مقدمة
ما فكرة كتاب “التفكير العلمي” ولماذا هو مهم؟
طابت أوقاتُ الجميعِ بخيرٍ، تحيةٌ لجميعِ المشاهدين. لقاءٌ جديدٌ مع منصّةِ مجتمع، وكتابٌ مهمٌّ، برأيي الشخصي لم يأخذْ أثرَه في الثقافةِ العربية ولم يكنْ له حضورٌ. قرأتُ هذا الكتابَ متقدِّمًا في التسعينيات واستغربتُ لماذا لم يتكلّمْ عنه أحدٌ.
بين يديَّ كتابُ “التفكير العلمي”، الطبعة الثالثة، عام 1988. الكتابُ صدر في الحقيقةِ بالطبعةِ الأولى في نهاية السبعينيات للدكتور وأستاذ الفلسفة المصري الأستاذ اللامع المبدع فؤاد زكريا الذي رحل عن عالمنا عام 2010.
سببُ أهمية الكتاب من وجهة نظري ببساطةٍ وباختصار، هو غيابُ الثقافة العلمية في المكتبة العربية. المثقفُ الحديثُ هو أديبٌ أو شاعرٌ يقرأ لشكسبير أو للمتنبي، أو حتى يقرأ في الفلسفة لكانط أو هيغل أو ماركس، لكن ما إن تفاجئه وتبادره بسؤال: ماذا في جعبتك من الكتب العلمية؟ سينظر إليك مندهشًا، ولهذا نقول: إنّ أهمية داروين لا تقلُّ عن أهمية كانط، وإنّ أهمية -على سبيل المثال- كتابِ “التفكير العلمي” لفؤاد زكريا، لا تقلُّ أهميةً عن كتبِ علم الاجتماع وعلم النفس.
يوجد، وأنا بحكمي أنّني أعمل في مجال الكتب، نقصٌ هائلٌ في المكتبة العربية عمومًا في الكتب العلمية، فالناس لا تميل إلى هذا النوع من الكتب، بل إنَّ المتخصصين وحدهم هم من يخوضون غمارَها.
كتاب التفكير العلمي بين يديّ، الطبعة الثالثة العام 1988، يقع في 344 صفحة، وفي سبعةِ فصول. في هذا الكتاب، يفنّد الراحل الدكتور فؤاد زكريا مجموعةً من الأساطير التي عشعشت في أذهاننا عن الكتب العلمية. ويطرح الباحث، مؤلِّف الكتاب، الدكتور فؤاد زكريا، سؤالًا هامًّا جدًا: ما هو التفكير العلمي؟ ويرى أنّه ليس تفكيرَ العلماء، لأنَّ العالمَ يفكر في مشكلةٍ متخصصة، كالطبيبِ عندما يراجعه مريضٌ، أو المهندسِ الذي يقيم مشروعًا ويخطط تخطيطًا هندسيًّا. هنا الطبيبُ والمهندسُ -وهذه الأمثلة ليست للحصر- يستخدمان لغةً متخصصةً يفهمها العلماء، ومصطلحات في ذلك التفكير، وفي تلك اللغة اصطلاحات ورموز متعارف عليها، مثلًا كما يكتب الطبيب “روشتة” إلى الصيدلي، فهذه المصطلحات مغلقة فيما بينهما.
هذه المصطلحات والرموز واللغة العلمية تختلف كلّ الاختلاف عن اللغة التي يستخدمها رجلُ الشارع العادي. إذن ما هو التفكير العلمي؟ رجلُ الشارع العادي يستخدم في حديثه ومعاملاته اليومية لغة خاصة به، وهذه تختلف من الأُمّي إلى المتعلم إلى المثقف. تفكيرُ العالِم، كما يرد في الكتاب، المتخصص يستند إلى حصيلةٍ ضخمة من المعلومات، وهو تفكيرٌ متخصص.
وهنا أهميةُ الكتاب، التفكير العلمي الذي يريد أن يصل إليه الدكتور فؤاد زكريا، لا يفترض المعرفة بهذه اللغة العلمية ولا المصطلحات، ولا يبحث عن حلّ مشكلةٍ ما بعينها كما عند الطبيب والمهندس، كما أسلفنا، ولا يقتضي أن يكون لدى الإنسان حصيلة ضخمة من المعلومات. ما نقصده من التفكير العلمي هو التفكير المنظم بكل سهولة، الذي نستخدمه في حياتنا اليومية وفي علاقاتنا مع الناس ومع العالم المحيط بنا، وكل المطلوب هو أن يكون هذا التفكير منظمًا، وأن ينبني على مجموعة من القواعد نطبقها في كل لحظةٍ دون أن نشعر بها شعورًا واعيًا.
هذا النوع -بتعبير فؤاد زكريا- من التفكير المنظم هو حصيلة عمل شاقّ قام به علماءُ غيرنا. فبناءُ العلم، وهنا أريد أن أركّز على نقطةٍ مهمة جدًا في مقدمة الكتاب، يطرحها الدكتور فؤاد زكريا عن الفرق بين العلم وغيره من الفنون أو الفن. العلمُ يستند إلى بناءٍ عمودي، تصوَّر أناسًا يسكنون في عمارة، فالإنسان كلما تقدَّم، يصعد إلى طابقٍ أعلى ويترك الطابق القديم، وهنا تكون العملية أن الفكر الجديد والعلم الجديد يُلغي الفكر القديم، كما في فيزياء نيوتن وفيزياء أينشتاين، ففيزياء نيوتن أصبحت جزءًا من تاريخ العلم، وفيزياء أينشتاين ستصبح كذلك. بذلك يكون البناء العمودي، وهذه الفكرة أنا دائمًا أستشهد بها في كتاب فؤاد زكريا، البناء العمودي يكون في العلم، الذي فيه مصطلحاتٌ متخصصة، وفيه قواعدُ ثابتة. أما الفن لأنه يخضع لأذواق الناس، فلا يكون البناء عموديًا، يكون البناء أفقيًّا متجاورًا.
أنا الآن أستطيع أن أقرأ ماركس مثلًا وأن أقرأ المتنبي، أقرأ أبو العلاء المعرّي، وأقرأ دوستويفسكي، هل يستطيع الزمن أن ينال من نصوصهم؟ هذا هو البناء الأفقي، لأنّ هذا الكلام سينبني عليه شيء في الكتاب سنأتي عليه لاحقًا.
إذن علينا أن نفرّق بين العلم وما بين غيره: الفن مثلًا أو الشعر أو الأدب، العلمُ بناؤه عمودي، واللاحقُ يُلغي السابق، أما الفن فبناءٌ أفقيٌّ متجاورٌ، لا يُلغي أحدُه الآخر. الأغلبيةُ من البشر لا تعرف تفاصيلَ ذلك البناء، وهذا أمرٌ طبيعي، لأنّ العلمَ قد تحوّل بمرور الزمن إلى نشاطٍ متخصص بالتدريج، ولا يقدر على استيعابه إلا قلّةٌ من البشر أعدّت له إعدادًا شاقًّا ومعقَّدًا. ولكن، وهذا هدف الكتاب، هل يعني ذلك أن نترك الناس أو أن الناس تترك العلمَ للمتخصصين، وألا نفهمهم حدًّا أدنى من موضوع التفكير العلمي والنقدي؟
بالمناسبة، إنّ العلمَ لم يترك أي أثر فيما عدا عقول المتخصصين الحقيقيين، أي العالِم الذي يشتغل في المختبر، أو فرويد المُنهمك في علم النفس، هذا سيترك أثرًا فيه. لكن هل رجل الشارع سيتأثر بذلك؟ طبعًا، برأي الراحل فؤاد زكريا في الكتاب، لا.
ولذلك هذا سنأتي إليه في فصلٍ لاحق، لنرى شيوعَ الخرافة والأسطورة. هناك فرقٌ كبير بين الخرافة والأسطورة في الشارع العام، فرجلُ الشارعِ محشوٌّ دماغه بأباطيل وأوهام وترهات، لأنه ليس منهمكًا في شغل العلم في المختبر أو في البحث أو في الدراسة.
لماذا التفكير العلمي قضية الساعة عربيًا؟
الحقيقة، وهذا ما وصل إليه الدكتور فؤاد زكريا: أن الإنسان العادي، رجلَ الشارع غيرَ المطلع، قد يمرُّ عليه زمنٌ طويل وهو لا يطالع أيَّ شيء خاصّ بالعلم من الدراسات. طبعًا ضعْ في اعتبارك -عزيزي المشاهد- ارتفاعَ نسب الأُمِّيّة في العالم العربي. والأُمِّيّةُ نوعان: هناك أُمِّيّةٌ أبجدية، أنك ألّا تقرأَ ولا تكتبَ، وهناك أُمِّيّةٌ ثقافية، أي لا تتابع ما حولك. وذلك رجل الشارع لا يعرف أيَّ نظريةٍ علميةٍ واحدة معرفةً كاملة، لو سألته عنها، عنده معلومات يأخذها من وسائل الإعلام ووسائل التواصل، حتى لو كان قد درس هذه النظرية في المراحل الدراسية.
لذلك، بتعبير الراحل، ما يهمنا هو التفكيرُ العلمي أو العقليةُ العلمية بهذا المعنى الواسع، لا معنى تفكير العلماء وحدهم، بل العقلية المنظَّمة التي تسعى للتحرر من مخلفات عصور الجهل والخرافة.
في اعتقاد المؤلف، إنّ موضوع التفكير العلمي هو موضوع الساعة في العالم العربي، لأنّ العالمَ المتقدم يستند إلى تراثٍ علميٍّ راسخ في العصر الحديث تم بناؤه على مدى قرون عديدة، في الوقت ذاته يخوض المفكرون في العالم العربي معاركَ ضاريةً في سبيل إقرار أبسط مبادئ التفكير العلمي. ويبدو حتى هذا اليوم نتيجة هذه المعارك، ما زلنا على “كفِّ عِفريت”، بل إنّ الهزيمة أقرب إلينا من الانتصار.
مع ملاحظةٍ مهمةٍ جدًا أن العلم ليس قوةً معاديةً لأحد، ولا ينافس أحدًا على شيء، والعالِم شخصٌ لا يهدّد أحدًا ولا يسعى إلى السيطرة على أحد. وكلُّ المعارك التي تم فيها محاربة العلم كانت معارك أُسيء فيها فهمُ العلم. وأعظمُ خطأٍ يرتكبه المدافعُ عن مبدأٍ معين هو أن يعتقد أنّ العلم مصدرُ خطرٍ عليه، فيدخل في خصومةٍ معه، كما فعلت الكنيسة الأوروبية في مطلع عصر النهضة، فقام رجالها بمحاربة العلم واضطهاد أتباعه. لكن ماذا كانت النتيجةُ في نهاية المطاف؟ ظل العلم يسير في طريقه بهدوءٍ وثقة، محرزًا من الانتصارَ تلو الانتصار، وتعاقب ظهورُ العلماء الذين كان معظمُهم بالمناسبة -وهذه المفارقةُ مهمة- مخلصين في عقيدتهم الدينية.
واضطرت الكنيسة الأوروبية، لقوة العلم والمنطق، إلى التراجع أمام قوّة الحقيقة، التي لا يستطيع أن ينكرها عاقل سليم. لكن هذا التراجع جاء بعد فوات الأوان. إذ إنَّ التفسيرَ القريبَ من الحقيقةِ، إنَّ موجاتِ الإلحادِ -وهذا شيءٌ مهمٌّ- التي اجتاحت أوروبا منذ القرن الثامن عشر بوجهٍ خاصٍّ، سببُها تلك الخصومةُ المفتعلةُ التي صنعتها الكنيسةُ ضدَّ العلم.
العلمُ -كما قلنا- لا يهدِّدُ أحدًا، إنما هو في أساسِه منهجٌ أو أسلوبٌ منظَّمٌ لرؤية الأشياء وفهمِ العالم. وكلُّ تقدُّمٍ أحرزتْه البشرية في القرون الأخيرة كان مرتبطًا، بطريق مباشر أو غيرِ مباشر، بالعلم. وإنَّ وجهَ الحياةِ على هذه الأرض قد تغيَّرَ خلال آخرِ مئةِ عامٍ بأكثرَ مما تغيَّر خلالَ آلافِ السنوات، فإنَّ الفضلَ في ذلك يرجعُ إلى المعرفةِ العلمية.
واليومَ لا يستطيعُ أيُّ شعبٍ أن يجدَ له مكانًا على خريطةِ العالم المعاصر، إلا أن يحترمَ التفكيرَ العلمي ويأخذَ به. فليس التفكيرُ العلميُّ هو حشدًا من المعلومات أو كمًّا من المعارف أو معرفةَ الطرائقِ للبحث، وإنّما هو طريقةٌ في النظرِ إلى الأمور، تعتمدُ أساسًا على العقلِ والبرهانِ المقنِعِ بالتجربةِ أو الدليل.
ما المقصود بسمة “التراكمية” في العلم؟
نأتي إلى الفصلِ الأوّل من فصولِ الكتاب، وهو فصلٌ مهمٌّ جدًّا، جاء تحت عنوان: سمات التفكير العلمي. قبل أن أخوضَ في الفصل، أنا دائمًا تأتيني رسائل على وسائل التواصل الاجتماعي تقول: “أستاذ، نقرأ، تفكيرُنا مشتّت، عندنا مشاكلُ، نقفُ على قرار معين، عن عندنا ضياع”. أوّل ترشيحٍ لي -ويعرفُ هذا المقرَّبون منِّي- كتاب التفكير العلمي. وبالمناسبة، هذا الكتابُ صادرٌ عن سلسلةِ كتبٍ ثقافيةٍ شهريةٍ تصدرُ عن سلسلة عالم المعرفة، أُعيدَ طبعُه مرةً ثانية قبلَ تقريبًا سنة، أي إن الكتابَ -إلى الآن- وصل إلى أكثرَ من أربعِ طبعات.
ما هي سماتُ التفكيرِ العلمي، بتعبيرِ فؤاد زكريا مؤلّف الكتاب؟ أوّلُ سِمةٍ مهمّةٍ جدًّا -وللأسف نفتقدها في ثقافتنا- هي التراكمية. العلم، بتعبيرِ فؤاد زكريا، معرفةٌ تراكمية، والتراكميةُ هي الطريقةُ التي يتطوّرُ بها العلم. فالمعرفةُ العلميةُ أشبهُ بالبناء الذي يضعُ طابوقًا فوق طابوق، وسكّانُ هذا البناء ينتقلون إلى الطوابقِ العليا كلَّما شهدوا طابوقًا جديدًا. وهذا ينطبق على حياتِنا المعاصرة عندما نتركُ القديمَ ونذهبُ إلى الجديد، ويتركون الطوابقَ السُّفلى لتكونَ مجرّدَ أساس. فهناك بناءٌ عموديٌّ وهو العلم -كما قلنا- وهناك بناءٌ أفقيٌّ وهو الفن. فالعلمُ عموديٌّ لأنَّ كلَّ اختراعٍ أو اكتشافٍ يُلغي الذي قبله، فيصبحَ جزءًا من تاريخ العلم. أمّا الفنُّ أفقيٌّ، أي إنَّنا نتذوّقُ الفنَّ القديم، وإنَّ الجديدَ لا يُلغي القديم، فسكانُ الفنِّ يسكنون البناءَ الأفقيَّ، بينما سكانُ العلمِ يسكنون البناءَ العموديَّ.
فالنظريةُ العلميةُ الجديدةُ تحلُّ محلَّ النظرية العلمية القديمة، والنظريةُ العلميةُ السابقةُ بمجرد ظهورِ الجديدة تصبحُ تاريخًا، أو ما يُسمّى ضمن تاريخ العلم، أي إنّها تهمُّ مؤرّخَ العلم فقط والعالِمَ نفسه. ومن هنا فإنّ سكانَ البناءِ العلمي هم في حالةِ تنقلٍ مستمرٍّ، ومقرُّهم هو أعلى الطوابقِ في بناءٍ لا يتوقف عن الارتفاع.
والتراكميةُ هذه خاصّيّةٌ أساسيةٌ للحقيقةِ العلمية، وهي نسبية؛ فالحقيقةُ العلميةُ لا تتوقف عن التطور، فهي ليست مطلقة. ولا يستطيعُ العلمُ -وهذه عبارةٌ جدًّا مهمّةٌ- سواءٌ في العلومِ الطبيعية أو الإنسانيّة، أن يصلَ في موضوعٍ معيّنٍ إلى رأيٍ نهائيٍّ مستقرّ؛ فإنّ التطورَ سرعانَ ما يتجاوزُ هذا الرأي.
فلذلك، على سبيل المثال لتقريبِ هذه المعادلة: ليس للعلمِ كلمةٌ نهائية. توقّع الناسُ في وقتٍ معيّنٍ أنَّ فيزياء نيوتن هي الكلمةُ الأخيرةُ في ميدانها، وأنّها تُعبّر عن الحقيقةِ المطلقة، ودامَ هذا الاعتقادُ قرنينِ من الزمن، ثم جاءت فيزياءُ أينشتاين فابتلعتْ فيزياءَ نيوتن في داخلها وتجاوزتها، وأثبتت أنّه لا توجد هناك حقيقةٌ مطلقة في الواقع.
وبالمناسبة، الآن تجري دراساتٌ -هذا الكتابُ صادرٌ في الثمانينيات أو قبل نهاية السبعينيات- لتجاوز أينشتاين، فليس في العلم نظريةٌ نهائية، الحقيقة النسبية هي الأساس.
هنا الراحل فؤاد زكريا ينقلُ عبارةً مهمّةً جدًّا، يقول فيها: “كلُّ سرٍّ في الكونِ له ميلاد”، أي النسبيةُ، مثلًا، الجاذبية، لها ميلاد، القرن السادس عشر، والنسبيةُ في عام 1905 في بداية القرن العشرين. لكن السؤالَ المهمَّ الذي يطرحه الكتاب: لو لم يظهر أينشتاين، هل ستظهر النسبية؟ لو لم يظهر نيوتن، هل ستظهر الفيزياء أو نظريةُ الجاذبية؟ لو لم يظهر فرويد، هل ستظهر نظريةٌ في علم النفس؟
فؤاد زكريا يرى بألمعية، الجواب ليس واحدًا، يرى فؤاد زكريا: العلميةُ البحثة القائمة على معادلاتٍ رياضية، تظهر بغضِّ النظر عن صاحبها، لكن قد يتأخرُ ظهورُها. بمعنى: لو لم يولد أينشتاين، أو لو لقي مصرعه في حادث، فإنَّ غيرَه سيصلُ إلى النظرية النسبية، لأنها قائمةٌ على قواعد. قانون الأثير الذي نستخدمه الآن في الهاتف المحمول والنقل التلفزيوني، فهذا كان موجودًا منذ القدم، لكن البشر توصّلوا إليه الآن. كذلك جاذبية نيوتن؛ لو لم تقع قصّةُ التفاحة – هذه الرواية الأسطوريّة- فهل البشر يتأخرون؟ نعم يتأخرون، لكن سيأتي شخصٌ غير نيوتن ويكتشف الجاذبية.
في الحالة الفنية، هنا فؤاد زكريا يتوقف: وجود الشيءِ مقتصرٌ على صاحبِه. مثلًا، اللوحةُ الشهيرةُ التي رسمها دافنشي “الموناليزا”، لو لم يظهر دافنشي، “الموناليزا” لم تظهر، لو لم يظهر دوستويفسكي، الروايات الكبرى “الأخوة كارامازوف” أو “الجريمة والعقاب” لم تظهر. إذن هناك فرق بين علمٍ تراكميٍّ عموديٍّ يظهر بغضِّ النظر عن صاحبه، صاحبَه عاملٌ مساعد، لكن لا يتوقف ظهوره عليه. وهنا تأتي عبارة كل سر له ميلاد معين تصل إليه البشرية.
وبالمناسبة، فؤاد زكريا يأخذ في الكتاب نقاش المتعصّبين الذين يقولون: لماذا لا تظهر الاكتشافات العلميّة دفعةً واحدة؟ يقول: هذا مصدر قوّةٍ لا ضعف، لأنّ العقلَ يفهم بالتراكم، لأنه إذا اكتشف الأمور دفعةً واحدة سيتوقّف، لأنَّ العلم لا يعرف كلمة “أخير”.
ولذلك في أحد النقاشات مع أحد الأصدقاء قال: القرآن أخبر أنّ النبي ﷺ هو خاتم النبيّين، عندما قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40].
انظر للدقّة وللقراءة العميقة: لم يقل “خاتم العلماء”، لأنّ البشرية ستتوقّف، فالعلمُ لا يعرف توقفًا. لكن في الناحية الفنيّة والشعريّة والذوقيّة، واللوحات والرسوم هذه مرتبط وجودها بوجود الشخص، فلو لم يوجد الشخص لن توجد هي.
لذلك، في بعض الحالات نعود إلى الكلام سابقًا: النظريةُ العلميّةُ تحلُّ محلَّ القديمة وتنسخها وتلغيها.
سؤالٌ هنا يطرحه هايزنبرغ في أحد لقاءاته التي قرأتُها قال: إنَّ النظرية العلمية الجديدة، عندما تأتي، ستجد مقاومةً هائلةً من القُدماء، أو كما يقول غرامشي عبارته الشهيرة: “المثقف العضوي القديم مات، والجديد لم يولد”. هناك جيلٌ قديم يرفض حضورَ هذه النظريات. بتعبيرِ هايزنبرغ: هذه النظرية ستظهر رغمًا عنهم وعن أنفهم، لأنها ستمسح الكل، فلا يستطيع أحدٌ أن يقف أمام تيارِ العلم الجارف.
هل العلم يسير بالتراكم أم بالقفزات؟
النقطةُ الثانيةُ من سماتِ التفكيرِ العلمي. قلنا في البداية، هي التراكمية، والتراكمية مهمّة. لكن هنا أريد أن أشير إلى شيءٍ مهمّ، وهو فائدةٌ للنقاش. بالمناسبة نحن نطرح بعضَ الأسئلة، ويجوز ألّا تكون لدينا إجاباتٌ. وكما جاء في الفلسفة: “الأسئلةُ مُبصِرة، والأجوبةُ عمياء”.
في عام 1962، في الستينيات نعم، صدر كتابٌ هائلٌ في المعرفةِ الغربيّة. طبعًا صدورُ الكتاب في الغرب يحملُ نوعًا من الحالة الاحتفالية، لأنّ الناس تستقبله وتستقبل المؤلف، عكس عندنا للأسف إن الكتبُ يتيمة، وروّادُها محدودون. صَدَرَ كتابٌ اسمه “بنية الثورات العلمية” لتوماس كون، الكاتبِ الأمريكي الشهير، أنكر فيه سمةَ التراكمية كسمةٍ للتقدم العلمي، قال: إنَّ العلمَ قائمٌ على “براديم” أو نموذج، وهذه النماذج تأتي طفرةً، مثلًا: كيف نُفَكِّر ما وصل إليه “أينشتاين”، هل هو تراكمٌ عمَّن قبله؟ كيف نوصّل ما وصل إليه ابن خلدون في “المقدمة”؟ وهكذا… وأعتقدُ أنَّ هذا الموضوع جديدٌ في النقاش بين من يؤيد التراكمية وبين من ينفيها.
كيف يساعد “التنظيم” في التفكير العلمي؟
النقطةُ الثانيةُ من سماتِ التفكيرِ العلمي هي التنظيم. أي أن نتركَ أفكارَنا تسيرُ حرةً في طريقها، وإنما نرتبها بطريقةٍ محدّدةٍ وعن وعيٍ. لا يمكن للإنسانِ الفوضوي والمشتت أن يصلَ إلى تفكيرٍ علمي. ولكي نصلَ إلى هذا التنظيم ينبغي – وهذه معلومةٌ مهمةٌ جدًّا لأنَّنا نعاني منها في حياتنا اليومية- أن نتغلبَ على كثيرٍ من عاداتنا اليومية الشائعة، ويجب أن نتعوّدَ إخضاعَ تفكيرنا لإرادتنا الواعية. وينطبق هذا على ميدانِ العلوم الإنسانية والطبيعية.
كيف؟ نضرب مثالًا، فحين يؤلف المؤرخ كتابًا في التاريخ، وليكن عن الوطن العربي في القرن العشرين، عليه أن يختار عدةَ مصادر، وأيضًا الوقائع الحقيقية، وتسجيل اليوميات، يذهب إلى الناس الشهود على هذه المسألة، حياة الناس اليومية، طريقة ملبسهم، مأكلهم، عاداتهم، أخلاقهم، حياتهم الاجتماعية. لا يقوم تأليفُ الكتاب على العشوائية أو على الحدس. هنا يجب أن ينزل إلى الميدان إلى الشارع، ومن كل هذا يجري بحثًا دقيقًا. وهذا نسمّيه تنظيمًا، والتنظيم سِمةٌ من سماتِ التفكيرِ الواعي. والمنهجُ العلمي يبدأ بمرحلةِ ملاحظةٍ منظَّمة للظواهر الطبيعية، وهذه تقتضي عملية اختيارٍ وانتقاءٍ وقراءةٍ للواقع. وهنا أضرب مثالًا عن مسألة الملاحظة: قرأتُ مرةً -سأشرحها بأسلوبٍ بسيط- أنَّ النظريةَ العلمية تأتي في خاتمةِ المطاف؛ الباحثُ عندما يجلس في معمله أو مكتبه، فهو يمرُّ بمراحل. يُقال: إنَّ أولَ مرحلةٍ هي الملاحظة. نضرب مثالًا تطبيقيًا: الذي أوجد القوةَ البخارية جيمس وات، كان جالسًا، فشاهد أنَّ البخارَ يدفعُ غطاءَ القدر، الملاحظة، الملاحظة ثم التجربة، ثم الحقيقة، ثم النظرية. وبناءً على هذا جاءت نظريتُه الخطيرة في القوةِ البخارية في القرن السادس عشر، وأحدث تغييرًا هائلًا في أوروبا. فالنظرية تأتي في نهاية المطاف: العالِم يلاحظ، ثم يسجّل، ثم يجرّب. النظرية تأتي بعد مراحل، ولذلك العلم.. النظريةُ العلميةُ تأتي في نهاية المطاف.
ما إشكالية تعريف كلمة “العلم”؟
مسألة سنأتي إليها في طيات الكتاب حتى لا يفوتنا ذكرُها: تعريف العلم. فكما أن هناك مشكلةً في تعريف التفكير العلمي، يعني هل نستطيع أن نقول عن رجل يشتغل في الأنساب والعشائر، أو يشتغل في الأمور الفقهية، نقول عنه “عالِم”؟ هل هناك تعريف عالم جامع للعلم، أو للعالِم؟
العلمُ نفسه كمفردةٍ: أتذكر أن هناك عبارةً هامةً في الفلسفة للفيلسوف الألماني هيغل، يقول فيها: “إنَّ المعروفَ مجهولٌ لأنه معروف”، بمعنى أننا نستخدم العبارةَ بكثرة، لكن لا نفهم معناها. هل يوجد هناك ضبطٌ منهجيّ؟ ما هو العلم؟ فلْيقم شخصٌ بعملية استقراء، وينزل إلى الشارع، ويسأل مجموعةً من الناس، على اختلاف مستوى ثقافاتهم، لن يصل إلى حل. كذلك في طيات الكتاب سنجد أن المؤلف يضع ضابطًا من أجل مفردة “العلم”.
لماذا البحث عن الأسباب جوهر التفكير العلمي؟
السِّمةُ الأولى كما أسلفنا هي التراكمية، والسِّمةُ الثانية هي التنظيم، السِّمةُ الثالثة من سمات التفكير العلمي، حتى نطلق ونقول إن فلانًا تفكيره “علمي” أو “أسطوري” أو “خرافي”، هي: البحث عن الأسباب. لا يكون النشاط العقلي للإنسان علمًا إلا إذا استهدف فهم الظاهرة التي يحاول دراستها، ولا تكون هذه الظاهرة مفهومةً بالمعنى العلمي إلا إذا توصَّلنا إلى معرفة أسبابها.
وهذا البحثُ عن الأسباب له هدفان: الهدف الأوّل إرضاء الميلِ النظري لدى الإنسان، هو الذي يدفعه إلى البحث، وأيضًا معرفةَ الأسباب التي تمكّننا من التحكم فيها على نحوٍ أفضل عن طريق الخبرة والممارسة. فمثلًا، لو طلبنا من شخصٍ ما أن يجري دراسةً عن المجتمع المصري أو العراقي، وعن مسألةٍ سلبيّة، يجب أن يبحث عن الأسباب. وهنا علينا أن نفرّق تفريقًا هائلًا بين الإنسان محدود الثقافة وبين العالِم. فمحدود الثقافة يقول لك، مثلًا: “هناك حوادثُ سيرٍ كبيرة في الوطن العربي تؤدي إلى هلاك كذا مليون شخص”. أنا قرأتُ دراساتٍ مخيفة تقول إنَّ حوادث السير في العالم العربي في كل دولة تفوق حوادثَ الأوبئة المرضية، أي أرقام هائلة.
الإنسانُ العادي، غيرُ المتعلم، الذي لا يبحث عن الأسباب، لا يفسّر سببَ ظهور الظاهرة، أي لا يقول لي، الشخص المتلقي: لماذا هذه الحوادث؟ هو يقف عند: هناك حوادث، لكن لو طلبتَ منه، قد يكون أميًّا، أمية معرفية، أمية أبجدية، تشرح لي سبب هذه الحوادث، سيعجز عن ذلك.
البحث عن الأسباب سِمة من سمات التفكير العلمي، أي نبحث عن الأسباب التي أدّت إلى وجود الحادثة.
ما معنى “الشمولية واليقين” في المعرفة العلمية؟
والنقطةُ الرابعة من سمات التفكير العلمي هي الشمولية واليقين. فماذا يعني بذلك؟ المعرفةُ العلمية معرفةٌ شاملة، أي أنّها تسري على جميع الظواهر التي يبحثها العلم، حتى لو كانت هذه المعرفة تبدأ بتجارب يومية مألوفة، مثل سقوطِ جسمٍ ثقيلٍ على الأرض، فإنها لا تكتفي بتسجيلِ الحالة، إنما تعرضها من خلال مفاهيم ذات طابع عام، مثل: فكرة الجاذبية، والكتلة، والسرعة، والزمن.
ولا تعود القضيةُ العلمية تتحدث عن سقوطِ هذا الجسم بالذات، بل عن أثر سقوط هذا الجسم، وبذلك تتحوّل التجربة الفردية -بتعبير فؤاد زكريا- الخاصة على يد العالم إلى قضية عامة أو قانون شامل.
وهذا يُظهر الفرق بين العمل العلمي والعمل الفني أو الشعري؛ فالعمل الفني أو الشعري هو موضوعٌ فردي، وإن العمل الفني يظل مرتبطًا بصاحبه، مثل الموسيقى أو الشعر، أما العمل العلمي فلا يرتبط بشخصيةٍ. فقد يرحل الشخص الذي أوجد الحقيقة العلمية، مثل نيوتن في “الجاذبية”، لكن دراسة الجاذبية إلى اليوم. فالحقيقة علمية لا شخصية، على عكس العمل الفني.
كيف تعزز “الدقة والتجريد” قيمة العلم؟
السِّمة الخامسة من سمات التفكير العلمي هي الدقة والتجريد. في حياتنا اليومية الاعتيادية، نستخدم عباراتٍ تتّسم بالغموض وتبتعد عن الدقة، مثل: “قلبي يحدّثني سيحدث كذا”، أو “أنا أتوقع كذا”، أو تعبيرات يومية مألوفة وهي الإيحاء بشيءٍ معين دون تحديد دقيق له.
أمّا في العلم، لا يقبل بذلك، مرفوض. إن العلم يبحث عن عباراتٍ دقيقة ومجرّدة، ليس فيها غموض أو احتمال، كالرياضيات مثلًا. والوسيلة التي يرجع إليها العلم هي استخدام لغة الرياضيات، وكلما انتقل العِلم إلى مرحلةٍ أدقّ، عليه أن يستخدم صيغًا رياضيةً أكثر دقة.
ومن هنا، يجد بعض المؤرّخين ممن يفرقون بين مرحلتين: المرحلة ما قبل العلمية، والمرحلة العلمية. المرحلة ما قبل العلمية في التاريخ تُستخدم فيها لغة الحديث اليومية، أما المرحلة العلمية فتُستخدم فيها الأساليب الرياضية، مثال ذلك الكيمياء والفيزياء. ولذلك تشهد أن هناك صراعًا في مجال العلوم الإنسانية، ولا نجد هذا الصراع في مجال العلوم التطبيقية.
23:49
هل التاريخ والفلسفة علوم حسب المعايير العلمية؟
في الحقيقة قرأت الكثير، وأعجبني الرأي القائل أن في العلم هناك مسافةٌ بينك وبين الشيء. أنت مهندسٌ تدرس بناية، فالهوى البشري غير موجود، ولذلك يُقال: “كُن موضوعيًا”، والموضوعية التجرد من الأهواء الشخصية، فالطبيب يجري عمليةً على جسد مريض، لكن المؤرخ يتحيّز، مثلًا، أو عالم الاجتماع، لا يستطيع أن يضع مسافةً بينه وبين الشيء. من هنا لحد هذه اللحظة، بعض الأكاديميات وبعض الدراسات ترفض منح صفة علم للتاريخ أو للفلسفة، تقول إنّها ليست قائمةً على منهج.
ولذلك، النفس البشرية واحدة، لكن نجد كم نظرية في فهم النفس البشرية؟ نظرية فرويد، ونظرية يونغ، كان تلميذًا له وتمرد عليه، ونظرية ألفريد أدلر، وريكي فروم. هي نفس بشرية واحدة.. هناك النظرية الشيوعية، هناك نظرية إسلامية، هي نفس بشرية واحدة.
هذا السبب لأنّ هذه العلوم ذاتية وليست موضوعية. أنت منخرطٌ فيها، ولذلك تجد مثلًا أكثر المؤرخين متحيّزين، لا يستطيع أن يتخلص من التعصب.
النظرية العلمية التطبيقية تضع فاصلًا بينك وبين شيء؛ ستصل إلى الحقيقة، بينما الأمور الذاتية في العلوم الإنسانية، أو كما يسمّيها جارودي بتعبير طريف، «اللا إنسانية»، لأنها شيّأت الإنسان وحولته إلى شيء، لا نستطيع أن نضع لها بدقة مفردة علم أو نظرية علمية.
ما أولى العقبات أمام التفكير العلمي؟
نعود إلى الفصل الثاني من كتاب “التفكير العلمي” للدكتور فؤاد زكريا. الفصل الثاني كان بعنوان: عقبات تقف أمام التفكير العلمي. بالمناسبة، هذا الكتاب – كما قلنا – صدر في السبعينات، والعقبات الآن موجودة بل وزادت. يقول الراحل فؤاد زكريا إنّ العلم ظاهرة متأخرة في حياة البشر.
الآن سيأتي متى بدأ العلم بمعناه الصحيح وتعريف العلم. فينقض رأيًا يقول: هناك رأي أنّ العلم ظهر منذ أربعة قرون في عصر النهضة الأوروبية، القرن السادس عشر. تعرفون جدالات ديكارت وغاليليو وغيرها وكوبرنيكوس. وهناك من يرى أنه يرجع للعصر اليوناني ما قبل الميلاد، لأنه كان يستخدم منهج البرهان النظري والمنطقي، أو حتى إلى الحضارات الشرقية.
ولكن يؤكد الدكتور فؤاد زكريا علينا أن نعترف أن البشرية عاشت قبل ذلك عشرات الآلاف من السنين دون أن يكون لها منطق أو تفكير علمي. وأن العقل الإنساني -عبارة مهمة جدًا- ظل طويلًا في فترة خمول.
وبعبارة مهمة أنا دائمًا أذكرها: أن العلم يظهر منذ اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يفهم العالم كما هو موجود بالفعل، لا كما يتمنى أن يكون. يعني الموضوع ما يخضع للرغبة، وما تريد وما تريد، هناك حقائق موضوعية في الخارج، في الواقع، قبلتها أم لم تقبل، وهذا القرار هو قرار عقلي خالص.
فما هي عقبات التفكير العلمي برأي الراحل فؤاد زكريا؟ طبعًا نحن أخذنا سمات التفكير العلمي، الآن العقبات ما هي؟ فصل جدًا مهم. أحيانا بعد أن أقرأ الكتاب، أرجع أقرأه وأقارنه بالواقع.
العقبة الأولى: الأسطورة والخرافة، وهذه فيها شيء من التفصيل. هل الأسطورة هي الخرافة؟ ظلت الأسطورة -طبعًا هنا مدح للأسطورة- تحتل المكان الذي يشغله العلم طوال الجزء الأكبر من تاريخ البشرية. وقبل أن أكمل، أوجست كونت، الذي يعتبره البعض مؤسس علم الاجتماع، الفرنسي، يقول: البشرية مرت بأربعة مراحل: الأولى السحر، الأسطورة والخرافة، اللاهوت، والعلم. أوروبا مرت بهذه المراحل على الترتيب: بدأ السحر يفسر الأمور، كما يقول ماكس فيبر، تم إزالة الصورة السحرية والأسطورية، ثم انتقلنا إلى الأسطورة والخرافة. فؤاد زكريا سيفرق في هذا الكتاب، الفرق بين الأسطورة والخرافة بتفريق عبقري.
مرت أوروبا بمرحلة اللاهوت، سيطرة الكنيسة. مرت بالمرحلة الرابعة، المرحلة العلمية.
السؤال الآن: لن أجيب له وأتركه لكم. العرب في أي مرحلة؟ هم عرفوا جميع المراحل. لكن هناك من يرى أننا وقفنا عند المرحلة الثانية، الأسطورة والخرافة، وهناك من يقول أننا توقفنا عند المرحلة اللاهوتية، بتعبير أوجست كونت. وهناك من يرى أننا لم نصل إلى الآن إلى المرحلة الرابعة.
برأي فؤاد زكريا، يرجع أسباب انتشار الفكر الأسطوري إلى أن الأسطورة كانت تقوم محل العلم في تفسير الأشياء، فالإنسان كان يرضي نفسه بهذه التفاسير. وباستعراض بسيط تذهبون مثلا إلى الفلسفة اليونانية، مثلًا تأخذون أسطورة سيزيف، أن الإنسان كان يستخدم الأسطورة كطريقة في فهم الأشياء، وهذه الأشياء تشبع خياله وظمأه.
لذلك الأسطورة -برأي فؤاد زكريا- ليست متهمة، الخرافة متهمة، وهذا سنأتي إليه، السبب؛ لأن الإنسان في ذلك الوقت لم يتوصل إلى العلم والبحث العلمي، فلا يمكن نحن أن نلومه عن موضوع اعتناقه للأسطورة، لكنه تخلى عنها فيما بعد.
ولو أن عندي صديقًا مشاكسًا قال لي مرة: إن الأسطورة هي الحقيقة الوحيدة في التاريخ.
المهم، ما هو الفصل بين الأسطورة والخرافة؟ فهي ليست مترادفة، بتعبير فؤاد زكريا.
الأسطورة -يرجى الانتباه للتعريف- هي التفكير الذي لم يكن العلم قد ظهر فيه. فالأسطورة كانت تقوم بوظيفة العلم الآن في تفسير ظواهر الأشياء، التي يقوم بها. ولكن بحكم تطور العلم، العلم قام مقام الأسطورة.
أما التفكير الخرافي -هنا الكارثة- هو التفكير الذي يقوم على إنكار العلم ورفض مناهجه، وقد يرجع في عصر العلم إلى أساليب، قد يجد ناس الآن تقاوم حقائق علمية عديدة، مثلًا، فلنأخذ مسألة عشناها، موضوع كورونا الوباء، كيف كان الناس يرفضون أخذ اللقاح، وهذه الظاهرة ليست خاصةً فقط بالشرق الأوسط، ظاهرة عامة، ونسج قصصًا خرافية حول أنه كذا، وأضراره، وناس ماتت بعدم تلقي اللقاح، لأن الناس قاومت العلم، رفضت الجديد، أو بتعبيري غرامشي: من المآزق أن لا يندثر القديم ولا يولد الجديد.
إذن، الخرافة ترفض العلم ومناهجه العلمية، والأسطورة غالبًا ما تكون تفسيرًا متكاملًا للعالم أو مجموعة من الظواهر.
كيف يعيق الخضوع للسلطة تطور الفكر العلمي؟
من عقبات التفكير العلمي، فصل مهم جدًا، بالحقيقة لم أجد الكلام عن هذا الفصل في بقية الكتب، وهذه نباهة من المؤلف: هي الخضوع للسلطة. ما معنى السلطة؟ الناس تظن.. في بادئ الأمر، يأتي إلى ذهنها السلطة السياسية، الموضوع أعمق. برأي الراحل فؤاد زكريا، أن السلطة هي المصدر الذي لا يُناقش، والذي تخضع له بناءً على إيمانك بأن رأيك في هذه السلطة هو الكلمة النهائية، وبينما معرفة هذه السلطة تفوق معارفنا. والخضوع للسلطة: الفكرية، الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، الذهنية، هو أسلوب مريح في حل المشكلات، ولكنه أسلوب ينم عن العجز والافتقار إلى الروح الخلاقة.
وهنا يذكر الراحل دكتور فؤاد زكريا أشهر أمثلة السلطة الفكرية والعلمية في التاريخ الثقافي: هي شخصية أرسطو، هذا الرجل المولود 400 قبل الميلاد، ظل هذا الفيلسوف الكبير يمثل المصدر الأساسي للمعرفة لأكثر من ألف وخمسمائة عام، حتى جاء فرانسيس بيكون، الفيلسوف الإنجليزي، جاء بآلة المنطق، وديكارت، وهدموا كل الفكر الأرسطي.
الآن الدراسات الحديثة تذهب إلى أن واحدة من أسباب تخلف أوروبا هو أرسطو، لأن أفكاره تحولت إلى مقدسات، وإلى سلطة غير قابلة للتجريب. وهذا ما حدث إلى مجيء تقريبا القرن السادس عشر، مجيء العلم التجريبي.
والخضوع للسلطة الفكرية، ما أسباب الخضوع؟ لماذا أخضع للسلطة الفكرية؟ له أسباب، منها القِدَم. القِدَم: عندما يكون الرأي قديمًا أو موروثًا مثل الموجود من الأجداد، ويتناقل من جيل إلى جيل، يكون مقدسًا. هذا الرأي بمرور الزمن يصبح مقدسًا، وحتى بالأمثال الشعبية، يقول لك: فلان قال لفلان كذا، أنت من مثلًا؟ أنت على أي أساس؟ هذا الرأي متبع من الجيل الفلاني ومن العصر الفلاني، وله قيمة خاصة فوق الآراء التي يقول بها المعاصرون. فالتقديس يأتي بمرور الزمن، وهذا القدم سبب.
وهذه النظرة إلى التاريخ هي نظرة رومانسية، أي تقديسِ الآراءِ لأنّها جاءت في فترةٍ من التاريخ، أو خياليّةٍ مريضةٍ لا تستندُ إلى أساسٍ من الواقع، السببُ أنّ القدماء كانوا بشرًا مثلَنا، معرضين للخطأ والصواب، ولكن هذه الآراءَ تكتسبُ قدسيةً مع مرور الوقت.
مثلُ ذلك لأنّ البشرية قديمًا كانت تعتقد، مثلًا، أنّ الأرض ثابتة، والكواكب والنجوم تدورُ حولها، أي أنّ الأرضَ مركز الكون، وكانت شهادةُ الحواسِّ تقول بذلك، إلى أن أتى القرنُ الخامسُ عشر، أتى كوبرنيكوس، وتحدّى هذه السلطةَ، ليقول بالعكس، وثبت أنّ قِدمَ الرأي -وهذه جدًا مهمة- ليس دليلًا على صحة النظرية.
مثلُ ذلك، لدى فؤاد زكريا نظريةُ العناصر الأربعة، التي قالت بها الفلسفةُ اليونانية: الماءُ، والهواءُ، والنارُ، والتراب. حتى أتى أحدُ العلماء في القرن الثامن عشر فأثبتَ بطلانها بالدليل والعلم القاطع، بأنّ الهواءَ ليس عنصرًا، بل مجموعة من العناصر، وكذلك الماء.
والواقعُ أنّ أخذَ سلطة القدماءِ الفكرية يزدادُ في عصرِ الركود والانصراف عن التجديد، وهذا ما يؤدّي إلى التحجر والجمود. ومن أسباب الخضوع والتخلّف: الخضوع لسلطة القدماء.
لماذا يجعل الانتشار بعض الآراء مقبولة بلا تمحيص؟
ومن أسباب الخضوع للسلطة الفكرية – كما أسلفنا – هو الانتشار، فإذا كان القِدَم يأخذ امتدادًا طوليًّا، فإنّ الانتشار يأخذ امتدادًا عرضيًّا. وسببُ الانتشار هو أن جموعَ الناس -وهذا الآن يسمّى في علم النفس “العقل الجمعي”- تبحثُ عن الأسهل والمريح، وهو أن تتجمع سويًّا حول الرأي الواحد، مثلما تتلاصق أسراب الطيور لتحمي نفسَها من الصقيع. وكلما كان الرأي منتشرًا ومألوفًا، كان في قبوله نوعٌ من الحماية لصاحبه. من هنا يصعبُ مغادرةُ هذا الانتشار. الناسُ تميلُ إلى الراحة، إلى العقل الكسول، وبذلك الالتحام مع مجموعة بشرية معينة. مثلًا، تجد الناسَ تعتقد عقيدةً معينة، فكرةً معينة، مؤامرةً معينة، فهو يرى الانتشار، لذلك يقول مثلًا: “أنت فلان، أنت على صواب، وهؤلاء كلهم على خطأ؟”. الموضوعُ ليس له علاقة: “وأكثرهم للحق كارهون”. فالحقيقةُ العلمية هي حقيقةٌ علمية حتى لو اقتنع بها شخصٌ واحد، والخرافةُ هي خرافةٌ لو اقتنع بها الملايين، الموضوع ليس له دخل في العدد.
متى تتحول الشهرة إلى سلطة فكرية؟
ومن عقبات التفكير العلمي في كتاب التفكير العلمي للراحل الدكتور فؤاد زكريا: هي الشهرة، فالشهرةُ تُكسب الرأيَ سلطةً كبرى، ويكون مقدَّسًا في أذهان الناس إذا صدر عن شخصٍ مشهور بينهم بالخبرة والدراية في ميدانه. فيكفي أن يشتهرَ الإنسانُ لسببٍ ما حتى يُحدث تأثيرًا تراكميًّا لنفوذه وسلطته على الناس. ونحن اليوم نعيش في مواقع التواصل الاجتماعي، ونرى أن “الترندات” -على سبيل المثال- تمشي على أساس الشهرة، وتصبح “حقيقة” لا يناقشها أحد.
وإذا كان الشخصُ المشهورُ ينتمي إلى عصرٍ غير عصرنا، فعلينا أن نعرف أنّ شهرتَه كانت في وقتها، وليس هناك ما يبرر أن نقدّسَه بسبب شهرته أو شهرة آرائه. مثال ذلك: أن فلانًا قال هذا الرأيَ، وهو غير صحيح، بل إنّ العلم يتقدَّم، وهناك أمثلة عديدة على هذا الموضوع سنأتي إليها لاحقًا.
كيف تؤدي الرغبة والتمني إلى رفض الحقائق؟
من عقبات التفكير العلمي في كتاب “التفكير العلمي” للدكتور فؤاد زكريا: الرغبة والتمنّي، فالناسُ تصدق ما يرغبون به أو ما يتمنّون أن يحدث، ولا يقبلون ويحاربون أيَّ شيءٍ يصدم رغباتهم أو يحبط أمانيهم.
وهكذا كانت النظريةُ الفلكيةُ الجديدة التي تجعلُ من الأرض مجرّد كوكب صغير في المجموعة الشمسية، كانت هذه النظرية -بتعبير زكريا- تلقى مقاومةً شديدةً في عصر النهضة الأوروبية، لأنها تقضي على المكانة المميزة للإنسان. ومن المعروف أن رجالَ الكنيسة في أيام غاليليو كانوا يرفضون النظر إلى منظاره لكي يروا السماء بعينٍ أقوى من العين البشرية العادية، إلى هدم عالم عزيز ارتاحوا إليه لإنكار قدرة العقل.
وبالمناسبة، غاليليو عندما خيّروه بين أن يتراجع عن آرائه أو إعدامه، طبعًا قال عبارةً جدًا مهمة: “إن إعدامي لا يلغي كروية الأرض”، أي: إذا أنكرتُ: الأرض ليست كرويةً، حتى يخلص.. ولكن العلم انتصر لاحقًا.
العقل البشري هو الأداة الوحيدة
وبتعبير زكريا، الذين ينكرون قدرةَ العقل أو يقلّلون من أهميته لحساب قوةٍ أخرى يسمّونها “الحدس” أو “الغريزة” أو غير ذلك من الأسماء، وأصحاب هذه الحجة ينكرون دورَ التاريخ في التقدم. فالعلمُ له تاريخ، سواء هذا الأمر في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل. لأن حالة المعرفة البشرية منذ 500 عامٍ مضت إلى ما هي عليه الآن تتضّح لنا -إذا نظرنا للماضي- أن العقلَ قدّم إنجازات رائعة، وأنّ العقل البشري حقق أشياء ضخمة، بحق. أما إذا نظرنا إلى المستقبل بعد 500 عامٍ أخرى، فإن الصورةَ ستكون بعيدةً عن الصورة التي عليها اليوم، لأنّ العقلَ ما زال يجهل الكثير، وما زال يعجز عن الكثير، وهذه نقطةُ قوة وليست نقطةَ ضعف، لأنّ العقل لا يمكن أن يسيطر على الأمور أو يعطيَ الأمور دفعةً واحدة، والمطلوب أن نسيطر على مشاكلنا بعقلٍ علميٍّ منهجيٍّ تحليلي.
هذه الأمور لا تُحل بالسحر أو الخيال أو “بساط الريح” أو العرّاف أو المشعوذ، العقل هو الأداة الوحيدة لذلك.
كيف يقوّض التعصب التفكير العلمي؟
من عقبات التفكير العلمي أمرٌ نعاني منه إلى اليوم، هو التعصب. التعصب -بتعريف فؤاد زكريا- هو اعتقادٌ باطلٌ بأنّ الإنسان يحتكر لنفسه الحقيقة وأنّ غيره يفتقر إليها، وهم خاطئون ومخطئون -بتعبير فؤاد زكريا- هو ينظر إلى الناس: خاطئون ومخطئون لأنهم لا يتبنون وجهة نظره.
والتعصبُ الذي يأخذ شكل حماس زائد للرأي، يمثل في الوقت نفسه موقفًا معيَّنًا من الآخرين، لأنني حين أكون متعصبًا، لا أكتفي بذلك التعصب على ذاتي، بل ينبغي أن أستبعد الآخرين، وهنا يدخل في منطق الإقصاء والإلغاء، وأنكر مزاياهم. وهذا يُعطينا مرضًا في الثقافة العربية، باختصار: هو عدم الفصل بين الفكرة والشخص، فالنقاش يدور حول الفكرة وحول الكلام، لا حول الشخص. المتعصب يلغي الاثنين.
فالمتعصب في واقع الأمر يمحو شخصيته وفرديته، ويذيب عقله ووجدانه في الجماعة، وهذا ما يسمى بـ”العقل الجمعي” التي ينتمي إليها، بحيث لا يحس بنفسه إلا من خلالها، هو جزء من هذه الجماعة.
وعلى أن التعصب هو الداء الأكبر في عالمنا اليوم، فكل إنسان ينغلق على نفسه كالشرنقة، سواء في الاعتقادات الدينية داخل الدين الواحد، أو داخل حتى المذهب الواحد، أو داخل الفكرة الواحدة. ونجد هذا التعصب في الجمهور الديني، وفي حتى جمهور كرة القدم، والتشجيع بالتعصب، فهو يرفض أن يخسر فريقُه، ويقوم بأعمال شغب. والمتعصب، أيضًا يختلف معك إذا طرحتَ رأيًا مغايرًا، وقد يلغي علاقتَه بك بسبب هذا التعصب.
ونشاهد هذا التعصب في الحوارات، أو “صراع الديَكة” كما أسميه، أو “حوار الطرشان” على الفضائيات، فكل طرف لديه أفكار مسبقة، وليس عنده استعداد لأن يسمع الآخر، على الأقل يسمعه ويستعد ليعرف الحقيقة، فهو مغلق بآراء يعتبرها هي الحقيقة النهائية، علمًا أنّ الحقيقة النهائية -كما أسلفنا- لا وجود لها إلا في أذهان من يعتنقونها.
ما دور الإعلام المضلل في تشويه الوعي؟
ومن عقبات التفكير العلمي، وفي وقتنا الحاضر نعاني منه، بسبب شيوع مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في التضليل، هو الإعلام المضلِّل. الإعلام وظيفته نقل المعلومات أو توصيلها، وهو يختلف عن التعليم؛ فهنا فؤاد زكريا يفرق بين الإعلام والتعليم. طبعًا، الإعلام دوره أخطر. أما التعليم فيتخذ طابعًا معيَّنًا ومنظمًا، أما الإعلام ليس له مثل هذا الطابع المنظم، ولا يقتصر على فئة معينة مثل الطلاب من الناس ولا يفترض القراءة، قد يستمع إلى الإعلام أو الشاشات شخصٌ أمي أو لا يقرأ ولا يكتب، إذ هي وسيلة مسموعة ومرئية.
والإعلام ظاهرة حديثة، وما تقدّمه الوسائل الإعلامية الواسعة الانتشار لا يخدم قضية التفكير العلمي ولا يساعد على نشره بين الناس، بل وجدنا أن هناك قوالب معينة قامت بتشكيل عقول الناس، طبعًا هذا كُتب عنه الكثير، رغبة نظام معين في إيصال “حقيقة” معيّنة.
مثلًا، يضربُ مثالًا الدكتور فؤاد زكريا عن العهد النازي في زمن وزير الثقافة غوبلز أو هتلر، عندما قاموا بتضليل الناس بأنّ العِرق الألماني هو الأعلى، وهو كذا، وشهدنا الكارثة التي حدثت آنذاك. وقد شلّت وسائلُ الإعلام آنذاك -في زمن النازية- شلّت قدرةَ الناس على التفكير المستقل، عندَ شعبٍ عريق كالشعب الألماني، واستطاعت أن تجرَّ الملايين مخدَّرين بالدعاية المنظَّمة إلى مذبحة الحرب العالمية الثانية، وقامت بعملية تزييف هائلة للعقول، واستخدمت العلومَ الإنسانيّة في ذلك، ومنها علمُ النفس.
وأيضًا، هناك عملية تزييف تتم بطرقٍ سياسية، فهناك أنظمة سياسية تستعين بأجهزة الإعلام من أجل دعم مركزها، وهذا بأساليب تتنافى مع التفكير السليم.
ما تعريف العلم وفق المفهوم الحديث؟
هذه دعوةٌ لقراءة كتاب “التفكير العلمي”. طبعًا، نحن لا نتكلم عن الكتاب بصورة شاملة كاملة، نأخذ أهمَّ المقاطع من الكتاب.
كما أسلفنا، الكتاب يقع في سبعة فصول، في 348 صفحة، وهو كتاب مهم وغني.
في واحد من أهم فصول الكتاب، حديثٌ عن لمحة عن العلم المعاصر: ما صفات هذا العلم؟ كيف نعرفه؟ يقول الراحل فؤاد زكريا: كان العلم الأوروبي في بدايته علم الميكانيكا في المحل الأول، وكانت الميكانيكا أهمَّ العلوم، وتحققت بسببها كشوفُ القرنين السابع عشر والثامن عشر.
في القرن الثامن عشر تغيرت الحالة: ظهر العلم كمنهج تفكير وطريقة للنظر إلى العالم، وكان فلاسفةُ عصر التنوير الفرنسيون من أقوى دعاة هذا الفهم الجديد للعلم. ومن هنا كانت مواجهتهم للتفكير الغيبي والميتافيزيقي، ودعوتهم إلى فهم كل الظواهر بمنهجٍ علمي.
وظلَّ هذا الاتجاه طوال الجزء الأكبر من القرن التاسع عشر، وكان الناطقُ باسمه الفيلسوفُ الفرنسي أوجست كونت، الذي نادى بفلسفة ترتكز على التجربة الدقيقة، ولا تعترف إلا بالمعرفة المستمدة من الملاحظات والتجارب العلمية. وأكّد أوجست كونت أن المرحلة العلمية التجريبية هي أعلى المراحل التي يصل إليها العقل البشري عند نضوجه، وأنّها ينبغي أن تحل محل كل أنواع التفكير الأسطوري، واللاهوتي، والميتافيزيقي الذي ساد في العصور السابقة.
وقد أدى ظهور نظرية التطور في القرن التاسع عشر لدى داروين إلى إعطاء هذا الاتجاه دفعًا قويًّا، وظل الاتجاه العلمي في صعود في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما تلاحقت النظريات والتطبيقات العلمية التي غيرت وجه الحياة في العالم، في اختراع الهاتف، والتلغراف، والتصوير، والسينما، والسيارة، والطائرة.
وكانت نتيجة ذلك هو سيادةُ نوع من الإيمان المتطرف بالعلم، وصل إلى حد الاعتقاد بأنّ العلم الدقيق هو الشكل الوحيد الذي ينبغي للإنسان أن يمشي عليه ويعترف به.
الآن، السؤال المهم الذي قيل في الكتاب قبل أن نلمّ أطرافه: ما هو العلم؟ نحن تكلمنا كثيرًا، هل يوجد تعريف جامع مانع للعلم؟
التعريف الذي يأتي في الكتاب، والذي صارت عليه الهيئاتُ العلمية والمنظماتُ العلمية: “العِلمُ هو كلُّ شيء قابل للنقض، كلُّ شيء قابلٌ للدحض”.
العلم لا يخاف، الإيديولوجيات ترفض ذلك، عندما تقول لها: “أنتِ خاطئة”، ترفض.
فمثلًا، نظرية النسبية لآينشتاين لا تخشى النقاش، ولا تخاف من الخطأ. بل هناك تعريف طريف لأحد الباحثين: “إن العلم هو خطأ تم تصحيحه”. فالعلمُ الحقيقي، تعريف العلم: “كلُّ شيء قابلٌ للدحض، وكلُّ شيء قابلٌ للخطأ”.
نضرب مثالًا توضيحيًا على ذلك: أنت جالسٌ في غرفة، ثم يقولُ لك شخصٌ إنّ تحتك يوجد كنز أو بئر نفطي، الحلّ هو أن ننقّب: هل يوجد كنز أو يوجد بئر نفط أم لا؟ العلم لا يخشى الخطأ، يقول لك: تعال ابحث.
وأيضًا هناك نقطة مهمة أشار إليها فرانسيس بيكون، في الانتقالة التي حدثت بين الفلسفة اليونانية وبين العقلية العلمية، بين فرانسيس بيكون وديكارت وسبينوزا، وكل فلاسفة العلم والفلسفة اليونانية، أن الفلسفات القديمة قائمة على التصوّر، والفلسفات الحديثة قائمة على التعقّل.
لو كنا جالسين في غرفة وطرقَ شخصٌ الباب، نتَصوّر أنّ هناك شخصًا وراء الباب، نتفق، لكن إذا ما فتحنا الباب، وبقي الشخص يطرق الباب، هل نصل إلى حلّ؟ الفلسفة اليونانية تصوّر، يأتي صديق ليقول: هذا الشخص الطارق ذكر، أنا أقول له: أنثى، واحد يقول: جاء بخير، واحد يقول: جاء بشر. الحل: أن نفتح الباب، ثم هذه القوة تعرّف عن نفسها. هذا هو العلم: العلم هو فتح الباب. انتقل العلم –هذه مرحلة مهمة- من مرحلة التصورات والتأملات إلى مرحلة الملاحظة التجريبية.
بمعنى: حضرتك لو تريد أن تكتب رواية، اجلس في بيتك وأغلق الباب، تأمّل ما تريد؛ لأن كتابة الرواية قضية ليست علمية، وإلّا تعلّمها الناس، الرواية خاضعة لمبدأ الموهبة. لكن لو أردت أن تصبح عالمًا في مجال الذرة أو الفيزياء، تغلق على نفسك باب المعمل، وتتِّبِع القواعد الواضحة لتصل إلى النتيجة. أو كما قال غاليليو: “لقد كتبت الطبيعة كتابها المجيد بلغة المعادلات الرياضية”.
كيف نمارس التفكير العلمي في حياتنا اليومية؟
وفي ختام العرض المبسط لكتاب “التفكير العلمي”، نحاول أن نلملم أطراف الموضوع: فالتفكير العلمي ليس تفكيرًا خاصًا بالعلماء في المختبر أو بالأستاذ في الجامعة أو الطبيب أو المهندس، نتحدث عن تفكير منظم يوميّ يمارسه الناس حتى لو كان الإنسان أميًّا. هذا التفكير: وضع الملاحظات، وكتابة المشكلة بالذات، وضع حلول للمشكلة، في جميع مجالات الحياة.
فالتفكير العلمي في السياسة، في الاقتصاد، في الاجتماع، في مشاكل البيت اليومية، وحتى في الرياضة: هل نلجأ إلى الحلول السحرية والخرافية التي تأتي بجرّة قلم، أم نذهب إلى وضع منهج علمي حقيقي عن طريق الملاحظة، والنظرية، والتجربة، لنصل إلى الحقيقة؟
في الكتاب، ذكر الراحل الدكتور فؤاد زكريا عقبات التفكير العلمي. للأسف، نجد أنّها استفحلت، مثل قضية التعصب، والانتشار، والسلطة الفكرية، والأسطورة، والخرافة.
وأيضًا، نقطة مهمة أجدها غائبة في بقية المؤلفات: ما هي سمات التفكير العلمي؟ هل يحق لي أن أحكم على فلان أن تفكيره أسطوري أو خرافي؟ نعم أو علمي؟ من خلال اعتماد هذه السمات من: التنظيم، والشمولية، والدقة، واليقين، والتراكمية.
كتاب “التفكير العلمي” كتابٌ مبسط، يستطيع خريج المدرسة الإعدادية، الدراسة الإعدادية، وطالب الكلية، والبروفيسور، ورجل الشارع العام، أن يقرأه، فقد كُتب بلغةٍ مبسطة جدًّا.
علينا أن نقول إنّ هذا الكتاب يمثّل نوعًا من الكشف، لأنه صدر في نهاية السبعينات. وأيضًا أقول -وهي وجهة نظر- لو كنتُ مسؤولًا في وزارات التعليم والتربية العربية، لوضعتُ هذا الكتاب منهاجًا لكل الطلاب العرب من المحيط إلى الخليج، لأنه يعطيك تفكيرًا منذ البداية، في مسألة التنشئة العلمية، يعلّم الناسَ الاعتماد على فكرهم وعقلهم، دون اللجوء للأسطورة والخرافة. ولكن، للأسف، هناك كتب مهمة في الثقافة العربية تم إهمالها، وهذا ما نلاحظه اليوم، وندفع ثمنه من سيطرة الخرافات، والحلول العنفية، وأيضًا الاعتماد على الارتجال في عدم وجود طريقة تفكير حقيقية.
كتاب “التفكير العلمي” الصادر عام 1978، والذي صدرت طبعته الرابعة قبل عام تقريبًا، للدكتور فؤاد زكريا، هو كتاب جدير بالقراءة.
وأختم بما قاله الدكتور فؤاد زكريا: “إنّ العلم يظهر في اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن ينظر إلى العالم والكون كما هو موجود بالفعل، وليس كما يتمنى أو يرغب أن يكون”.