هل تساءلت يومًا ما هي الأصنام التي تتحكم في حياتك دون أن تشعر؟ وكيف تتحول الأفكار والقيم إلى معتقدات مقدسة تمنعنا من السؤال والاختلاف؟ ولماذا يصنع الاستبداد والنفاق الاجتماعي أفرادًا يدافعون عن الأصنام التي تقيدهم؟ وهل الفقر والرقابة والتلقين أسباب في انتشار الأوهام داخل مجتمعاتنا؟ ولماذا يخاف الصنم من القراءة والشك أكثر من أي شيء آخر؟ الباحث حسين سعدون يقدّم قراءة في كتاب عالم الاجتماع العراقي عبد الجليل الطاهر “أصنام المجتمع”، الصادر عام 1959، ويكتشف كيف ظلّت أفكار الكتاب حاضرة في واقعنا حتى اليوم، في #بودكاست_كتاب على #منصة_مجتمع
مقدمة: لماذا هذا الكتاب؟
عزيزي القارئ، وقع بين يديّ كتاب، أو اكتشاف وأحبّ أن أشاركك معي لذّة هذا الاكتشاف. اكتشاف كتاب صغير مكير، صغير الحجم عظيم الفائدة. مؤلف هذا الكتاب مجهول بالنسبة لي، وأعتقد أنه بالنسبة لكم أيضًا. هذا الكتاب لم يُكتب للماضي بل للحاضر والمستقبل. “أصنام المجتمع: بحث في التحيّز والتعصب والنفاق الاجتماعي”. صدرت طبعته الأولى في بغداد عام 1959 للمؤلف العراقي عالم الاجتماع الدكتور عبد الجليل الطاهر.
يقول في هذا الكتاب شيئًا قد لا نحبّ سماعه. يتحدث عن الأصنام، وليست بالصورة الذهنية التي ترِد لك عندما تسمع مفردة “أصنام”. إن الأصنام بتعبير المؤلف غيَّرت شكلها فقط، لم تعد من خشب ولا حجر، بل صارت أشرس. أصبحت أفكارًا نحبّها، وقيمًا نقدِّسها، وأوهامًا نتعصّب لها، وتحيّزًا لا نراه لأننا نسكن فيه.
إن الإنسان لم يختر أصنامه بل رُبِّي عليها. وإنّ المجتمع الذي يُعاقب على السؤال لا يُنتج عقولًا بل يُنتج سَدَنةً للأصنام. وهذا ما نشاهده في حياتنا اليومية كل يوم. حين تتحالف السلطة مع الوهم لا تحتاج سجونًا لأن العقل المُخضَع سجنٌ يمشي. وإن الأفراد أنفسهم هم من يخلقون أصنامهم ويحيطونها بالقداسة والسيطرة. أكثر من 65 سنة مضت على هذا الكتاب والمرآة لا تزال تعكس نفس الوجه.
عزيزي القارئ، طابت أوقاتكم جميعًا أينما كنتم. في البداية، قبل أن نفتح الكتاب، نسأل مجموعة من الأسئلة لأننا نريد أن نُثير النقاش والجدال حول هذا الموضوع، موضوع الأصنام. وهذا السؤال لكل مواطن ولكل إنسان، لكل شاب ولكل فتاة: متى آخر مرة اختلفت مع أهلك في قرار مصيري يتعلق بزواج أو دراسة أو عمل أو اختيار شريك حياة أو أي شيء، وتمّ قمعك وقالوا لك: “هذا الكلام لا ينبغي أن يُقال”، ومُورست عليك السلطة الأبوية؟ ماذا كان ردّ فعلك؟ كيف أحسست؟
متى آخر مرة شاهدت شخصًا ينتقد فكرة يعتبرها الكل مقدسة، فهاجمه الناس من كل جهة واتّهموه بالمروق والزندقة؟ باختصار بسيط جدًا، هذا بالضبط ما نتكلم عنه اليوم.
كتابنا الذي بين أيدينا الآن اسمه “أصنام المجتمع: بحث في التحيّز والتعصب والنفاق الاجتماعي”. صدر في بغداد عام 1959 لمؤلفه عالم الاجتماع العراقي الدكتور عبد الجليل الطاهر، من مواليد 1917 وتوفي عام 1971. وأزعم بصفتي قارئًا محترفًا أن الغالبية سيسمعون باسم المؤلف واسم الكتاب لأول مرة.
الكتاب يتكوّن من مقدمة وسبعة فصول. ونودّ اليوم أن نشرككم في هذا النقاش مع أهم أفكار الكتاب. ويسعدنا جدًّا بعد عرض هذه الحلقة أن تكون هناك تعليقات وأن نبحث معًا ما هي الأمور التي تكلّم عنها الكاتب، على أن تضعوا في بالكم أن المسافة الزمنية بين صدور الكتاب تجاوزت 67 عامًا. ما هي الأصنام التي أُضيفت بعد ما كتب عن هذا الكتاب؟ قسَّم الكتاب حسب قراءتي له إلى عشر أفكار مركَّزة ومكثَّفة متسلسلة ومرتبطة ببعضها.
لكن قبل ما ندخل: من أين جاء هذا العنوان الصادم “أصنام المجتمع”؟ الدكتور عبد الجليل الطاهر يقول إن الفضل يعود للفيلسوف الإنجليزي الشهير فرنسيس بيكون المتوفى عام 1626. بيكون الذي حذَّر الناس من وجود ما سمّاه “آلهة كاذبة” تفرض على الناس أنماطًا معيّنة من التفكير وأساليب في العمل. وأي قارئ في الفلسفة يعرف أن بيكون اشتهر بمصطلح معروف جدًّا في المفاهيم هو “الأوهام الأربعة”. فهو يرى أن هذه الأنماط المعيّنة من التفكير أو الأوهام تمنع الناس من الوصول إلى معرفة حقيقية وواقعية.
الطاهر، وهذا المفكر المبدع، أي مفكر يُعيد إنتاج الأفكار ثم يُضيف عليها ما يلائم مجتمعه وبيئته، لا يأخذ الفكرة كما هي إنما يزرعها في بيئة مناسبة. أخذ هذه الفكرة وطبَّقها على المجتمع العراقي والعربي وقال: هذه الأصنام موجودة بيننا اليوم، لكنها ليست من خشب أو حجر، هي أفكار وأوهام وخرافات نتعصّب لها ونحميها، وهذه أخطر من عبادة الخشب أو الحجر. وكتب هذا الكلام عام 1959 وما نعيشه اليوم بحذافيره. عليك أن تأخذ ببالك كيف كانت المجتمعات العربية في زمن الثورات في منتصف القرن العشرين والمجتمعات كانت تثور وتغلي. إذن علينا أن نُصغي أسماعنا ونفتح عقولنا لنسمع ما يقوله الطاهر وكأنه يقرأ عالمنا اليوم.
من هو عبد الجليل الطاهر؟
عبد الجليل الطاهر عراقي أكاديمي، درس علم الاجتماع وكتب بعيون الطبيب الذي يشخّص مرضًا لا يراه غيره. كان معاصرًا للدكتور علي الوردي، وإن كان الدكتور الوردي قد نال شهرة أكبر، لكن الطاهر كان في رأي كثير من الباحثين أكثر رصانةً وأكاديميةً وأدقّ منهجية. ولم يشتهر، وسبب غيابه عن الذاكرة العربية ليس عيبًا في فكره، بل لأنه رفض الانضمام لأي حزب، ورفض مدح أي زعيم، وانتقد التجارب الأيديولوجية في وقته. من أبرز مؤلفاته: “المشكلات الاجتماعية في حضارة متبدِّلة”، و”التفسير الاجتماعي للجريمة”، و”أصول فلسفة الطبقة الوسطى”، والكتاب الذي بين أيدينا “أصنام المجتمع”. هذا الرجل ما كتب ليشتهر، كتب لأنه رأى مرضًا وأراد أن يُسمِّيه بدقة. وكتابه “أصنام المجتمع” هو في جوهره دليل تشخيص لأخطر أمراض العقل الجمعي العربي.
الفكرة الأولى — الصنم ليس تمثالًا في متحف، هو الفكرة التي تحبّها ولا تسمح لأحد بالاقتراب منها
عزيزي القارئ، ما الفرق بين إنسان يعبد تمثالًا حجريًّا وآخر يصفّق لزعيم فاسد؟ مؤلف الكتاب يقول: لا فرق. وهي عبارة صادمة. يبدأ مؤلف الكتاب الفصل الأول بجملة محورية: “ليست الأصنام بالضرورة مصنوعةً من خشب أو ذهب أو فضة، بل يمكن — وهنا الخطورة — أن ترمز إلى قيم اجتماعية وقوى روحية تتّصف بوضع مقدَّس ولديها سلطة يهابها الناس.”
وبتعبير مؤلف الكتاب، هذه السلطة تعمل على شيئين: أولًا ربط سير المجتمع وتكوينه الثقافي بالأوهام والأباطيل، وثانيًا طمس شخصية الفرد ومنع نموّها وازدهارها. ويُعرِّف المؤلف الصنم بدقة: هو شيوع الأوهام والأساطير والأفكار المغلوطة التي لا تخضع للبحث العلمي والمنطق.
والآن نتوقّف قليلًا: أحداث تسير في منطقتنا العربية. أفكار يطلع شخص في مجال ما، مجال الطب أو الفكر أو الإنسان أو أي مجال، ثم يُعطي الناس كلامًا إنشائيًّا وانطباعات ليس لها دليل علمي ولا منهج قائم على البحث والدراسة. ولكم أن تنظروا في واقعكم وتروا ذلك. هذه الأفكار بتعبير مؤلف الكتاب يتعصّب لها الإنسان ويتحيّز ويدافع عنها بقوة، فتؤثّر في كل وجوه حياته الفكرية وتقيّد عقله وتقرّر علاقته مع الناس.
عزيزي القارئ، حين تسمع كلمة “صنم” تتبادر إلى ذهنك صورة أن المقصود بها حجر في صحراء أو تمثال في متحف. لا. كلمة “صنم” كلمة متحرّكة في المخيلة وتُنتج في كل عصر وفي كل قرن صنمًا خاصًّا به. الدكتور الطاهر يقول، وهذه الخطورة، عليك أن تعلم — وهذا الكلام في منتصف القرن العشرين — الصنم اليوم بتعبير مؤلف الكتاب لا يُصنع من الحجر بل يُصنع من الكلمات، من الشعارات، من كل فكرة تؤمن بها ولا تسمح لأحد بمناقشتها ولا تقدّم الدليل عليها. الصنم الحديث يأتيك بوجه… ما هي هذه الوجوه؟ الوطن أو الدين أو الشرف أو العائلة. ولهذا أنت لا تراه لأنك تحبّه. وكما تقول العرب: الحبّ يُعمي الناس عن رؤية الشيء على حقيقته.
لاحظوا الجملة الأخيرة في تعريف الدكتور عبد الجليل الطاهر: هذه الأصنام تقرّر علاقتك مع الناس. ماذا يعني؟ يعني الصنم لا يبقى في رأسك فقط. هذا الصنم يقرّر من تحبّ ومن تكره ومن تتعامل معه ومن تُقصيه.
ولنأخذ مثالًا عمليًّا على ما كتبه الدكتور عبد الجليل الطاهر عن الأصنام التي تقرّر مسارك الاجتماعي. لنأخذ مثالًا بسيطًا جدًّا: فتاة موهوبة في مجال ما كالأدب أو الشعر أو الرواية، وهذا نشاهده كل يوم، لكن لاعتبارات اجتماعية تخصّ وجاهة المجتمع، أهلها يُجبرونها على دخول دراسة الطب أو الهندسة مثلًا، ثم يقولون لها: “الموضوع ليس خيارك أو قرارك، هذا موضوع يخصّ العيلة.” هنا الموضوع الفردي يُستلب. عليك أن تتّبع المجتمع وتُلغي عقلك وتمشي وراء صنم المجتمع. ما الذي يحدث؟ تحترق هذه الفتاة، سبع سنوات من حياتها تذهب إلى شيء لا تحبّه. هي كانت موهوبة في مجال آخر لكن الصنم الاجتماعي قرّر وأد هذا الموضوع.
مثال آخر: شاب موهوب في الفن. “كلام الناس”: الفن كذا، والفن زندقة، والفن حرام، نقصد الفن الموسيقى والغناء إلى آخره. فأخفى هذه الموهبة وأصبح موظفًا في دائرة حكومية. وكم من مواهب وُئدت تحت هذا الصنم الاجتماعي. بالمناسبة هذا الموضوع يتكرّر كل يوم، كثير من الناس، كثير من أصدقاء أعرفهم، لديهم مواهب في مجال معيّن لكن المجتمع والأسرة الصغيرة، هذا الصنم، تقوم بوأد هذا الموهوب.
ونأخذ مثالًا على الهوس بكرة القدم في عالمنا العربي والإسلامي: فريق كرة قدم يتحوَّل لصنم حين يبدأ محبّ هذا الفريق بكره أشخاص حقيقيين بسببه. وأُعطيكم أمثلة موجودة عندنا في العراق، عذرًا، شاهدتها بعيني: أن مشجّعي فريقَي برشلونة وريال مدريد في الكلاسيكو يصير على مواقع التواصل شتائم وسباب، وفي الواقع هذا ما لا يحدث بين مشجّعي الفريقين في البلد الأصلي. لكن هوس التشجيع وتحويل فريقك إلى صنم تقدّسه يحجب النظر أمامك.
هذه الأمثلة التي ضربناها عن الطالب وعن فريق كرة القدم هي أمثلة بسيطة عن حجم الدمار الهائل الذي تُسبّبه عبادة هذه الأصنام. وأنا أعتقد أن الفكرة الكبيرة التي جاء بها الدكتور عبد الجليل الطاهر، ونُحيّيه على ذلك، أنه حوَّل المفاهيم. هناك مقولة دائمًا أقولها في علم الاجتماع: المفاهيم متحرّكة مع الواقع. لم تعد مفردة “الأصنام” تذهب إلى معبود جامد لا روح فيه ولا دم، بل هذه المفردة تحوّلت إلى دم ولحم نشاهد الأصنام في كل مجال في حياتنا: في الأدب، في الفن، في كرة القدم، في العلاقات مع الناس. وهذه الأصنام أصبحت تتحرّك في مسار حياة الناس بل وقد تُدمِّر حياتهم من حيث لا يعلمون.
طيب، هذه الأصنام في أي بيئة تعيش وتكبر؟ الدكتور عبد الجليل الطاهر يُحدِّد بدقة نوعين من المجتمعات التي تُنتجها. هذا ما تُجيب عنه الفكرة الثانية.
الفكرة الثانية — الديكتاتور يحتاج الصنم أكثر من الجيوش، لأن الجيوش تُخضع الجسد والصنم يُخضع العقل
عزيزي القارئ، لماذا بعض الشعوب تحبّ السلطة التي تسرقها؟ لأن هذه الإدارة حوَّلت نفسها إلى صنم. الدكتور عبد الجليل الطاهر يُحدِّد نوعين من المجتمعات التي تنتشر فيها الأصنام:
الأول: المجتمع البدائي البسيط التركيب، حيث تسود الروابط الدموية وتكون أنماط الحياة فيها رتيبة، فتسود نزعة مثالية روحية ترجع لعالم الغيب لتفسير المعضلات، وهنا تتكوَّن الخرافات والأوهام. المجتمع الثاني بتعبير الطاهر: هو المجتمع الدكتاتوري الإقطاعي الأرستقراطي، حيث لا يكون للفرد شيء يُذكر فتبتلعه السلطة، فيضطرّ إلى عبادة وتقديس أنواع معيّنة من الأصنام بدون مناقشة أو جدال.
وهنا إضافة مهمة جدًّا: أن الصنم الذي تكلّمنا عنه لا يقدر أن يبسط نفوذه إلا بوجود شبكة واسعة ومنظَّمة تسهر على رعاية مصالحه وحماية أتباعه. ويضرب المؤلف مثالًا على ذلك هتلر الذي غدا في نظر الشعب الألماني إلهًا، “العبقري الوحيد الذي يقود الشعب نحو العزة والكرامة”، وتدور حول حياته الأوهام والأساطير.
وهنا نأتي إلى سؤال غريب: لماذا بعض الشعوب تحبّ حكوماتها التي تسرقها؟ يعني ليس فقط تحبّها، تدافع عنها، تدافع عن جلّادها، تدافع عن الناس الذين يقومون بتغييب هذا العقل. وحين تسقط تبكي عليها! الجواب عند عبد الجليل الطاهر: لأن هذه الإدارة ما اكتفت بالجيوش والسجون، بل حوَّلت نفسها لصنم متضخِّم. قوة الجيوش بتعبير الطاهر تُخضعك وأنت تكرهها. الصنم يُخضعك وأنت تشكره. وحين تستجيب الجماهير لهذا الصنم، يقول الطاهر، فإنها تنقاد له لا شعوريًّا كما لو كانت في حالة تنويم مغناطيسي. وهنا أتذكر مقولة قرأتها في علم الاجتماع: إن الدكتاتور لا يظهر إلا إذا استدعيناه.
ونُقرِّب فكرة المؤلف إلى الأذهان: يُعطي المؤلف مثالًا وقد كُتب هذا الكتاب في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، أن هناك حكّامًا أمضوا عقودًا في السلطة ببناء هالة حولهم: “ضرورة تاريخية”، “القائد المؤسِّس”، “الأب”، “المنقذ”. وصورهم منتشرة في كل بيت وفي كل فصل دراسي. النتيجة: كان الشعب يهاجم من ينتقدهم دفاعًا عنهم بلا أجر ولا مقابل.
في المؤسسات والشركات نفس الشيء: المدير يتحوَّل لصنم، حين تعارضه لا يهاجمك هو فقط بل يهاجمك الزملاء: “ليش تخرّب الجوّ؟” الصنم الصغير في المكتب يعمل بنفس آلية الصنم الكبير في الدولة. حتى في عالم الرياضة، المدرب صار صنمًا، الذي يبقى رغم النتائج السيئة لأن قاعدته صنعت منه رمزًا لا يُمَسّ. لكن كيف دخل هذا الصنم إلى عقول الناس؟.. وكان عندي صديق لديه عبارة طريفة أقولها: “واللعنة على (لكن) التي لا يستغنى عنها كلام” كيف زُرعت فينا؟ هذا ما سنتناوله في الفكرة القادمة وهي الفكرة الثالثة.
الفكرة الثالثة — أنت ما اخترت أصنامك، هي اختارتك وأنت لا تدري
عزيزي القارئ، أنت لم تختر أغلب ما تؤمن به. ببساطة هو من اختارك. جملة أنقلها كما هي من الكتاب: يقول الدكتور عبد الجليل الطاهر جملةً محورية: “لا يمكن أن يتكوَّن صنم اجتماعي عن طريق حرية الرأي والتعبير والمناقشة والجدل والإقناع، وإنما يتكوَّن باستعمال القوة والزجر والدعاية والتزكية والسلوك الدعائي.” وحين تستجيب الجماهير للصنم، يُضيف مؤلف الكتاب، فإنها تنقاد له لا شعوريًّا كما لو كانت في حالة تنويم مغناطيسي. ويُشير أيضًا إلى أن الأنظمة الشمولية استخدمت الصحافة والأحزاب والمؤسسات الثقافية لتوجيه الناس نحو قِبلة ترضاها، لتجريد بعض المفاهيم من معانيها الحقيقية وصبّ معانٍ جديدة لا تمتّ لها بصلة.
عزيزي القارئ والقارئة، فكِّروا في أقوى قناعة تحملونها، دينية كانت أم سياسية أم اجتماعية. أعتقد هذه هي رسالة الكتاب المهمة. الآن اسألوا أنفسكم: متى قرّرتم هذه القناعة؟ الجواب الصادق في أغلب الأحيان: ما قرّرتموها بل ورثتموها. هذه قنبلة فكرية.
الصنم يُزرع وأنت طفل: في البيت حين تُعاقَب على السؤال، في المدرسة حين يُمدح الحفظ والتلقين ويُعاقَب التفكير النقدي، في الشارع حين ترى مصير من يجرؤ على الاختلاف. وهكذا تتعلّم الدرس دون أن يشرحه لك أحد: بعض الأسئلة لا تُسأل. وحين يُقال لك “هذا لا يُناقَش”، هذه ليست حماية للحقيقة، هذه حماية للصنم من أن تراه على حقيقته.
عزيزي القارئ، خلِّني أعطِك مثالًا قريبًا من واقعنا الحالي. المناهج الدراسية في دول عربية كثيرة لا تُعلِّم التفكير النقدي بل تُعلِّم التلقين والحفظ والتسليم. الطالب الذي يُجادل الأستاذ في صفّ المدرسة يُعاقَب، والطالب الذي يحفظ ويُردِّد يُكافَأ. في وسائل التواصل الاجتماعي. مثال مهم: حين تنشر رأيًا مخالفًا للسائد الاجتماعي تنهال عليك الهجوم والردود: “كيف تقول هذا الرأي؟ كيف تقول هذا الكلام؟ أين غيرتك؟ أين شرفك؟” طبعًا بعد هذا الضغط الاجتماعي الهائل بالردود التي قد تصل إلى حدّ الشتائم والدخول على الخاص قد تنهار وتضعف وتتوقّف عن الاختلاف، ولا أحد يتضامن معك، الكلّ يقف ضدّك. هنا مسألة مهمة: الصنم تعلَّم كيف يحمي نفسه من خلالك.
الطفل الذي يسأل — ونحن نعرف أن أهم الأسئلة في الكون يطرحها الأطفال لأنهم لم يذوبوا في ثقافة المجتمع بعد — لماذا نفعل كذا.. من أين أتينا.. إلى أين نذهب؟.. خلِّنا نحكِها بالعراقي الدارج.. عندما يسأل الطفل أباه من أين أتيت.. يقول له سرقتك من الجيران.. عندما يسأل أسئلة دينية أو حتى أسئلة في مجال آخر، يعني الأنثى قد تلاحظ اختلاف في طبيعتها الأنثوية، فتسأل والدتها أسئلة في هذا المجال فيجري قمعها، في أي موضوع ديني أو اجتماعي يُوبَّخ ويتعلّم الدرس: الشكّ خطر. ثم يُعلِّم أبناءه نفس الدرس. طيب، هذا الصنم الذي يدَّعي أنه يجمع المجتمع، ماذا يفعل؟ كيف يصل؟ هذا ما سنتناوله في الفكرة الرابعة.
الفكرة الرابعة — الصنم يُقنعك أنه يجمعك مع أهلك، وهو في الحقيقة يُحرِّضك عليهم
عزيزي القارئ، الصنم دائمًا يُقدِّم نفسه كعامل وحدة: “نحن العرب”، “نحن أبناء القبيلة”. هذه أمثلة، والحقيقة؟ هو يُشعل الحرب. دعوني أبدأ بجملة أنقلها كما هي من كتاب “أصنام المجتمع”: يقول عبد الجليل الطاهر: “الأصنام تعمل على تقسيم المجتمع إلى أجزاء متباغضة متناثرة متباعدة لتستفيد من هذا الانقسام، وتخلق شعورًا بالغبن والحيف لأنها تقيس نجاح الفرد وفشله بمعيار ولائه وإخلاصه لها ومقدار ما يتَّصف به من النفاق والمراوغة والخديعة. وإن بعض الأفراد يجدون في التحيّز لصنم اجتماعي سببًا لوصولهم إلى المراكز التي يتمنّون الوصول إليها.”
قد يسأل سائل: ماذا يقصد الكاتب في هذه الفقرة؟ بالحقيقة يقصد أن كل صنم في التاريخ رفع شعار الوحدة: “نحن العرب”، “نحن المسلمون”، “نحن أبناء القبيلة”. يبدو إيجابيًا الشعار من الناحية الخارجية. لكن الطاهر يكشف الوجه الثاني: الصنم يحتاج عدوًّا ليعيش. كلمة “نحن” لا معنى لها بدون كلمة “هم”.
نتوقّف قليلًا عند هذه العبارة المهمة.. في علم النفس المعاصر: إذا أردت أن توحِّد شعبًا ما، عليك أن تخترع له عدوًّا وهميًّا حتى لو كان في السماء. فكرة الخوف من الآخر. ونحن نلاحظ اليوم الاقتتال الموجود في العالم العربي على أسباب إثنية أو طائفية أو دينية: أن تخترع للناس عدوًّا من جنسهم فتقول لا حياة لكم إلا أن تقفوا وتصنعوا صنمًا حتى يواجه هذا العدو الخفي.
هكذا النجاح في مجتمع الأصنام لا يُقاس بالكفاءة بل يُقاس بمقدار ولائك للصنم. والأكثر ولاءً يصل، والأكثر صدقًا يُقصى. وهكذا يُصدِّر المجتمع للمناصب القيادية أكثر الناس انتهازية لا أكثرهم كفاءة. أو كما تقول المقولة الشهيرة: الأكثر ولاءً لا الأكثر خبرة.
عزيزي القارئ، دعني أُعطِك مثالًا واقعيًّا على كلام المؤلف. لو نختار الطائفية كمثال، وهذا المثال موجود في مجتمعاتنا العربية كالعراق ولبنان واليمن: كل طائفة تُقدِّم نفسها كجامع لكنها تُعمِّق الانقسام. الناس تتقاتل باسم الهوية بينما السياسيون يسرقون في الظلام. الصنم الطائفي لم يحمِ أحدًا لكنه أفاد كثيرين في السلطة. باختصار ماذا أقصد: أن المجتمع في جانب القاع، الناس تتقاتل، أنت من هذه الطائفة وهذه الطائفة، لكن سياسيّي هذه الطائفة في الأعلى لا يوجد بينهم إلا اقتسام المغانم والفوائد من هذه السلطة. وتترك القاع الأدنى، ويُعاد إنتاج هذا السيناريو في كل مرة.
عزيزي القارئ، ولنأخذ مثالًا آخر في بيئات العمل: الموظف الذي يُمدَح ويُرقَّى ليس الأكثر كفاءة بل الأكثر ولاءً للمدير. وهنا أتذكر الفيلم المصري الشهير الذي يُعطي مثالًا واضحًا على هذا: فيلم “أرض النفاق”. الموظف الصادق الذي يُشير إلى الخطأ يُهمَّش، وبعد سنوات تكون هذه المؤسسة التي مارست هذا التهميش مليئة بالمنافقين وخالية من الكفاءات.
قرأت مرة عبارة طريفة لأحد الرؤساء العرب المعاصرين — لا حاجة لذكر اسمه — قيل له: إن المحيطين بك في مجال الرئاسة منافقون لأنه عندما تقول نعم يقولون نعم. قال: “ليسوا منافقين. لأنه عندما أقول نعم يقولون نعم، وعندما أقول لا يقولون لا”. فهم يدورون حيث أدور. مثال آخر نأخذه في واقعنا: عائلة تتفكَّك بسبب زواج خارج القبيلة، الطرفان يُحبَّان بعضهما، لا توجد مشكلة حقيقية، لكن الصنم، صنم النسب والهوية، يُحوِّل الحبّ إلى أزمة عائلية كاملة.
وأنا أريد أن أكون صريحًا معكم: عندي صديق وقصّة حقيقية في العراق، أراد أن يرتبط بفتاة، فذهب لجسّ النبض المعروف في العوائل العربية في العراق ومصر وغيرها. تعرفون “جسّ النبض”: يبدأ من الأم. ذهبت الأم. لم يسألها أبو الفتاة، ربّ الأسرة، عن هذا الرجل: ما عمله، كم يقبض راتب؟، ما تحصيله الدراسي. أول سؤال، وهذا الكلام الآن في عام 2026: ما هو مذهبه؟ أيّ إمام يُقلِّد؟ وعندما ظهر اختلاف مذهبي قال: “أعتذر، لا يمكن أن نُزوِّج إلا من كان على أفكارنا ومذهبنا.” تصوَّر ذلك: لاختلاف الأفكار والمذاهب والعقيدة يلغي علاقةً كاملة من الحبّ والشوق.
عزيزي القارئ، ولأن النجاح في مجتمع الأصنام يحتاج نفاقًا، يصبح النفاق سمة المجتمع كله. وهذا ما سنذهب إليه في الفكرة الخامسة لنشرح عن الكيفية.
الفكرة الخامسة — المجتمع الذي يُعاقب على الصدق لا يُنتج صامتين، يُنتج ممثّلين محترفين
عزيزي القارئ، المجتمع الذي يُعاقب على الصدق لا يُنتج صامتين فقط، بل يُنتج — وهنا الفكرة الخطيرة — منافقين. وليسوا بإرادتهم. وهنا يقول الطاهر جملةً مهمة وردت في كتاب “أصنام المجتمع”: “إن الإنسان لا يُولَد منافقًا أو مراوغًا أو شريرًا، وإنما يتعلّم ذلك من خلال المجتمع.” فالمؤلف يرفع الإدانة الفردية ويضعها على المنظومة الاجتماعية بالكامل. أنت لستَ منافقًا بطبعك بل تعلَّمت النفاق لأن مجتمعك عاقبك على الصدق.
ويربط المؤلف بين السلطة والصنم والنفاق في معادلة واحدة: حين تتحالف هذه السلطة مع الصنم على قمع حرية التعبير، بتعبير المؤلف، يُولَد مجتمع منافق هيكليًّا، أي إن النفاق فيه ليس استثناءً بل صار قاعدة.
هذه الجمل حرَّكت عقلي وطرأ على ذهني سؤال شخصي لك عزيزي القارئ، لا يلزم أن تجيب عليه بصوت عالٍ حتى لو تفكّر فيه بينك وبين نفسك: كم مرة قلت شيئًا وأنت تقصد شيئًا آخر؟ كم مرة صفَّقت لفكرة وأنت في الداخل ترفضها؟ الطاهر يقول: هذا ليس ضعف شخصية، هذا نتاج طبيعي لمجتمع يُعاقب على الصدق.
حين تُغلَق أمامك أبواب التعبير الحقيقي تتعلّم مهارةً أذكى: تقول ما يريده المجتمع وتحتفظ برأيك الحقيقي في داخلك، وتُعلِّم أبناءك نفس المهارة. وهكذا يصبح النفاق ليس خيارًا أخلاقيًّا بل مهارة بقاء وراثية.
هنا أريد أن أستعير عبارة طريفة تقول: “نحن نمارس العادة السرية بالتفكير.” ماذا أقصد بذلك؟ أنك تُبطن شيئًا في داخلك وتُعلن شيئًا آخر خوفًا من ردّة فعل المجتمع. وبالتالي أنت لا تُصرِّح بكل الحقائق ولا تتكلّم بما تريده. وهذا يُنتج عنك شخصيتين: شخصية تريد شيئًا وهناك شيء آخر. وبالحقيقة هذا ما يقوله علماء الاجتماع المعاصرون: أن العقل البشري وظيفته التبرير وليس التفكير. يُحاول دائمًا أن يقع في موقع دفاعي يُبرِّر، لا يقول قناعاته في الدين أو في الأهل أو في الأسرة أو في شريك الحياة أو في أي شيء، لأن المجتمع لقَّنه وطلب منه أداء شيء معيّن.
وهنا نذهب إلى الواقع ونستعرض من ذاكرتنا الحية بعض المواقف التي صادفتنا في حياتنا اليومية: كم موظفًا شاهدته أو سمعت عنه يصفّق لقرار المدير في الاجتماع ويسبّه عندما يختلي مع زملائه؟ أضرب مثالًا لاحظته في الدراسة الجامعية: أن الطلاب يريدون أن يشتكوا على أستاذ معيّن في مادة ما، يعني تشويش في الأفكار، لا يقدر أن يوصِّل فكرة، تعامله سيّئ. عندما يأتي عميد الجامعة ثم يطلب من الطلاب أن يرفعوا أيديهم: من يشتكي على هذا الأستاذ؟ ينسحب 90% من الذين قرّروا قبل الاجتماع الشكوى. ولأنه بسبب النفاق الاجتماعي صارت لهم شخصيتان: شخصية بالباطن وشخصية في الظاهر.
وتجد الشاب يتكلّم في العائلة عن القيم والأخلاق ويعيش حياة مختلفة تمامًا خارجها. الطالب يكتب في ورقة الامتحان ما يريده الأستاذ لا ما يؤمن به. المواطن يصفّق للزعيم في التجمّعات وينتقده على الواتساب وفي اللقاءات الشخصية السرية وليس في العلن.
ومجتمع النفاق لا يتغيَّر لأن التغيير — وهذا كلام مهم جدًّا — يحتاج ناسًا يقولون الحقيقة. وحين يصبح النفاق الاجتماعي مهارة بقاء لا أحد يجرؤ على الانتقاد أو الخروج على هذا الشيء. فيدور الجميع في حلقة مغلقة من الأكاذيب المتراكمة جيلًا بعد جيل، فنقف أمام جيل منافق بالكامل.
عزيزي القارئ، الآن بعد كل هذه الأمثلة البسيطة، سؤال مهم يرِد: من هو الذي يستطيع أن يكسر هذه الحلقة، حلقة النفاق؟ أسمعك عزيزي القارئ تقول: هو المثقف. لكن ماذا حدث للمثقف في مجتمع الأصنام؟ هذا ما سنستعرضه في الفكرة القادمة.
الفكرة السادسة — المثقف الذي يكسر أصنام الآخرين ويحرس أصنامه، أخطر من الجاهل بعشر مرات
عزيزي القارئ، من هو المثقف الحقيقي في مجتمعاتنا العربية؟ المؤلف عبد الجليل الطاهر يُعطيك تعريفًا ستكره بعض من تعرفهم بعده. ولو قلَّبنا صفحات الكتاب نرى أنه يقول التالي: “إن بحث أثر الأصنام في المعرفة هو من أقدس واجبات المتعلِّم حتى يجتثَّ جذور الأوهام فتسلم المعرفة من الشوائب والنقائص وكل أنواع التحيّز والتعصب.”
ويُميِّز الطاهر — وهذا تمييز مهم جدًّا — بين المتعلِّم والمثقف. المتعلِّم عزيزي القارئ يملك معرفة لكنه يضعها في خدمة صنمه، وهذه الخطورة، ويُجمِّل الأوهام بلغة علمية. المثقف الحقيقي عزيزي القارئ يبدأ بمساءلة نفسه بالنقد الذاتي، ويتعامل مع أفكاره كفرضيات لا كمسلَّمات أو حقائق مقدَّسة.
إذن عزيزي القارئ، بعد هذه الجولة والسياحة الفكرية، هل لاحظت هذا النوع على “إكس” أو على مواقع التواصل الاجتماعي أو على فيسبوك؟ تلاحظ شخصًا ما يكتب عن الحرية والعقل والتنوير، لكن حين تنتقد طائفته أو حزبه أو مديره ينقلب عليك. يهاجم التطرّف الديني بضراوة ويسقط في التطرّف القومي بنفس الضراوة. ينتقد الاستبداد السياسي لكن يُمجِّد “زعيمه الثوري”. الأيديولوجية عزيزي القارئ تغيِّر الاسم لكن الصنم يبقى.
وحين يصل المتعلِّم لمنصب في السلطة يصبح أخطر من الجاهل، لأنه يعرف كيف يُقنعك بأن صنمك صحيح ويمتلك الأدوات، وأن صنمه هو الحقيقة الوحيدة.
وتستطيع أن تنظر حولك في محيطك: مثلًا في الجامعة تجد زميلك الجامعي يتبنّى أفكار الحرية والمساواة، لكن حين تتزوّج أخته من شخص من ثقافة مختلفة يتحوَّل فجأة لمحافظ متشدِّد. بمعنى أن الحرية كانت للآخرين فقط، لكن لا تمسَّه لا من قريب ولا من بعيد. حين تجد كاتبًا ومثقفًا يكتب عن المساواة بين الجنسين، لكن في بيته هو يُطبِّق أشدّ أنواع التمييز على طريقة سي” السيِّد” بين ابنه وابنته. فهذه صور حية في مجتمعنا. وكتب عنها الراحل نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة.
وعلى المستوى السياسي نجد حركات تحرُّر عربية كثيرة حين وصلت للسلطة أنتجت استبدادًا بديلًا. حتى قال المثل العربي الشهير: “ربَّ يوم بكيت منه، فلمّا مضى بكيت عليه.” هذه الأحزاب السياسية غيَّرت الصنم ولم تُلغِه، فقط قامت بلعبة تغيير الأدوار. مع أنها صدَّعت رؤوسنا عن الحريات والتحرُّر من سلطة المستبدّ.
عزيزي القارئ، سؤال يرِد على بالكم وعلى بالي أيضًا، وهذا سؤال مهم واختصم حوله علماء الاجتماع: لماذا يصعب على الناس العاديين رؤية هذا كله أو فهمه؟ وبالحقيقة، كل ما كتب كان صادمًا، وجاء بقلم مؤلف الكتاب الدكتور عبد الجليل الطاهر. لأن هناك عاملًا ماديًّا يجعلنا نحتاج إلى الأصنام في حياتنا. وهذا ما سنتناوله في الفكرة السابعة.
الفكرة السابعة — الفقر والقهر لا يُنتجان ثورةً فقط، يُنتجان أوهامًا تُبقيك في مكانك
عزيزي القارئ، وبالمناسبة هذا هو اللقب المحبَّب لأرسطو، في أثينا كان يُلقَّب بـ”القارئ”. لماذا الشعوب الأكثر فقرًا هي الأكثر تشبُّثًا بالأوهام؟ ليس لأنها أقلّ ذكاءً بل لأنها تحتاج إلى الأوهام.
ولنقلِّب صفحات الكتاب الذي بين أيدينا “أصنام المجتمع”، يقول مؤلف الكتاب عبد الجليل الطاهر بشكل صريح بدون نفاق: “ليس من الممكن أن يؤدّي وهم واحد إلى تقديس الناس لصنم ما” — وهذه فكرة خطيرة جدًّا — “بل لا بدّ من توافر مجموعة أمور تتعلّق بغياب العقل النقدي والفقر والاستبداد.” بمعنى أن الأصنام لا تنشأ في فراغ، تنشأ حين تتوافر ثلاثة عوامل معًا.
عزيزي القارئ، نتأمَّل في هذه العوامل: غياب التفكير النقدي (واحد)، الفقر (اثنان)، الاستبداد (ثلاثة). ويربط مؤلف الكتاب بين الوضع الاقتصادي وانتشار الأصنام: حين تُغلَق أمام الإنسان أبواب الحلول الواقعية يلجأ إلى ما يملأ الفراغ.
ماذا يقصد المؤلف بذلك؟ فكرة الطاهر هنا جريئة جدًّا وعلمية في نفس الوقت: الفقر والقهر لا يُنتجان ثورة فقط بل يُنتجان أوهامًا. بمعنى أن الإنسان حين تُغلَق أمامه أبواب الحلول الواقعية، لا عمل عادل، لا محكمة عادلة، لا تعليم حقيقي، يحتاج شيئًا يُعطيه تفسيرًا لمصيبته ووعدًا بغدٍ أفضل وعدوًّا يُحمِّله المسؤولية. والصنم مستعدّ دائمًا لتأدية هذا الدور.
كيف؟ بالحقيقة من خلال السطور التي قرأناها سابقًا: يبحث الإنسان عن كبش فداء بمكان ليقوم بعملية نقد ذاتي لأفكاره وما أوصلته أموره الاقتصادية، فيبحث عن كبش فداء يُلقي عليه جميع فشله في المجالات التعليمية أو الاقتصادية. وبالحقيقة هذا الصنم يُبقيك في نفس المكان، يصرف انتباهك عن الأسباب الحقيقية. وفق هذه المعادلة: فقر ← صنم ← فقر ← صنم. حلقة دائرية لا تنتهي.
طبعًا عزيزي القارئ لن تجد صعوبة أبدًا في تطبيق كلام المؤلف على الواقع. على سبيل المثال: في أي بلد من بلادنا العربية يوجد فساد وبطالة، لكن الناس لا يتكلّمون عن الفساد، يتكلّمون عن المؤامرة الخارجية “نظرية المؤامرة”، نظرية مريحة تُعطي الإنسان تفسيرًا لكل الظواهر. الصنم التآمري كالمخدَّة التي نام عليها وأراح عقله، بالحقيقة، لكن لم يحلّ مشكلته. شاب فاشل غير مجتهد في دراسته بسبب مناهج قديمة وتعليم رديء، لكنه يُفسِّر فشله بـ”الحسد” أو “القدر”. الصنم يريحه نفسيًّا لكن يمنعه من تشخيص المشكلة الحقيقية.
ونأخذ مثالًا آخر موجودًا في معظم القرى والنجوع والريف في مجتمعاتنا العربية: تجد أسرة تُعاني اقتصاديًّا وتجدها تُنفق ثروتها الصغيرة على حفلات أعراس ضخمة وطقوس مبالغ فيها ومكلِّفة. لماذا؟ بالتعبير الدارج العراقي: “حتى ما يقول الناس عنّا كذا.” أي الصنم الذي صنعته لنفسها هو رأي الناس. وهذا ما يُبقيها فقيرة لتحافظ على مظهر الغنى.
عزيزي القارئ، هنا السؤال الهام: ما الذي يكسر هذه الحلقة الدائرية المرعبة من الأصنام في المجتمع؟ الطاهر يقول إن الحل بسيط ومرعب في آن واحد. وهذا ما سيأتي لاحقًا في الفكرة الثامنة.
الفكرة الثامنة — كتاب واحد يُحدِث خفّةً في عقلك، وهذه الخفّة هي ما تخافها الأصنام
عزيزي القارئ، لماذا السلطات الاستبدادية تخاف من الكتب؟ ليس لأنها تُحرِّض بل لأنها تُسائل. ونقلِّب صفحات الكتاب لنكتشف: يقول عبد الجليل الطاهر: “إن بحث أثر الأصنام بالمعرفة من أقدس واجبات المتعلِّم حتى يجتثَّ جذور الأوهام حتى تسلم المعرفة من الشوائب والنقائص وكل أنواع التحيّز والتعصب فتكون الحقيقة الواقعية ناصعة.” ويُضيف مؤلف الكتاب: “كلّما قرأ الإنسان كتابًا تنتج خِفَّة عظيمة في عقله” — هذا بتعبير المؤلف — “يتجرَّد من خلالها من الأصنام التي كانت محيطةً به.”
عزيزي القارئ، لاحظ معي الكلمة: “خِفَّة”. يعني ليس ثقلًا ولا ضجيجًا. شيء هادئ يحدث داخلك حين تقرأ. الكتاب لا يهاجم أصنامك بالضرورة، لكنه يُعطيك أسئلةً لم تكن تملكها. هذه الأسئلة هي التي تبدأ في إذابة الصنم ببطء. وكما قرأت شخصيًّا في الفلسفة: الأسئلة مُبصِرة والأجوبة عمياء. الصنم يتحمَّل العدوَّ المباشر لكنه لا يتحمَّل الشاكَّ، لأن الشاكَّ يبدأ في رؤية الصنم على حقيقته.
ولهذا السبب تقوم الأصنام بمحاربة المعرفة، ليس دائمًا بالحظر الرسمي، أحيانًا بالسخرية: “لماذا تقرأ هذا الكلام الفاضي؟” أو بالتحقير بالتعبير العراقي الدارج: “كواغد”، جمع كاغد وهي عبارة فصيحة معناها “لا تذهب إلى شيء”. أو يقول له: “الذي يقرأ كثيرًا يشوِّش تفكيره.” حتى يقولون هذا وجهه أصفر، تقول له: لماذا؟، يقول: يفكر كثيرًا.. فالسخرية من القراءة هي الوجه الناعم لحظرها.
هل تعرف عزيزي القارئ أن دراسات — لم نأتِ بشيء من جيبنا — مثلًا، تُشير إلى أن المواطن العربي يقرأ 6 دقائق في السنة؟ وأن إسبانيا تُترجم أكثر من كل الدول العربية مجتمعةً؟
هنا أتحدّث عن تجربة شخصية في منصة مجتمع: عندما بدأنا بقراءة كتب الراحل محمد شحرور، لنُعطي للناس نوعًا مما أُسمِّيه “مُشهيات”، لكي على الأقل يقرؤوا شحرور بدون أن يسمعوا عنه أفكارًا مسبقة، أنا شخصيًّا يدخل الناس لي على الخاص يقولون قال “شحرور كذا…” وأنا متأكد أنه ما قرأ لشحرور، هو سمعه. لم يقرأ. وهنا فرق، نحن نطالب أو نريد من الناس أن تتقدَّم خطوةً للأمام فتقرأ، فتعرف أفكار الكاتب من قلمه مباشرة أو من قوله، وليس من الجهة المضادة النوعية له. لأن هذه الجهة المضادة، نحن نتعامل مع مؤسسات شرسة تملك السلطة وتملك المال وتملك المعرفة ولديها قنواتها الخاصة، ولديها صنمها الخاص، فهي تهاجم كل شخص يُحاول الخروج عن القطيع، يحاول الخروج على العقل الجمعي وأن يُعطي للناس طريقة تفكير جديدة. وهذا الأمر سيتكرّر في كل زمان وفي كل مكان.
وفي المقابل علينا أن نعترف ونحن في القرن الحادي والعشرين أن الخرافة تزداد وتتوسَّع، وأيضًا نظرية المؤامرة تنتشر والأفكار المتطرّفة تنتشر. وهنا سأقف قليلًا، بدون ذكر أسماء، أمام أحد الخبراء في مجال التغذية لا أقول طبيب، حسب علمي، ليس معه شهادة بالطبّ. انتشرت أفكاره كالنار في الهشيم، وبعد رحيله بطريقة غامضة بدأ الناس يُبشِّرون به كأنه نبيّ ويهاجمون أي شخص يُحاول نقد هذه الأفكار. وبالتالي نحن نتحدّث في عام 2026 عن مرض كتب عنه عام 1959. هل هذه صدفة؟ يقول عبد الجليل الطاهر: لا.
ولو أنت شاب قد نشأت على قناعة واحدة عن موضوع معيّن في المجتمع، وهذا الموضوع كان معتقدًا اجتماعيًّا أو دينيًّا أو عائليًّا أيًّا كان، عزيزي القارئ، تخيَّل نفسك يومًا ما تقرأ كتابًا ما عن نفس الموضوع، ولكن من زاوية ومعالجة مختلفة. لا تعتقد أن هذا الكتاب سيُغيِّر رأيك فورًا، لكن تبدأ تساؤلات — وهذا مهمّ جدًّا — تدور في عقلك. ثم تقرأ ثانيًا وثالثًا ورابعًا. وبعد سنة ربما تجد نفسك ترى الموضوع بعيون مختلفة تمامًا. هناك تعبير جميل لأحد الباحثين المعاصرين: “نحن نقرأ المعرفة بعيون الموتى ما نقرأها بعيوننا.” وهذا بالضبط ما تخافه الأصنام.
في بعض البيوت يُنظَر للشاب القارئ بعيون الريبة: “هذا خطر، يقرأ! لماذا يقرأ هذا الكلام؟ من أعطاه؟” بل أنا بصفة شخصية أعرف فتيات وشبابًا يُقمعون من إدخال الكتاب إلى البيت. وهنا محاسن الإنترنت والثورة الرقمية أن الناس يذهبون إلى القراءة الإلكترونية. فالقراءة نفسها أصبحت متَّهمة، أصبحت مجهولة. وهذا ما آل إليه الحال للأسف.. تخيَّل عزيزي القارئ.
عزيزي القارئ، لكن هل هذه القراءة وحدها تكفي؟ خاصةً إذا كان هناك من يحرسها أو يُخيفك منها؟ ومن هو حارس القراءة الذي يقصده المؤلف؟
الفكرة التاسعة — الرقابة على الأفكار لا تحمي المجتمع، هي تحمي الأصنام من أن يراها الناس
عزيزي القارئ، كل نظام رقابة في التاريخ ادَّعى أنه يحمي الناس. لكن ما الذي يحميه فعلًا؟ نقلِّب صفحات كتابنا “أصنام المجتمع”، يقول مؤلف الكتاب: “لا تقف حدود الصنم ضمن نطاق معيَّن وإنما تشمل الحياة والطبيعة كلها.” ومن أدواته الأساسية، أي الصنم، تجريد بعض المفاهيم من معانيها الحقيقية وصبّ معانٍ جديدة لا تمتّ لها بصلة. ويؤكّد: “من المستحيل أن يقوم مجتمع خالٍ من الأصنام في ظل وجود الرقابة على الأفكار، لأن الجماهير التي تُحجب عنها المعلومات والنقد” — وهي عبارة خطيرة جدًّا ومؤسفة — “تسير مثل القطيع دون أن تعرف إلى أين تتجه.”
عزيزي القارئ، ماذا يقصد المؤلف بكلامه؟ يقصد أن الصنم لا يكتفي بمنع الأفكار بل يُعيد تعريفها. فهنا مثلًا: الحرية تصبح “فوضى”، النقد يصبح “خيانة”، السؤال يصبح “وقاحة”. وهكذا تصبح الرقابة مشروعة لأنها “تحمي المجتمع”.
نأخذ أمثلة في واقعنا: تتكلّم عن موضوع يخص حقوق المرأة؟ “أنت منظَّمات نسوية وتدعو إلى الهتك وجلب نظام التغريب.” تُمارس عملية نقد للموروث الذي وصلنا؟ “أنت مدفوع من جهات خارجية وكذلك تُهدِّم الموروث والمجتمع.” بينما الموروث لا يحتاج إلى حراسة، يحتاج إلى دراسة. وهكذا عندما تُحاول نقد أي شيء وأن تُميط اللثام عنه، فالمجتمع جاهز وهذا الصنم وأتباعه جاهزون لكي يرجموك بكل العبارات التي تتّهمك بأنك خائن وكذا وكذا.
وعندما نُفكِّر لبعض الوقت نكتشف أن الحقيقة: أن حظر كتاب لا يُثبت أنه خطير، يُثبت أنه يُسائل شيئًا لا يريدون مساءلته. آخذ مثالين: نحن الآن في عام 2026. عام 1926 صدر كتاب مهمّ في الثقافة العربية هو كتاب “في الشعر الجاهلي” للدكتور طه حسين وتمَّت محاكمته. وهذا الأمر حدث مع علي عبد الرازق في كتاب “الإسلام وأصول الحكم”، تمّ تجريده من شهاداته ومن العالمية وتمَّت محاكمته وتراجع عن هذا الكتاب. نحن أمام قرن من هذه الأحداث وهذه العملية مستمرّة إلى اليوم. ما حدث مع الدكتور نصر حامد أبو زيد، ما حدث مع فرج فودة، ما حدث مع طه حسين ونجيب محفوظ. والغريب أنه عندما سُئل هؤلاء الأشخاص الذين يحمون الصنم الحقيقي: “هل قرأت الكتاب؟” يقول لك: “أنا لا أقرأ ولا أكتب.” وهذه هي الكارثة.
إذن الرقابة ليست درعًا يحمي المجتمع. هي درع يحمي الصنم. والأمثلة التي ذكرناها بالواقع، وأيضًا هناك أمثلة ذكرها المؤلف عبد الجليل الطاهر، كتبها وكأنه يعيش معنا الآن..
فعندما يتمّ منع نشر أو تداول كتاب في دولة ما، فيصبح الكتاب بمجرّد الحظر الأكثر طلبًا سرًّا. وكلّ ممنوع مرغوب. لأن الناس يبحثون عنه لأن الحظر أثار سؤالًا لديهم: “ماذا يوجد فيه لكي يُخيفهم؟” أو مثلًا حساب شخص ما على وسائل التواصل الاجتماعي يُغلَق بـ”محتوى مخالف” حسب ادِّعاء جهة الحظر، فيزداد متابعوه. الإغلاق نفسه إعلان أن هذا الحساب يقول شيئًا مُزعجًا. حتى في بعض بيوتنا عندما يقول كبير البيت: “ما يُقال في البيت لا يجب أن يخرج للخارج”، هنا أمام رقابة عائلية على الأفكار. وغالبًا الأفكار المقموعة هي الأقرب للصواب. وهناك عبارة شهيرة: “كلّ ما هو مقموع سينفجر يومًا ما.”
الآن عزيزي القارئ، بعد كل هذه الأفكار التي عرضها مؤلف الكتاب، هل الكاتب لديه حلّ حقيقي يطرحه علينا؟
الفكرة العاشرة — الحقيقة ليست جائزة من يتَّفقون، هي مكافأة من يختلفون ويتحمَّلون بعضهم
عزيزي القارئ، وأنت في ختام صفحات هذا الكتاب، إذا شعرت بالندم وأنت تقرأه لأنك تريد المزيد ولم يشبع شغفك، فاعلم أنك أمام صديق عزيز. يختتم الدكتور عبد الجليل الطاهر بفكرة شبه روحية. الحقيقة، وهذه العبارة يلزم أن تُكتب بماء الذهب وتُعلَّق. “الحقيقة صُنعت مكافأةً للجدل لا للإجماع.”
دعونا — وهذه دعوة لحضراتكم — أن نقلِّب صفحات الكتاب مباشرة بدون وسيط. وهنا نقرأ: يختتم الطاهر بجملة جوهرية: “الأفراد هم الذين يخلقون أصنامهم ويحيطونها بالأساطير والخرافات والأوهام وهم الذين يُضيفون إليها المعاني والقداسة والسيطرة.” ويؤكّد مؤلف الكتاب: “من المستحيل أن يقوم مجتمع خالٍ من الأصنام في ظل الرقابة على الأفكار.” والسبيل الوحيد هو “طريق الحرية الفكرية والمناقشة والجدل والاختلاف حتى لا يكون الأفراد عبيدًا للأوهام.”
وعزيزي القارئ، عليك أن تنتبه جيِّدًا لما يريد الكاتب أن تضع يدك عليه: الأصنام ليست قدرًا نازلًا من السماء. نحن من صنعها ونحن من نقدر على تفكيكها. وطوال حياتنا يقولون لنا: “الاختلاف خطر”، “الجدل يُفرِّق”، “الإجماع قوة”. وهنا الطاهر يقلب هذا رأسًا على عقب: الحقيقة لا تُولَد في الصمت والتسليم، بل تُولَد في الاحتكاك والمساءلة والاختلاف. والمجتمع الذي يمنع الجدل لا يحمي نفسه بل يحمي أوهامه.
ولنأخذ أمثلة واقعية على هذا الكلام: أفضل الشركات في العالم تبني ثقافة الاختلاف المنظَّم. وأن الاجتماع الناجح ليس الذي يُوافق فيه الجميع على الرئيس، بل الذي يقول فيه أحدهم بشجاعة: “أنا أرى غير كذا ولهذه الأسباب.” الصديق الحقيقي ليس من يقول لك “كل شيء تمام” دائمًا، بل يقول لك: “هذا القرار غلط وهذا رأيي، حتى لو ما أعجبك.”
الشعوب التي تتحمَّل الاختلاف تتطوَّر، والشعوب التي تُجرِّمه تتجمَّد وأصنامها تكبر جيلًا بعد جيل. وإن هجرة العقول العربية ليست مجرَّد بحث عن راتب أفضل، فكثير منها هروب من بيئة لا تتحمَّل عقلًا مختلفًا. وهذا الكلام قاله الطاهر قبل سبعين سنة ونحن نعيشه اليوم.
الخاتمة — السؤال الذي لن يتركك
عزيزي القارئ، قرأنا اليوم كتابًا كُتب في بغداد عام 1959، قبل أكثر من خمسٍ وستين سنة تقريبًا: “أصنام المجتمع”. السؤال الآن موجَّه إليك: ما هو صنمك أنت؟ ليس صنم مجتمعك، ليس صنم أهلك. صنمك أنت، الفكرة التي لو جاءك شخص ذكيّ وناقشها معك بمنطق وأدلّة وشعرت أن الأرض تهتز تحتك ورفضت الاستماع. ليس لأنه مخطئ، بل لأنه يُهدِّد شيئًا تحبّه أكثر من الحقيقة.
بالحقيقة الطاهر لا يطلب منك أن تتخلّى عن قناعاتك. يطلب منك شيئًا أصعب بكثير: أن تكون مستعدًّا لمناقشتها.
عزيزي القارئ، في الختام الكتاب موجود، “أصنام المجتمع”، وأُشجِّعكم على قراءته. وإذا اختلفتم مع أي شيء قلته اليوم، فما قلته ليس مقدَّسًا، فأخبروني. هذا يسرّني جدًّا. وهذا بالضبط ما كان يريده أستاذنا الدكتور الراحل عبد الجليل الطاهر. شكرًا لكم وإلى اللقاء في الحلقة القادمة.
——————-
عزيزي القارئ، في نهاية كل قراءة لكتاب أحبّ أن أقف لحظة، ليس لأقول وداعًا، بل لأسألك سؤالًا يبقى معك بعدما تُغلق شاشتك.
قرأنا اليوم كتابًا كُتب منذ أكثر من ستين سنة للدكتور عبد الجليل الطاهر. ماذا كان يريد المؤلف أن يقول لنا؟ ما هي أصنام المجتمع؟ ليست تمثالًا في متحف ولا حجرًا في صحراء. الصنم هو كل فكرة تؤمن بها ولا تسمح لأحد بمناقشتها. والأخطر أن الصنم لا يأتيك بوجه قبيح. يأتيك بوجه الوطن والدين والشرف والعائلة. يأتيك بوجه ما تحبّ، لأنك لن تحرسه إن كرهته.
وهذا الصنم لا يعيش في كل مكان. يعيش حيث يُبتلَع الفرد، حيث تسود الروابط الدموية على العقل، حيث تستعيض الجماهير عن التفكير بالتقديس. لكن كيف دخل إلى عقلك أصلًا؟ لم يدخل بالإقناع. دخل بالتلقين المبكِّر والعقاب على السؤال. فتعلَّمت الدرس دون أن يشرحه لك أحد: بعض الأسئلة لا تُسأل.
وحين يكبر الصنم في المجتمع يحتاج شيئًا واحدًا ليبقى: يحتاج عدوًّا. يُقدِّم نفسه كرابطة، لكنه في الحقيقة سيف. يجمعك مع أهلك على كره الآخر ويُفتِّت مجتمعك باسم الوحدة.
وحين لا تستطيع أن تقول الحقيقة لا تصمت فقط. تتعلَّم تمثيلها. لأن الإنسان لا يُولَد منافقًا بل يتعلَّم النفاق حين يُعاقَب على الصدق. فتصبح الازدواجية مهارة بقاء لا خللًا في الشخصية.
وإن سألتَ: لماذا يتمسَّك الناس بالأوهام؟ لأن الفقر لا يُنتج ثورة فقط، يُنتج أوهامًا. حين تُغلَق أمام الإنسان الحلول الحقيقية تفتح أبواب الخرافة، فيدور في حلقة لا تنتهي. والخروج من هذه الحلقة لا يحتاج معركة، يحتاج كتابًا. كتاب واحد يقرأه إنسان بقلب مفتوح يُحدِث خِفَّةً في عقله تخافها الأصنام. لأن الصنم يتحمَّل العدوَّ لكنه لا يتحمَّل الشاكَّ.
هذا ما قاله عبد الجليل الطاهر منذ ستين سنة وتركنا بسؤال لم يُجِب عنه، لأن الإجابة لك أنت: ما هو الصنم الذي تحرسه وتظنّه حقيقة؟
وختم الطاهر كتابه بجملة بسيطة ومرعبة في آن واحد: “الأفراد هم من يخلقون أصنامهم ويحيطونها بالأساطير والقداسة والسيطرة، وهم وحدهم من يستطيعون تكسيرها.” يعني المسألة ليست في الحاكم، ولا في المنظومة، ولا في الآخرين. المسألة فينا نحن.
