقةً ما بعد فترة النبوة الطبيعي أن تحصل تفاعلات أو ارتدادات ثقافية. هذا الشيء طبيعي. هذه المسألة لا تنال من أقدار الناس ولا تنال من مكانتهم، يجب أن تُفهَم في سياق شرحها الطبيعي لطبيعة القوانين التي تنظِّم التحوُّلات التاريخية. فبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم الطبيعي أن يحصل مستوى من الارتدادات الثقافية. لأنه طرأت عليهم موضوعات وتحدِّيات لم يحتاجوا في زمن النبي أن ينظروا فيها.

نموذج: ابن عبد الله بن عمر ومنع النساء من المساجد

فاطمة سالم: أنا في بعض الأمثلة الصغيرة — حتى تكون مثالًا قياسيًا أو توضيحيًا — مسألة الهجر تمثَّلت أكثر في السلوك الاجتماعي وفي العلاقات الاجتماعية وحتى في التنزُّلات الشعائرية. أنا أذكر درستُ جزءًا من هذه التحوُّلات في وضعية المرأة فيما بعد عهد النبوة. في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان المجتمع مُدهِشًا، يعني التفاعل بين النساء والرجال دون عُقَد ودون حواجز، كان منسابًا. كان فعلًا: “المُؤمِنونَ وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ”. هذه الصورة كانت موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

باسم الجمل: يعني هذه الصورة كانت موجودة؟

فاطمة سالم: كانت موجودة طبعًا. بعد وفاته مباشرةً حدثت الارتدادات الثقافية. وسأورد مثالًا صغيرًا جزءًا من البحث الذي درستُه: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع النساء من ارتياد المساجد لا ليلًا ولا نهارًا. فابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين قال: نمنع النساء من ارتياد المساجد بالليل حتى لا يتَّخذنها دغلًا. توالي هنا ارتدَّ إلى مفهومه وتهجُّسه الثقافي الداخلي أن النساء إذا خرجن إلى المساجد بالمساء سيكون هذا مدخلًا للفساد، وربما يفتح بابًا إلى آخره. مثل التكييف الخاطئ ما يُسمَّى “باب سدِّ الذرائع”. ليس هناك سدُّ الذرائع. القرآن أو الإسلام يدفعك إلى التدافع — تواجه أخطاءك وتُصلحها في مسارك، تعصي ويتوب الله عليك، تعيش حياتك البشرية التعبُّدية بشكل طبيعي.

فاطمة سالم: فحدث حوار أبانَ نوعَين من مستوى الاستمساك أو مستوى الوعي بقيم الإسلام. فقال له أبوه عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تمنعوهن”. فقال: أمنعهن. يعني لاحظ هنا في الحوار أن واحدًا من جيل عاصر البيئة التنزيلية ارتدَّ إلى ثقافته الجاهلية التي تتهجَّس من النساء حتى في مجال التعبُّد وذهاب المسجد. في حين أن الآخر قال له: أنا قلت لك طالما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نمنعهن. مع أنه لم يُدافع عن مبدأ أنها ليست بالضرورة أن تكون سببًا في الفساد. لكن مقبول منه على الأقل أنه استمسك بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يُعقِّب عليه.

فاطمة سالم: هذا نموذج صغير يعكس أن الارتداد الثقافي يحدث عندما لا ينظر الناس إلى خطاب القرآن النظرة المتعمِّقة، أو إلى التنزيل الذي قدَّمه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا القرآن في النموذج الذي قدَّمه لهم في حياته تقديمًا عمليًا في معاملاته مع النساء ومع الأطفال ومع القطاعات الاجتماعية الأخرى المستضعَفة. يعني لا بد أن نقرأ هذه التحوُّلات قراءةً تاريخية موضوعية في سياقها، لكن بالمقابل نُحرِّر الإسلام ونُحرِّر القرآن من تبعة إسقاطها كنموذج.

النقد العلمي وشروط الخطاب الصحيح

باسم الجمل: يعني الإسقاط الثقافي واضح. نحن نُفسِّر القرآن كله بثقافتنا العربية. هذه مراجعة عادلة تمامًا.

فاطمة سالم: وصحيحة تمامًا. أن هذا النقد لا يتوجَّه لقصورهم وإنما يتوجَّه لقصور اللاحقين. لأنه “تِلكَ أُمَّةٌ قَد خَلَت لَها ما كَسَبَت وَلَكُم ما كَسَبتُم”. أنا أتفق معك تمامًا، وأنا ضدَّ الخطاب العدائي. لأن النقد أصلًا ما مفهومه؟ النقد هو أن تنقد الأقدم ثم تسدَّ الثغرات بكسبك المتجدِّد أنت. نقد الشيء إذا أعطاه قيمة. يعني أنا إذا سعَّرت شيئًا قدَّمت القيمة. فهذا الأدب الذي يجب أن يسود في الخطاب النقدي: أن الآخرين حتى الآن عندما انتقدنا عمليات الارتداد الثقافي أو التعامل مع النص كما ذكرت، لأنه كانت هذه الحدود الإدراكية الموجودة، وأصلًا كانت هذه احتياجاتهم المعرفية في ذلك الوقت.

باسم الجمل: نحن نُطالبهم أكثر مما يحتملون.

فاطمة سالم: نعم. لذلك قلنا إن النص القرآني عندما احتاط بهذا — قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا رَبِّ إِنَّ قَومي” — لأن قومه ليسوا عشيرته الأقربين. قومه كل من يقومون على دينه. هذا مفهوم القوم.

باسم الجمل: يعني كل من حمل الرسالة، من قومه هذه الشكوى.

مفهوم القوم: من يقومون على الشيء

فاطمة سالم: هذه الشكوى دائمة. كلَّما جاءت أمة وهجرت القرآن ينطبق عليها. يعني هذه مسألة في غاية الأهمية. قال الرسول: “يا رَبِّ إِنَّ قَومي…”. إذا حرَّرنا مفهوم القوم من المقصور الثقافي الذي تضعه فيه المعاجم أو الممارسة اللغوية الثقافية، فالقوم هم من يقومون على الشيء. لذلك إذا تحدَّثنا عن قوم نوح فنحن نتحدَّث عن قوم في بيئة جغرافية وزمنية ومكانية معيَّنة حسب حدود الرسالة في هذا الطور من الرسالات. وإذا تحدَّثنا عن قوم موسى أو قوم لوط فكذلك هذه حدود. لكن عندما نتحدَّث عن قوم محمد — أن قوم الرسول ليسوا قوم النبي.

باسم الجمل: قوم الرسول ليسوا قوم النبي؟

فاطمة سالم: قوم الرسول ليسوا قوم النبي، لأن الرسول عندما يأتي مفهوم الرسول في القرآن فهو كل ما يتعلَّق بالرسالة. أما النبوَّة فهذا مقام آخر. وهذه أيضًا مسألة مهمة: أن النبيَّ مقام مختلف والنبوَّة والرسولية مقام مختلف حتى لو تكاملا في إثبات الحقَّانية. لكن التنزيل العملي هو للمعنى الرسولي، يعني معنى الرسالة. هذه مسألة في غاية الأهمية.

باسم الجمل: السؤال الأخير الذي ما تجاوبنا عليه: من المؤهَّل لتقديم هذا الفهم؟ أو إعادة النص بهذا الفهم الذي تحدَّثتِ فيه. أنا بالنسبة لي أرى فهمًا جيِّدًا وجميلًا وراقيًا يتلاءم مع النص القرآني. أنا حريص جدًا على أن تبقى عالمية النص القرآني. يجب أن يكون القرآن عالميًا، ولا يجب أن يكون محصورًا في بيئة اجتماعية محددة أو بيئة جغرافية محددة وفق نمط ثقافي محدد. يجب أن يكون لأن ربَّ العالمين يتعامل مع الخلق وليس مع العرب وحدهم.

فاطمة سالم: مع خلقه.

باسم الجمل: السؤال الأول: لماذا تُصرُّ المؤسسات المسؤولة عن التحديث الفكري في المجتمعات العربية على نفس الرواية القديمة وعلى نفس الفقه القديم؟ وإذا هم مصرُّون — من الآخرون الذين يجب أن يتولَّوا زمام الأمور في تقديم هذا الفكر الجديد؟

لا مرجعية مؤسسية في الإسلام بل مرجعية علمية — أهل الذكر

فاطمة سالم: وطبعًا أهمُّ ما في القرآن وأهمُّ ما في الإسلام عمومًا أنه لا يتعامل مع مفهوم المؤسسة إلا بالمعنى العملي، ولكنه لا يتعامل معها بالمعنى المرجعي. وهذا الخطأ الذي وقع فيه اللاحقون. يعني في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى في العهود الأقرب، لم تكن هناك مؤسسات سلطانية. هذه لم تنشأ إلا في عصور الطاغوت السياسي اللاحق. مثلًا في الدول الأموية إلى آخرها. في الدول الآخرة في تاريخ المسلمين وليس في تاريخ الإسلام — أيضًا هذه من المسائل المهمة. أنا ألاحظ أن جزءًا من إشكاليات النخب أنهم يُسقِطون بعض الإشكاليات ويقولون “تاريخ الإسلام”. لا، هو تاريخ المسلمين. هذه مسألة في غاية الأهمية وليست شكلية.

باسم الجمل: هم نسبوا للإسلام مجموعة بشرية لوحده وكأنه متفرِّد.

باسم الجمل: أو تاريخ العرب الذين أسلموا.

فاطمة سالم: أو تاريخ العرب الذين أسلموا، لكن ليس تاريخ الإسلام. هذه مسألة في غاية الأهمية وليست شكلية. فالمسألة المهمة أن الإسلام إطلاقًا ليس مع المرجعية المؤسسية لا للآراء ولا للاجتهاد ولا للفتوى، إنما مع المؤسسية العلمية. ولذلك هو يتحدَّث عن “أهل الذكر”. الأهل من التأهيل بالمناسبة. والذكر نفسه معنى علمي كبير لكنه تحوَّل لمعنى طقوسي.

باسم الجمل: اعتبروا الذكر الدروشة.

فاطمة سالم: الذكر ليس دروشة، ليس انقطاعًا. هذه مسألة في غاية الأهمية. ولذلك قال: “إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ”. طيب هو كيف حفظه؟ المحفوظية تعلَّقت بالذكر، لأن الذكر متعلِّق بتذكُّر هذه المعاني وتجدُّدها. وهذا ما تفعلونه الآن في الاجتهادات المختلفة — هذا ذكر. يعني أنت تذكُر وتُحيي المعاني المهجورة. وهذا الذكر محفوظ وسيظل إلى أن تنتهي مسيرة الإنسان في الأرض. سيظل الذكر محفوظًا لأنه سيظل التداول محفوظًا. وسيظل الناس يدخلون في دين الله أفواجًا.

باسم الجمل: صح.

فاطمة سالم: هذه الظاهرة ستكون ممتدَّة. لذلك أعتقد من الأشياء التي تحتاج إلى مراجعة أن المؤسسات الاجتهادية يجب أن تُنظَر — مجامع أو غيرها — مع وافر الاحترام والتقدير والإجلال، لكن يجب أن نتعامل معها باعتبار أنها مؤسسات اجتهادية وليست مرجعية.

باسم الجمل: وليست صاحبة سلطة على الناس.

أولو الأمر هم أهل العلم لا أصحاب السلطان

فاطمة سالم: بالضبط. وبالتالي نحن نتحدَّث عن أهل الذكر. كل من هو مؤهَّل للعلم في الإجابة على سؤالك، كل من هو مؤهَّل للعلم: “إِنَّما يَخشَى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ” — هو مطالَب بهذا الجهد. في مسألة مهمة جدًا فيما يتعلَّق بالاستنباط الذي ورد في آية واحدة في سورة النساء الآية 83، أن الاستنباط لو رُدَّ إلى الرسول وإلى “أُولِي الأَمرِ مِنهُم”. أولو الأمر هؤلاء هم أهل العلم، ولا علاقة لهم بالسلطان لا من قريب ولا من بعيد. هذه المسألة يجب أن تكون واضحة بالنسبة للمسلمين.

باسم الجمل: يعني السلطان ليس من أولي الأمر؟

فاطمة سالم: ليس من أولي الأمر. هذه الآية حدَّدت أنه “إِذا تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ”. لاحظ: ليس إلى النبي، إلى الرسول. يعني انظروا إلى معايير الرسالة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم وطبَّقها في نموذجه الرسولي. وأولو الأمر القادرون على الاستنباط، فبالتالي هم أولو الأمر العلمي. لكن لأنه كذلك أولو الأمر نحن ربطناها تاريخيًا بصاحب السلطة فوقعنا في إشكال كبير جدًا. وهذا جزء من الأسباب التي عوَّقت حركة الاجتهاد العلمي والتدبُّري في مجتمعات العرب المسلمين.

ختام: ثورة مفاهيمية يشترك فيها أهل الذكر وأولو الأمر

باسم الجمل: أستاذة فاطمة، أنا حقيقةً سُعِدت بالحوار معكِ. بناءً على ما فهمته منك نحن بحاجة إلى ثورة في المفاهيم.

فاطمة سالم: نعم، صحيح.

باسم الجمل: نحن نحتاج لثورة مفاهيمية يشترك فيها الجميع، يشترك فيها أهل الذكر وأولو الأمر.

فاطمة سالم: نعم. ولنتذكَّر أن مسألة الفهم هذه في سنَّة الله موجودة حتى بين الأنبياء، عندما اختلفوا في المسألة أو تحاكموا إلى سليمان وداود، كلاهما نبيٌّ وموحًى إليه، ولكن “فَفَهَّمناها سُلَيمانَ”. إذن نقدر ونحترم أن الكسب والفتوحات المعرفية هذه تتوزَّع بين المسلمين جميعهم بدون تمايُز. هذه لا تُخرِج الناس بإجازات مدرسية في هذا الموضوع، ولكنه كسب علمي موجود. القرآن الكريم حدَّد أدواته في النظر: بالتدبُّر، بالتفقُّه، بالتفكُّر، بالاستنباط، بالتعقُّل، بالنظر، بالترتيل، بالتتابع، بالتوحيد، وَلا تَجعَلُوا القُرآنَ عِضينَ. ثم إن هذا القرآن جاء للحالة الوجودية الكونية كلها — للكسب، للعلم، للمعرفة، للتسخير، للحضارة، لكل هذه الأشياء.

باسم الجمل: وليس لمجموعة بشرية.

فاطمة سالم: وليس لمجموعة بشرية. “وَمَا أَرسَلناكَ إِلّا كافَّةً لِلنّاسِ”. أرجو المسلمين جميعًا أن يتعاونوا على هذا الأمر، وأن يبحثوا عن هذه الكافِّية — كيف يتمُّ تنزيلها وكيف يتمُّ إشهادها.

باسم الجمل: أستاذة فاطمة، الباحثة والكاتبة السودانية، شكرًا لكِ.

فاطمة سالم: وأنا شاكرة جدًا لهذه السانحة.

باسم الجمل: إن شاء الله يكون عندنا فرص ثانية نلتقي فيها.

فاطمة سالم: إن شاء الله.

باسم الجمل: شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.

Leave a comment