هل نطبّق القرآن فعلًا في الزواج والطلاق؟ وما حدود التعارف قبل الزواج؟ ومتى يكتمل «الكتاب» ويصبح عقد النكاح صحيحًا؟ وهل ساهمت العادات والتقاليد والاجتهادات الفقهية في تعقيد العلاقة بين الرجل والمرأة؟ أسئلة يفتح ملفاتها الشائكة د. باسم الجمل مع الباحث في التراث الإسلامي د. محمد هداية، في الحلقة الثانية من سلسلة اللقاءات التي تجمعهما ضمن #بودكاست_مجتمع ، ويناقشان الزواج والطلاق في ضوء النص القرآني، ودور الخطاب الوعظي والفقه الموروث في تفكك الأسرة وارتفاع معدلات الطلاق، على #منصة_مجتمع
التعريف بموضوع الحلقة: الزواج والطلاق في ضوء النص القرآني
باسم الجمل: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي ثانيةً بالدكتور محمد هداية الباحث والكاتب المصري. دكتور أهلًا وسهلًا بك.
محمد هداية: أهلًا بك.
باسم الجمل: أنا دائمًا أسعد باللقاء معك حقًّا. استمتع بالحوار معك دكتور.
محمد هداية: وأنا كذلك والله.. ربنا يحفظكم
باسم الجمل: موضوع اليوم حابّ أن يكون فيه نوع من الزخم، لأنه موضوع حساس اجتماعيًّا. وكلنا نقدم عليه، وهو موضوع الزواج والطلاق وإلى آخره..
لكن يُلاحَظ أن الكثير من المشاكل بدأت تظهر في القرن العشرين أو ربع القرن الماضي. ظهرت الكثير من المشاكل حول طريقة الزواج، والصرف التابع لها، وطبيعة العلاقات، وما ينشأ عن ذلك من أسباب تؤدي إلى الطلاق.
أحبّ أن نبدأ بموضوع أن نفكر: هل طريقة الزواج التي تتم في المجتمعات الإسلامية تتم وفق النص القرآني كما هو منصوص عليه قرآنيًّا؟ هل الفقه أو الأدوات الفقهية التي تسهّل عملية الزواج مستمدة من النص مباشرة، أم أن هناك الكثير من العادات والتقاليد وثقافات مجتمعات أخرى؟ أنا أحبّ أن أعرف ذلك. بداية أحبّ أن أعرف موقف النص القرآني والشريعة، وحتى الفقه، من العلاقة ما بين الذكر والأنثى بداية، قبل أن تتوفر الرغبة في الارتباط.
باسم الجمل: هل يُسمح، وهل يصحّ للبنت أن تلتقي رجلًا على أمل أن تتزوج منه مثلًا في لحظة من اللحظات؟ واللقاء شكله كيف سيكون؟ ما هي الحدود؟
التعارف وخروج الفتيات: قراءة في السياق التاريخي والقرآني
محمد هداية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا وبعد.. بداية موضوع: العلاقة بين الشباب والفتيات أصبحت ميسَّرة من خلال التعليم الجامعي في المرحلة الأخيرة على الأقل، أو في العصر الحديث بمعنى أدق، حين خرجت الفتيات للتعليم، هذا المجال سمح بالتعارف والاختلاط.
باسم الجمل: باللقاء.
محمد هداية: اللقاء يتم بشكل تلقائي سواء في مدرسة أو معهد أو كلية أو جامعة، يعني على اختلاف الدرجات والمستويات. وهذا يسهّل طبعًا الفكرة. وكثير ممن عاصرونا أو كانوا قبلنا لما بدأ خروج الفتيات للمجتمع، طبعًا مرحلة ما قبل خروج الفتيات كان هناك شكل آخر، الذي هو يتم عن طريق العائلات وفقط.
باسم الجمل: ترتيب الزواج كان يتم، ترتيب العلاقة، حتى فيه علاقات كانت تتم بدون رؤية.
محمد هداية: من غير رؤيتها بالمرة. صحيح.
باسم الجمل: الآن الظرف اختلف.
محمد هداية: اختلف تمامًا. من بدايات الأربعينيات، أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وكلما خرجت الفتيات أكثر والمجتمع بدأ يتكلم في حق المرأة في التعلم وفي التعليم، وحتى في السفر، كل دي مستويات ومنتديات اختلفت وسمحت للعلاقة أن تبدأ بالزمالة أولًا ثم بالإعجاب أو بالبحث في هل هذا يناسب تلك أو إلى آخره. لما خرجت الفتيات للبحث، الهدف الأول كان أنها تتعلم وتبقى المرأة مثقَّفة وهكذا. هذه كانت سنّةً حميدة جدًّا فتحت الباب ليكون التعارف بمسألة..
باسم الجمل: أوضح .. مباشرة
محمد هداية: بمسألة قانونية، أو ما بقي فيها خروج عن، أو لجوء لحاجة غير، مثلًا، لا ترضي الأسرة أو لا ترضي المجتمع. على أنه كما تفضّلت، كان قبل المرحلة هذه أن يتم الزواج وممكن الرجل ما يرى الزوجة إطلاقًا إلا ليلة الزواج أو ليلة العقد. وهذه حاجات كانت أحيانا تعمل أيضًا مشاكل في العلاقة، وقد تتوتر وقد تنتهي قبل أن تبدأ… إلى آخر هذا الأمر..
قصة موسى وبنتَي شعيب: نموذج قرآني في ضبط العلاقة بين الجنسين
باسم الجمل: هل فيه نصوص قرآنية مثلًا تحدد شكل العلاقة بداية؟ يعني العلاقة الأولية قبل الإعلان عن الرغبة والقبول. يعني هل هناك بدايات أولية تُجيز للرجل مثلًا أو المرأة أن تلتقي الرجل بهدف الزواج مثلًا أو بهدف التعارف؟
محمد هداية: هي عندنا طبعًا في سورة القصص. قصة موسى عليه السلام والبنتين، حينما وصل موسى إلى مدين: “فلمّا توجَّه تِلقاء مدين.” الآيات في سورة القصص. وهذه الآيات تُعطيك الفكرة كاملة عن كيف تم اللقاء، وكيف أراد الله تبارك وتعالى أن يضرب لنا مثلًا. أنا متأكد من أن هذه أمثلة ضربها الله سبحانه وتعالى. وقد يكون المولى عز وجل يريد أن يقول: في هذا القرآن من كل مثل. هذه الآيات ضرب الله بها مثلًا واضحًا، ونقيس عليها ونأخذ منها.
باسم الجمل: في ضبط العلاقة ما بين الذكر والأنثى.
محمد هداية: الذكر والأنثى. وممكن تتطور أو تتغير من خلال هذه الضوابط. فإذا مثلًا قرأنا في سورة القصص، المولى عز وجل يقول: “وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلقاءَ مَديَنَ قالَ عَسى رَبّي أَن يَهدِيَني سَواءَ السَّبيلِ. وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَديَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسقونَ وَوَجَدَ مِن دونِهِمُ امرَأَتَينِ تَذودانِ.” “تذودان” هنا تُلخِّص المسألة أنهما غير قادرتين يعني لا تستطيعان أن تملآ ما معهما من أوعية. الرجال كثير وهما امرأتان، وليس متعارفًا في الفترة هذه خروج النساء. لكن، لهما علة؛ أن أباهما شيخ كبير فهما مضطرتان. أحسنت، هما مضطرتان. والمثال واضح جدًّا أن موسى عليه السلام لاحظ الموقف وكذلك استغرب وجود امرأتين فقال لهما: “مَا خَطبُكُما” بالضبط. “تَذودانِ.” قال: “مَا خَطبُكُما؟” قالتا: “لا نَسقي حَتّى يُصدِرَ الرِّعاءُ.” لما هؤلاء يمشون، ستظلان واقفتين، غير قادرتين على الملء، حتى بمشي الرعاة.
باسم الجمل: حتى يمشي الرعاة.
محمد هداية: حتى يمشي الرعاة. “وَأَبونا شَيخٌ كَبيرٌ.” هذه هي العلة. هذه علّة الخروج. فموسى هنا تحرّكت فيه نخوة الرجولة فسقى لهما. التعبير القرآني بالفاء، يعني التفريع، على أنه لم يفكر. مباشرةً ما سمع أن أباهما شيخ كبير، ماذا عمل؟ “فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ.” هذه النقطة التي حضرتك تسأل عنها؛ حدود العلاقة. هو فورًا سقى وأعطاهما، وانسحب
محمد هداية: هذا الموقف القرآني بديع. لم يقف يقول لهما: أين ستروحان؟ كيف تمشيان؟ هل أوصلكما؟ لم يحصل. الـ “ف” فسقى لهما، ثم توارى إلى الظل.
النموذج القرآني: عام أم خاص؟ وتطبيقه في الحياة المعاصرة
باسم الجمل: كلام سليم. وأنا أعتقد هذه الملاحظة فعلًا دقيقة. لكن هل تعتقد أن النص القرآني قصد أن يكون من هذا المثل مثلًا عامًّا أم مثلًا خاصًّا في تلك المرحلة؟
محمد هداية: سأقول لحضرتك حاجة مهمة جدًّا. يعني هو عام وخاص، ماذا يعني؟ الذي يريد أن يُقلِّد موسى يُقلِّده بحذافير النص. والذي يريد أن يبقى يتكلم قليلا، العام. يعني العام في طبيعة الناس الذي هو غير ملتزم.
باسم الجمل: يأخذ فعلًا اعتبار للظروف ولتبديل الظروف مثلًا.
محمد هداية: أو مثلًا ممكن واحد أيضا يرى أنهما لن تقديرا على الحمل فأوصلهما مثلًا، ممكن، وتبقى عامة. لكن أيضًا بأدب. يعني الإناء دائمًا ينضح بما فيه. إن كان شاب ملتزم وواعٍٍ حتى لو أوصلهما لن يتكلم كثيرًا. هي كانت الميزة في موسى في هذا الموقف. أنهما لما راحتا وحكتا لأبيهما حكتا له الموقف بالتفصيل. فالموقف أن موسى ما تكلم معهما. فالرجل أُعجب بهذا الشاب. زائدًا أن بنتًا منهما قالت له: “استأجره.”
باسم الجمل: “إِنَّ خَيرَ مَنِ استَأجَرتَ القَوِيُّ الأَمينُ.”
محمد هداية: يعني أبدت رأيها في شخصية موسى عليه السلام. هنا تأسَّس من هذه الآيات مثل مصري جميل جدًّا: “اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك.” لأننا كنا منذ زمن يلزم أن ندرس اللسان والأمثال الشعبية. وأنا نجحت في أن أقلب كتاب الأمثال الشعبية الذي كان مقررًا علينا، أظن في سنة ثالثة آداب أو رابعة، إلى شواهد، شواهد شعرية وشواهد من التراث. قلبت كل الكتاب لدكتورة في جامعة عين شمس بالنص القرآني. يعني أعطيت لكل مثل .. حاولت على قدر ما قدرت، وكان حوالي يتعدى الـ80% أن كل مثل مصري قديم كان له تأثير من القرآن. يعني الذي انتقده طه حسين في الشعر الجاهلي أنا عملت العكس.
باسم الجمل: العكس..
محمد هداية: أصَّلت المثل الشعبي. غالبًا، يعني قُل بنسبة 80% حتى ما أكون مبالغًا، لأنه فيه طبعًا أمثلة ما عرفتُ أجد لها نصًا في القرآن. لكن حاولت. وحتى الدكتورة أُعجبت جدًّا بالفكرة وعملت لها الفكرة في الكتاب. وكان من ضمن الآيات الآية هذه أن عندنا مثلًا يقول: “اخطب لبنتك .. ولا تخطب لابنك” يا أخي اخطب لبنتك وابنك، يعني من حقك. لكن الفكرة جاءت من هذه الآية.
باسم الجمل: يعني أن البنت لها معيار خاص، وقيمة خاصة.
محمد هداية: بالضبط برقابة ولي الأمر.. طبعًا. والمرأة في الإسلام، لو فكرنا في كل آية فيها امرأة في القرآن تجد أن لها، أو إن استطاعت أن تكون هي، ممكن أن تصل لمراحل عالية جدًّا في النزاهة والأمانة والأدب والعلم. وعلى فكرة، القرآن نفسه حينما ضرب المثال في الإيمان والكفر أو في الكفر والإيمان بامرأة.
آية الخطبة: “وَلا جُناحَ عَلَيكُم فيما عَرَّضتُم بِهِ مِن خِطبَةِ النِّساءِ”
باسم الجمل: فيه آية أخرى في القرآن، لا أدعي الحفظ: “وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا …” في البداية يمكن إذا أنت مثلًا أحببت أن تخطب فتاة أنك تواعدها لكن ليس سرًّا، إلا أن تقول قولًا كريمًا.
محمد هداية: هذه من حق الرجل للمرأة التي طُلِّقت ولا أمل في عودتها لمطلِّقها. من حقه في فترة العدة أن يتقدم لخطبتها، لكن لوليّ أمرها.
باسم الجمل: لكن هذا يمكن تطبيقه “إِذا أَرَدتُم خِطبَةَ النِّساءِ.” هنا يبدو لي النداء أو الخطاب عام.
محمد هداية: ممكن أقرأ لحضرتك الآية؟ هي ما تقول عنها: “وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ”
باسم الجمل: المقصود هنا أنه ضروري أن يكون هناك حالة من التعارف ما بين الطرفين. “حَتّى يَبلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ” يعني حتى تكتمل الشروط.
محمد هداية: العدة، حتى عدتها تكتمل.
باسم الجمل: “حَتّى يَبلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ.”
محمد هداية: “وَلكِن لا تُواعِدوهُنَّ سِرًّا.” لكن الأهم: “إِلّا أَن تَقولوا قَولًا مَعروفًا.” في حكاية المواعدة بشرط أن يكون حاجة واضحة.
باسم الجمل: المواعدة تكون بهدف أنه أتعرف عليك وتتعرف علي.
محمد هداية: تتعرف عليها في مكان عام، بالتأكيد. لكن انظر الآتية هذه يا دكتور: “وَلا تَعزِموا عُقدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ.”
باسم الجمل: هنا أنا في رأيي.
محمد هداية: الكتاب العدة. الكتاب هنا عدة المطلقة. هي مطلقة.
باسم الجمل: الحديث عن المطلقات هنا.
محمد هداية: نعم. انظر، حضرتك النص كيف أتى
باسم الجمل: لأنه هنا في: “وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ”
محمد هداية: أنا أقولها لحضرتك جاءت أين. “وَالَّذينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرونَ أَزواجًا يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا.” فأنا أقول هنا ليس ممكنا أن ترجع لأن الرجل تُوُفِّي. هذه ليست فقط مطلقة، هذه زوجها تُوُفِّي عنها. “فَإِذا بَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيكُم فيما فَعَلنَ في أَنفُسِهِنَّ بِالمَعروفِ والله بما تعملون خبير” ولا جناح عليكم في الحالة هذه أنه يتقدم قبل تمام الأربعة أشهر وعشر، أنه يقول لوليّ أمرها -أنا آسف في اللفظ- يعني؛ أنا حاجز. أنا حجزتها.. إذا كان فيه موافقة على أنها.
باسم الجمل: لكن هنا، فيه ذكر لوليّ الأمر في الآية.
محمد هداية: نعم ما هي بالضبط؟ “وَلا تَعزِموا عُقدَةَ النِّكاحِ.” متى يكون من حقي أن أعقد عليها؟ “حَتّى يَبلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ.”
باسم الجمل: أنا كان رأيي في الكتاب هنا هو توفر ظروف القبول بالإيجاب والقبول والمقدرة.
محمد هداية: هذا يتبيَّن عمومًا أول ما أتكلم مع وليّ الأمر إمّا نعم أو لا. هنا كأن بالضبط رأى سيدة فاضلة توفي عنها زوجها، فيتقدم لئلا يتقدم أحد لها. مسموح في هذه الحالة أن يتقدم. لكن، لا يتم العقد حتى يبلغ الكتاب أجله. ومن هنا سيسمع هو الرد. من البداية مثلًا ممكن أن يسمع الرد: هي ليست ناوية الزواج ثانيةً، مثلًا، أو لن تفكر في الموضوع هذا.
باسم الجمل: يعني الهدف من ذكر الآية أنه أيضًا فيه تحديد لشكل العلاقة الأولية ما قبل الزواج أو ما قبل كتاب النكاح.
محمد هداية: هي هذه سُنَّة الحياة الحقيقية أنه من غير أن يكون فيه تعارف لا ينجح الزواج.
الخطاب الوعظي وتحريم ما أحلّه النص
باسم الجمل: طيب، لكن يعني التيار الوعظي كيف تعامل مع هكذا ظرف؟ هل عقَّد هذه العلاقة أم رعاها مثلًا؟
محمد هداية: أتعرف؟ لما كنا نتكلم على تجديد الخطاب الدعوي، عقّدوا حاجات كثرة جدا جدا تحت بند المثالية والأخلاق وإلى آخره. والخطاب هنا ما كان آتيًا من القرآن. القرآن واضح وضوح الشمس هنا. أن المسألة مثلًا في قصة موسى والمرأتين، ما رأي حضرتك في المسألة؟ وهذا نبي رسول وهما أبوهما شيخ وكان صالحًا. وحتى في أكثر من مرة كان يقول لموسى: “سَتَجِدُني إِن شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحينَ.” يعني إذن الراجل شيخ أي كبير في السن وصالح ويخاف الله، وحينما عرض على موسى زواج إحدى الفتيات قال: “أُريدُ أَن أُنكِحَكَ إِحدَى ابنَتَيَّ هاتَينِ عَلى أَن تَأجُرَني ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِن أَتمَمتَ عَشرًا فَمِن عِندِكَ” فذلك خطاب رجل عادل.
باسم الجمل: يعني هو طبَّق المثل الذي حكيته: “اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك”.
محمد هداية: هو عمل هكذا. المثل هذا جاء من الآية هذه. المثل هذا في الأمثال الشعبية المصرية جاء من الآية هذه. لأنه هو الذي قاله. أول ما لقي البنتين حكتا له عن هذا الرجل. “فجاءته إحداهما تمشي عَلَى استِحياءٍ قالَت إِنَّ أَبي يَدعوكَ لِيَجزِيَكَ أَجرَ ما سَقَيتَ لَنا.”
باسم الجمل: ما فيه شيء مجانًا.
محمد هداية: يعني كما هو بالبلدي عندنا، يعزمونه، أو الرجل يشكره.
باسم الجمل: يُكرمونه.
محمد هداية: يُكرّمونه. فلما ذهب موسى، الرجل وجد كلام البنتين في محله، فمباشرة. هو الذي قال له.
باسم الجمل: يعني المقصود أنّ العلاقة الأولية ما بين الذكر والأنثى اللذين ينويان يعني عندهما نية للزواج والارتباط، أنّه مسموح أنْ يلتقيا ضمن الشروط المتوافق عليها قرآنيا.
محمد هداية: بالقطع نعم.
باسم الجمل: وبالتالي في الحياة العملية التيار الوعظي الموجود في ثنايا المجتمعات الإسلامية أعاق هذا النوع من اللقاء. وبالتالي جعل عملية اللقاء ما بين الذكر والأنثى بهدف الارتباط فيها شبهة، مما دفع الناس لزوايا مظلمة.
محمد هداية: بالضبط، هو حينما يتشدد الخطاب الدعوي الناس ماذا ستعمل؟ واقع الأمر يفرض. يعني أنت اليوم تقول على لقاء مثلًا في جامعة أو في معهد أو في مدرسة: حرام. ما هو الحرام؟ أنا أريد أن أعرف هل البنت مخطوبة أم غير مخطوبة. يعني ممكن مثلًا أنا أتقدم فورًا، أنا في البيت، فيقول لي: هو أنت ما رأيت الذبلة التي في يدها مثلًا؟ يعني إذن وماذا بعد؟ نحن نقول أنا وحضرتك متفقان على ماذا؟ لقاء في أماكن عامة حتى أعرف هي فعلًا مخطوبة أم غير مخطوبة.. سأسألها أولا..
باسم الجمل: أو ترى قدراتها العقلية وهي ترى قدراتك العقلية..
محمد هداية: أول ما أعرف أنها غير مخطوبة، أبدأ أتكلم معها في أمور حياتية شخصية فهي تتعرف عليه وهو يتعرف عليها. ورأيناها، وحضرتك طبعًا أيضًا كذلك، رأيناها في الجامعات، عادي جدًّا في أمور بسيطة وطبيعية. في الوقت نفسه، الذي سيقول: حرام حرام حرام على حاجات ليست حراما مطلقا. والقرآن ألمح إليها وضرب المثل فيها. إذن أنت الذي تشدد على الناس وتدفع الناس لتعمل أشياء غير واردة في كلامك أصلًا. يعني كأن الخطاب الدعوي هنا لا محل له من الإعراب
باسم الجمل: يعني جاء ليُعقِّد الحياة بدل ما يُسهِّلها.
محمد هداية: عقدها فعلًا. هو نجاح الخطاب الدعوي أني أنا أقول الشيء الذي قابله المجتمع بحلول مشاكل. ليس أن أُكبِّر المشاكل أو أُعقِّدها. المهم أني أُبعِّد فعلًا عن الحرام. يعني مثلًا: ما تقول لي أنا عزمتها على سينما. لا، بالمنطق. هنا حرام. لكن مثلًا عزمتها في مكان عام خارج الكلية. يا ليت، أنا أقول: يا ليت أن يكون بعلم والدها أو والدتها أو خالها، يعني أحد متفهم للوضع، فتقول له: يا خالي، مثلًا أنا زميلي كذا ويقول لي كذا؛ عازمني على مكان سنروح لنقعد. وهنا الخال أو العم أو الأب يكون حكيمًا. ولو حضرتك تتذكر في مسألة الحكم الذي يأتي لأجل حكاية الطلاق، ما قال أبدًا نسوة، قال “حَكَمًا مِن أَهلِهِ وحَكَمًا مِن أَهلِهِا” الحَكَم؛ هذه الكلمة جاءت من أين؟ الكلمة.. الحَكَم.. من الحكمة. نحن نريد أحدًا حكيمًا. فليت هذا الحكيم يبدأ في الزواج قبل الطلاق. لأن الزواج لو تم على أسس سليمة ستلاقي أسرة ناجحة، والأسرة الناجحة نواة لمجتمع ناجح، وهكذا. والإسلام الحق، ليتنا نُؤكِّد على نجاح الأسرة، فبالتالي نجاح المجتمع.
المدة الزمنية المثلى للتعارف قبل الزواج
باسم الجمل: أنا أتفق معك 100% دكتور. لكن فيه تفصيل أحاول أن أفهمه: إلى أي مدى مسموح للرجل أن يلتقي مع المرأة، أو العكس أيضًا، تلتقي المرأة مع الرجل، بهدف الارتباط؟ المدة الزمنية المسموح بها في اللقاء التي تسمح للطرفين أن يتعرفا على بعضهما، حتى لا يتفاجآن بسلوك الآخر ويحدث الطلاق.
محمد هداية: من دراسة لأحد الزملاء في علم النفس، وكان سابقا لنا بسنتين أو ثلاثة وتخصص، كانت الدراسة هذه مهمة جدًّا في أنها تقول.. لا تكون المدة قليلة ولا تتزيَّد فيها. وأنا أعجبتني لأجل هذا. دائمًا خير الأمور أوسطها. يعني مثلًا نقول في نظر الدكتور باسم: كم لقاء يرى الدكتور باسم أنه يفي الموضوع بحثه؟
باسم الجمل: ساعة. ساعتين، يومين، ثلاثة، أربعة ممكن. صح.
محمد هداية: ممكن جدًّا تصل إلى عشر لقاءات، لكن، ما تزيد عن ثلاثة أشهر، بحيث أن أُنجز الأمور وما يقال علينا أننا ذاهبون لنتفسَّح، خارجون لنتفسَّح؟ ولسنا نتقابل. لماذا؟ أنا قلت ثلاثة أشهر؟ لأنه ممكن أنه ليس كل يوم سنتقابل. ممكن يوم في الأسبوع، لأنه طبعًا نحن طلبة أو هم طلبة ويدرسون. فدائمًا أُقدِّم الدراسة على هذا الأمر. ولازم أن تكون في يوم فراغ. يعني أنا طول عمري أُقدِّم الدراسة على أي شيء في الدنيا بما في ذلك هذا الأمر. فنختار يومًا في الأسبوع. طبعًا يومًا في الأسبوع كما تفضلت لن يكفي، يعني أول لقاء هذا، مستحيل.
باسم الجمل: ممكن يتكرر اللقاء..
محمد هداية: أربع لقاءات، خمس لقاءات، ست لقاءات. ونحن نتكلم أسبوعيًّا في يوم إجازة. قد لا تُمكِّننا الظروف من الأسبوع هذا، وما بعده، يأتي أسبوع ما فيه شيء، إذن، الذي بعده. ولأجل هذا نقول إنها مثلًا عشر لقاءات على ثلاثة أشهر. وهذا كان بحثًا تقريبًا.
الخطبة ودورها في إكمال شروط عقد النكاح
باسم الجمل: حسنا. لنفترض لما تكتمل الفكرة عند الطرفين تجاه الآخر، سواء يُقرِّران الارتباط أو يُقرِّران الابتعاد. في حال اكتمال هذه الفكرة، وصار القرار أنه، لنرتبط، هنا نأتي للمشروع الفعلي، الخطبة؟ أنا في رأيي منشأ الخطبة أين؟ هل فيه نصوص قرآنية تُشجِّع؟ نحن مررنا على نص: “وَلا جُناحَ عَلَيكُم فيما عَرَّضتُم بِهِ مِن خِطبَةِ النِّساءِ أو أكننتم في أنفسكم” يعني إذا قررت أنت وخلص، أنت بدأت تُضمر أنك ستخطب، “لا تُواعِدوهُنَّ سِرًّا.”
محمد هداية: بالضبط، هو إذا خطب أصبح اللقاء تحت بصر الأسرتين، لأن الأسرتين ستجتمعان في الخطبة.
باسم الجمل: هي هذه النقطة التي أحاول أن أسأل عنها في الخطبة، هي النقطة كالتالي: هل هذه المرأة أو الرجل الذي يقرر أن يخطب فتاة، وفتاة تقرر مثلًا الموافقة على خطبة الرجل، تحتاج أو يحتاج إلى رأي الآخرين طالما هي بلغت سن الرشد أو هو بلغ سن الرشد؟ القرآن فيه آية تُشير إلى ضرورة استشارة الأهل. لكن للفتاة، توصيف الفتاة، وكما تعلم توصيف “فتاة” يعني الفتاة التي تعتمد في حياتها على الآخر، يعني قرارها ليس بيدها. لكن، فيه كثير من النساء قرارها بيدها.
محمد هداية: طبعًا.
باسم الجمل: هل هذا ينطبق على كل النساء، أن أي امرأة حتى لو كانت خمسين سنة عمرها، حتى تتزوج سواء كانت مطلقة أو أرملة أو أول زواج، هل تحتاج لرأي آخر، وهي قد تكون أكثر نضجًا من آخرين؟
محمد هداية: إذا هي احتاجت تسأل، لكن الأفضل بالنسبة للسن الكبير بالذات، لأنه حضرتك ذكرت خمسين سنة، هي رأيها لا بد أن يُؤخَذ. إلا إذا وصلت لخمسين سنة. لكن، شخصيتها غير مكتملة. دراسة علم النفس يا دكتور تُعطينا أمورًا كثيرة جدًّا. ممكن واحدة تصل لخمسين سنة وتبقى عندها فروق فردية في بنية الشخصية أنها محتاجة تشاور أختها أو أخاها الأكبر أو عمها. إن احتاجت تسأل. لكن أنا أقول في سنِّ من أول الخمسة والأربعين وصعودًا، تكون..
باسم الجمل: أما ما قبل ذلك.
محمد هداية: قبل ذلك لازم. كما تفضلت
لا بد. لماذا؟ ما الغرض من الخطبة؟، الغرض منها، ولماذا نقول: اسألي؟ ولماذا تقول له: أنت أيضًا: اسأل وراجع؟ أنا أريد نجاح هذا النكاح.
باسم الجمل: هنا فسَّرت الكتاب. “حَتّى يَبلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ” المعنى أن كل الظروف التي تحيط في علاقة الطرفين مع بعض، سواء معرفة الأهل، معرفتها، ممكن يسأل، الظروف الاجتماعية، الظروف المالية، الظروف العلمية الأكاديمية، المعارف، مستوى المعارف. هذه كلها تدخل في “الكتاب يبلغ أجله.” عندما تنضج الظروف وقتها يصبح الزواج.
محمد هداية: وهذا هو الأفضل.
باسم الجمل: لكن نلاحظ نحن في حياتنا العملية. هذا ما يقوله النص. في حياتنا العملية هل الناس عند الزواج يُطبِّقون النص؟
محمد هداية: للأسف لا.
باسم الجمل: طيب، لماذا؟ أو ما يُطبَّق من عادات وتقاليد، ما مدى تأثيرها سلبًا أم إيجابًا على العلاقة بين الطرفين؟
محمد هداية: دائمًا نتكلم أنا وحضرتك أن النص هُجِر.
باسم الجمل: صح، أو عُزِل أو هُجِر.
هجر النص القرآني في الزواج: الأسباب والنتائج
محمد هداية: للأسف الشديد، أنا أرى بعيني رأسي زيجات تتم، لا تُذكَر آية كنصيحة للولد أو للبنت. ويفاجَأوا. نحن بعض الأحيان، ربنا يوفَّقنا، نحن نعقد أو نذهب لإشهار عقد، يجيء لي الخال أو العم أو الوالد، أو الزوج نفسه، يقول لي: أول مرة أسمع الكلام هذا. هو أنت لأنّك لا تقرأ القرآن. أنا أقول كلامي من القرآن. يعني أعظم آيات هذا الكتاب، وكله أعظم، في الكلام عن النكاح ولفظ النكاح. الذي هُجِر أيضًا.
باسم الجمل: هُجر نعم
محمد هداية: الناس تركت هذا وأمسكت في الكلمة هذه. يعني الزواج هي الكلمة الغالبة عند العامة. أنا أريد أن أقول لحضرتك: وعند الخاصة أيضًا: لأنه أقول لحضرتك: كلمة “النكاح” جاء لي أحد المأذونين — قال لي يا دكتور، الذي أنت قلته أنا أول مرة آخد بالي منه، قلت له: يا ابني هو اسمه “عقد النكاح”، “عقدة النكاح”، النص القرآني بالنص هكذا “عقدة النكاح.”
باسم الجمل: ليس عقد الزواج.
محمد هداية: “الزواج” كلمة توصفية فقط. لكنها عامة، من الناس، من العوام. “ما معنى كلمة زوج؟” معنى كلمة “زوج” هي عكس الفرد.
باسم الجمل: يعني يكون فيه نوع من التشابه والتماثل فيما بين الطرفين.
محمد هداية: سأقول لحضرتك الحكاية بالضبط. يعني مثلًا كما حضرتك تفضّلت: واحد تقدم لخطبة فتاة، هو اسمه عليّ، وهي اسمها مثلًا زينب. تقدر أن تقول في الخطبة “علي زوج زينب”؟
باسم الجمل: أكيد لا.
محمد هداية: قطعًا لا. لأن هذه خطبة. كما حضرتك تفضّلت، ممكن أن يرفض، ممكن ما تتمّ. طيب، متى أقول “زوج”؟ بعد عقد النكاح. لأنه أنت تقول “عليّ زوج زينب” و”زينب زوج عليّ.” وليست “زوجة” على فكرة.
باسم الجمل: زوج. صح.
محمد هداية: “زوج” عليّ. ماذا يقصد هذا القائل؟ أنه بعد العقد أصبح الفرد زوجًا. لماذا؟ لأنه بعد العقد يُعبِّر عن الآخر ويُمثِّله ويحترم غيابه. لأنه أنا صرتُ زوجًا، أنا لستُ فردًا، يعني الرجل.
باسم الجمل: يعني “زوج” فيه شريك آخر. صح.
محمد هداية: فيه فرد ثانٍ، يعني الذي يُكمِّل الزوج ما هو؟ فرد آخر. فالفرد قبل العقد، زوج بعد العقد.. وهذه غاية الإسلام في القرآن..
باسم الجمل: يعني عقد النكاح يقوده إلى الزواج.
محمد هداية: نعم. توقيعه أنه “يطؤها”.
كلمة النكاح: دلالتها اللغوية والقرآنية
باسم الجمل: كيف تم ربط مفهوم عقد النكاح بممارسة الجنس على أساس أنه ممارسة جنسية؟
محمد هداية: النكاح كلمة، إذا فصّلناها لسانيًّا، تعني “الوطء”. هي تعني الوطء، على عكس كلمة “الزواج”. لأن الزوجية قد لا يحصل فيها..، غير كلمة النكاح. ولذلك اختار القرآن كلمة “النكاح” لأنه سيليه الدخول أو البناء أو الوطء.
باسم الجمل: يعني “النكاح” يقود إلى، لكنه لا يعني هو الشيء.
محمد هداية: هو النكاح يعني أن هذا مشروع كذا، مشروع الوطء. عقد النكاح هو مشروع للوطء.
باسم الجمل: وكون عقد النكاح هو مسمّى عقد، يقود إلى مثلًا، يقود إلى الزواج، والزواج يقوده إلى الوطء.
محمد هداية: ماشي. هذا توصيف، لا خلاف على التوصيفات.
باسم الجمل: لا، لا خلاف على التوصيفات. لكن أنا قصدي الدقة في إعطاء اللفظ معناه.
محمد هداية: صحيح. ولأجل هذا قال: “حَتّى يَبلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ”. يعني لا تعقد عقد النكاح إلا إذا بلغ الكتاب أجله. إذا بلغ الكتاب أجله، اعقد. عقدت. هذا العقد لا تسميه “الزواج”، سمّه “عقد النكاح” كما قال القرآن.
باسم الجمل: يعني لازم في كل المحاكم الشرعية أن يغيروا.
محمد هداية: يغيروا كل هذا. لكن طبعًا كله ماشٍ هكذا، يعني ماشٍ غلطًا في غلط. سأقول لحضرتك على مصيبة، ما دام حضرتك قلت “المحاكم”. عندنا مصيبة في المحاكم: ناس اسمهم “المحضرين”، الذين هم يبلغون الأطراف بالقضايا. يقول لك: جاء لي المحضر. أنا لن أتكلم اليوم قطعيّا، لكن سألفت النظر فقط. أريد حضرتك أن تراجع كلمة “المحضرين” في القرآن، وبعدها ادع لي، بعد ما تراجعها قل لي، ونتكلم فيها في أي حلقة على مرادك. لكن أنا أريد أن أقول لهم: يا جماعة، سموهم أي اسم.
باسم الجمل: لكن ليس محضرًا.
محمد هداية: المحضرون هؤلاء في النار. “المحضرون” في القرآن كله في النار. أنتم لماذا سميتم الناس هؤلاء هكذا؟ يعني كلمة “المحضرين” أين تراها حضرتك في القرآن؟ مكانهم في النار. لماذا وأنتم جلبتموها من أين للناس هؤلاء؟ وهم الإداريون الذين يبلغون القضايا، يعني يعلمون فلانًا أن عنده جلسة.
“حَتّى يَبلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ”: شروط اكتمال عقد النكاح
باسم الجمل: بناءً على مفهوم أن لا يتم عقد النكاح إلا إذا بلغ الكتاب أجله، ما يتم عادة: هل يكون الكتاب قد بلغ أجله؟ يعني مثلًا إذا يأتي شيخ أو ممثل المؤسسة، سواء الدينية أو التشريعية أو حتى القانونية، ويقول: “زوّجتك”، “زوَّجتني”، هل هذا يعني أنه بلغ الكتاب أجله؟ لازم يكون بلغ. بلوغ الكتاب الأجل، كما اتفقنا، أن تكون كل الظروف المحيطة بفكرة التزاوج أو بفكرة الارتباط قد نضجت وحقَّت.
محمد هداية: أنت تقصد أنّا نحن نخرج بالمعنى لأبعد قليلا من مسألة العدة إلى مسألة شروط أخرى.
باسم الجمل: قد تكون العدة جزءًا من “الكتاب”، أحد بنود الكتاب. لكن الكتاب، حتى لما يكتمل، نكون نحن وصلنا إلى مرحلة: نعم، نعقد الزواج.
محمد هداية: هي هذه ستختلف من حالة لحالة. يعني ممكن أن تكون في حالات، كما تفضّلت، اكتملت، وفي حالات ليس بعد، كان المفروض أن ينتظروا قليلا لما يعرفوا بعضهم أكثر. ويمكن أنت تتكلم في هذه النقطة بسبب حالات الطلاق التي تحدث.
باسم الجمل: بالضبط. عن هذا الشيء سألت. إذا لم يكتمل الكتاب، أو إذا لم يصل الكتاب إلى أجله بمعنى الاكتمال، ستكون ظروف عقد النكاح ناقصة. وهذا النقص، بغض النظر ما يمكن أن يكون، نقص مادي، نقص في عدم التوافق، يمكن أن يكون فيه إجبار. هو المقصود، يعني، أحد النقاط الأساسية في أن يصل الكتاب إلى أجله: “أَن يَبلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ”، التي هي الرضا التام.
محمد هداية: أقول لحضرتك.
باسم الجمل: ليس أني أدفع بنتي: اذهبي تزوجي…
محمد هداية: هذه النقطة، وإن كان فيها تأويل وأنا أوافق عليها، السبب: لأن حضرتك لما ترى حالات الطلاق التي تتم، وغالبيتها للسبب هذا، للسبب الذي حضرتك تضعه كشرط. يعني مثلًا يا ليتهم في أحد القوانين يدرجونها: يا جماعة، أعطوا فرصة لزيادة المعرفة أو لتتم المعرفة بالكامل. على فكرة، النتائج هذه سيترتب عليها حالة زوجية ناجحة، أسرة ناجحة، عارفين كل شيء عن بعضهما. سأقول لحضرتك على شيء: تأتينا حالات طلاق غريبة جدًّا. إنه عُرفَ أنه قال إنه يشتغل كذا وهو لا يشتغل كذا. هو بالنسبة لي، كما أنت قلت.
باسم الجمل: لأنه عادةً يصير. وأنا مرَّ عليَّ حالات كثيرة: سرعة وكذب. إنه أنا فلان عندي كذا كذا، يبين أنه ليس عنده شيء.
محمد هداية: هم يريدون أن يعملوا قانونًا جديدًا أن الذي يكذب، الذي يجزم في أمر يظهر أنه غير صحيح بعد العقد، يغرّم. عليه غرامة. هذه النقطة التي حضرتك تفضّلت بها. لو وضعت فعلًا كشرط تكون ناجحة تمامًا.
باسم الجمل: القرآن اشترط في الموضوع.
محمد هداية: بالضبط. أو وضعه كشيء متمم.
باسم الجمل: لا يمكن عقد النكاح إلا إذا وصل الكتاب أجله، إذا بلغ الكتاب أجله. “بلوغ الكتاب أجله” بحاجة إلى أن يفسر ماذا تعني. “بلوغ الكتاب أجله”: هل هو رضا الطرفين؟
محمد هداية: هم يأخذونها بالنص هكذا: إن العدة فقط تكتمل. وهذه أحيانا تكون في منتهى الخطورة، الذين لم يعرفوا بعضهم نهائيا.
باسم الجمل: أنا في رأيي هذه النقطة مهمة، نعم، سواء على المرأة المطلقة أو الأرملة.
محمد هداية: من الوعي أن توضع شرطًا في النقطة هذه.
باسم الجمل: ويتم تحديد بنود وصول الكتاب.
محمد هداية: أو مدة زمنية يتأكد منها الطرفان.
باسم الجمل: إذن هنا نعود للمدة الزمنية. أن هذه المدة الزمنية، نحن اتفقنا، قد تكون شهرًا أو شهرين. فالمرأة بحاجة أن تتأكد من هذا الرجل، سواء من سلوكه الشخصي الذاتي: كريم، بخيل، نظيف. وأيضًا يريد كذلك. والعكس صحيح. نعم. فبالتالي حتى هذه الظروف تتكشف للطرفين تأخذ وقتًا. هذا الوقت يحتاج سماحًا وإذنًا من الأهل.
محمد هداية: مفهوم الآية يعطينا النقطة التي حضرتك تتكلم فيها.
باسم الجمل: صح.
محمد هداية: يعني مفهوم النص القرآني في مسألة “ألّا تتم عقدة النكاح” أو عقد النكاح.
باسم الجمل: إلا إذا بلغ الكتاب. يعني بدأت ظروف العلاقة عند الطرفين تتأكد كشرط.
محمد هداية: ويبقى شرطًا واضحًا. هذا من مصلحة الطرفين، على فكرة، أكيد. الذي هم أحيانًا يقولون عليها “الخسارة القريبة”. يعني يمكن نتيجة البحث الجيد أن هذه الزيجة لا تتم. وهذا أنا لا أعتبره خسارة. أنا أعتبره نجاحًا أنها لم تتم. وإلا ستبقى البنت بكرًا والرجل لم يتزوج، وما حسبَ عليه زواج. وفي نفس الوقت هما بكل حال سيتركان بعضهما بعد ما يكتشفان الذي حضرتك خائف منه.
حدود التعارف والثقة والرقابة
باسم الجمل: الآن، يمكن أن يتركا بعضهما. ويمكن أن يضطر أن يبقى على الزواج رغم أنفه.
محمد هداية: ويغلط في أمور أخرى.
باسم الجمل: هذه أهمية أن تعطى البنت أو المرأة والرجل وقتًا كافيًا للتعارف بينهما. لكن حدود التعارف، أنا في رأيي، مهما تمكنا من ضبط حدود التعارف، إذا لم يكن هناك ثقة في البنت وثقة في الرجل، مع رقابة، بغض النظر لا أعلم كيف يمكن أن تحدث الرقابة حتى لا يصير أنه، لأنه قد يكون الرجل كذابًا وغشاشًا ونصابًا وإلى آخره. فيه كثير من الأمور، والعكس قد تكون المرأة بذلك.
محمد هداية: لا سيما وأن القرآن العظيم حينما تكلم عن النكاح والطلاق لم يضع أي توجيهات لكيفية إتمام عقد النكاح أبدًا. تركها.
باسم الجمل: للمجتمع.
محمد هداية: لكن هنا، في الطلاق، أعطى حلًّا ومراحل: مرحلة على الزوج ومرحلة على الزوجة ومرحلة على الأسرتين. يعني أعطى كل شيء. الأهم أن ننجح في أن لا يتم الطلاق، وليس أن ننجح في أن يتم الطلاق. العكس.
باسم الجمل: هذا يعني أن القرآن حريص جدًّا على إعطاء المساحة الكاملة.
محمد هداية: وأنا أقصد أننا نعمل هكذا في النكاح، لأن المولى عز وجل تركه لنا. فلا بأس من وضع قوانين صارمة أو شروط أو توجيهات. ليس لازمًا أن يكون قانونًا. يعني يمكن أن تكون توجيهات: “احذر وأنت تتزوج، احذر وأنت تقدم على هذه الخطوة”.
باسم الجمل: يعني مثلًا كما تدقق عائلة للبنت أنه نريد شقة وهذه الشقة لازم أن تكون فيها كذا وفيها كذا، لازم أن يتأكدوا أيضًا من مدى قدرتك على الصرف، تشتغل أو لا تشتغل مثلًا.
محمد هداية: وعلى التعامل.
باسم الجمل: وبالتالي فيه جلسات استشارية في كيفية إدارة العلاقة وإدارة الخلاف فيما لو وقع بين الطرفين. يعني أذكر أنا صديقًا لي، عندما أراد أن يزوج بنته اشترط في عقد الزواج أن الطرفين يذهبان ويحضران جلسات في إدارة الخلاف فيما لو وقع بينهما.
محمد هداية: يعني هذا ناجح جدًّا. فكرة ناجحة.
باسم الجمل: لأنه في النهاية إذا لم يحصل.
محمد هداية: أنا أريد أن أنجح العلاقة. أنا أريد أن أصل بها لبر الأمان تمامًا.
باسم الجمل: لذلك القرآن ترك المساحة في النكاح بينما في الطلاق حدَّد، لأنها مسألة حقوق.
محمد هداية: حدَّد كل شيء. وأصبح عليَّ دور قرآني أنا مأمور به في الطلاق. لكن السعة التي تركها القرآن في النكاح تلزمنا بالذي حضرتك تفكر فيه. تلزمنا بأن نأخذ وقتنا في مسألة الخطبة والتعارف والتعامل، وفرق كبير بين الكلمتين، على أن يتم النكاح بشروط اجتماعية أيضًا مستوحاة من النصوص القرآنية.
باسم الجمل: الذي يصير في الواقع.
محمد هداية: مهجور القرآن تمامًا في الحالتين، للأسف.
باسم الجمل: هل هي عادات مثلًا متوارثة؟
محمد هداية: هي طبعًا غلبت العادات والتقاليد، طبعًا غلبت. ولما يأتي أحد الطرفين يحاول تطبيق القرآن في الطلاق تقوم عليه ثورة وكأنه شاذ وسيعمل أمرًا غلطًا، مع أن القرآن الذي يقول. يعني لما يطلب الرجل مثلًا “حكمًا من أهل الزوجة وحكمًا…” نقول “حكم”. فيه حكمة من هذا الكلام القرآني. ولذلك كما نعرض لفكرة أو لبديع عظيم القرآن في الكلام عن النكاح، لا بد وأن نعرض أيضًا كيف تكلم القرآن عن الطلاق. ويبدأ الناس يتعلمون هذا وذاك من خلال النص القرآني، مع الذي حضرتك تفضلت به من إبداعات في مسألة علم الاجتماع وعلم النفس وكل الأمور التي تحسّن من أي زيجة. لأن هذه الزيجة صحيح هي واحدة لكنها نواة للأسرة وبالتالي للمجتمعات كلها.
لماذا لا يطبق النص القرآني في الزواج؟ وارتفاع نسب الطلاق
باسم الجمل: أرجع إلى السؤال نفسه: لماذا لا يتم تطبيق هذا الشكل القرآني في الزواج، أو هذه الحدود القرآنية التي يتحدث عنها القرآن في المجتمع؟ المجتمع لا يطبق ولا يلتزم بها، والنتيجة ظاهرة للعيان أمام كل الناس: أنه فيه ارتفاع لنسبة الطلاق في المجتمعات الإسلامية، وليس في مجتمع محدد. في كل المجتمعات الإسلامية فيه ارتفاع في نسبة الطلاق وارتفاع في نسبة الخدن؛ العلاقات السرية.
محمد هداية: هذا لا يأتي إلا نتيجة فشل العلاقة الأولى في الزواج. وكما تفضَّلت، أحيانا لا ينفصلون ويستمرون، لكن تحصل العلاقات الشاذة.
باسم الجمل: يسيران كل واحد منهما في طريق.
محمد هداية: وللأسف الشديد. يعني نحن رأينا بعيوننا حاجات كثيرة. لكن الذي يحل هذا هو العودة للنص القرآني، العودة لكتاب الله.
باسم الجمل: تمام. نحن ندعو للعودة لكتاب الله، لكن كيف؟ من المكلف بالعودة؟ صحيح مطلوب من كل فرد أنه يكون مطلعًا، لكن الزواج والطلاق فيه مؤسسات في المجتمع تدير شؤونه. هذه المؤسسات أصلًا هي غير مطلعة على ما جاء في النص. وبالتالي فإنها تقبل الشروط غير المنصوص عليها في القرآن وتطبق عليها. إذن نحن بحاجة لعملية تثقيف.
محمد هداية: هنا، أتذكر حضرتك لما تكلمنا في تجديد الخطاب الدعوي، الذي هو يلزم الداعية أن يكون مثقفًا إلى أبعد حد. ليس فقط حافظا النص القرآني، لا، يكون دارسًا لعلم النفس، دارسًا للاجتماع، دارسًا دارسًا، بحيث إنّه وأنت تطبق النص القرآني توسع المجال فيه وتأخذ الرأي فيه وتكمل كل بنود الآيات وإلى آخر هذا الكلام. هذا لا يأتي من واحد حافظ فقط. لازم أن يكون حافظًا وفاهمًا واطلع وقرأ.
باسم الجمل: صح. لكن عندنا أيضًا مؤسسات أكيد فيها لوائح داخلية تضبط عملها. لماذا هذا المفهوم غير واضح مثلًا أو غير مهيأ ليكون جزءًا؟
محمد هداية: كل ما كنا نتمنى يا دكتور باسم أن نصل إلى الذي تقوله من خلال هذه المؤسسات. حاولنا كثيرًا. لكن كما تفضلت، كل واحد يتمسك برأيه. للأسف الشديد.
باسم الجمل: والعمل؟ المجتمع يتدمر أمامنا.
محمد هداية: يتدمر أمامنا يا دكتور ونحن غير قادرين على عمل شيء إلا فيما ندر، في الحاجات الفردية. يعني العلاقات الشخصية العائلية، العائلة، أحد يستدعي الدكتور باسم، أحد يستدعي الدكتور محمد، وهكذا. إنما غير ذلك لا يوجد فعلًا. كل واحد غير قائم بدوره أصلًا. من المنوط به القيام بهذا العمل لا يقوم بدوره.
من يعقد النكاح؟ ومسؤولية المأذون وصياغة العقد
باسم الجمل: لنعُد إلى قصة من يعقد النكاح. المفروض في هذا الرجل أنه يمثل مؤسسة، وهذه المؤسسة تعي بالضبط لما جاء في النصوص لتطبيقها. هو لا يقوم بذلك. “زوّجتك، زوَّجتني”.
محمد هداية: كلمتان محفوظتان من التراث، ليستا من القرآن.
باسم الجمل: طيب، وما العمل معهم؟ المجتمع ينهار مؤسسيًّا. يعني النواة الأساسية لضبط المجتمع، العائلة، تنهار. أحد المجتمعات فيه مليون امرأة عانس، وتقريبًا عدد لا بأس به، يعني عدد مهول مطلقات. طيب أنت لما تصل عندك المرأة 35-40 سنة وهي عانس، وعندك عدد لا يقل كثيرًا مطلقات، فأنت عندك ثلث المجتمع، يعني ثلث النساء في المجتمع معطلات. طيب من مسؤول عن حركتهن؟ من مسؤول عن مآلات المجتمع نتيجة هذا؟
محمد هداية: الذين قصروا في القيام بدورهم وواجبهم في الدعوة إلى الله من خلال القرآن، لأنهم خرجوا بالنص الدعوي إلى التراث.
باسم الجمل: طيب أنت كإنسان مثقف وباحث وكاتب وأيضًا محامٍ، ومرّ عليك قضايا كثيرة في هذا الميدان، ماذا تنصح أنت كدكتور محمد هداية؟ ماذا تنصح لحل أو المساهمة في التخفيف من حدة..؟
محمد هداية: أولًا: إعداد مشروع قانون مرجعه النص القرآني، وتُنشأ له ورش عمل تثقيفية قبل إعداد هذا المشروع. ويستغرق مثلًا سنتين، سنة منهما قائمة على التثقيف والوعي: كيف تكلم القرآن في النكاح والطلاق والميراث والوصية. على فكرة، كل هؤلاء يصبون في المجتمع، كل هؤلاء يصبون في قضايا الأحوال الشخصية. كل الذي أنا قلته: النكاح، الطلاق، الميراث، الوصية، التي هجرت. هل تعلم حضرتك أنه ليس عندنا وصايا؟
باسم الجمل: “لا وصية لوارث”.
محمد هداية: متى؟ لما غلب التراث النص القرآني.
باسم الجمل: استبدلوا.
محمد هداية: طيب والميراث؟ كلمة ولد جعلت كل الناس تغلط في مسألة الميراث، وكتبوا وباعوا وعملوا هبة مشروطة وهبة غير مشروطة و، و، و.. للتحايل.
باسم الجمل: يعني أنا أعتقد من المهم أن نفرد حلقة خاصة عن الطلاق. لكن موضوع الزواج وما ينتج عنه، وموضوع عدم اكتمال “الكتاب” ووصوله لأجله في إعداد الزواج قاد إلى هذه الحالات التي المجتمع يعاني منها.
محمد هداية: خذ بالك يا دكتور مثلًا، الغلطة الواحدة في موضوع واحد ينبثق منها كذا غلطة في كل الأمور. ابن يتربى بعيدًا عن الأب والأم، ابن يصبح معقدًا.
باسم الجمل: أو أن الأب يصير بطريق والأم تصير، وهما يعيشان تحت سقف واحد.
محمد هداية: للأسف الشديد. يعني أسرة موجودة مفككة. يعني انظر كلمة “موجودة” تحت سقف واحد ومفككة. فكل هذه العيوب نهايتها ماذا؟ المجتمع.
دور المثقف والمؤسسات في العودة للنص القرآني
باسم الجمل: لكن درجة الوعي بهذه النصوص، نحن نتفق أنها تبدو قليلة حتى عند المؤسسات القائمة على التشريع. لا تعي هذا النص القرآني وهو بين أيديها. وما السبيل في إجبار أو إقناع هذه المؤسسات؟ خلِّنا نعيد النظر يا إخوان.
محمد هداية: أن كل المثقفين أو الدعاة المثقفين يتكلمون ويرجعون إلى النص القرآني. العودة للنص القرآني ستعود بالمجتمع إلى ما أراده الله تبارك وتعالى من إنزال هذا الكتاب.
باسم الجمل: هل هذا من مسؤولية المثقف أو مسؤولية المشرع؟ إذا المشرع في كل المجتمعات العربية والإسلامية، فيه هناك مشرعون فيه برلمان المشرع، في المحاكم الشرعية، في المحاكم المدنية. لماذا؟ القرآن بين أيديهم.
محمد هداية: ترجع الدعوة. الدعوة إلى كتاب الله أولًا، واعتباره هو المرجع الأوحد.
باسم الجمل: فهمت عليك دكتور. في المحاكم الشرعية في كل المجتمعات العربية.
محمد هداية: المحاكم تطبق قوانين.
باسم الجمل: هذه القوانين يعتبرونها مستمدة من النص، من نص القرآن. لكن واضح أنها ليست من القرآن لأن هذا القرآن بين أيدينا وما يدور في الواقع.
محمد هداية: هل تعلم أن بعض دوائر الأحوال الشخصية وبعض الدوائر المدنية تطالب بالعودة للنص القرآني في أحكامها؟ لأنه هو يطبق الذي أمامه وهو غير مقتنع. تشمل أحكامهم، أو بعض الأحكام: العودة لنص القرآن، أو مراجعة التشريع.
باسم الجمل: ما الذي يمنع هؤلاء الناس الذين يعون ضرورة استخدام أو، يعني، تفعيل النص القرآني في الحياة المجتمعية؟ من يمنعهم من العمل على ذلك؟
محمد هداية: انظر يا دكتور، أنا أرى أنه يلزم الناس أن تطالب بذلك أولًا. المسلمون يطالبون المؤسسات التي تخلت عن النص القرآني أن تعود إلى النص القرآني. ولو حتى الطلاب. أنت عارف، نحن ليس عندنا طالب يقول رأيًا، وما عندنا كلمة “باحث” نهائيا. الطالب إلى مرحلة البكالوريوس أو الليسانس ثم الدبلومات ثم الماجستير ليس بباحث. يمكن في الدكتوراه باحث، لكن قبل ذلك الطالب في أوروبا، أنت أعلم مني بذلك، الطالب في أوروبا باحث.
باسم الجمل: نعم. صح.
محمد هداية: من بداية الطريق الطالب يقال عليه “باحث”. نحن عندنا نسمعها في المصدر وما تتمّ. لكن في الدكتوراه يمكن وفقط. وهذا على فكرة المجتمع الذي يجني هذه الثمار التي كلها غلط، التي تطالب بالعودة لكتاب الله، بالذات، لإن الأمور هذه كلها أمور شرعية بالنص.
باسم الجمل: وواضح.
محمد هداية: يعني النكاح قرآن، الطلاق قرآن، الميراث قرآن، الوصية قرآن. قلبوها صارت “لا وصية لوارث”. من أين؟ يعني هل يعقل أن رسول الله صلوات ربي وملائكته عليه يقول كلامًا عكس الرسالة التي أرسل بها؟ هل هذا منطق؟ مستحيل.
باسم الجمل: لا، أكيد لا.
محمد هداية: فمن هنا لا بد أن نبدأ. من هنا نبدأ من العودة للتشريع من كتاب الله.
الفقه الموروث بين النص القرآني والمذاهب
باسم الجمل: هل الفقه السائد، أو الفقه المعمول فيه في المؤسسات، أو حتى التيار الوعظي، أو أدوات الوعظ الموجودة فيه، لا تعي ما هو موجود في القرآن؟
محمد هداية: لا. كلها مبنية على الآراء الفقهية الشخصية والمذاهب الأربعة، الستة، السبعة، حتى في الدول غير مصر. نحن نتحدث عن مصر. في مصر المذاهب الأربعة ويدرسون المذاهب الأربعة. والمذاهب الأربعة منهم ناس أخطأوا في النص القرآني.
باسم الجمل: يعني القرآن لا يشكل مرجعية له.
محمد هداية: لا، أبدًا. وأنا أقول: البعد عن النص القرآني هو سبب الخلاف كله، سبب المشاكل كلها، سبب البعد عن كتاب الله.
باسم: يعني القرآن لا يشكل مرجعًا للفقه.
محمد هداية: لا لا لا. يا دكتور، هذا كله تراث شخصي. أولًا: كلمة “فقه” في القرآن لا تعني علم الفقه الذي هم يدرسونه نهائيا. هذا علم جاء. الكلمة هي هي، نعم، لكن المعنى آخر تمامًا، المراد آخر تمامًا. علم الفقه الذي يدرّس في الكليات الشرعية لا علاقة له بكتاب الله.
باسم الجمل: يعني أهم مؤسسة في المجتمع، وأهم رابط في المجتمع وهو رابط الزواج والعائلة، غير مدارة وفق النصوص الأريحية الموجودة في النص، ومدارة بنصوص فقهية للأسف طارئة على النص. ونتائجها الكارثية واضحة.
محمد هداية: انظر يا دكتور: إن لم يعد المسلمون إلى كتاب الله ستظل المجتمعات بمشاكلها وبكل ما فيها من أخطاء.
باسم الجمل: دكتور، أنا أتفق معك بالمقولة لكن أختلف بالكيفية. مطلوب من الناس أن تعود إلى كلام الله، لكن الكيفية كيف؟ يعني بالتأكيد ليس كل الناس عندهم مقدرة أن يعودوا إلى كتاب الله بنفس المستوى.
محمد هداية: صحيح.
باسم الجمل: خاصة هذه المؤسسات. خاصة مثلًا مؤسسة الزواج. لأنه هناك مؤسسات شرعية تقود تطبيق هذه النصوص أو تقنون أو تشرع لهذه العلاقات. إذا هذه المؤسسات غير قائمة على النصوص الأريحية الموجودة هنا، وعكس ما يطبق بالفقه من تضييق وشدة في الموضوع، والنتيجة بينة للناس: المجتمع ينهار شيئا فشيئا. يعني المؤسسة الأولى في المجتمع أو النويّة الأولى في المجتمع تنهار.
محمد هداية: طيب أقول لحضرتك.
باسم الجمل: ما هي الحجج التي بقيت عند هؤلاء الناس لأن لا يطبقوا ذلك؟
نداء إلى المجددين: ضرورة التوحد والعمل الجماعي
محمد هداية: سأقول لحضرتك على نقطة، وحضرتك ادرسها وأنا معك. لكن أسأل حضرتك سؤالًا وأجبني عليه بالصراحة المعهودة. نحن الآن على الساحة كم شخصية مجددة وتتكلم في ما نتكلم فيه الآن؟
باسم الجمل: فيه، فيه ناس كثيرة. لكن لا أعرف والله، ما عندي.
محمد هداية: أي رقم. أنا لا يهمني الرقم. أنا يهمني الذي سأقوله لحضرتك بعد هذا.
باسم الجمل: يعني يمكن أحكي لك مليونان ثلاثة ملايين.
محمد هداية: فيه.
باسم الجمل: فيه.
محمد هداية: إذن فيه. هل أحد منهم اتصل بآخر رآه يجيد ويحسن لنصنع معًا مثلًا فكرًا ثنائيًّا ثلاثيًّا رباعيًّا لنكوّن..؟
باسم الجمل: صح. أنا أتفق معك. صح، أتفق معك. خاصة أنا أحكي لك التالي، يعني أنا أتابع بعض ما يقوله هؤلاء الناس.
محمد هداية: وأنا كذلك.
باسم الجمل: لم أجد للحظة.
محمد هداية: نعم.
باسم الجمل: أن هؤلاء يتطرقون للقضايا الحياتية اليومية التي عليها نصوص قرآنية واضحة وأريحية في معانيها ومراميها.
محمد هداية: أقول لحضرتك الذي أنا لاحظته أيضًا، وأيضًا راجعني فيه. أنا لم أرَ فينا كلنا وأنا منهم أنه ما فيه واحد عنده استعداد أن يكلم الثاني. أنا لا أعلم لماذا. هل تجربة سبقت مثلًا وجعلته يخاف أن يتصل، لن يلقى قبولًا؟ هذه حصلت معي أنا شخصيًّا. لكن كيف نحن ساكتون؟ هل أطلب من حضرتك أن أحدًا يقوم بهذا العمل مثل “مجتمع” مثلًا، مثل حضرتك، وتجمع اثنين ثلاثة أربعة لغاية عشرة؟ لا نريد المليون، ونبقى نواة تتحرك مجتمعة. يعني أنا تعجبني كلمة “مجتمعة”. أول التعريف ممتاز. لماذا؟ لأن الفرد مهما بذل، نحن نحارب. أنا أحارب من سنة 1979. لففت البلاد مثل حضرتك بالضبط. وكما أنت عارف، لففت كل البلاد. أحيانًا كانت المحاضرة فيها عشر قاعدون، التي بعدها أحد عشر. لن أقول لك التي بعدها عشرون. لا لا لا لا. وأنا راضٍ. وكلما زاد العدد أقلق، أنا أقول لك على طبيعتي. لكن حتى الآن لم أجد أحدًا اتصل بي وقال لي: “تعال يا دكتور، نضع أيدينا في يد بعض، أنا وأنت ودكتور باسم وفلان وفلان وفلان وفلان، ونعمل طاولة هكذا نقعد عليها وكل واحد يتبنى نقطة نشتغلها ونجتمع ونطوّع حاجة لوجه الله”. أنا أعلنها وأنا موافق وجاهز.
ختام الحلقة
باسم الجمل: دكتور أنا موافق معك. لكن الوقت غير موافق معنا. شكرًا دكتور. الحديث معك جيد وممتع وذو شجون. وإن شاء الله نلتقي في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. إلى اللقاء.
