Skip to content Skip to footer

كيف صُنعت روائع أم كلثوم وعبد الوهاب؟ موسيقى وحكايات من الزمن الجميل | الموسيقار د. ماجد سرور

كيف بدأت رحلة ماجد سرور مع الموسيقى؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور الموسيقار ماجد سرور. دكتور، يعني عادةً السؤال الواحد أنه ما الذي جذبك إلى الموسيقى؟

ماجد: والله، الموسيقى هي التي جذبتني. يعني أنا لم أكن مهتمًّا بالموسيقى منذ الصغر. نعم.

لكن والدي كانت له تجارب، وكان يغنّي، وكان هناك برنامج اسمه «الهواة» قدّم فيه، وتمّت إذاعة أغنيتين له.

باسم: لوالدك؟

ماجد: نعم، لوالدي. ثم حدثت مشكلات؛ كانت لديه فرقة موسيقية، ثم اعتزل الأمر وانتهى.

وأكمل عمله، إذ كان مهندسًا للآلات الكاتبة والحاسبة. فأحبّ أن يعوّض ذلك فيَّ. وفي الوقت نفسه كان يفعل شيئًا؛ إذ كان يستعين بي في إجازات المدرسة، وأنا في المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية، في إجازة نصف السنة أو إجازة آخر السنة، فأذهب معه مساعدًا له. فأحببت الموضوع.

باسم: مساعدًا له في أي مجال؟

ماجد: في تصليح الآلات الكاتبة والحاسبة. فقد حبّب إليَّ شيئًا، وأصبحت ماهرًا فيها. يعني في الأيام الأخيرة كان هو الذي يأتي معي، لا أنا الذي أذهب معه.

باسم: يعني أتقنت المهنة.

ماجد: جدًّا. أحببتها، وكنت أريد أن أكمل الدراسة وأدخل كلية الهندسة، وأدرس الإلكترونيات والتحديثات الأعلى، وما إلى ذلك. فوجدته يقول لي: لا، ستدخل معهد الموسيقى.

لماذا؟ وأنا، ما شأني بذلك؟ يعني في الابتدائية والإعدادية لم تكن لي علاقة قط بحصص الموسيقى، قط. بل كنت أنفر منها؛ إذ كنت أشعر، وفقًا لتفكيري آنذاك، أنها غير ذات قيمة، مثل حصة الألعاب.

غير ذات قيمة؛ أنا أدرس المواد الأخرى وأذاكر جيدًا، أما هذه فكنت أعدّها كلامًا فارغًا. فقال لي: الموسيقى. فكنت أبكي لأنه يريد ذلك؛ كان يريد ذلك جدًّا.

باسم: يعني كان يضغط عليك وأنت تبكي ولا تريد أن ترفض رغبته، وهو يضغط؟

ماجد: ثم إن لي ابنَ عمٍّ عازفَ إيقاعٍ معروفًا، اسمه صفوت سرور. فبدأ والدي يقول له: «خذ ماجدًا معك في العمل، دعه يشاهد». وطبعًا كنت صغيرًا في تلك السن، وكان شكلي دائمًا أصغر من سني، فكنت طفلًا صغيرًا. فذهبت معه، وقلت: يا الله، ما أسهل هذا! إنهم يتنزّهون!

باسم: لا يدرسون؟

ماجد: نعم، ويتقاضون أجرًا؛ يعزفون موسيقى جميلة، ويسهرون، ويستمتعون، ويأخذون المال. ما هذا؟ ما هذه المهنة الجميلة؟ فبدأ تفكيري يتغير، كطفلٍ أيضًا. حتى صرت مقبلًا على دخول المعهد؛ خلاص، بدأت أرغب في دخوله. لكنني لم أكن أعرف شيئًا عن الموسيقى.

المهم، دخلت امتحان القدرات، وكانت تترأسه الدكتورة رتيبة الحفني. فنبهني أبي: عندما يسألونك أي آلة تختار، قل لهم: كمان. وكان ذلك من وجهة نظره.

باسم: يعني حدّد لك الآلة الموسيقية أيضًا؟

ماجد: هو الذي حدّد الآلة، لأن الكمان في الفرق يكون منه كثيرون؛ فلو فشلت أو حدث شيء، أكون في الوسط، لا أظهر كثيرًا. يعني لأنه كان يعلم أنني كنت أبكي.

المهم، دخلت. فقالوا لي: «أي آلة تختار؟» فقلت: «كمان». فقالت لي: «أرني أصابعك». ثم قالت: «لا، أصابعك لا تصلح للكمان».

باسم: ما علاقة الأصابع بالأمر؟

ماجد: الكمان يحتاج إلى أصابع طويلة، لكي تصل إلى مواضع معينة، فتساعدك على العزف.

باسم: يعني أنا لا أصلح؟

ماجد: لا، بالعكس، بالعكس. لكنني أقول لك إنني كنت صغيرًا جدًّا وقتها. فلما قالت لي: «لا تصلح للكمان»، ولم أكن أعرف أسماء الآلات؛ فقلت لها، بمنتهى عدم الذكاء: «طيب، ممكن عود؟»

باسم: عود وأنت تقصد المزمار أم شيئًا آخر؟

ماجد: لا، كنت أقصد عود قصب، وأفعل هذه الحركة على أساس أنها ستفهم أنني أقصد الناي. كنت أقصد الناي، لكنني لم أكن أعرف اسم هذه الآلة. فرأتني أفعل حركات غريبة، فقالت لي: «قانون، قانون فقط. هيا، الذي بعدك».

خرجت وقلت: «يا أبي، يا أبي، قانون!» فلطم وقال: «يا نهار أبيض! هذا صعب، وهذا غالٍ»، وما إلى ذلك. فقلت: «حسنًا». فقال أصحاب أبي له: «في أول العام الدراسي سنحوّله». حسنًا.

ثم جاء العام الدراسي، ومن أول يوم نادتني أستاذتي التي عُيّنت عندها، الأستاذة مديحة عزمي، وسمعتني صوت القانون بعزفها. 

كيف سحره صوت القانون؟

باسم: يعني هي عزفت أمامك؟

ماجد: عزفت أمامي، ولكن قد سحرتني.

باسم: حقًّا؟

ماجد: لقد سُحرت!

باسم: هل سحرتك بعزفها أم بصوت القانون؟

ماجد: بصوت القانون. كانت، يعني، عازفة لا هي ماهرة جدًا ولا هي سيئة، يعني جميلة في المنتصف هكذا. فالمهم أن صوت القانون سحرني، وأعجبني جدًا. فقالت لي: تذهب الآن فتجلب لنا الكُسْتبانات والريش حتى نبدأ نعلمك. لكن أبي كان يقول لي: لا، سنحوّل. فأقول له: لا أبدًا. فكان يقول لي طبعًا: حوّل؛ لأن في باله أشياء كثيرة. وهو يعلم طبعًا أن القانون مشكلاته كثيرة، وفي الوقت نفسه غالٍ.

باسم: يعني كونُه غاليًا…

ماجد: نعم، طبعًا. يعني كان وقتها، سنة 79، ب200 جنيه.

باسم: ووقتها كان غاليًا.

ماجد: يعني صدّقني، لو قلتَ مثلًا 80 ألف جنيه الآن، فإن الـ200 كانت تشتري أكثر مما تشتريه 80 ألفًا؛ مبلغ كبير.

باسم: هذا الكلام، أيُّ عام كان؟

ماجد: 79. وهو لم يشترِ لي قانونًا وأنا في الصف الأول الثانوي؛ لأنه لم يكن يدري ماذا سأفعل، هل أنجح أم أفشل. فانتظر حتى الصف الأول الثانوي، وبعد ذلك يرى هل سيشتريه لي أم لا. وأنا تفوقت جدًا، وجئت بنسبة 98%. فطبعًا، نعم، انتهى الأمر. كنت أذاكر في المعهد لأنّه لم يشترِ لي قانونًا.

باسم: طيب، في المعهد، كيف كانت الدراسة في بدايتها؟ أكيد علّموكم كتابة النوتة، وكيفية تدوينها.

ماجد: نعم، طبعًا. كنا ندرس كل المواد: القواعد الشرقية والقواعد الغربية، والسولفيج. والسولفيج هذا يشمل القراءة والكتابة.

باسم: كتابة، أي كتابة النوتة.

ماجد: نعم، كتابة النوتة، وقراءة النوتة وكتابتها. في الامتحان يعطونني تمرينًا فأقرأه بالسولفيج، وفي امتحان ثانٍ تكون معي ورقة نوتة، ويقوم أحدهم بالعزف بالعود، ونحن نكتب نوتة ما عزفه. وخلاص، تعلمت القواعد والسلم الموسيقي، وتعلمت القواعد والسلم الموسيقي والإيقاعات، وكيف أغنّي النغمات، والفرق بين المقامات؛ كيف أغنّي مقام الكرد، ومقام البياتي، والفرق بينهما، والفرق بين الحجاز والصبا. كل ذلك أستطيع أن أغنّيه بصوتي. وخلاص حفظته، فأصبحت أسمع النغمات.

باسم: أصبحت تعرف أيَّ مقام وأيَّ نغم.

ماجد: نعم، أعرف أي مقام وأدوّنه.

باسم: طيب، والنغمة كيف؟ قاعدة تحويل النغمة أو النوتة؟

ماجد: نعم.

باسم: إلى ترميز مكتوب.

ماجد: إلى كتابة، يعني؟

باسم: نعم.

ماجد: يعني أريد أن أقول لك مثلًا: «ليلي ليلي ليلي». حسنًا. فأنا أكتب مثلًا: «صول فامي لي دور»، والإيقاع «طافي طافي طافي»؛ هذا اسم الإيقاع هكذا. فأنا أدوّن «صول فامي لي دور»، وأضع فوقها الإيقاعات: «طافي طافي طافي». حسنًا، هذا مثلًا: دو ـ ري ـ مي ـ فا ـ صول ـ لا ـ صول، وطافا طيفي طافا طي. حسنًا، أكتب أكتب… الإيقاعات فوق النغمات، يعني هكذا.

باسم: أرنا كيف.

ماجد: أنا سأريك الكتابة، يعني سأريك مثلًا النغمات.

باسم: نعم.

ماجد: «فقرة يعزف فيها»… ويوضح بالحروف.

باسم: يعني تكتب النوتة من غير أن تكتب لفظ الأغنية نفسه؟

ماجد: النوتة أكتب بها النغمات من غير الكلمات. فإذا كتبت النغمات وفوقها حروف الكلمات، فهذه مادة اسمها عروض الشعر. لكن المطلوب مني أن أكتب النوتة: الحروف؛ النغمات فقط.

باسم: طيب، هل النوتة فعلًا امتداد للتقطيع الشعري، للعَروض نفسه؟ فاعل ومستفعلن فعول…

ماجد: لا، لا، النوتة ليست لها علاقة بهذه القواعد، هذه قواعد أخرى. لكن نحن النوتة المقصود بها الحروف فقط. يعني أنا أكون مثلًا موجودًا في الاستوديو، فيكلّمونني: يا ماجد، أنت معنا الليلة الساعة الثامنة في الاستوديو، استوديو صوت الحب. حسنًا، أذهب إلى استوديو صوت الحب، وأضع القانون، وأراجع ضبط الأوتار وما إلى ذلك.

باسم: العَروض بحور للشعر.

ماجد: نعم، نعم، لا، هذه شيء آخر. ليس لي علاقة بها.

باسم: ليس لك علاقة ببحور الشعر.

ماجد: لا، ليس لي علاقة بها. هذه تكون خاصة… تُدرَّس في قسم الغناء، قسم المطربين؛ هم الذين يهتمون بها، أو هذه اهتماماتهم، أو هذه دراستهم. أما أنا فلا أدرسها، لأني لا أحتاجها بصفتي عازفًا. أنا أحتاج النغمات، وأحتاج المقامات. وفرق المقامات يعني أن هناك مقامات دقيقة جدًا، مثل مقام السيكا المصوَّرة أو السيكا بلدي. وهذه ليست سهلة على أي أحد يعزفها، ولو استطاع عزفها على آلته، كالكمان وغيره… فإنه يأتي عند القانون فيتعثّر، لأن هذا يحتاج إلى «عُرَب» خاصة.

باسم: يعني نقلها من الكمان إلى القانون تحتاج مثلًا إلى تغيير في العُرَب؟

ماجد: سأري حضرتك…

كيف تُقرأ المقامات وتُوزَّع الوظائف الموسيقية؟

ماجد: موسيقى… 

ماجد: أم كلثوم تغني تقول لك: «يا سعده اللي عرف مرّة…»

كل هذا مقام الراست… وبعد ذلك نقول: «ويا قلبه اللي طول عمره ما ذاق الحب وحلاوته»… هذا هو السيكا المصوَّرة. أترى كيف يبدو المقام؟ صحيح. اسمع الآن سولو القانون التابع لعمّنا عبده صالح، يردّ عليها في موضع آخر… «موسيقى»

ماجد: حسنًا؟ المقام هنا سيكا مصوَّرة على درجة الري. دائمًا السيكا يقول لك: مي، سيكا سي، سيكا لا، سيكا… لا، الري ناتورال هو الركوز خاصتها. كل مقام بعد ذلك تحوّله وهكذا.

باسم: أحب أن أعرف تقسيم الوظيفة بين الملحن والعازف والمغني. يعني من يختار، مثلًا، إذا أعطيتك أغنية، من يختار أي بحر للشعر أو أي مقام تُغنّى عليه؟

ماجد: الذي يختار بحر الشعر هو لمؤلف أي الكلمات. حسنًا؟ هذا أول شخص. جيد؟

باسم: هو يختار بمزاجه.

ماجد: بمزاجه طبعًا. هو يؤلف الكلمات ويختار بحر الشعر، ويختار الأشياء بحسب إحساسه، بحسب إحساسه هو والمعنى الذي يريد أن يوصله. فإذا انتهى من الكلمات، يأتي الملحن، يأخذ الكلمات، ويلحّنها، وينغمها.

باسم: هنا النقطة. كيف يبدأ الملحن، وعلى أي أساس، بتنغيم اللفظ أو القصيدة الشعرية؟ يعني أقصد، الملحن أو الشاعر أو الكاتب أو المؤلف، أكيد استخدم البحور… فهل بحور الشعر توحي للملحن بشيء؟ يعني هل تسهّل عليه فهم الكلام، وتسهّل عليه اختيار أي مقام؟

ماجد: هذه مسألة أكبر من الدراسة، اسمها موهبته الشخصية. يعني عنده… مثلًا كنّا نقول عن بليغ: هذا إنسان يسيل موسيقا، عرفت؟ يسيل موسيقا، يعني يمشي هكذا، فتسقط منه الموسيقى. جيد؟ من كثرة ما هو كذلك، أعطه كلمات، فيلحنها حالًا. وسأحكي لك واقعة، طبعًا واقعة عظيمة بكل المقاييس.

باسم: مع بليغ.

ماجد: كان يعتبر نفسه تلميذ محمد فوزي. جيد؟ ومحمد فوزي كان يعرف أنه يحب بليغ جدًا، وطبعًا بليغ موهبة كبيرة. فكان محمد فوزي قد حصل على فرصة عظيمة، وهي أنه سيلحن للسيدة أم كلثوم… فرصة نادرة، جيد؟ فأخذ منها كلمات أغنية «أنساك».

باسم: من؟ محمد فوزي؟

ماجد: محمد فوزي. كان جالسًا يلحن، وأمامه طاولة عليها الكلمات وقلم، وما إلى ذلك. ثم حضر بليغ، ووضع العود، وجاء يسلم: بليغ يا حبيبي، أخبارك إيه؟ وهكذا. ماذا تشرب؟ جيد. فذهب ليُحضِر له ما سيشربه، سواء الشاي أو القهوة. فجاء بليغ فوجد الكلام والعود. فأخذ: “أنساك… أنساك. دا كلام”… لحنها كما تتكلمها هكذا.

باسم: أف. يعني لم يقرأ الشعر ولا أي شيء… دخل مباشرة…

ماجد: أخذها في ثوانٍ. والرجل كان يحضّر له الشاي، يعني يتسلى. لم يكن يقصد شيئًا، ولحنها كما تتكلمها هكذا: “أنساك… دا كلام… أنساك… يا سلام”. جيد هكذا. محمد فوزي قال له: سمعني. فقال له: يا ابن…، ما هذا؟ فقام فاتصل بالسيدة وقال: اسمعي يا سيدة… ما رأيك في هذا؟ فقالت له: حلو جدًّا… فقال لها: هذا بليغ، ليس أنا، وأنا أستأذنك أن يكمّلها هو. أنا أرى أنه فهم الموضوع أكثر مني.

باسم: أوف. وكانت هذه أول مرة بليغ يلحن لأم كلثوم أم كان ملحنها من قبل؟

ماجد: لا، كان ملحنًا لها… لكن انظر إلى فوزي، كانت فرصة أن يلحن للسيدة أم كلثوم في عز مجدها. ضيّعها وانتهى الأمر، ولم تأته فرصة أخرى. خلاص.

باسم: يا سلام.

ماجد: لم يلحن لأم كلثوم. كانت هذه الفرصة الوحيدة… وبمنتهى الحب والفن العظيم والروح الجميلة، تنازل عنها لأنه يرى أن تلميذه لحنها أحسن منه.

باسم: بليغ كان تلميذ محمد فوزي.

ماجد: بالضبط… محمد فوزي عملاق وسابق عصره من زمان. كل أعماله سبقت زمانها حتى الآن. وهل هناك من يعرف أن يلحن: «ذهب الليل»؟ والحاجات هذه كلها… في أذننا جميعًا. تعالَ هات طفلًا الآن، «ذهب الليل»، ستجده ينسجم معها. الأغاني والحروف والنغمات فيها سحر، فيها سحر، لأي طفل ما زال لا يعرف عنها شيئًا. ليس شخصًا كبيرًا سمع هذا اللحن وحفظه.

هل توجد قواعد للتلحين أم هو موهبة خالصة؟

باسم: فأنت تعتبر أن الملحّن موهبة، لكن ألا توجد قواعد أساسية، مثلًا، تجبره الالتزام بها في تلحينه لقصيدة شعر؟

ماجد: لا، لا، إطلاقًا.

باسم: معقول؟ أنا أسألك لأنني لا أعرف، وأحب أن أعرف…

ماجد: نعم… سأسمعك مثلًا السنباطي، لحّن أشياء متشابهة. يعني كان يشتغل في الألحان على نحو متقارب… يأخذ من نفسه، يعني.

موسيقى…

ماجد: هذه واحدة، جيد عمل أيضًا لنجاة.

موسيقى…

باسم: نفس المقطوعة، نفس المقطوعة نفسها.

ماجد: نعم، لكنها لنجاة وتلك لأم كلثوم، وهي تشعر أن المقطوعتين بنات عم.

باسم: ألم ينتبه المطرب أنك تستخدم الموسيقى نفسها؟

ماجد: هو غيّر… السامع يسمع المقطوعتين واحدة. الموضوع واحد.

باسم: طيب، سؤال: لماذا لا توجد قواعد تُوجِّه؟ أنا أريد أن أصبح ملحّنًا، فكيف؟

ماجد: أعتقد أنه لو كانت هناك قواعد، لما كان الموضوع جيدًا.

باسم: يا سلام.

ماجد: نعم، بالطبع. تفعيل الموهبة أحلى بكثير، فاهمني؟ ونحن بالموهبة سمعنا روائع الفن من عبد الوهاب ومن السنباطي. والقصبجي… القصبجي هذا صنع أشياء مذهلة. أعمال قليلة، لكنها مذهلة. يعني ما هذا؟ أنا كنت أمس فقط أسمع لحنًا بسيطًا جدًا اسمه: «حقّك عليّ ما تزعلش». «حقّك عليّ ما تزعلش، ما أقدرش. والنبي والنبي والنبي ما أقدرش. حقّك عليّ ما تزعلش». والموسيقى بقى…

باسم: هذا التوزيع على النوتات الذي تتحدث عنه، يأتي به الملحّن بإبداعه وموهبته؟

ماجد: بموهبته، نعم.

باسم: أنا أسميه ترتيب الأذن الموسيقية الموجودة عند الملحن. هل هو ترتيب فطري فعلًا، أم ترتيب لا بد أن تكون له خلفية مثلًا؟

ماجد: هي الموهبة التي في داخله، والجو المحيط به. يعني مثلًا عندما تجد القصبجي عازف عود فقط، وإلى جانبه محمد عبده صالح، وإلى جانبه الحفناوي، عظمة على الكونترباص، فكيف يخرجون موسيقاهم؟ يعني لو كان جالسًا وحده، ماذا كان سيفعل؟ فاهم؟ فالموهبة كبيرة، يعني. وأنا عندي معلومة اكتشفتها حين جلست لأول مرة أعزف مع أستاذ كبير، عبده داغر، رحمه الله؛ وجدت نفسي، وأنا جالس مع أستاذ وأعزف إلى جوار أستاذ كبير مثله، أعزف موسيقى حلوة. أنا لم أكن أعزفها من قبل. من أين جاءت؟ لقد جذبني، يعني. عزفه الجميل شدّني، ورفعني معه.

قصة ارتجال وردي في تونس

باسم: وأنا الذي شدّني أن أدعوك حقيقة. كنتُ، بالصدفة، أبحث في أحد المقاطع، فمرّ عليّ فيديو من هذه الفيديوهات، أغنية لوردة شدّتني فعلًا. مقطوعة قدّمتها أنت أذهلتني.

ماجد: كان ذلك مرةً، وكان فيه ارتجال. كنّا في حفلة بتونس، وبالحقيقة كنّا قبلها مع الفرقة. نحن قبل أن نطلع على المسرح كنّا نتكلم عن محمد عبده صالح، وكان الكلام كثيرًا جدًا.

باسم: يعني هناك قصة وراء الأمر؟

ماجد: نعم، بالضبط، كأننا استحضرنا روحه… فجاءت هي تغني، ثم تَستريح لتقول: «يا ليل». فالمفروض أن المطرب عندما يأتي يقول: «يا ليل». وفي الغالب يكون هناك عازف، وأغلب الظن أنه القانون، لأن هذا القانون يُسمّى دستور النغم.

باسم: يملأ الفراغ الموجود؟

ماجد: له نصيب الأسد. يعني عندما يقول: «يا ليل»، ثم تسمع بعده كمان أو ناي، لا؛ هو هذا الباشا.

باسم: يعني بعد «يا ليل» لا بد أن يأتي القانون؟

ماجد: دستور النغم. فالمهم، أول ما رجعت، فرحت أنا، وأنا في داخلي روح محمد عبده صالح، مستحضرها يعني… فقط.

باسم: بجد، أحب أن أسمعها…

ماجد: موسيقى…

باسم: وكانت وردة تقول لك أيضًا: كمان، كمان.

ماجد: نعم، كانت تقول لي: كمان… أيوه… تقول لي: أيوه كمان… لأنها فنانة والأشياء أعجبتها، وأنا كنت ما زلت في أوائل دخولي الفرقة الماسية، فكانت ما تزال تهاب التعامل معي، وتراني صغيرًا. فهي تقول: سيخرج من هذا الصغير ماذا يعني؟ لكن عندما بدأت تسمع أشياء جميلة أعجبتها، صارت تقول: أيوه كمان.

باسم: أنت سررت بالموضوع.

ماجد: نعم، بالضبط.

باسم: طيب، كيف دخلت في هذا… يعني بعد أن تخرجت من المعهد، هل شعرت أنك صرت قادرًا على أن تبدأ بالمشاركة مع مطربين كبار مثل وردة ومحمد عبد الوهاب؟

ماجد: أنا لم أكن أحلم، لم أكن أحلم أن أشترك. لكن بعد أن تخرجت من المعهد، ودخلت الجيش، وانتهى كل شيء، من خلال عزفي مع فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية، فرقة المعهد، وهي فرقة ولدها المعهد، فيها طلبة وفيها خريجون.

باسم: يعني المعهد كان قد ألّف فرقة وسمّاها فرقة أم كلثوم؟

ماجد: نعم، بالضبط، بقيادة المايسترو حسين جنيد، رحمه الله، وهو موسيقار كبير وملحن كبير. المهم، استأذنت الدكتورة رتيبة الحفني، وكانت عميدة المعهد وقتها، أنني أريد أن أعزف عزفًا منفردًا، وأرجو أن تعطيني هذه الفرصة.

فوافقت، وقالت لي: طيب، ماشي، عندك الحفلة القادمة، لا، التي بعدها. حضّر نفسك. جيد. ستعزف ماذا؟ قلت لها: سأقول لك، لكن عندما أقترب، وعندما أجمع فكرة في رأسي هكذا. ففكرة تجميع سولوهات محمد عبده صالح في أغاني أم كلثوم فكرة صعبة قليلًا. أنت يمكن أن تعمل كوكتيل موسيقا، جيد، لكن كوكتيل سولوهات، هذا أيضًا صعب.

باسم: وتكون منسجمة مع بعضها.

ماجد: فقعدت أفكر فيها، حتى خرجتُ بشبهها، وعملتُها. وصرتُ أكتب على ورقة أسماء السولوهات، وأوصلها حسب الترتيب المقامي، حتى يصبح هذا من هذا كأنها شيء واحد. المهم، حتى عملتُه، وجئت بعازف رق وسجلته على شريط. ثم ذهبت إلى رتيبة الحفني. قلت لها: ما رأيك؟ قالت: حلو جدًا. ستسميه ماذا؟ قلت لها: سأسمّيه «عزيزي عبده صالح». يعني كأنني أقدّم له باقة من أعماله، باقة حب هكذا. المهم، هي وافقت. وذهبت فعزفته في الفرقة. وسُجّل تلفزيونيًا. وأذيع في برنامج الموسيقى العربية. مرة واحدة.

المرة الواحدة هذه، الأستاذ أحمد فؤاد حسن، ومعه الفنان الكبير محمد عبده، الفنان السعودي محمد عبده. معًا. لا أعرف من عند الآخر، لكن كانا معًا. فشاهداه. وكان حلوًا جدًا. وفي الوقت نفسه كان لديه مشكلة أنه لم يجد عازف قانون يسافر معه. حفلة لندن، حفلة تكريم الأستاذ عبد الوهاب من الجالية المصرية في لندن في ألبرت هول.

باسم: آه، يعني كانت لديهم نية أن يقيموا احتفالية في ألبرت هول في لندن.

ماجد: نعم، بالضبط. ولم يكن معه عازف. كان معه عازف أستاذ كبير، لكن لم يكن…

باسم: قادرًا على السفر.

ماجد: نعم، لم يكن مؤهلًا للسفر وقتها. فرأى هذا، وذهب يكلّم وكيل المعهد. كان عازف كمانجا في الفرقة الماسية، اسمه محمد سعيد هيكل، الدكتور محمد سعيد هيكل. كلّمه: من هذا الولد؟ هذا حلو ويعزف جيدًا، طيب هل يقرأ النوتة جيدًا؟ طيب، هل أنهى الجيش؟ نعم… معه جواز سفر؟ نعم… كل شيء جميل.

باسم: سافرت معهم…

ماجد: سافرت معهم. ومن هنا بدأت أكمل معهم.

باسم: طيب، ما المعزوفة التي عملتها؟ التوليفة؟

ماجد: هي طويلة، لكن يمكنني أن أقول لك جزءًا بسيطًا منها، أريد أن أذكر لك مقطعًا مهمًا جدًا. وأنا أفكر فيها… تخيّل أنني وأنا نائم صحوت من النوم بسبب تعديل مقطع صغير. والله، صحوت من النوم.

باسم: أنت متفاعل جدًا معها.

ماجد: نعم، نعم. صحوت من النوم من أجل تعديل جزء معيّن. وهو الفرق بين سولو «الأطلال» وسولو «هجرتك». نعم. حسنًا. وطبعًا الذي ساعدني في هذا أن الملحن واحد، وهو السنباطي. السنباطي، صحيح. فأريد أن أعزف لك السولوين وأقول لك الجزء الذي أيقظني من النوم ما هو؟

باسم: تفضل…

ماجد: موسيقى…

طبعًا أنا لا أقول غناء، أقول سولوهات فقط. فذهبت أعمل… موسيقى…

ولم أعد… موسيقى… هذه الخاصة بـ«هجرتك». هذه القطعة الخاصة بـ«هجرتك». نعم، نعم.

باسم: واضح أن فيه تشابهًا

ماجد: يعني نفس اللحن. 

باسم: طيب، أنت كعازف، يعني سؤالي أكيد أنك تعلمت العزف أكاديميًا وأتقنته أكاديميًا، وأنت تدرس بالفعل… أين دور الإبداع؟

ما الفرق بين عازف تقني وعازف مبدع؟

باسم: في عازف أنا أسمّيه عازفًا تعلّم ميكانيكا العزف، نعم، لكنه يحتاج إلى إبداع. يعني أنت تقول: أيقظتني من النوم. هل هذه العلاقة مثلًا على أساس أنك شعرت بخَلل ما؟

ماجد: لا. سيبقى أحسن. أنا أستطيع أن أعمل الموسيقى: …

يعني لن تكون سيئة. لكن عندما عملت… 

باسم: كأنك تحاول أن تنهي

ماجد: نعم. وهي أصلًا معمولة، قبل السولو في «هجرتك»، وهما أيضًا موسيقا بنتا عم، يعني قريبتان من بعضهما، لأن الملحن واحد.

باسم: يعني لو جئتَ بعازفين اثنين معًا، وتعلّما الآلية نفسها في العزف، وأتقناه، فكيف يمكن التمييز بين عازف جيد وعازف غير جيد؟ أو عازف أفضل من عازف؟

ماجد: انظر، سأعطيك مثالًا تفهم منه، أو تعرف منه كيف تكون الحالة. كم دفعة تدخل في معهد الموسيقى العربية فقط؟ طبعًا عندنا معاهد وكليات كثيرة جدًا تدرّس. يعني كليات التربية الموسيقية كثيرة جدًا، وفيها كليات التربية النوعية، وتقريبًا تكاد تكون في كل محافظة. حسنًا؟ التربية النوعية يدرسون قانونًا وعودًا ونايًا وكل شيء. كم واحدًا طلع؟ كم واحدًا يظهر؟ صحيح. إذن هي تعتمد على ماذا؟ على نعمة ربنا يهبها لمن يشاء ولا يهبها لمن يشاء. هذه ليس لنا علاقة بها. أنا أعلّم طلابي كل حرف أعزفه. لأنني في الحقيقة حُرمت من هذا، يعني. حُرمت منه. عارف؟ أسمع مثلًا تسجيل الأستاذ الكبير عبد الفتاح منسي، يعزف معزوفات رائعة فظيعة. أريد من يريها لي، لا أحد يريني. كان وقتها حتى الأستاذ الكبير الذي كان يدرّسني ـ من غير ذكر أسماء ـ كان يدرّسني، يعني بفمه، لا بالعزف. يعني لم يكن يريني بالعزف كما أنا أريك الآن، لا، يعني بالتلقين. جيد؟

باسم: يعني كان يلقّنك فقط؟

ماجد: نعم. لأن الكبار في ذلك الزمن، إلى حدٍّ ما، كان يقول لك: لو أريته، سيأخذ مكاني. لو أريته طريقة العزف، ربما يتفوق ويصير أحسن مني ويأخذ مكاني. نعم، صدّقني كان هكذا. يعني هناك قصص عن عازف كبير أيضًا، لن أذكر أسماء. كان يعدّي العُرَب. العُرَب هذه تحتاج إلى أن أكون مثلًا أريد عُربة معيّنة في مكان معيّن، يعني، لكي تعطيني مقامًا معيّنًا أو شيئًا من هذا القبيل. فجاء الصانع وركّبها له. أراد أن يجرّبها، وأراد أن يعزف أمامه. فقال له: وَلِّ وجهك إلى الناحية الأخرى.

باسم: أف.

ماجد: نعم، حتى لا يرى يديه وأسلوبه. يريد أن يعزف على راحته.

باسم: لماذا هذه الأنانية مثلًا؟

ماجد: كل واحد وإحساسه. أنا عندي مبدأ أن النعمة التي أخذتها، وهي أكثر شيء في داخلي، أخذتها بلا مقابل، أخذتها مجانًا. حسنًا؟ فكيف أبخل بها على أحد؟ صحيح. لذلك صرت أعلّمها لكل الطلاب. أي طالب رأى حركة أنا عملتها، أذهب فأعملها له في دقيقة. حسنًا؟ عندنا، والله، حركة معيّنة قعدت أسمعها من الشرائط، من عبد الفتاح المنسي، وقضيت أكثر من ثلاثة أشهر حتى أعرف كيف كان يفعلها. أتعبتني… لأن أحدًا لا يريني.

باسم: نعم، يعني أنت قررت أن تجتهد بنفسك حتى تكتشف.

ماجد: نعم، أجتهد بذاتي. جيد؟ وغير الشغل والخبرة والتعامل مع الفِرق، أجد مثلًا عازف الأكورديون قد لعب حركة أعجبتني جدًا، فأروح أنفذها على القانون، فتظهر حلوة.

باسم: هل العازف، طبعًا اتفقنا أن العزف تعليم وتدريب… هل هو تدريب إبداع، أم كثرة ممارسة، أم شغف؟

ماجد: كلها… نعم، يعني هو تدريب، وإبداع، وكثرة ممارسة. قلّة الممارسة تجعل الواحد يصدأ، أو ينخفض مستواه… إذا لم يعمل كثيرًا، يقل صوته. صوته في الآلة يقل.

من يتحكم في شكل الأغنية: الملحن أم الموزّع؟

باسم: أنت، كعازف، تستطيع أن تعمل بمعزل عن الملحن؟ أم إن الملحن يحدّد لك؟ يعني ما دور الملحن في الأغنية مثلًا؟ هل هو يحدّد النوتة مثلًا؟

ماجد: في هذه النقطة يوجد شخص آخر غير الملحن أيضًا. نحن نأتي إلى الاستوديو. الملحن يجلس مع الموزّع في البيت، ويقرّران شكل الأغنية. وبعد ذلك يحجزان استوديو. جيد. أو إذا كان لديه ستوديو بيتي يعمل، فيأتي بالكمانجات، والتشيللوهات، وإذا أراد بيز جيتار، أو بحسب شكل الأغنية، وهو تخيل لهذه الأغنية. الصولو الخاص بها قانون؟ قد يتخيّل: لا، لا، لا، لا، إطلاقًا، هذا الصولو أكورديون وناي. وآخر يقول: لا، هذا عود وبزق معًا. يعني يجلسون يطرحون آراءهم حتى يستقرّوا في النهاية على شيء.

باسم: هذه هي النقطة: من يحدّد ماذا؟ هل يعتمد ذلك على الذوق الخاص بكل فرد، أم هناك أسس؟

ماجد: والله، في الوسط الذي نحن فيه، وفي الحالة التي نحن فيها، أحيانًا يكون هناك أناس قليلون في الفن وعندهم شيء متخيَّل، حتى لو كان خطأً. فيجرّبونه ويرونه. يعني عمله هكذا فلم ينجح. تخيّل عازف كذا وعازف كذا، ثم لا ينجح الأمر. فيبدأ يسمع كلام الموزّع، مثلًا، الذي قال: لا، اجعلها كذا. يعني هكذا تقريبًا.

باسم: في التأليف، يعني في إنتاج الأغنية، هل الموزّع هو الأساس أم الملحن هو الأساس أم أن لكل واحد دوره الخاص؟ يعني عندك المؤلف، والمطرب، والموزّع، والملحن، والعازف. هذه خمسة مستويات حتى نسمع الأغنية.

ماجد: الموزّع هو الذي يقود كل هذا. يعني هو يأخذ… الكلام ملحَّنًا، خلاص. هو تجاوز مرحلة المؤلف، أي الكلمات.

باسم: هو يقوم بعملية التنفيذ.

ماجد: نعم، ويأتي هو عند التنفيذ برؤيته. إذا كان موزّعًا كبيرًا ومعروفًا، يقول له: لا، اترك هذا لي، أنا سأختار. أنت سلّمتني اللحن، اترك لي أنا أن أعمل لك كل شيء.

باسم: هو يختار الآلات الموسيقية.

ماجد: ويختار كيف سينفّذها، ويعمل الإيقاع كيف سيكون. يعني يعمل الإطار كيف سيكون. هذا هو الموزّع الكبير الذي تُسلَّم له الأغنية.

باسم: ما صفات الموزّع الناجح، والذي طبعًا لا بد أن يكون أكاديميًا مثلًا؟

ماجد: أيضًا بالموهبة. يعني هل مَن مِنَ الأكاديميين موزّع ماهر؟ لا. الآن صار الماهرون في الكمبيوتر هم الموزعين. تخيّل، هو موسيقي، لكنه ماهر في الكمبيوتر. لأنك الآن عندما تدخل في توزيع الأغنية، ستجد أمامك كمبيوتر. والآن أيضًا هناك أشياء مثل أن العازف لا يعزف الجملة مرتين؛ يعزفها مرة ثم يقوم بنسخها. هناك أشياء كثيرة جدًا.

هل التكنولوجيا أضرّت بالموسيقى العربية؟

باسم: هذا ماذا فعل في الموسيقى؟ هل طوّرها، أم يمكن القول إن التقنية التكنولوجية الموجودة، كما ذكرتَ أنت مثلًا، تجعل الواحد يأخذ نغمة ويعزفها ويكرّرها من غير أن يعيد؟ من الأفضل: أن يكون عندك تخت موسيقي ضخم فيه عشرون أو ثلاثون موسيقيًا، أم مجرد توليفة بسيطة؟

ماجد: الأفضل كان قديمًا طبعًا. لأنني عندما أعزف السولو مراتٍ متعددة، ففي كل مرة أُبدع فيه. فإذا عزفته مرة واحدة، هو يطبعه. وهذا عيب، عيب في حقي؛ لأنني عزفت السولو أربع مرات من غير أن ألعب فيه شيئًا، ومن غير أن أُدخل فيه أي إبداع من عندي. انتبه. وفي الوقت نفسه يضعف مستواي. عندما ألعب هذا الشيء وأمشي، أكون قد أنهيت اللحن في نصف ساعة وأمشي. وأنا أريد أن أُكمّل اللحن. لا، لا، لا، خلاص هكذا انتهينا… يا عمّ أنا أريد أن أكمل، أريد أن أقول في المرة الثانية كذا، وفي المرة الثالثة كذا، وهكذا. لا، نحن هكذا انتهينا. فكان قديما أحسن.

باسم: هل هذا أحدث تأثيرًا سلبيًا في الموسيقى المصرية، مثلًا، أو الموسيقى العربية؟

ماجد: نعم، طبعًا، أكيد، أكيد. فيه حاجات تضعف الفن. حاجات تضعف. وبعد ذلك يصير الذين يطفو على السطح هم أهل الكمبيوتر فقط. وأحيانًا أذهب أسجّل مع أحد، فتكون الموسيقى سيئة. يعني أنا أعرف أن شغلي هو أنه إذا كانت الموسيقى ليست حلوة، أحليها. لكن فيه موسيقى لا أستطيع أن أحليها، تكون سيئة بقوة. يعني يحصل هذا. ويُنفَّذ فقط الموجود وخلاص، يعني، حتى يبقى اسمي أنّي اشتغلت، فهمت؟

باسم: هنا تحدثنا عن أنه عندك شاعر ومطرب وملحن وموزع وعازف. ومختص الكمبيوتر، أنت اختصرت الكل في واحد أو في شخص.

ماجد: وفيه ناس يختصرون حتى العازف… يعني أنه هو نموذج. يأخذ العيّنة من صوت القانون من أي أحد. حتى ممكن مني، من تسجيل قديم مثلًا. وخلاص، هو هكذا يسجّل… عندك مثلًا الأستاذ الكبير عمار الشريعي. من زمن جلس مع الأستاذ الكبير أمير عبد المجيد، عازف القانون الذي كان في الفرقة الماسية قبلي. ونمذج صوت القانون، حرفًا حرفًا، بإتقان، ووضعه في الكمبيوتر. وعمار عبقري جدًا، ليس عبقريًا عاديًا، يعني عبقري جدًا. فالمهم كان الناتج مثلًا. أول ناتج أنه جاء ليسجّل مسلسلًا اسمه «أرابيسك». فأنا كنت أنا منتشرًا كعازف. فأذهب إلى المعهد، والمعهد كله يقول لي: أحسنت، أنت أمس كنت قويًا في أرابيسك.

باسم: وأنت لست الذي تعزف… يعني أخذوا الموسيقى والعزف؟

ماجد: نعم… هو القانون الذي عزف به كان شبهًا شديدًا بصوت القانون الطبيعي جدًا. شيء يعني تسعين في المئة. يعني كل أصوات النماذج التي قبل ذلك، واضح أنها صوت بلاستيك، يعني صوت غير طبيعي. لكن هذا مأخوذ بعناية. موسيقى أمير عبد المجيد من يد عازف محترف، وهو إنسان عبقري ومحترف. فصارت موسيقى أرابيسك.

باسم: يعني باستخدام هذه التقنية نصل إلى مرحلة ربما لا يكون عندنا عازفون مثلًا أو فنانون.

ماجد: لكن في الحقيقة، جاء الأستاذ عمار، عندما جاء يسجل مسلسل أم كلثوم هذا بعد أرابيسك، وهذه في المقدمة والنهاية، لم يرضَ أن يضع صوت القانون من عنده، فأتاني أنا، وأنا الذي سجلت المقدمة والنهاية.

باسم: هذا هو، لأنه يُدرك أهمية وجود العنصر البشري في العزف. لكن حاليًا، يعني لو أنا منتج، لماذا آتي بعشرين عازفًا؟ ما دامت موجودة على الكمبيوتر، وخلاص.

ماجد: فيه حاجات هكذا. وفيه هذا الوقت في النماذج، يقول لك: عندي كمانجات خاصة بأوركسترا برلين، وعندي كمانجات تركي، وعندي كمانجات شرقي، وعندي كمانجات خاصة بأوركسترا فيينا. جيد. تأخذ هذا وتنزّله على الكمبيوتر، وتلعب كأنك أنت تلعب بصوت الكمانجات هذه.

باسم: طيب، أنت كعازف وكموسيقار وكأستاذ، وطبعًا أنت تدرّس الموسيقى. هل ترى أنه في يوم ممكن فعلًا نفقد كل العنصر البشري أو يقلّ؟

ماجد: يعني الحمد لله أنا موجود، لأن فيه نعمة من عند ربنا ميّزني بها. فالذين يفهمون لا يقدرون أن يستغنوا عن صوت القانون الخاص بي… عزفي.

باسم: متفقون معك. لكن طبعًا الدنيا واسعة، ليس عازفًا واحدًا. الآن، عندما تنتشر هذه التقنية، تقنية الكمبيوتر تنتشر وتتسع أكثر، ويصير الهدف الربح المالي والتوفير هو الأساس، بالتأكيد سيخفّ العنصر البشري ويقلّ. ماذا نفعل حيال هذا الظرف؟ يعني المشاركة الإبداعية للفرد ستنتزع من الموسيقى، وتصير الموسيقى ميكانيكية.

ماجد: نحن نحاول أن نشتغل ونذاكر ونوصّل للطلبة كيف يصبحون ماهرين وكيف يصبحون جيدين. نفعل ما علينا، والباقي على الله. أصلًا، ماذا أفعل؟ يعني أشياء تنتشر. الذي أنت تقوله هذا ليس سيبدأ الآن. لا، هو شغال.

باسم: بالفعل شغال من زمن، لكنه وصل إلى مرحلة من الخطورة أنه فعلًا قد يقضي على الإبداع البشري في الموسيقى، إذا صارت الموسيقى كلها منقولة نسخًا، يعني عبارة عن كشكول من هنا وهناك.

ماجد: يعني مثلًا، نحن في مصر كم مليون؟ فوق مئة مليون

باسم: فوق المئة مليون.

ماجد: ستجد الفن الأصيل العربي في المقامات الحلوة والغناء القديم، وكان موجودًا في الأوبرا… كامل العدد… الحفلات كامل العدد… جيد. وستجد مثلًا موسيقى الجاز كامل العدد. وستجد موسيقى المهرجانات كامل العدد.

باسم: يعني ما زال الاهتمام موجودًا.

ماجد: نحن كثيرون في العالم، فالأشياء السيئة لم تصبح عامة في كل شيء. لكنها موجودة.

باسم: كثير من الأغاني التي تُسمع كلها مسجّلة، يعني كلها مركّبة تركيبًا…

ماجد: نعم، هذا هو الخطر منذ بدأت المهرجانات… كان المطرب يسافر ومعه فرقة، معه عشرون أو ثلاثون واحدًا. الآن يسافر ومعه وفلاشة. يسافر مع واحد صاحبه وفلاشة.

باسم: ويصير هو يقفز على المسرح.

ماجد: ويطلع يغني، ويشغّل معه أوتوتيون، حتى لما ينشز بقوة، فيعمل زنّة هكذا في الصوت. يصبح (ستايل). هو هكذا يغني، وعامل (ستايل). و(الستايل) هذا سببه أنه ينشز بقوة، وأن النغمات تخرج منه ناشزة. فهو يمرّرها على الأوتوتيون، على الكمبيوتر الذي هو على المايك الخاص به. فلما تكون النغمة ناشزة جدًا فتعمل زنّة، ومن كثرة ما يصلّحها الكمبيوتر، تلاقي زنّة مصاحبة للصوت. هذا هو (الستايل).

كيف نحمي قيمة الموسيقى في عصر الذكاء الاصطناعي؟

باسم: يعني يصبح النشاز هو (ستايل).

ماجد: نعم، صدّقني، هو هكذا.

باسم: كيف يمكن حماية… دعني أسميها حماية الموسيقى، حماية الإبداع الموسيقي الموجود في نفوسنا جميعًا؟ قد يتبدّى بطريقة تختلف من شخص إلى آخر، لكن كيف يمكن أن نحمي هذه القيمة؟ أنا أقصد القيمة المعرفية الموسيقية في الإنسان، حتى لا تخرّب عن طريق تلك التوليفة…

ماجد: هل نستطيع أن نحمي العالم من الشر؟

باسم: نعم، ممكن.

ماجد: لا… هو موجود.

باسم: ممكن، لكن دعني أشرح لك… القوانين والدساتير تحاصر الشر.

ماجد: لكن ليس تفعيلًا واحترامًا… القانون موجود.

باسم: صحيح، لكن من مجتمع إلى مجتمع تختلف تطبيقات القوانين. ومع ذلك فالقانون موجود لمحاصرة الشر ومن ثمّ منعه. وكذلك هذه المهن… لا شك أن هذه المهن غدًا إذا صار كل شيء بالكمبيوتر، ودخل الذكاء الاصطناعي مثلًا… عندك الآن مطرب ذكاء اصطناعي، وموسيقى بالذكاء الاصطناعي، حتى الكلمات بالذكاء الاصطناعي.

ماجد: في البداية تحدّثنا مع النقابة. كيف تعطونهم تصريحًا؟ كيف الناس تمنحهم تصريحًا للغناء؟ فهو لن يغنّي إلا بتصريح. يقول لك: لأنهم يدخلون للنقابة دخلًا، ونحن عندنا معاشات وعندنا أناس يحتاجون إلى المال. ففجأة صارت غير صعبة.

باسم: صحيح، صار هناك ضرورة لهذه الأشياء، وأنت لا تستطيع أن تحدّ حرية الناس. أنا حر، أريد أن أفعل هذا، يقول لك: لماذا تحدّ حريتي؟ لكن أيضًا حرية الإبداع، من يحميها؟

ماجد: الحقيقة أنا لا أرى أحدًا يحميها. المفروض أن تكون النقابة أول شيء، لكنهم أيضًا مضطرون؛ عندهم مسؤولية تجاه المحتاجين من الموسيقيين، والذين لا يعملون، والمريض، الذي عنده مشكلة. فهم يحتاجون إلى مال، ويحتاجون أن يأخذوا مالا.

باسم: مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى كثير من مفاصل الحياة في المجتمعات، كثير من المهن الضرورية حاليًا والأساسية في حياة المجتمعات ستنتهي. ستنتهي، والكل يتوقع ذلك. مهنة الطب ستنتهي، ومهنة البرمجة، ومهنة المهندسين ستنتهي، وكثير من الناس ستنتهي.

ماجد: سأقول لك شيئًا. الموسيقى والفن والإبداع طول عمره موجود: فيه واحد جيد وواحد قبيح؟ عندي قصة حكاها لي أستاذ كبير بالقانون اسمه مصطفى كامل، رحمه الله. مصطفى كامل هذا، ابنه محمد مصطفى، الذي عزف سولو «رسالة من تحت الماء» مع عبد الحليم، وهذا السولو كان معروفًا بسبب ذلك السولو، وطريقة العزف هذه. كان يجلس، ليس مع الكمانجات، بل مع السولوهات، مع القانون والناي والأكورديون. هو يجلس معهم، لا مع الكمانجات.

باسم: يعني يميّز نفسه.

ماجد: هذا مصطفى، وهو كمانجاتي، الكبيرالأب حكى لي. يعني هو الآن في قرب الثمانين. في شبابه كان هناك مطرب، قال لي اسمه لكنني لم أحفظه. كان مطربًا يقال له: عقر جدًا، وتبع المواويل، والقفل الحراقة. هذا لفظه، يعني: قفلات، القفلات الحراقة القوية. يعني مطرب محترف. وهو يغني، أحد المستمعين قال له: “لمّا أنت ناوي” يشير إلى أغنية عبد الوهاب، كان ذلك حين خرجت الأسطوانة واشتُهرت. المطرب الكبير هذا شتم الرجل شتمًا قويًا لا أستطيع أن أقوله، طبعًا. لأنه بالنسبة له كان عبد الوهاب هذا طفلًا طالعًا يفسد الموسيقى. يعني طفلا جديدًا، ماذا سيفهم في المواويل التي يغنيها؟

باسم: حتى عبد الوهاب لم يكن محسوبًا عنده.

ماجد: كان ما يزال جديدًا، شابًا صغيرًا، طالعًا. فتخيّل. شتمه لأنه قال له: أأغني لهذا الطفل؟ تخيّل التسلسل الآن. كان هناك مطرب اسمه عبد العزيز محمود، مطرب جميل، وألحانه حلوة ومتطورة. لكن كان يقال عنه: هذا ماذا؟ هذا يغني لـ«الشبشب». «شبشب الهنا ياريتني كنت أنا». «منديل». واحد يغني للمنديل. «تاكسي الغرام». واحد يغني للتاكسي. فكان سيئًا في زمنه. وعبد المطلب العظيم… آسف… كان يقال عنه: حمار الإذاعة. وهو صوته عظيم ويختار ألحانًا تجنّن. كويس؟ ألحانه رائعة وناعمة وجميلة، في كل وقت. طيب، أتى عبد الحليم في عز مجده، ثم أتى عدوية… «السح الدح إمبو»، يعني كل الفن الذي تفعله هذا شيء، واضرب هذا في شيء آخر.

باسم: طيب، أنت من هذه الأمثلة، ترى أن الفن ينزل أم يصعد؟

ماجد: ينزل. ينزل طبعًا… لكن، الحمد لله، ما زالت الأشياء الأصيلة موجودة. لكن الحقيقة، في الوقت الذي كنت أحكي لك عنه، القديم، كان السيئون قلة، أو الذين يُقال عنهم سيئون كانوا قلة…

باسم: الآن الكثرة…

ماجد: الآن نحن الذين صرنا قلة.

باسم: أنتم القلة، وهم الكثرة؟

ماجد: نعم.

باسم: طيب، هل هذا ذوق الناس، أم أننا فرضنا على الناس أن يسمعوا هذا المستوى القليل؟ أو يعني المستوى غير المهني في الغناء؟

ماجد: احضر فرحًا. انظر إلى المستوى. فرح لناس من المستوى العالي جدًا في مصر، ناس أثرياء من الأثرياء. انظر ماذا يغنون؟ أغاني المهرجانات. يحفظونها عن ظهر قلب. تشعر أن الشباب الذين يغنون كأنهم عملوا مئة بروفة.

باسم: طيب، لماذا هكذا؟ هل لسهولة الكلمات المستخدمة؟ هل لقربها من مستواهم الثقافي؟ أم لأنها تُرقّصهم؟

ماجد: سأقول لك، هذه حاجة واحدة. لكنني سأقول لك رأيي الشخصي، وليس بالضرورة أن يكون صحيحًا. لكن هذا رأيي الشخصي. مع الثورات يحدث شيء اسمه تجريف الأرض. أعارف ما تجريف الأرض؟ يعني تقلب أعلاها إلى أسفلها، الذي فوق تحت، والذي تحت فوق. فجأة ظهرت المهرجانات في ذلك الوقت. ولم يكن هناك رقيب ولا أي شيء، ولم يكن هناك ضبط لأي شيء أصلًا في مصر، فصاروا هم في الساحة. وتسمع فلانًا وفلانًا وخلاص. والشباب الذي عنده مشاكل نفسية، لا يعرف أن يتزوج، لا يعرف… مهتك نفسيًا من أي شيء. لا يعرف أن يصرف على أمه، يعني عنده مشاكل مادية. فيجد هذه الأغاني هي المنفَس.

لماذا يلجأ الجميع لموسيقى المهرجانات؟

باسم: يا سلام. أنت ذكرتَ أنه حتى طبقة الأثرياء تلجأ إلى هذا النوع من الموسيقى. هي تهرب من ماذا؟

ماجد: لا أعرف.

باسم: هل هو هروب، أم مجرد أن هذا هو المستوى المعرفي الذي عند الناس حاليًا؟

ماجد: انتشر من خلال الزملاء في الجامعة وانتهى.

باسم: لو نرجع إلى الفترات القديمة، السبعينيات والثمانينيات، عندما كانت أم كلثوم وعبد الحليم، وحتى وردة… مثلًا، كانت أم كلثوم تقدم أغنية أو أغنيتين في الشهر باستمرار.

ماجد: صحيح، طبعًا.

باسم: وكان هناك مستمعون، والناس كانت تنتظر. أما الآن، فيبدو لي أن الصورة اختلفت في المجتمع.

ماجد: سأقول لك لماذا. تعالَ ننظر إلى الشاب الذي كان يسمع أم كلثوم في الخميس الأول من كل شهر. ما مشاكله؟ ما مشكلة هذا الشاب؟ يريد شقة، فيخرج لابسًا ثيابه، ويمشي، فيرى شقة، واثنتين، وثلاثًا، إلى أن تعجبه واحدة، ويكون مكتوبًا عليها: «للبيع»، وتبخّر له (تعطّر)، يعني يا رب أن يوافق على الشقة. هذه كانت مشاكل الشاب في ذلك الوقت، أتباع أم كلثوم والأغاني الحلوة هذه. جيد. تعالَ انظر إلى مشاكل الشاب في الوقت الحالي: يريد شقة، من أين سيأتي بها؟ من أين سيأتي بها؟ من أين سيأتي بثمنها؟ المحظوظ منهم هو الذي يذهب إلى بلد خليجي، ويتعب جدًا، يعني، ليسافر كذا سنة ليجمع ثمن شقة.

باسم: طيب، الآن أنت تحدّثت عن الطبقة شبه المحتاجة… لكنك تكلمت أيضًا عن طبقة الأثرياء التي تسمع اللون نفسه، وهي ليس عندها همّ ثمن الشقة، ولا عنده همّ فيلا.

ماجد: الأثرياء في الجامعة احتكوا بهذه الطبقات. يعني أنا في الحقيقة لا أتكلم على سبيل المعايرة للأثرياء بالذات، يعني.

باسم: لا، ليس معايرة، لكن نحن نتكلم عن سبب نزول هذا الفن. لكنك تقول إنه حتى طبقة الأثرياء تتعايش مع هذا.

ماجد: أعجبهم هذا اللون، وشعروا أنه فيه طاقة، وفيه رقص، وفيه جنون، وكذا.

باسم: من زمان، كانت طبقة الأثرياء تهتم بالإنصات لأم كلثوم، وكانت تهتم بعبد الحليم، وتذهب، ويدفعون التذاكر.

ماجد: الذي تقوله حقيقي. لكن ما الذي حصل؟ لا أعرف. الفيروس جاء من أين؟ لا أعرف.

58:58

أثر التعليم والضمير المهني على مستقبل الموسيقى

باسم: هل له علاقة بالتعليم في المدارس مثلًا؟

ماجد: ممكن… له علاقة بقلة الضمير.

باسم: أنا أسألك كأستاذ موسيقى وكموسيقار. لقد عشتَ في مرحلتين، يعني أنت رأيت المرحلة… لنسمّها مرحلة الازدهار الموسيقي المعرفي في تلك الفترة، والآن رأيت ما يشبه الانحطاط أو الانهيار لهذا المستوى من الفن.

ماجد: مع المشاكل التي تحصل، وتجد التعليم غير جيد، كل الأشياء المحيطة تكون متأثرة. هذا يكون مسؤولًا عن الضمير. أنا إذا كان عندي ضمير، لماذا لا أعمل مع فلان؟ أو لماذا لا أعمل مثل فلان الذي يعمل هكذا ويكسب جيدًا؟

باسم: همَّ الحصول على المال هو الذي يحرّك؟

ماجد: نعم، أكيد.

باسم: وأثّر أيضًا في الفن.

ماجد: نعم، مسألة الضمير. نحن عندنا أيضًا… في وسطنا، عندنا أفضل عازفي كمانجا في الوطن العربي. قد تجد في أي بلد عربي عازف قانون جيدًا، وعازف ناي جيدًا، وعازف… لا أعرف ماذا. لكن كمانجا؟ لا يعرفون إطلاقًا. لا تجد كمانجات مثل الكمانجات المصرية. فتجد أن هؤلاء الكمانجات من الشباب المتعلمين في الكونسرفتوار، متعلمين جيدًا جدًا ومتميزين. فيحصل ماذا؟ يحصل، بمنتهى السهولة. عندك لحن وكلمت الكمانجات، وخلاص. ميعادنا الساعة كذا في الاستوديو الفلاني… حلو؟ تلاقي اثنين من الذين قالوا لك: حسنًا… جاءهم تسجيل ثانٍ، لحنين.

باسم: فلوس أكثر.

ماجد: نعم، فلوس أكثر، مضاعفة.

باسم: هذه طبيعة بشرية معروفة.

ماجد: نعم، هذا يحصل عادي جدًا. هذا أحيانًا يفسد لك حفلتك أصلًا، يوم الحفلة. يأتيهم تسجيل ولا يأتونك للحفلة.

باسم: لا يوجد التزام أخلاقي مثلًا. يعني حتى مهنيًا الأمور تخلخلت. سؤالي الأخير، قبل أن ننهي: أنت تدرّس طلابًا. طلابك الذين يأتون عندك ليدرسوا الموسيقى، هل تشعر أنهم جاؤوا فعلًا لأنهم يحبون الموسيقى؟ لأنهم يريدون أن يصبحوا موسيقيين، أو لأنهم يعتبرون أنها قد تكون…؟

ماجد: أعتبر أن مسؤوليتي أن أعلّمهم أن يحبوا الموسيقى، وأن يكون عندهم ضمير، وأن يوصلوا…

باسم: هل هم يأتون ليتعلموا الموسيقى لأن في داخلهم شغفًا، أم لأنهم يأتون كمهنة؟ يعني قد يمتهنونها.

ماجد: أنا أعرف أن هذا يحصل، لكنني أيضًا مسؤول عن أن أحببهم الموسيقى، حبًا شخصيًا، وأن أعلّمهم كيف يتعاملون بضمير. وأحكي لهم قصصًا. مثلًا، مرة كنت مسافرًا أسبوعًا، تبادلًا ثقافيًا في النمسا، شيء من هذا القبيل. وأنا في المطار كلّمني زميلي. قال لي: عندنا الآن أربعون لحنًا، أربعون لحنًا، وهذا مبلغ كبير، وسنعملها بسرعة، ولا أعرف ماذا… قلت له: أنا في المطار. قال لي: اتركهم.

باسم: تعالَ.

ماجد: اتركهم. قلت له: لا أستطيع أن أتركهم. 

  • اتركهم، نحن نريدك الآن حالًا. 
  • لا أستطيع أن أتركهم.

باسم: هنا الضمير المهني.

ماجد: من أجل شرف الكلمة.

باسم: أكيد، كلامك صحيح.

ماجد: وعدتك، وسألتزم. مهما حدث في الخارج، فلا بد أن ألتزم بكلمتي.

باسم: أريد نهاية للبرنامج.

ماجد: نعم، بالضبط. ربنا يخليك.

باسم: وردة أعجبتني. عزف وردة.

ماجد: تريد؟ شيئا لوردة؟ طيب، حاضر.

باسم: الله يعطيك الصحة…

الله يعطيك الصحة، دكتور ماجد، شكرًا لك. بالفعل استمتعنا بالحوار معك، واستمتعنا بالموسيقى. إن شاء الله يكون عندنا لقاءات أخرى، لا تقطعها معنا.

ماجد: دائمًا تحت أمرك، دائمًا تحت أمر حضرتك.

باسم: شكرا لك… شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مجتمع وموسيقى أخرى… تسلم، تسلم. أشكرك.

شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا.

Leave a comment