Skip to content Skip to footer

حقبة البشر من أبناء إبراهيم إلى ولادة النبي موسى | دراسة قرآنية | د.يوسف أبو عوّاد

 

المحاور

  • هل يمكن التمييز بين أبناء إسماعيل وأبناء إسحق؟
  • كيف انتشرت ذرية إبراهيم؟
  • بداية انتشار بني إسرائيل
  • الملامح الحضارية في حقبة لوط وإبراهيم
  • الملامح الحضارية في حقبة نبي الله يوسف
  • الملامح الحضارية في حقبة مدين
  • الظروف التي ولد فيها النبي موسى

مقدمة الحلقة: التحقيب الزمني للقصص القرآني

باسم الجمل: أهلاً بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مفاهيم”. وكالعادة نلتقي بالدكتور يوسف أبو عواد؛ دكتور أهلاً وسهلاً بك.

يوسف أبو عواد: أهلاً بك يا دكتور.

باسم الجمل: في الحلقات السابقة، ما زلنا نبحث في مراحل التحقيب للقصص القرآني، وقد تحدثنا عن الفترة الزمنية التي عاش فيها النبي إبراهيم والنبي لوط -عليهما السلام-. والآن نريد الانتقال إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة ذرية إبراهيم؛ هذا التحقيب الزمني الذي عبّر عنه القرآن من خلال سرد القصص التاريخي الذي عاش فيه النبي إبراهيم وذريته، تفضل دكتور.

رؤية عالمية للقرآن بعيداً عن التقزيم الجغرافي

يوسف أبو عواد: 

3:15 أهلاً بك دكتور وبالسادة والسيدات المشاهدين والمشاهدات. في الحقيقة، ومن باب التذكير، فإن الطرح الذي ذكرناه يمثل رؤية جديدة هدفها تقديم القرآن للعالم. نحن الآن نعيش في عصر العولمة، وربما كان الطرح “المقزّم” جغرافياً وتاريخياً صالحاً لحقبة سابقة، وكانت تلك هي الحدود المعرفية للمفسرين في ذلك الوقت. لكننا الآن أمام عالم مفتوح، فحين نقدم القرآن للعالم، إذا لم نقدمه برؤية عالمية -وبدون تكلف طبعاً- فإن القراءة اللسانية والترتيلية للآيات تساعدنا على ذلك. ومن يُقدَّم له القرآن الكريم لن يشعر بأن هذه القصص ذات صلة بتاريخه الشخصي إذا شعر أنها متصلة فقط بتاريخ منطقة جغرافية محدودة أو عرق معين كان موجوداً في بقعة معينة أو لفترة زمنية خاصة.

4:12 ما نسعى لمقاربته من خلال هذه القراءة اللسانية هو أننا نحاول كما قلت دون أدنى تكلف، قراءة النص قراءة تصلح لجميع البشر. ومن هنا رتبنا الحقب؛ بدءاً بحقبة آدم وبنيه، ثم نوح، ثم عاد، ثم ثمود، ثم إبراهيم ولوط. وقلنا إن البشر كلهم تناسلوا من إبراهيم ولوط، وأن لوطاً بعد أن أسرى إلى الأرض التي بارك الله فيها التقى بإبراهيم، لُقّب بإسرائيل؛ أي هو أول من لُقّب بإسرائيل. فصار التنزيل الحكيم يخاطب البشر في هذه المرحلة بـ “يا بني إسرائيل”، ويذكر أحياناً “آل إبراهيم” قوله تعالى: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وقوله: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}. والحقيقة أنها تشمل كل البشر، فذرية إبراهيم وبنو إسرائيل هم كل البشر.

وحدة الذرية واختلاط الأنساب

يوسف أبو عواد: 

5:01 والآن هناك نقطة في غاية الأهمية؛ لقد قلنا إن إبراهيم كان له -فيما يظهر في النص القرآني- ولدان مباشران: إسماعيل وإسحاق. وقد يدخل بعض الناس من هذا المدخل لإعادة فكرة العنصرية بين البشر، فيقول هؤلاء “أولاد إسماعيل” مثلاً وهؤلاء “أولاد إسحاق” أو “أولاد يعقوب”، وبالتالي يفضل نسل ولد من الولدين على الآخر. السؤال هنا: هل ميّز القرآن الكريم أو أعطاك طريقة تميز بها نسل إسماعيل عن نسل إسحاق؟

5:36 الجواب موجود في الآيات، وهذا ما نريد البدء به. في سورة إبراهيم: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}. اتصالاً بما سبق، نجد أن البيت قد رُفعت قواعده، وأسكن إبراهيم “من” ذريته، و “من” هنا تبعيضية؛ أي أسكن بعض ذريته في هذا البلد.

باسم الجمل:

6:01 والبعض الأخر أين ذهب.

يوسف أبو عواد: 

6:02 والبعض الآخر سيتحرك في الأرض بدافع الانتشار البشري الطبيعي. الإنسان بطبيعته يسعى للاكتشاف والانتشار، لكن الجميل في النص أنه لم يحدد من الذي بقي عند البيت.

باسم الجمل:

6:18 ومن الذي انتشر.

يوسف أبو عواد: 

كما لم يقيّد أن من بقي في البيت ممنوع من الانتشار، أو من ذهب ممنوع من العودة. قد تكون الحركة سلسة؛ فمن شاء من هذه الذرية العودة إلى البيت المحرم فليفعل، لأنه قال: {وَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}. إذاً الموضوع فيه اختلاط بين النسبين (نسب إسماعيل ونسب إسحاق) دون قدرة على التمييز العنصري.

أهداف الاستيطان في الوادي المحرم

باسم الجمل: 

6:48 عفواً دكتور، من الذي اختار هذه المجموعة لتسكن عند البيت واستثنى المجموعة التي انتشرت؟ من اختار من يسكن عند البيت، ومن ينتشر؟ ومن الذي يحدد ذلك؟ هل النبي إبراهيم هو الذي حدد أن هذه المجموعة ستسكن عند البيت المحرم، وأن المجموعة الأخرى تنتشر؟ وكيف تمت عملية الاختيار؟

يوسف أبو عواد: 

7:15 جميل يا دكتور. الذي يظهر أن ما أومأ به إبراهيم إلى الذرية هو أن بعضاً منها سيبقى وبعضاً سينتشر، من غير أن يلزم أحداً بعينه. ولماذا يبقى البعض؟ يبقى لأن البيت -كما قلنا- هو بؤرة ستشكل نقطة نظام للأمن العالمي، وسيكون نموذجاً يتوسع شيئاً فشيئاً حتى تنتشر فكرة الأمن التي أرادها إبراهيم لتشمل العالم. أما الانتشار فهو الجزء الآخر من الذرية التي ستتكاثر وتعمّر باقي الأماكن؛ لأنه في النهاية لو بقينا في هذه البقعة فقط فلن تتسع للبشر مع حصول التكاثر.

الملامح الحضارية: الزراعة وحفظ المعارف

باسم الجمل: 

7:51  بالتأكيد ولكن هنا سؤال يطرح نفسه في وصف أو تحديد ماهية الوادي الذي اسكن فيه الذرية : {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}. أين البيت الآمن إذا كان الوادي الذي فيه البيت خالياً من الزرع؟

يوسف أبو عواد: 

8:12 هنا يا دكتور جعلتنا نتشابك مرة أخرى مع الملامح الحضارية. فنحن في هذا التحقيب كنا في كل مرة نذكر الملامح الحضارية التي يشير إليها النص القرآني. قلنا إننا حين نبحث عن “عاد” نبحث عن بناء في الجبال، وعند “ثمود” نبحث عن نحت وقصور في السهول. الآن، بعد إهلاك عاد وثمود ووصولنا إلى مرحلة إبراهيم، هل بقيت الثمرات والجنات والعيون والزروع التي ذُكرت في عهد ثمود؟

8:46 في عهد نوح لم تكن موجودة، في عهد عاد ظهرت الجنات والعيون، وفي عهد ثمود أصبح الأمر أكثر تطوراً فصار هناك زروع ونخل طلعها هضيم، كما تذكر الآيات. هل بقي هذا في عهد إبراهيم؟ نعم، ولكنه ذهب إلى مكان ليس فيه تلك الإشكالات التي كانت في الأماكن التي هجرها؛ لأن إبراهيم هجر الأماكن التي دعا فيها إلى وحدانية الله ولم يُستجب له. فأسس البلد الآمن في وادٍ غير ذي زرع، لكنه قال: «اجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم»، ثم قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}. ما معنى هذا.

باسم الجمل:

9:27 يعني الزراعة كانت موجودة.

يوسف أبو عواد: 

9:29 هذا يعني أن فكرة الزراعة وآلية تعلمها موجودة؛ فلو ذهبتُ إلى مكان ليس فيه زرع فإني أمتلك الأفكار التي تعيد إنشاء الزرع. ولذلك قلنا إن من تسلسل البشر في الأرض أن تُحفظ الأفكار، حتى لو أُهلكت الأقوام السابقة، فإن كل علم وصلوا إليه يُحفظ ويُنقل إلى الأجيال اللاحقة.

باسم الجمل: 

9:48 يعني بقيت المعارف تتناقل من جيل إلى جيل رغم ذهاب أصحابها.

يوسف أبو عواد: 

9:54  تماماً، هذا هو الأمر. ففكرة الزرع والثمرات مفهومة. ونحن قلنا إن “الزرع” في النص القرآني ينصرف غالباً إلى الحبوب، و”الثمرات” تنصرف غالباً إلى الفاكهة. فلما ذكر، في سياق الآيات التي تتحدث عن عهد إبراهيم، الزرعَ وذكر الثمرات، إذن حفظ ما كان معروفًا من المعارف الزراعية. وفي عهد ثمود، رغم إهلاك هذه الأقوام. 

باسم الجمل:

10:20 يعني وصف الوادي بأنه “غير ذي زرع” لا يعني أنه صحراوي أو غير منتج، بل يعني أنه يحتاج إلى تفعيل المعارف.

يوسف أبو عواد: 

10:29 بالضبط، لا توجد إشارة إلى أنه غير منتج، بل على العكس؛ إبراهيم دعا ربه: {وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ}. ونحن قلنا إن الدعاء دائماً يقترن بالعمل والبحث عن القانون وتفعيل القانون الذي فُهم. هذا هو.

دحض النزعات العنصرية في الأنساب

يوسف أبو عواد: 

10:45 والآن، ومما يشير أيضاً إلى اختلاط الذرية -وهذه الآية ذكرناها سابقاً ونؤكد عليها- وصية يعقوب: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي}. لاحظ، الكلام عن يعقوب ويخاطب بنيه، لكن حين تكمل الآية نجد أنهم قالوا: {نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}. من الذي كان حاضراً في الوصية أيضاً؟ هناك من هو من نسل إسماعيل. يعقوب من نسل إسحاق أليس كذلك؟

باسم الجمل:

11:19 واضح، كلام صحيح.

يوسف أبو عواد: 

 (بشّرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)، فلماذا قال بنو يعقوب قالوا: إلهُكَ وإلهُ آبائِكَ؛ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ؟

11:30 بينما في سورة يوسف مثلاً، يقول نبي الله يوسف (وهو من نسل يعقوب): {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}، ولم يذكر إسماعيل لأن يوسف من نسل يعقوب مباشرة. لكن حين ذكر البنين بشكل عام (أبناء إبراهيم) ووصاهم يعقوب، قالوا “إبراهيم وإسماعيل وإسحاق”

باسم الجمل: 

11:52 إسماعيل وإسحاق

اختلاط ذرية إسماعيل وإسحاق

يوسف أبو عواد: 

وهذا يدل على اختلاط أبناء يعقوب بأبناء إسماعيل اختلاطاً لا يمكن معه التمييز.

12:03 صحيح أن النص القرآني ميَّز يوسف عليه السلام بأنه من نسل يعقوب، وميَّز في سياق آخر زكريا. ولكي أكون محايدًا تمامًا، فإن النبيَّين اللذين أوضح القرآن أنهما من نسل يعقوب على وجه الخصوص هما: يوسف وزكريا.

ومن أين نجد ذلك في شأن زكريا؟ عندما قال:

﴿إِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾.

وذلك في سورة مريم: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾.

ثم قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.

ومن هنا أفهم أن زكريا، ثم يحيى ـ الذي هو ابن زكريا عليهما السلام ـ من نسل يعقوب.

أما موسى، فإنك في النص القرآني لا تستطيع أن تميِّز هل هو من نسل يعقوب أم من نسل إسماعيل، بل إن الحديث عن النسلين متداخل في مواضع متعددة.

ولذلك فإن هذا الفهم يقضي على كل دعوى عنصرية تقوم على التمييز بين النسلين. لأن بعض الناس، عندما نذكر قضية إبراهيم ولوط، يعود إلى هذا التمييز، فيقول: هذا من نسل يعقوب، وذاك من نسل إسماعيل، ونحو ذلك.

باسم الجمل: 

13:19 في الحقيقة، الإشكال التاريخي الذي ما زال الناس يعيشون في ظله هو ما أُخذ من الأسفار اليهودية واليمنية في تعريف “من هم ذرية إبراهيم”، وتحديد أن هذه الذرية تعود لهذه الملة وتلك لتلك الملة. هذا هو ما أحدث الخلل؛ فصار هناك تقسيم حتى في الأبناء (إسحاق لليهود وإسماعيل للعرب)، وهذا التقسيم لم يكن قائماً في ذلك الوقت، بل أُسقط بأثر رجعي على مرحلة تاريخية انتهت. والأجدر أن الآية تعيد تصحيح هذا الفهم، ولهذا قال القرآن: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}.وبالتالي، فإن 

يوسف أبو عواد: 

14:08 بالضبط هذا هو دكتور. 

باسم الجمل: 

هذا القصص جزءٌ من الذي يحاول القرآن أن يقصَّه على الناس، والخَلَل الذي أحدثه في روايات التاريخ القديم. 

يوسف أبو عواد: 

14:017 و كان سبباً في أسوأ حروب العالم طبعاً، هذه المشكلة يعني تحوله إلى عنصرية. وهذه العنصرية تتحول بعد ذلك إلى حروب، القرآن يقول لك: أصلاً انت لن تميز من هو من نسل من . الكل يرجع إلى إبراهيم ولوط، والكل “آل إبراهيم”، والكل “بنو إسرائيل” إذا سلكوا مسلكه، والكل يرجع إلى نوح وآدم. لقد قطع دابر العنصرية بهذه الطريقة.

التطور المدني والاجتماعي: النوادي والسبل

يوسف أبو عواد:

14:45 ومن المظاهر الحضارية أيضاً فكرة “النوادي”؛ أي الاجتماع لمناقشة قضية معينة. كانت هذه الفكرة موجودة في قوم لوط، وإن كانت لغرض سلبي، لكنها كفكرة بشرية كانت قائمة. حين قال لهم لوط: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ}. حين أبحث عن قوم لوط، يفترض أن يكون هناك أثر لنوادٍ يجتمع فيها الناس و “سبل”. والسبل أصغر من الطرق؛ مما يعني أننا نتحدث عن قرية فيها اتساع تطلب وجود سبل تربط أجزاءها ببعض.

15:25 أما مظاهر الحضارة في عهد إبراهيم، فقد ذكرنا الزرع والثمرات، وكانت صناعة التماثيل موجودة. لاحظ أن النحت الذي كان في عهد ثمود تطور ليصل إلى صناعة أدق وهي التماثيل.

باسم الجمل: 

15:42 يعني التوارث المعرفي؛ اتفقنا أن قوم عاد وثمود تم التخلص منهم وفق سنن الله، هذه المعرفة التي انتقلت منهم، مَن نقلها؟ فهذا يعني أن المجموعات البشرية كلها لم تُبَدْ، أو لم تهلك جميعها. 

يوسف أبو عواد: 

16:06 نعم، الذين أنجاهم الله. ففي كل مرة يقول “ونجينا الذين آمنوا”. 

باسم الجمل: 

16:11 يعني أن الذين آمنوا هم الذين توارثوا وورثوا المعارف. 

يوسف أبو عواد: 

المشكلة أن البعض حين يقرأ آيات الإهلاك يظن أن المشكلة في المعرفة أو البناء، بينما النص لا يعيب ذلك، بل التطوير والإعمار مطلوب أصلاً، المشكلة في أن يحرف إلى أغراض سلبية. لأن كل تطوير هو سلاح ذو حدين. فمتى ما حرَّفتَ هذه المعارف عن غايتها الأصلية، فاستعملتها لغرض الترف، أو الاستبداد، أو الظلم، أو التجبر، فإنك تكون قد حرَّفتها عن الغاية التي وُجدت من أجلها.

فماذا يفعل المؤمنون؟ إنهم يحفظون هذه المعارف، ثم ينقلونها إلى الأجيال اللاحقة، بشرط أن يكون ذلك مع الإصلاح في الأرض وحقن الدماء.

باسم الجمل: 

16:53 التواصُل الحضاري قائم منذ اللحظة الأولى لوجود البشر على الأرض، وأن هذه الحضارة، وتواصل المعارف أو توارث المعارف، لم ينقطع.

الفلك والعلوم والنمو السكاني

يوسف أبو عواد:

17:02والله يا دكتور، في هذا التحقيب الذي ندرسه، وجدتُ أمرًا عجيبًا فعلًا؛ إذ إن كل مرحلة تسجِّل ما كان موجودًا في المرحلة السابقة، ثم تضيف إليه زيادةً وتطورًا.

لاحظ مرحلة إبراهيم عليه السلام؛ فصناعة التماثيل أدقُّ من النحت في الجبال. لأنك عندما تنحت في الجبل، فإنك تنحت في شيء كبير الحجم، أما التمثال فالمعروف أنه يحتاج إلى دقةٍ أكبر في النحت والتشكيل من النحت في الجبال.

باسم الجمل:

17:20 ودقةُ تصويرٍ وتخطيطٌ مُسبَق.

يوسف أبو عواد:

17:24 نعم، صحيح. فالنوادي في قوم لوط لم تكن موجودة في الأقوام السابقة. وهذا يعني أن البشرية لم تكن قد وصلت بعد إلى هذه الطريقة في بحث فكرةٍ معينة أو مناقشتها؛ أي أن تُقام أندية أو مجالس مخصصة لمناقشة فكرةٍ ما.

باسم الجمل: 

17:34 وهذا دليل تطور مدني في المجتمع.

يوسف أبو عواد:

17:37 نعم، وإن كان قد حُرِّف. والمشكلة أن التحريف ليس أمرًا سلبيًا فحسب، بل إن الأصل فيه كان تطورًا حضاريًا أو مظهرًا حضاريًا قائمًا.

17:44 والزروع والثمار أيضًا كانت موجودة في عهد إبراهيم. وقد ذكرنا أن المعرفة كانت تُتوارَث، ولذلك نفهم دعاء إبراهيم: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.

حتى البنيان؛ ألم نقل: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ في عهد قوم عاد؟ والآن لاحظ ما قيل في قوم إبراهيم: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾.

إذن، ما الفكرة؟ الفكرة أن البناء كان موجودًا، وأن القوم توارثوا فكرة البناء.

كذلك ظهر في عهد إبراهيم أمرٌ آخر لم يكن ظاهرًا عند من سبقه، وهو الاهتمام بالفلك؛ أي إن نظر الناس أصبح متجهًا إلى البحث في الأجرام السماوية.

قد يقول قائل إن هذا انحراف، وأنا أقول: نعم، من جهةٍ ما. فالبشر دائمًا عندما تظهر فكرة جديدة، إما أن تُستخدم في الاتجاه الصحيح، أو يُساء استخدامها.

والذي يجعلنا نفهم وجود اهتمام بالفلك هو ما جاء في سورة الأنعام من ذكر عبادة الكوكب، وعبادة القمر، وعبادة الشمس. صحيح أن هذا أمر سلبي وسيئ، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى اهتمام القوم بالأجرام السماوية.

18:46 إذن، فالبناء موجود، وصناعة التماثيل موجودة، والزروع والثمرات موجودة، والأندية موجودة، والاهتمام بالفلك موجود. وكل ذلك يندرج ضمن حقبة إبراهيم وحقبة لوط.

باسم الجمل: 

18:56 هذا يبدو لي ردًّا على من يقول إن العرب مرّوا بفترة من الجهل، وبالتالي عندما بُعث النبي محمد ﷺ نُقل الناس من مرحلة الجهل إلى مرحلة الوعي.

لكن هذا لا يعني أن العرب قبل ذلك كانوا أمةً من الجهل لا معرفة لديها. بل ما نقوله هو أن المعارف كانت متراكمة، وكانت تتوارث جيلًا بعد جيل، حتى وصلت إلى المرحلة الأخيرة، مرحلة النبي الخاتم ﷺ.

يوسف أبو عواد:

19:41  والسر في تناقل المعارف هو “تعليم الأسماء”؛ أي البيان. الإنسان تميز عن سائر الكائنات بأنه عُلّم الأسماء وصار لديه قدرة على البيان، فاللسان يحفظ الأفكار. هذه أهم نقطة. كيف تحفظ الأفكار؟

باسم الجمل: 

باللسان صح، بالمفاهيم اللسانية.

يوسف أبو عواد:

 هذه هي الميزة التي أظهرها الله للملائكة في آدم؛ والتي أنهت تساؤلاتهم و اندهاشهم، أن يستطيع الكلام ونقل البيان. وهي أيضاً ميزة في غاية الخطر اذا استخدمت بطريقة سلبية.

عصر يوسف: الدولة، النظام المالي، والقانون

يوسف أبو عواد:

20:21 الآن، عندما نصل إلى يوسف، وهو ابن يعقوب الذي ينتسب إلى إسحاق، ونذكر أن يعقوب ليس متصلًا بإسحاق اتصالًا مباشرًا من حيث الزمن، بل بينهما مدةٌ زمنية، يبرز سؤال: هل استمر الزرع؟

20:33 لاحظ في سورة يوسف قوله تعالى: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾. إذن، فإن فكرة الزراعة بقيت موجودة، لكنها تطورت. فقد أصبح من الممكن تخزين المحصول، وانظر كيف تتطور معارف البشر؛ إذ علَّمهم مهارةً جديدة حين قال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾.

20:51 فكان ذلك ادخارًا لأعوام المجاعة، وأصبح لدى الإنسان مفهوم تخزين الحبوب. والحبوب من أفضل ما يمكن تخزينه دون أن يفسد، بخلاف الثمار التي تفسد سريعًا، أو بعض البقوليات التي تكون أقل قدرةً على البقاء لفترات طويلة.

21:09 وكذلك فإن فكرة الأنعام، التي ذكرناها في عهد قوم ثمود، بقيت موجودة أيضًا. لاحظ ما قاله الملك: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾.

إذن، فإن فكرة رعاية الأبقار وتربيتها وتنميتها.

 باسم الجمل: 

21:24 كان جزءًا أساسيًا من البنية الحضارية للمجتمع.

يوسف أبو عواد:

21:27 نعم، وهي معارف توارثتها الحضارات اللاحقة من الحضارات السابقة، رغم هلاك تلك الأقوام.

21:33 أما الجب، وهو الحفرة العميقة في الأرض، فتذكَّر ما قلناه عن أصحاب الرس؛ إذ أشرنا إلى أن مهارة الحفر في الأرض، وإتقان البناء في الأجزاء السفلية، كانت موجودة لديهم.

21:45 وحقيقةً، هذا ما أريد أن أقرأه في سورة يوسف. فالقصة في صورتها العامة معروفة للناس، لكن هناك ملامح حضارية يمكن أن نستفيد منها ونقدمها للعالم، بل ويمكن أن تصبح منهجًا في البحث. وكأن الخطاب يقول لعلماء الآثار: ابحثوا، فهذه معالم حضارية أعطيكم إياها؛ فإذا وجدتم في التنقيب والبحث في الأرض أن هذه الصفات والمعالم الحضارية كانت موجودة، فإننا نستطيع أن نتحدث عن تلك الحقبة.

22:10 وهذا ما يقدمه القرآن؛ وليس سنوات محددة. ولذلك ينبغي إعادة دراسة العلاقة بين علم الآثار وقصص الأنبياء، دون الاعتماد الكامل على التراث الموجود في الأسفار اليهودية.

22:26 ثم قال قائل منهم: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾.

ولاحظ أيضًا أننا ذكرنا أن السبل كانت موجودة في عهد قوم لوط، لكن الأمر هنا أصبح أكثف؛ إذ ظهرت القوافل المنظمة، وأصبح السير عبر مسافات طويلة .

ظهور “المدينة” ومفهوم “الدين”

يوسف أبو عواد:

22:42 وأيضًا ظهرت عندنا المدينة في عهد يوسف عليه السلام. والمدينة مشتقة من دين، بمعنى أنه أصبح هناك نظام جزاء واضح يُلزَم به الجميع، وليس مجرد قرية تُدار بالتعارف القروي بين الناس. لا، بل صار هناك نظام منفصل عن الناس، وأصبحت هناك مؤسسية ورقيٌّ في طريقة إدارة المجموعة البشرية.

فكان عندنا مدينة في عهد يوسف عليه السلام. قال: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ إِنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾.

طيب، لاحظ أيضًا مظاهر التطور في الأثاث. قال: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾.

  باسم الجمل: 

23:26 يعني، هو ينقل صورة واضحة عن التطور المدني والحضاري الموجود في تلك المجتمعات. فهذه المجتمعات لم تكن متخلفة كما ندَّعى، أو كما…

يوسف أبو عواد:

23:39 لا، لا، لا، أبدًا. بالعكس، دكتور، سنصل إلى مرحلة نعرف فيها أن البشر وصلوا إلى حضارة، لا يزال جزءٌ منها مخفيًّا عن البشر إلى الآن. أي إنهم بلغوا قمةً حضارية كبيرة جدًا في هذا التحقيب، وسنذكر ذلك في مرحلة لاحقة.

23:51 لكن لاحظ إعداد المتكأ؛ فهذا يعني أننا وصلنا إلى مرحلة من الرقي الحضاري. ولاحظ أيضًا وجود السكين المستخدمة في تناول الطعام.

24:01 طيب، السجن كذلك. تخيَّل أن فكرة السجن، باعتباره عقوبة، كانت موجودة في هذه الفترة المتقدمة من حياة البشر.

باسم الجمل: 

24:09 يعني كان هناك قانونٌ يبدو لي متكاملًا من حيث الحساب والعقاب.

يوسف أبو عواد:

24:13 هذا هو. ألم يقل في آية أخرى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾؟

ومنها أيضًا استدللنا على أن الدين هو قانون الجزاء، وهذا هو المعنى الحقيقي للدين، وهو معنى واضح في القرآن غاية الوضوح.

24:28 حتى عندما تدرس التطور الحضاري، تستغرب كيف أصبح معنى الدين عند الناس شيئًا آخر، مع أن الأصل هو: كيف يُجازى المعتدي، والظالم، والمخطئ؟ وليس أشكالًا وطقوسًا وما شابه ذلك.

فالمعنى، في الحقيقة، حُرِّف إلى مكان آخر تمامًا لا علاقة له بالنص القرآني.

الدين الذي لا يختلف عليه الناس 

يوسف أبو عواد:

24:47 ولذلك، فهذا هو السر في أن الدين لا يجوز الاختلاف فيه والتفرق بسببه. لماذا؟ لأن قانون الجزاء في الأصل، ما الذي يفعله؟ يوقف الظالم عند حده، ويرد للمظلوم حقه.

وهذه مسائل ليست محل اختلاف، مثل اختلاف وجهات النظر في أمور أخرى. لذلك، فإن الدين لا يجوز الاختلاف فيه.

باسم الجمل: 

25:06 يعني حاليًا، شكل التدين الذي يمارسه البعض يحدث حوله اختلاف في كل زاوية، وفي كل تفصيل من تفاصيله، وفي كل فكرة من أفكاره؛ فهناك خلاف حوله في كل جانب تقريبًا.

يوسف أبو عواد:

25:22 ويقول لك هذا دين.

  باسم الجمل:

25:22 وهو يقول إن كل هذا دين، مع أن الدين ينبغي ألّا يكون مختلفًا عليه.

يوسف أبو عواد:

بالضبط، والقرآن واضح في هذا.

وهذه، يا دكتور، نقطة مناظرة شديدة جدًا، مع كامل الاحترام لمن يخالفون. فالقرآن الكريم واضح جدًا في أنه: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، وأنه لا يجوز الاختلاف والتفرق في الدين.

بينما ما يُطرح على أنه دين، كله اختلاف. فإما أن ما يُطرح ليس هو الدين، وإما أن الآيات ـ وحاشا لله ـ لم تتحدث عن مبدأ صحيح.

لكن لو أعدنا تعريف الدين بهذه الطريقة؛ أي باعتباره نظام الجزاء الذي يعاقب الظالم ويرد للمظلوم حقه، فإن الناس لن يختلفوا فيه؛ لأنه سيقوم على مبادئ إنسانية واضحة جدًا.

باسم الجمل: 

26:04 ويبدو أن هذه إحدى الإشكاليات التي ركن إليها الناس في قراءة القصص التاريخي، الذي كُتب من قِبل آخرين، واعتُبر أنه المصدر الوحيد للتاريخ.

يوسف أبو عواد:

26:16 هذه هي المشكلة. هذا الفرق، دكتور. في كل مرة يلمس الناس الفرق بين قراءة النص من داخله وبين التأثر بالمؤثرات الخارجية، يقول لك: لماذا لا تأتي بمؤثرات خارجية؟

26:28 لكن القراءة الداخلية أعطتني نتائج مختلفة كليًا، ومنطقية كليًا، وعالمية، وإنسانية.

فكيف، بعد أن رأيت كل هذا الحق والنور فيها، أتركها؟ يعني لا أستطيع.

عندما تنشغل بالنص القرآني داخلياً، لا تستطيع أن تخرج خارجه يعطيك منظومة واضحة التناسق.

  باسم الجمل: 

26:47 يُزوِّدك بمعارف دائمة، وثابتة، ومتراكمة.

يوسف أبو عواد:

26:50 وتجد أن النتائج مقبولة منطقيًا، وعقليًا، وعالميًا.

الإدارة المالية والتبادل التجاري

يوسف أبو عواد:

26:53 في عهد يوسف عليه السلام أيضًا كانت الإدارة المالية راقية جدًا عند البشر. قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.

27:03 يعني كانت هناك إدارة مالية كاملة، ووزارة خزينة، ووزارة تموين. تخيَّل النظام الذي وصل إليه البشر في عهد يوسف عليه السلام.

27:13 ولما جهزهم بجهازهم قال: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.

والكيل كان موجودًا هنا، وسيأتي الحديث عنه بعد ذلك في عهد مدين.

  باسم الجمل:

27:22 في نظام مقاييس.

يوسف أبو عواد:

27:23 يأتي في عهد مدين. ألم يقل نبي الله شعيب لقومه: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾؟

27:32 صحيح، ولكن أين بدأ ذلك في النص القرآني، بحسب تسلسل الحقب؟ بدأ في عهد يوسف. ففكرة الكيل، باعتبارها وسيلة لبيع سلعة معينة أو إعطائها مقابل ثمن معين، كانت موجودة في عهد يوسف عليه السلام.

وقال أيضًا: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾.

27:52 لاحظ فكرة الاستعاضة عن المقايضة. فالبشر في فتراتهم الأولى لم يكونوا قد وصلوا إلى فكرة المال؛ أي جعل شيء معين وسيطًا بين الناس لتسهيل تبادل الخدمات والمنافع والمنتجات. بل كان التبادل يتم خدمةً بخدمة، أو سلعةً بسلعة.

يوسف أبو عواد:

28:08 لكن في عهد يوسف تظهر الدراهم، والدراهم هي.

باسم الجمل: 

28:14  يعني في عهد يوسف ظهرت الدراهم، فظهرت وزارة المالية، ووزارة الزراعة، وظهرت المدينة، وظهر القانون، وظهر الدين؛ فتكوَّنت دولةٌ حضارية.

يوسف أبو عواد:

28:29 وتطورت وسائل النقل.

باسم الجمل: 

وسائل النقل، صح.

يوسف أبو عواد:

 فقد جاءت السيارة، وأصبح هناك نشاط في حركة النقل.

28:34 وقال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾. ولاحظ أن المدينة كانت موجودة، لكن ذلك لم يُلغِ القرية؛ فالقرية بقيت موجودة على أطراف المدن، كما بقيت القوافل موجودة أيضًا.

28:46 وظهر كذلك عرش الملوك؛ أي صناعة عرش للملك ووجود بيتٍ للملك، وكان ذلك في عهد يوسف عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾.

فهذا يبين شكل المدينة، وشكل الحضارة البشرية التي وصل إليها البشر في عهد نبي الله يوسف عليه السلام.

باسم الجمل: 

ووصل الأمر إلى وجود نظامٍ مَلَكي. 

يوسف أبو عواد:

آي نعم.

باسم الجمل: 

أي إن هناك درجةً من الرقي في الموضوع.

يوسف أبو عواد:

29:08 طبعًا، كان هناك ملك، وكان هناك عزيز، وكان هناك دين، وكان هناك سجن، وكل هذه المظاهر التي ذكرناها.

29:16 طيب، الآن بعد هذه المرحلة، لا يوجد عندي كلام مفصل لا عن إسماعيل، ولا عن إسحاق، ولا عن سائر الناس من ذرية إبراهيم مباشرة.

29:30 فالقرآن الكريم، في السور التي تتحدث عن القصص النبوي، يذكر مباشرة مرحلة مدين بعد مرحلة إبراهيم ولوط ويوسف. كما أن مدين قريبة جدًا من موسى عليه السلام، بل إن لقاءً قد حصل بين موسى ومدين، وسنذكر ذلك.

29:48 طيب، لكن ما دلالة كلمة «مدين» أصلًا؟ ولماذا قال: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾؟

29:55 لاحظ أن كلمة «مدين»، ما هو جذرها، أصلا لو رجعت لسانيا…

باسم الجمل: 

الدين.

يوسف أبو عواد:

30:00 الدين، لكن لم يقل: «مدينة»، لأن المدينة تبدو أكثر تخصيصًا واتساعًا. أما «مدين» فهو اسم مكان، وحتى في الصرف العربي يُعد اسمَ مكان، مثل: ملعب.

باسم الجمل: 

في ملعب، صح. مخبز محجر. 

يوسف أبو عواد:

30:12 مئة بالمئة، فهو مكان فيه دين؛ أي فيه نظام جزاء، لكنه أصغر حجمًا، وكأنه يقع بين القرية والمدينة.

اسم الجمل: 

بمعنى بسموها  (Town) يعني بلد.

يوسف أبو عواد:

مرحلة الانتقال من القرية إلى المدينة 

بلدة، نعم، لكن المعنى الذي تؤديه الكلمة العربية أدق بكثير.

فلذلك نجد في عهد مدين الكيل والميزان، ونجد فيها أيضًا فكرة الصراط، الذي هو أوسع من السبيل. ألم يقل لهم شعيب عليه السلام: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾؟ فالصراط أكبر من السبيل من حيث الدلالة.

بمعنى أن هؤلاء كانوا في منطقة وسط بين القرية والمدينة، وكانت هناك طرق كبرى تصل هذه المنطقة بمدن أخرى.

32:55 لماذا بمدن، دكتور؟ لأنه إذا كانت هناك مدينة في عهد يوسف، فإن المرحلة اللاحقة ينبغي أن يكون فيها أكثر من مدينة.

والذي يعيش في بلدة، أو في مدينة كما يسميها القرآن، أو في قرية، تكون هناك صُرُط وطرق تصل بين هذه المناطق التي بدأ البشر ينتشرون فيها.

33:16 ولذلك قلت كثيرًا إن البشر، بعد نسل إبراهيم ولوط، وآل إبراهيم وبني إسرائيل، بدأوا ينتشرون في أصقاع الأرض تدريجيًا.

باسم الجمل: 

هنا “مدين” لا تعني اسم مكان بقدر ما تعني وصفاً للمكان.

يوسف أبو عواد:

والله كل القرآن مفاهيم دكتور. كله حقيقة. كله مفاهيم.

باسم الجمل:

يعني مدين هو لفظٌ مفهومي يصف الحالة التي كان عليها قوم شعيب، 

يوسف أبو عواد:

آي نعم.

باسم الجمل: 

أو المرحلة التي جاءت بعد النبي يوسف. 

يوسف أبو عواد:

33:47 أي نعم، ولكنها فيها مدائن. هو، يا دكتور، أليس موسى عليه السلام توجه تلقاء مدين في سورة القصص، ولم يتوجه تلقاء مدينة؟

طيب، موسى أين كان يعيش؟ في مدائن. ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾، ومدائن جمع مدينة.

إذن التسلسل واضح؛ المدينة التي كانت في عهد يوسف أصبحت “مدناً” في عهد موسى. وهذا لا يمنع وجود “مدينات” (إن صح التعبير).

باسم الجمل

يعني هنا يتحدث عن حضارةٍ متقدمة. 

يوسف أبو عواد

وتسلسل واضح لا يوجد إشكال، متناسق جداً.

 باسم الجمل
إذن نحن نتحدث عن دولة كبيرة تضم عدة مدن، وفيها تقدم حضاري، وفيها حكم ملكي وفيها طرق.

يوسف أبو عواد
34:29 وطرق ضخمة تصل بين المناطق. نعم، وهناك قطاع طرق؛ ولذلك قال لهم: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ}، أي تهددون، {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ}. انظر إلى مفهوم “الإيمان” هنا؛ إنه عجيب جداً عند دراسة النص من جميع جوانبه. هو يقول لهم إن الناس أصبح بينهم نظام أمن، ولذلك تتحرك الطرق الخارجية (مثل الطرق السريعة اليوم) أصبح هناك حركة. وصار للناس “عقد إيمان” يؤمّن بعضهم بعضاً به.

35:09 لكن ماذا كان يبدر من قوم شعيب أو من أهل مدين كانوا يقطعون هذه الطرق الكبيرة، إما بالتهديد أو بالصد عن سبيل الله. والصد هنا يعني منع الناس من المرور. ولماذا سماه “سبيل الله”؟ لأن الله يريد للناس أن يعيشوا وينتشرون ويطورون. 

باسم الجمل
وفق حياةٍ طبيعية، تدعو إلى الإصلاح في الأرض. 

يوسف أبو عواد

آي نعم.

باسم الجمل

يعني هنا سبيل الله ليس أن يمنعه، مثلًا، من العبادات أو من الطقوس.

يوسف أبو عواد
35:40 أبداً، لا علاقة لها بالطقوس فقط. سبيل الله هو هذا الإعمار الذي يخضع لنظام الأمان الذي وصلت إليه الحضارة البشرية في ذلك الوقت. ولذلك قال لهم: {وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ}، أي من مَنح الأمان بالله. صح كانت مدائن وكان فيه مدين وكان فيه قرى. ولكن هؤلاء الناس بينهم عقد إيمان ليس بعنصرية ولا لمدينة خاصة. هو بالله يشمل الكل، فقال لهم: أتصدُّون عن سبيلِ اللهِ مَن آمنَ به، وتبغونها عِوَجًا؟﴾ يعني أنكم لا تريدون طريق الاستقامة. لماذا؟ تغليبًا للمصلحة الفردية على المصلحة الجماعية للبشرية. انظروا كيف يكون ذلك .

36:20 ﴿واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثَّركم﴾. إذن، ففكرة أهل مدين ورثت فكرة المكيال والميزان أيضًا. وكانت فكرة المكيال، كما قلنا، موجودة في عهد نبي الله يوسف، أليس كذلك؟ ثم ظهر الميزان أيضًا، وهو أدق من المكيال. انظروا إلى هذا التطور؛ فقد ظهر في قوم مدين، وظهر الصراط، وظهرت هذه المفاهيم كذلك. 

باسم الجمل

36:41 هل لفظ الميزان هنا يُقصد به الميزان الذي تُوزَن به الأشياء؟ لأن لفظ الميزان أيضًا يمكن أن يُفهم على نحوٍ أوسع من هذا المعنى. 

يوسف أبو عواد

36:50 كل المفاهيم القرآنية هكذا، دكتور؛ كلها لها أصلٌ محسوس. وهذا الأصل المحسوس يُعطيك بوصلةً حتى تفهم المعنى المجرَّد من دون أن تنحرف، ومن دون أن تذهب إلى معانٍ تصبح غير مقبولة. فهو دائمًا يُعطيك سَمْتًا، أي يُعطيك نقطةَ نظام.

باسم الجمل

طيب، لماذا أنهى الآية: ﴿ولا تقعدوا بكل صراطٍ توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجًا﴾، ثم قال: ﴿واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثَّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين﴾؟ 

يوسف أبو عواد

37:24 جميل. الآن، دكتور، الأقوام الأخرى التي كانت تكثر ثم تنزل بها العقوبة عندما لا تستجيب، ماذا كان يحصل لها؟ كانت تُباد، فيبقى القليل من المؤمنين. ولذلك يقول شعيب لقومه: إن الله كثَّركم، فلا تفسدوا فتَنزل بكم عقوبة، فتعودوا قليلين كما حصل مع الأقوام التي سبقتكم.

لكن لاحظوا ما الذي ينهى عنه شعيب؛ فهو ينهى عن إنقاص المكيال والميزان، وبخس الناس أشياءهم، وقطع السبل، والإفساد في الأرض، والإخلال بنظام الإيمان بما يوفِّره من أمن. هذا هو الدين، وهذه هي رسالة الله إلى الناس.

باسم الجمل

هذا الدين عبارة عن دستور المدينة. 

يوسف أبو عواد

38:03 نعم، مثل دستور المدينة.

فدكتور، في الحقيقة نحن وقعنا بين طائفتين؛ طائفة حوَّلت الدين إلى طقوسٍ مطلقة، وطائفة أخرى تقول لك: إن الدين لا علاقة له بالحياة. وهذا في الواقع انعكاس للطائفة الأولى؛ لأن الذي يقول إن الدين أمرٌ فردي بين الإنسان ونفسه، إنما يفهم الدين كما قدَّمه له الفهم التراثي، على أنه مجموعة من الأمور الطقوسية فقط. لذلك يقول لك: افعل هذه الأشياء بينك وبين نفسك، لكنها لا علاقة لها بالحياة.

باسم الجمل

لا تجبرني عليه. 

يوسف أبو عواد

38:30 لكن عندما أقول لك: إن الدين هو نظام الجزاء العادل، الذي يضمن الحقوق لجميع البشر من دون تفرقة، فكيف ستقول لي إن الدين لا علاقة له بالحياة؟! أليس هذا هو نظام الحياة نفسه؟ وكيف يمكن للحياة أن تستقيم من دونه؟ 

باسم الجمل

بالضبط، ولا يمكن الاختلاف حوله أو عليه. 

يوسف أبو عواد

38:44 نعم، لا يمكن لأي إنسانٍ سويٍّ أن يقبل بذلك. فالسرقة، هل يسمح بها أحد؟ والكذب، هل يسمح به أحد؟ وأكل حقوق الآخرين، هل يسمح به أحد؟ وهكذا أيضًا عقوق الوالدين، وقتل الأولاد بمعناه الواسع؛ هل يسمح بذلك أحد؟ وهذه هي الوصايا التسع التي ذكرناها في أكثر من حلقة.

39:02 وبالنسبة للمستوى الزراعي، دكتور، ففي عهد مدين يسميهم القرآن: ﴿أصحاب الأيكة﴾، كما في قوله: ﴿كذَّب أصحابُ الأيكةِ المرسلين﴾. وهم أنفسهم أهل مدين، أو جزءٌ منهم على الأقل. ولماذا أقول: جزءٌ منهم؟ لأنه قد يكون في أطراف مدين، كما هو المعتاد؛ إذ تكون هناك مدينة مركزية، وفي أطرافها المناطق الزراعية.

ولذلك أقول: جزءٌ منهم؛ لأننا نجد في سورة الشعراء قوله تعالى: ﴿كذَّب أصحابُ الأيكةِ المرسلين﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿إذ قال لهم شعيب﴾. ) لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب. 

باسم الجمل

يعني أنهم كانوا موجودين في الفترة نفسها. 

يوسف أبو عواد

39:35 أما في سورة الأعراف، فقد قال تعالى: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبًا﴾. فعندما ذكر مدين وصف شعيبًا بأنه أخٌ لهم. أما عندما يذكر أصحاب الأيكة، فلا يذكر كلمة “أخاهم”. ويبدو أن علاقة شعيب المباشرة كانت بأهل مدين، وليس بأهل الأطراف. أما الأطراف فكانت تضم المزارعين، إن صحَّ التعبير، وقد وقعوا في الأخطاء نفسها التي وقع فيها أهل مدين.

40:02 أما الأيكة، فعندما تبحث عن هذه الكلمة وتحاول أن تجد المعنى المشترك لها في المعاجم العربية، تجد أنها تدل على الشجر الكثيف الملتف. وإذا أرجعتها إلى أصلها اللغوي، فإنها تُقارب معنى الغيضة، والغيض هو الدخول في الأعماق؛ كالغوص، ولكنه أشد دخولًا في العمق. ولذلك ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وغيض الماء﴾، أي غار ونقص في باطن الأرض.

فإذا غاصت الجذور في أعماق الأرض، خرجت شجرة عظيمة، والله أعلم. ويبدو أن الشجر المقصود هنا هو الشجر الحرجي ذو الأوراق الناعمة جدًا، مع كونه من الأشجار الضخمة أيضًا.

إذن، فقد استمر التطور الزراعي، وانظر كيف كان ذلك.

باسم الجمل

هذا تعريفٌ، أو هذا وصفٌ لأصحاب الأيكة. 

يوسف أبو عواد

40:53 هذا هو الوصف لكلمة “الأيك”. نعم، هي شجرة قوية الجذور، عميقة في الأرض، مرتفعة، أوراقها ناعمة وكثيفة. وهذا الوصف ينطبق على ماذا؟ ينطبق على الأشجار الحرجية، أليس كذلك؟ 

باسم الجمل

إذا لم يكن هناك صحراء. 

يوسف أبو عواد

41:10 لا، بل انتقلت الفكرة نفسها في مجال الزراعة. ألم نقل إن الزروع والثمار عُرفت؟ فقد عُرفت الجنات والعيون أولًا، ثم عُرفت الزروع والثمار ثانيًا، ثم بعد ذلك وصل الأمر إلى هذه المرحلة الأخيرة؛ وهي زراعة الأشجار لا لغرض الثمر، وإنما لأغراض أخرى، مثل حماية التربة من الانجراف.

وهذه هي الأشجار الحرجية. فلماذا تُزرع؟ غالبًا تُزرع في الأطراف حتى تحمي التربة من الانجراف، فهي ليست مزروعة لغرض الثمر. وهذا يُمثّل تطورًا زراعيًا متقدمًا أكثر مما كان في الحقب السابقة.

باسم الجمل

وتطورٌ زراعيٌّ يدلُّ على المدنية.

يوسف أبو عواد:

41:43 أي نعم، تجاريًا ظهر عند أهل مدين الميزان، بعد أن كان الموجود في عهد يوسف هو المكيال. وزراعيًا ظهر عندهم شجر الأيكة، بعد أن كان الأمر يقتصر قبل ذلك على الزروع والثمار.

أرأيت كيف كان هذا التطور؟ ففي عهد مدين أيضًا ظهر الصراط، أو الصراطات، بعدما كانت هناك سُبُل فقط؛ أي طرق صغيرة ومختصرة. لكننا أصبحنا نتحدث الآن عن ماذا؟ عن صراط.

عصر موسى عليه السلام ومواجهة الاستبداد الفرعوني

يوسف أبو عواد

وفي هذه الحقبة أيضًا ظهرت المدن، التي يصفها القرآن في عهد موسى. 

يوسف أبو عواد

42:11 وهو ما يُحيط بفترة مدين. وطبعًا، لماذا نربط ذلك بموسى؟ يبدو – والله أعلم – أن موسى كان في أواخر فترة مدين؛ لأنه عندما توجَّه تلقاء مدين، فعلى الأغلب كان القوم قد أُهلكوا، إذ إن قوم مدين من الأقوام الذين أهلكهم الله. 

باسم الجمل

يعني أن يوسف جاء في المرحلة الأخيرة من مدين. 

يوسف أبو عواد
يوسف؟ لا يوسف قبل…

باسم الجمل

عفواً، النبي موسى.

يوسف أبو عواد

42:40 نعم، بالضبط. فالنبي موسى جاء في المرحلة الأخيرة من فترة مدين، وهذا هو موضع الاتصال بين القصص القرآني. أرأيتَ كم هو مهم هذا الترتيب، دكتور؟ مهم جدًا حتى أفهم انتشار البشر وتوزعهم، لا أن أربط الأحداث بمجرد منطقة جغرافية محددة.

باسم الجمل

يعني أن أصحاب الأيكة والنبي شعيب كانوا سابقين في الوجود، أو في التطور، على المرحلة التي وُجد فيها النبي موسى، وأن موسى جاء بعدهم. 

يوسف أبو عواد

43:06 نعم، صحيح. وليس الحديث هنا متعلقًا بيوسف مباشرة، ولا بمرحلة يوسف نفسها. بل يمكن أن نقول إن قوم شعيب كانوا في الفترة الواقعة بين يوسف وموسى، وهذا هو المقصود. وكانت المدن أيضًا موجودة وفي طور التشكل.

أما حقبة موسى عليه السلام، فهي حقبة شديدة التعقيد. ودراستها في الحقيقة مُرهِقة جدًا في النص القرآني؛ لأنها متعبة، والآيات المتعلقة بها كثيرة جدًا. وطبعًا يتساءل الناس: لماذا يُكثر القرآن من الحديث عن نبي الله موسى؟ وربما يكون أكثر الأنبياء ذِكرًا في القرآن. وقد أجبنا عن هذا أصلًا في حلقات سابقة، وذُكر أنه أول نبي نزل عليه كتاب.

فأنت الآن تتحدث عن ما يشبه مجتمعًا كاملًا؛ ففيه مدائن وقرى ومستوطنات، إن صحَّ التعبير. وبذلك أصبح لدينا عالمٌ أوسع، والبشر فيه أكثر انتشارًا؛ ليس الانتشار الكبير الذي نعرفه اليوم، لكنه انتشارٌ واضح.

ولذلك، دكتور، هذا ما دفعني إلى أن أقول ما قلت؛ فعندما تقرأ هذا التاريخ كله لا تجد انتشارًا واسعًا للبشر من آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم إلى لوط لا يوجد انتشار. 

باسم الجمل

صحيح، أقوامٌ تأتي وتبقى، ثم تهلك. 

يوسف أبو عواد

44:17 يجب أن نلاحظ أن هذا الانتشار لا بد أنه كان يرافقه بقاء ذرية إبراهيم في البلد الحرام، في البيت المحرم؛ لأنه أسكنهم عند البيت المحرم، وفي المقابل كان هناك جزء ينتشر. والحركة بين المنطقتين مستمرة، يعني لا تتوقف، الحركة بين المنطقتين.

44:36 سنبدأ الآن في مراحل متتالية نشرح فيها كيف بدأت قصة موسى عليه السلام، من دون أن نخوض في التفاصيل؛ لأن الآيات كثيرة جدًا، وحقيقةً شرحها المفصل يحتاج إلى وقت. لكنني سأقتصر على ما يهم حقيقةً، وما فيه ملامح حضارية.

44:56 أولاً أقدم آية، ليس من حيث التاريخ بمعنى السنة، بل من حيث ترتيب الأحداث في القرآن، تتحدث عن موسى، هي: ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا﴾. هو يعطيك صورة ما قبل موسى الآن: ﴿يستضعف طائفةً منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين﴾.

45:16 يعني لاحظ ما هو السبب الذي جعل الله سبحانه وتعالى يرسل موسى. لا علاقة له بالطقوس مرة أخرى، ولا بالتدين الشكلي.

45:27 ما الذي فعله فرعون؟ علا في الأرض، إذًا هذه هي العنصرية مرة أخرى. وما الذي فعله أيضًا؟ جعل أهلها شيعًا، يعني طوائف، كل طائفة لها نظام جزاء غير الطائفة الثانية. أنت تُحاسَب على فعلك، لكن مثلًا الذي أعلى منك لا يُحاسَب، فهو فوق قانون معين.

﴿يستضعف طائفةً منهم﴾، وهذا للاتجار بالبشر، الذي يُقال له لاحقًا الجواري وغير ذلك. فلماذا ذم القرآن هذا؟

﴿يذبح أبناءهم﴾، والذبح بمعناه الواسع؛ قد يكون استفراغ الوسع، وقد يصل إلى القتل. ﴿ويستحيي نساءهم﴾، يعني يُبقيهن، ولكن لماذا؟ لغرض الاستغلال، استغلال النساء.

46:07 ولا يزال البشر عبر تاريخهم يحاول بعض الذكور استغلال النساء. وعلى فكرة، هذه نقطة سنخصص لها، إن شاء الله.

باسم الجمل

وهذا الخُلد، يعني أنني كنت أفكر في سؤال: هل فرعون شخص، أم أننا نتحدث عن نظامٍ سلطويٍّ تكرر في الحياة وما زال يتكرر؟ 

يوسف أبو عواد

46:25 والله، لا طبعًا. كان نظامًا تكرر، وما زال يتكرر، وإن كان هو كشخصٍ موجودًا. وحتى وصفه، فهذا وصفٌ مفهومي، وليس اسمًا، كشأن سائر كلمات القرآن. 

باسم الجمل

لا، أقصد أن الحالة التي أحدثها فرعون في تلك المرحلة الأولى من الزمن هي عبارة عن حالةٍ تتكرر، وعبارة عن مفهومٍ سلوكيٍّ ما زال كثيرٌ من الناس يمارسونه ضد المجتمعات أو داخل المجتمعات. 

يوسف أبو عواد

46:54 خاصةً إذا توسعت المجتمعات. هو، دكتور، هذا جمال النص القرآني. كل ما ذُكر في عهد نوح، وحتى في عهد بني آدم، يعني كل ما ذُكر في بني آدم، وفي عهد نوح، وفي عاد وثمود، وفي لوط وإبراهيم، وفي مدين، وفي عهد يوسف، كله يتكرر.

47:11 لكن القرآن يربطه بأشياء؛ يعني غالبًا المخالفات التي وجدتها في عهد قوم عاد ستجدها عندما تصبح حياة الناس شبيهة بحياة قوم عاد. وثمود كذلك، وقوم شعيب كذلك، وقوم يوسف كذلك.

لكن عندما يتوسع البشر وينتشرون في الأرض، ستجد ظاهرة الفرعنة تتكرر، طبعًا، مرةً بعد أخرى. هذا هو.

47:34 ﴿ونريد أن نمنَّ على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض، ونُري فرعون وهامان وجنودهما﴾.

إذًا نتكلم عن ماذا؟ عن جيوش. لقد وصل التطور البشري ومرحلة الحضارة البشرية إلى أن تشكل جيش كامل للحماية. طبعًا، الجيش مهم جدًا، لكنه وُجد ليحمي نظام العدالة.

أما فرعون، فما الذي فعله؟ سخر الجيش ليحمي نظام العنصرية الذي صنعه. أرأيت كيف؟

48:07 طيب، إذًا هناك سنة لله، دكتور. وهذه السنة هي مثار اهتمام لكل إنسان.

باسم الجمل

يعني فعلًا: ﴿ونريد أن نمنَّ على الذين استُضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمةً، ونجعلهم الوارثين، ونُمكِّن لهم في الأرض﴾. 

يوسف أبو عواد

48:18 هذه سنةٌ وضعها الله. فإذا لم تحصل، وأنا أشاهد ظاهرة الفرعنة قد فشت في الأرض، إذًا فالخلل من الذين استُضعفوا؛ إذ لا يوجد فعلٌ حقيقي لتفعيل هذه السنة، مع أن السنة موجودة. 

باسم الجمل

يعني ما يقوله البعض: إذا فَسَدَت أرضُك فهاجر، هو دعوةٌ للاستكانة، ويعارض روح النصوص. 

يوسف أبو عواد

48:43 طبعًا، أنت، في الحقيقة، عندما تترك الطاغية يتمادى، فإنك تساعده على زيادة طغيانه. كيف يعني؟

تتركه؟ هو؟ لن يتركك. أنت لو هجرت أو انسحبت، هل سيتركك؟ لا، بالعكس، سيزداد طغيانًا. هذا النوع من الناس. (يحذف)

فلذلك، السنة موجودة، والفكرة أن الناس لم تتجه إلى تفعيلها في الفترات التي حصلت فيها ظاهرة الفرعنة هذه.

باسم الجمل

تقصد السنة التي سنَّها الله في هذا النوع.

يوسف أبو عواد

الفعل مستمر. هذا الفعل الآن، أنا أسميه ما يُسمى بحال الفعل المضارع: ﴿ونريد أن نمنَّ على الذين استُضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمةً، ونجعلهم الوارثين، ونُمكِّن لهم في الأرض﴾. ليس: “وأردنا”، لو كان الموضوع خاصا.

باسم الجمل

فهذه السنة فاعلة، يعني سارية على طول. 

يوسف أبو عواد

على طول.

باسم الجمل

وطالما أن هناك بشرًا، فهذه السنة موجودة وفاعلة في المجتمعات. 

يوسف أبو عواد

49:28 نعم، مئة بالمئة.

فنحن بحاجةٍ شديدة إلى أن ندرس قصة موسى مع قومه، وما الذي فعله موسى حتى فُعِّلت هذه السنة، فانتهى طغيان فرعون، وفعلاً مُكِّن لهم في الأرض، وكانوا هم الوارثين، كما جاء في آخر الآيات: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل﴾.

ويقول: بني إسرائيل، وهم جزء من البشر. عجيب، أليس كذلك؟

50:00 طيب، ولكن لماذا أُطلق عليهم اسم بني إسرائيل؟ كما قلنا، لأنه عندما تنزل عقوبة في قوم، فيسري قومٌ فرارًا من العقوبة حاملين رسالة الله، فإنهم يستحقون هذه التسمية، أليس كذلك؟

هذا الأب واحد؛ إبراهيم ولوط. لكن لماذا يقول: بني إسرائيل؟

50:17 يعني مثلًا أنا أعرف رجلًا لقبه الناس “الصادق”. فإذا رأيت أبناءه يسيرون على مساره، أقول: هؤلاء أبناء الصادق. أما إذا خرج واحدٌ منهم عن صدق أبيه، فحتى إن كان ابنه نسبًا، لا تستطيع أن تقول: هذا ابن الصادق، أليس كذلك؟ ستسمي أباه باسمه العَلَم.

ولذلك، عندما يقول القرآن: بني إسرائيل، فلأنهم قبلوا فكرة الإسراء إلى الله، وكانوا يمشون مع الأنبياء.

باسم الجمل

ولهاذا سمَّى فرعون، علم، على اعتبار أنه أيضًا من بني إسرائيل؟ 

يوسف أبو عواد

لو أنه، فلماذا لم يقل عنه: من بني إسرائيل؟ لأنه لم يتصف بصفة إسرائيل الأولى، ولم يتصف بها أصلًا، بل كان على العكس من ذلك 

باسم الجمل

ولم يتخذ من سلوك إسرائيل نمطًا في حياته، وبالتالي اتخذ طريقًا آخر. 

يوسف أبو عواد

50:57 مئة بالمئة.

أما نسبًا، ففرعون قطعًا من ذرية إبراهيم ولوط، قطعًا، فهو وكل البشر أصلًا.

51:06 طيب، الآن، فرعون من الذي ساعده؟ آله. يعني آية تذكر فرعون، وآية أخرى: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب﴾.

فأصبح عندي فرعون، وآل فرعون الذين تعصبوا له تعصبًا عنصريًا. مع أنه كان هناك رجل من آل فرعون لم يكن كذلك، وهو رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، وسنأتي إليه. وكان أيضًا هناك امرأة لم تستجب لذلك: ﴿وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت ربِّ ابنِ لي عندك بيتًا في الجنة ونجِّني من فرعون وعمله ونجِّني من القوم الظالمين﴾.

تمام.

فليس الأمر لأن أحدًا قد يقول: طيب، لماذا آل فرعون؟ أليست كلمة “آل” تشير في الأصل إلى النسب وإلى الأب؟

ليس كلهم كذلك، فهو يتحدث إجمالًا. لكن في ذلك إشارة إلى خطر تعصب الإنسان لأبيه نسبًا في حال الطغيان. هذا أمر خطير، وسرعان ما ينسحب إليه الناس.

52:04 يعني عندما يكون هناك أب يمارس الطغيان، فإنه يغلب على كثير ممن ينتسبون إليه أنهم سينجرفون إلى هذا التعصب؛ لأنهم يحصلون على فوائد منه.

التعصب النسبي وبدايات قصة موسى عليه السلام 

باسم الجمل

وحاليًا، لو طبَّقت ذلك، ولو بحثت في المجتمعات، لرأيت نتائج التعصب في كل شيء: تجده دمويا، وحروبا، ودمارا. 

يوسف أبو عواد

52:26 التعصب النسبي، هذا صراحةً من أخطر ما يكون. ولذلك قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾. هوالنسب قد يجر كثيرًا إلى التعصب.

﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية﴾. هذه نقطة مهمة. ما الذي يحمي الناس أكثر؟ نظام الجزاء العادل الذي يشمل البشر، أم نظام النسب؟ وإن كان النسب مهمًا للتعارف، وأكيدًا، لكن النظام الذي يحمي فعلًا البشر في كل الأوقات وكل الأماكن هو نظام الدين الشامل لكل البشر.

فقضية التعصب للنسب خطيرة، وينبغي التنبه لها.

في هذه الظروف، يا دكتور، يشير القرآن الكريم إلى ولادة موسى عليه السلام: ﴿إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى﴾. لما وُلد موسى، والقصة طبعًا معروفة، وأنا لا أريد الدخول في التفاصيل التي لا علاقة لها بالانعكاسات الاجتماعية المباشرة، فتُترك إن شاء الله إلى مواضع أخرى تناسبها.

لكن هنا أجد النقل في التابوت كمظهر حضاري. فوضع شيء في تابوت؛ أنا في عهد نوح كان عندي سفينة، وكان عندي فلك، لكن التابوت أعقد في الصناعة من السفينة والفلك، وهذا مظهر من مظاهر التطور الحضاري.

وأيضًا أجد الناس يعيشون على ضفتي اليم، الذي يسميه القرآن في هذه الفترة “اليم”. فيما أرى، والله أعلم، هو البحر إذا ضم شيئًا يسميه النص يمًّا. لذلك تجد أنه عندما يتحدث عن ضم البحر لموسى، عندما قذفته أمه في التابوت في اليم، يسميه يمًّا. وكذلك عن فرعون لما أُغرق، يسميه يمًّا؛ لأنه يضم من فيه.

وتحركت أخته، وقالت: ﴿هل أدلكم على من يكفله﴾، ثم رده الله إلى أمه. لكن لم يرجع، طبعًا، رجوعًا مطلقًا، وهذه نقطة ينبغي لفت النظر إليها. هو رجع لفترة الرضاع، يعني كان يرجع إلى أمه للرضاع، ويعود بعد ذلك إلى بيت فرعون، لأنه نشأ هناك.

فالفكرة أن الله هدأ من قلب أم موسى بأن أرجع الولد إليها متى شاءت، يعني صارت هذه الفكرة.

طيب، ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين﴾، إلى آخر هذا السياق الذي يتحدث بعد ذلك عن بلوغ موسى.

﴿ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكمًا وعلمًا﴾.

المرحلة التالية: إذا كان عندي مرحلة فرعون والتسلط، ثم ولادة موسى عليه السلام في هذه الظروف، ثم ﴿ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكمًا وعلمًا﴾.

باسم الجمل

ما رأيك؟ طبعًا، الوقت والحديث، حقيقةً، يحملان أشياء جديدة وأشياء صادمة في فهم مدلول النص، فيما يتعلق بالتحقيب الزمني للقصص القرآني. ولكن لإعطاء هذا القصص حقَّه في الفهم والتأمل والتفسير، دعنا ننتقل إلى حلقة جديدة، ما رأيك؟

فإن شاء الله نلتقي في حلقة جديدة، في المرحلة الثانية من ميلاد النبي موسى.

شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مفاهيم مع الدكتور يوسف أبو عواد.

إلى اللقاء.