مقدمة
باسم: هل المجتمعات الأوروبية، أو حتى النخب الحاكمة في المجتمعات الأوروبية، لديها الاستعداد أن تتقبل اندماج هذه الكتل اللاجئة الإسلامية؟
عبد الله: أنا حقيقة، من خلال تجربتي، أعتبر أن كثيرًا من المجتمعات الأوروبية لديها الاستعداد. هناك من لديه عداء صارخ للإسلام، عداء مَرَضيٌّ بالنسبة للإسلام، أتحدث عن الإسلاموفوبيا، ولكن هناك أيضًا جزء من المجتمع الغربي لديه قابلية للتقبل الإسلامي. أنا أدعو المسلمين إلى توسيع رقعة هؤلاء الذين لديهم رغبة في التعايش مع المسلمين؟ أن نعمل على توسيع هذه الرقعة ولا نعمل على تضييقها، الآن بعض السلوكيات تعمل على تضييق هذه الرقعة للأسف الشديد.
أنا أعطيك مثلًا من نفسي، عندما أردت إقامة مسجد بستراسبورغ، بلدية ستراسبورغ منحتني قطعة أرضية بعشرة آلاف وثلاثمائة متر مجانًا، بلدية ستراسبورغ منحتني مليون وأربعمائة ألف يورو، المجلس الجهوي منح أكثر من مليون يورو، المجلس الإقليمي منح أكثر من مليون يورو. وأشهد أمام الله أنني تلقيت أموالًا من اليهود والمسيحيين من أجل بناء ذلك المسجد. كما أن الأديان الأخرى، المسيحيين، بروتستانت، وكاثوليك، وكذلك اليهود، وضعوا بيانًا، بيانًا عموميًا يدعوا إلى مساندة بناء المسجد للمسلمين، وأن من حق المسلمين أن يكون لهم مكان لائق، ليس مكانًا، وإنما مكان لائق، يعني في المدينة، ولهذا بنينا من أكبر المساجد في أوروبا، بني بتلك المدينة بمساعدة السلطات، ومساعدة المجتمع الأكاديمي ومساعدة المجتمع المدني وبمساعدة الأديان أيضًا.
إذًا. أنا أدعو المسلمين الآن لأنا دائمًا من نرمي بالكرة في اتجاه الآخرين، أن نحتفظ شيئًا ما بالكرة، ونطرح السؤال على أنفسنا: هل صعب أن ننشئ علاقة مع الآخرين؟
كيف عاش المسلمون في عالم منفصل بإسبانيا؟
باسم: أهلا بكم. أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور عبد الله بوصوف، وهو مؤرخ وباحث وكاتب مغربي، أمضى الكثير من عمره ومجهوداته في أوروبا، وباحث في شكل علاقة وجود المسلمين في أوروبا بالأخص. وأنت لك أبحاث جديدة تتعلق بتاريخ الوجود العربي في إسبانيا أو رؤى جديدة في كيفية استغلال أو تقديم هذا التاريخ عربيًا في كتب التاريخ.
عبد الله: نعم أكيد أنني اشتغلت على تاريخ إسبانيا الإسلامية من منطلق الهمّ، لأنني عشت أكثر من عشرين سنة في أوروبا وكنت فاعلًا ضمن الفاعلين في الجاليات المسلمة. وبطبيعة الحال، كنت أعيش معاناة كبيرة، لأننا لم نستطع أن نضمن لأنفسنا أولًا وجودًا يحظى بالاحترام والتقدير من طرف تلك المجتمعات، وما يمكن أن نسميه “بالوجود الإيجابي”. ولم نستطع أن نجعل من الإسلام دينًا كغيره من الأديان، ولم نستطع أن نجعل من المواطن الإنسان المسلم مواطنًا عاديًا يعمل من أجل استقرار وأمن وازدهار تلك البلدان وتلك الأوطان، لأنه جزء لا يتجزأ منها. بل بالعكس من ذلك، عشنا في عزلة، بمعنى فرضنا عزلة اختيارية على أنفسنا فيما يشبه بالجيتوهات الدينية، ما يشبه الجيتوهات الدينية، سواء كانت عبر المساجد. وصنعنا لأنفسنا مجتمعات وهمية اعتقدنا أنها المجتمعات الحقيقية، في حين أن المجتمع الواقع كان في وادٍ ونحن كنا في وادٍ. بمعنى بحثنا عن نوع نقول عنه الانتصار النفسي أو العاطفي والرضا بالذات. فاعتقدنا أننا في أماكن تجمعاتنا أن هناك مركز العالم، في حين أننا كنا نعيش على هامش المجتمعات.
لماذا حدث شرخ بين المجتمع الإسلامي والدول المستضيفة للاجئين؟
باسم: نعم.. أنا لي تجربة العيش في بريطانيا، وأنا أشاركك وجهة النظر هذه، في كيفية فرض المسلمين أو التجمعات الإسلامية، بغض النظر عن خلفياتها القومية التي أتت إلينا، فرضوا على أنفسهم فعلًا وجودًا جيتويًّا في المجتمعات، وعاشت على أطراف هذه المجتمعات. لكن، توجد رؤية أخرى، أن هذه المجتمعات المستضيفة للاجئين أيضًا وضعت عوائق كثيرة أمام دمج هذه المجتمعات اللاجئة في المجتمعات.
عبد الله: أكيد، أنا أتحدث عن ما أسميه بالمسؤولية المشتركة، أتحدث عن الشرخ الابستمولوجي الموجود بين الجاليات المسلمة والمجتمع، وكل واحد منهم يتحمل جزءًا من المسؤولية. المسلمون، هذا الشرخ يتمثل في نقطتين بالنسبة لي:
النقطة الأولى، عدم إلمام المسلمين بالموروث الإسلامي في شموليته، لما يحمله من تعدد وتنوع، وبالتالي فقدوا القدرة على إيجاد الأجوبة المناسبة للأسئلة الجديدة المطروحة في تلك المجتمعات.
المحور الثاني، جهلهم بالسيرورة التاريخية للمجتمعات الغربية، خاصة في علاقتها مع الدين والتدين والممارسة الدينية، التي نعرف أنها ربما زجّت بالمجتمعات الغربية في حروب كثيرة، نتحدث عن حرب المئة عام، حرب الثلاثين سنة، حرب السبع سنوات، دماء كثيرة أجريت من أجل أن تصل أوروبا إلى الاستقرار المجتمعي والتوازن المجتمعي الذي تعرفه اليوم بعدما فصلت الكنيسة عن السياسة.
إذًا.. جهلنا بالسيرورة التاريخية جعلنا نعيد طرح الأسئلة التي سبق للإنسان الأوروبي أن مر بها وتركت آثارًا سلبية في مخيلته الجمعية، إذًا أصبح ينظر إلينا كأننا نحاول أن نعيد القرون الوسطى إلى أوروبا.
المجتمع أيضا يعيش هذا الشرخ لعنصرين أساسيين: أولًا: إن الغرب اليوم فقد المعرفة العلمية التي كانت متوفرة عن طريق المستشرقين القدامى، عن طريق الجامعات التي كانت تعلم الفكر الإسلامي، نتحدث عن جامعة ليدن التي نشرت الكثير من التراث الإسلامي. الآن، أصبح لدينا فيلدرس اليميني. إذًا فقدت المعرفة العلمية التي كانت متوفرة لدي المجتمع الغربي. هذه المعرفة الآن تولاها الصحفي، عالم الاجتماع، وعالم السياسة، هؤلاء يدرسون الظواهر، ولا يدرسون الدين. يدرس الحجاب، يدرس التطرف، يدرس الإرهاب كظاهرة، فبالتالي ما نُقل إلى الرأي العام الأوروبي أو الغربي كان عبارة عن ظواهر، ولكن اعتقد أنها هي “الإسلام”.
ثانيا إن المجتمع الغربي الآن، بعدما فقد هذه المعرفة العلمية الأصيلة بالإسلام، أصبح يذهب إلى الهوامش ويصنع بعض الموضوعات، ولهذا نتحدث عن الإسلام..
باسم: ويضخم الظاهرة على الأسباب.
عبد الله: ويضخم الظاهرة..
كيف تعاملت أوروبا مع المسلمين البسطاء اللاجئين لديها؟
باسم: نعم.. لأنه فعلًا أصبح هناك تضخيم للظاهرة بوجود المسلمين.
عبد الله: هذا هو.. وبالنسبة للمسلمين، بغياب المعرفة الدقيقة بالسيرورة، سيرورة المجتمع لغياب المعرفة الشاملة للدين، لا نعرف المدارس الدينية المتوفرة في الإسلام، لأن سلوكيات دينية معينة اعتبرناها الدين، مطلق الدين. فبالتالي، أنتجت لنا تشوهات كثيرة وعدم المواءمة، وفقدنا القدرة على ما أسميه أنا، “الأقلمة”، من التأقلم مع المجتمعات الغربية. لأنه أنا كمسلم عشت في الغرب، لا أرى أن هناك تعارضًا بين الإسلام والغرب، لا أرى أن المسلم لا يمكنه أن يمارس الدين في الغرب. أنا مارست الدين في الغرب لمدة عشرين سنة بدون أدنى مشكلة، حتى أن كثيرًا من أصدقائي كانوا من اليسار المتطرف، من التروتوسكيين، ومن كذا، الغرب ربما وصل إلى درجة من القناعات فيما يتعلق بالحريات الشخصية، الحريات الفردية. أنا بالعكس، أنا وجدت من وقف إلى جانبي وفي صفي من اليسار الراديكالي الأوروبي، وقف إلى جانبي، مثلًا في المطالبة بالمسجد، وحتى من الليبراليين، وحتى من المسيحيين، وحتى من اليهود أيضًا. ولكن غياب اطلاع المسلمين، غياب المعرفة لدي المسلمين أولًا بتاريخهم المتعدد والمتنوع، بتراثهم الديني المتعدد المتنوع، بالإسلام بالأندلس، كان يمكن أن نستعمل الإسلام بالأندلس كرافعة لوجودنا في الغرب. لأن إسلام الأندلس كان ممكنًا أن يعطينا نوعًا من الافتخار بالانتماء، لأن التاريخ لا نمجده من أجل التمجيد، نمجده، وإنما نقف على الميكانيزمات التي حركت ذلك التاريخ.
باسم: وهذا الوجود أنجز ثقافة مازال الكل يتغنى فيها.
عبد الله: أنا دعوت في مؤتمر عقدته في مدينة طليطلة في 1998 دعوت إلى إعادة ابتكار، طليطلة الجديدة، بالميكانيزمات الذهنية التي كانت في طليطلة، بالعلاقات بين المسلمين واليهود، بالعلاقات بين المسلمين والمسيحيين، ووجود المرأة إلى آخره.
باسم: إعادة إنعاش المرتكزات التي كانت..
عبد الله: نعم، ففي ورقة التقديم قلت: لا أدعو إلى زيارة ذهنية لهذا التاريخ، وإنما أطلب وأطالب بإعادة إنتاجه بطبيعة الحال بشكل مغاير، فنحن نؤمن بأن التاريخ لا يعيد نفسه.
باسم: أود أن أعود لفكرة وجود المسلمين في أوروبا؛ أنهم لم يفهموا كيف تشكلت العقلية الأوروبية تجاه الدين والتدين. إذًا، كيف تطلب أنت من مجموعات بشرية هاجرت على فترات متباعدة، وهجرة كلها هجرة فقراء، لم يهاجر العقل العربي المتميز لأوروبا، كلهم فقراء، كلهم لاجئون اقتصاديون أو هاربون من حالة اضطهاد أو حالات أو ضغط شعبي مثلًا. كيف تطالب من هذه الطبقات البسيطة؟ هم كانوا طبقات بسيطة، أنا أعرفهم…
عبد الله: لا.. أكيد
باسم: أن يفقهوا هذه الأسباب في العقلية الأوروبية، والتي لها علاقة بالموقف من الدين والتدين الإسلامي؟
عبد الله: أكيد، لأن هناك أيضًا مسؤوليات لابد أن نحددها. أنا دائمًا أتحدث عن مسؤولية مشتركة بين الدول المصدّرة للهجرة والدول المستقبلة. الدول المصدّرة للهجرة، مثلًا في بداية الخمسينات، كالمغرب العربي بشكل عام، تركيا، أفريقيا، العالم العربي، دول تخلصت من الفكر الديموغرافي، أرادت أن تتخلص من التكنوقراط فبعثت المهاجرين.
باسم: معقول؟
عبد الله: الدول المستقبلة استقبلت آلات العمل، لم تستقبل الإنسان. فبالتالي، تخلصنا من الإنسان، والشعور، والانتماء، والوجدان. لأن الإنسان لا يمكن أن يدع وجدانه في الحدود، يعني في نقطة المراقبة، يتخلى عن كل ما يشكل انتماءه في الحدود. فالدول الأوروبية استقبلت أيدي عاملة. نحن في المغرب، نشهد أنه كانت تعطى أرقام للمهاجرين من طرف المكاتب التي كانت تعمل على استقطاب المهاجرين تعطي لهم أرقامًا ليس حتى الأسماء. بالأرقام إذًا كانت تستقبل أعداد كثيرة.
فتركنا هذا الأمر بدون مرافقة، نقول مرافقة، لأنه نحن نعيش الآن، نتحدث عن الخمسينات، كنا في القرن العشرين، كانت.. الثورة الفرنسية أعطت أُكلها، كانت العلمانية أعطت أكلها، قانون الفصل في 1905، إذًا، كانت الحريات، أي 1948 الميثاق الأممي لحقوق الإنسان، منها الحريات الشخصية، القانون مثلًا، قانون الفصل في فرنسا 1905، ينص على حرية المعتقد وأن الدولة هي الضامنة لحرية الضمير، كل هذه الآليات لم تُفعّل عند استقبال المهاجرين هذه الآليات تركت جانبًا..
باسم: يعنى المسؤولية متبادلة في عدم التوضيح لهذا اللاجئ الجديد كيف يتصرف تجاه المجتمع، وعدم التوضيح للمجتمع المستقبل أنه كيف يتصرف..
عبد الله: تسليمه، مثلًا، أتحدث عن فرنسا، أن من بدأ في إحداث أماكن للصلاة، كانت النقابات. النقابات في معامل السيارات، والنقابات دافعت عن الصلاة من أجل كسب المنخرطين.
باسم: نعم.
عبد الله: نعم.. وكيف أنت خارج أماكن تجمعات سكنية فقط نجد في المصانع. مصانع رينو، وبيجو، فيها قاعة للصلاة وتدافع عنها نقابة السيجتيه الشيوعية في فرنسا أو السيف دي تيه الاشتراكية، أو القوي العاملة.
باسم: يعنى ليس حبًا بالتدين أو الدين؟ إنما تسهيلًا للنقابة العاملة.
عبد الله: ليس حبًا بالتدين، تسهيل العمل النقابي ولكسب المنخرطين، ولكسب الأصوات، إذًا هذا العمل، فبالتالي تلك أماكن العبادة استعملت من طرف من كانوا لا يملكون من الزاد المعرفي إلا القليل. سواء كان من العمال الذين انقطعوا عن الدراسة في أوقات مبكرة في بلدانهم، أو من الطلبة الذين هاجروا وأنت تعرف جيدًا.
أهمية العلمانية بالنسبة للمسلمين في الغرب
باسم: طيب، أنت ضمن تجربتك وضمن المسؤوليات التي كنت تمارسها تجاه هذا التجمع اللاجئ، ما يمكن تسميه: ما لم يستطع أن يندمج في المجتمعات المستقبلة أو المستضيفة له، سواء لأنه هو لم يكن يعرف آلية الاندماج في المجتمع أو العوائق الموجودة، أو حتى المجتمعات نفسها كانت تقريبًا تصده عن الاندماج فيها.
يعني طالما صار هناك وعي للسبب أو للعوائق، كان هناك توجه عربي، سواء رسمي أو ثقافي، لتسهيل عملية الاندماج، لأن عدم الاندماج صار مقابله عملية تحريض مطلق حاليًا في الإعلام الأوروبي ضد هذه التجمعات اللاجئة.
عبدالله: بطبيعة الحال، لأنه الآن ربما هناك صحوة جديدة، ليس الصحوة ما نسميها بالصحوة الإسلامية- لا، صحوة جديدة من أجل بناء الجسور مع الغرب، ومع المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون. لكن يبقى المجهود ضئيلًا جدًا، خاصة وأنه لم يعي التحديات. التحدي الأساسي اليوم هو إنتاج المعرفة، لأنه ما لم ننتج معرفة، لم نستطيع رد المشروخ الموجود الآن بيننا وبين المجتمعات الغربية. حتى من جانب الغرب، ما لم يستطع أن ينتج معرفة رصينة دقيقة حول الإسلام، لا يستطيع أيضًا أن يمكن المسلمين من الاندماج، لأن المعرفة المنتجة لدي الطرفين اليوم معرفة…
باسم: قاصرة؟
عبد الله: نعم قاصرة وهي تسهل عملية..
باسم: التنافر؟
عبد الله: تعميق الشروخ عوضًا عن ردمها. إذًا، الآن لابد أن ننتج معرفة، ولهذا أنا أدعو المسلمين في الغرب إلى تأسيس مراكز بحثية رصينة. كما أدعو الغرب الآن إلى فتح جامعاته، كما كانت في السابق، للدراسات الإسلامية الرصينة. الآن نذكر أن الإتحاد الأوروبي خصص منذ 2019 لغاية 2026 برنامجًا أطلق عليه “القرآن الأوروبي”، خصص له 10 ملايين دولار من أجل تشجيع الأبحاث العلمية حول تأثير القرآن أو تأثير الإسلام على الثقافة والفكر الأوربيين منذ القرن الثاني عشر إلى القرن التاسع عشر.
للأسف الشديد عند تتبعي لهذا البرنامج، المسلمون لم يستفيدوا من هذا البرنامج ولم يستغلوا هذا البرنامج، يستفيدوا من المساعدات المالية. والاتحاد الأوروبي وضع هذا البرنامج على سلم أولوياته البحثية. عندما نذكر حيثيات هذا البرنامج كانت من أجل ردم الهوة البحثية مع أمريكا، فبالتالي وضعهم في سلم الأولويات الأولى، جاء مباشرة بعد الفيزياء الكونتيكية، حتى نقارن بين الأذهان، الأهمية التي أعطوها لهذا الملف. ولكن للأسف، عندما تتبعت ما استفاده المسلمين، لم يستفيدوا من هذا البرنامج لتقديم صورة، لا أقول إيجابية، إنما أقول أصيلة عن الإسلام وعن المسلمين في الغرب.
أنا أدعو المسلمين في كل مكان هناك، كما أن الدول العربية لم.. الدول الإسلامية التي هبت ربما أقول بين مزدوجتين لنجدة الإسلام في أوروبا عن طريق بناء المساجد، لم تأخذ في الحسبان أن بناء المساجد لابد أن يرافقه تأسيس مراكز البحث. لأنه مادام لم تُنتج معرفة، فلا يمكن أن نعمل على التقويم.
هذه ليست صورة سوداوية أرسمها عن الإسلام في الغرب، بالعكس، هناك إيجابيات كثيرة. وأنا دائمًا كنت ومازلت أعتبر أن الإسلام في الغرب هو فرصة للإسلام. فرصة للإسلام لماذا؟ لأننا نعيش في دول ديموقراطية، دول فيها حقوق إنسان، دول فيها المساواة بين الرجل والمرأة، دول فيها العلمانية، لأن العلمانية بالنسبة للدول الأوروبية، بالنسبة للمسلم في الغرب، أساسية، لأن العلمانية هي التي مكنتنا من التواجد، التي دافعت عن حقوقنا. لأنه لو كانت دولة دينية كاثوليكية، لرأينا ما وقع في إسبانيا كاثوليك أي الكاثوليك إيزابيلا..
باسم: فريناندو وإيزابيلا..
عبد الله: إلى آخره، الطرد النهائي، والتقطير، والتنصير الإجباري. إذًا العلمانية لابد نحن كمسلمين أن نتمسك بها، وندافع عنها، وننخرط فيها، ونقويها. بطبيعة الحال مع دائمًا الدعوة إلى تجويد العلمانية وتحسينها، لكن تبقى أساسية بالنسبة للمسلمين.
ما الذي يمكن أن تقوم عليه تجربة الإسلام في الغرب لتنجح؟
باسم: عندي سؤال حول المسؤولية العربية بالذات، طالما لا يوجد هناك اتفاق على فهم محدد، هناك مجموعة من المذاهب في كيفية فهم النص، وأن هناك فقهًا موروثًا يُقدم للناس بدون أي تغيير منذ اللحظة التي صيغ فيها، كيف تطلب من هذا الفقه، أو من هذه الصور النمطية المفهومة عن الإسلام عند المسلمين أنفسهم، أن يقيموا جسرًا ثقافيًا مع المجتمعات التي يعيشون فيها، وهم أيضًا غير متفقين على صيغة محددة لفهم النص؟
عبد الله: ولهذا، نحن حتى نتفق على صيغة محددة، لابد أن نحدد حجم الإشكاليات التي تواجهنا، وحجم التحديات التي تواجهنا. فهمنا للنص وللإسلام لابد أن نستقيه من المجتمع، وليس مما هو موجود لدينا في الموروث. أنا أدعو الآن دائما خلال الاشتغال، الذي أنا عملت على كتاب أسميته “إمارة المؤمنين المرجعية الروحية للإسلام”، دعوت فيه إلى بلورة، لا أقول نموذج تجربة للإسلام في الغرب، وربما تكون صالحة حتى في العالم الإسلامي، مبنية على ثلاثة أعمدة أو ثلاثة محاور أساسية:
المحور الأساسي الأول هو: “المعرفة”، أمثلها وأشخصها في ابن خلدون، ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع المؤرخ الكبير، الذي يحظى بالاحترام الكبير في الغرب.
العمود الثاني هو: العقلانية، عقلانية ابن رشد الذي يحظى باحترام كبير في الغرب.
البعد الثالث أو العمود الثالث هو: الروحانية، مشخصة في ابن عربي، الذي يحظى باحترام كبير في الغرب. ابن عربي، الآن يجتمع عليه اليهود، والنصارى، والمسلمون، مسلمون سنة وشيعة، والملحدون، يجتمع عليه الكل، بما هو نقطة التقاء التصوف بمعناه أنه…
باسم: دكتور أنا أتفق معك في تقدير هؤلاء.. لكن نبقى في نفس الدائرة، نحن نقرأ النص أيضًا من خارجه ونتخذ ما قرأه فلان وفلان وفلان، هو وكأنه هو المعيار.
عبد الله: لا لا اعتمد.
باسم: لماذا لا نقدم النصوص…
عبد الله: لا أعتمد أنا القراءة، وإنما أتحدث عن الروح. الروح التي اشتغل بها هؤلاء، يجب أن نفعلها اليوم، لأن نصل إلى قراءة معاصرة تلائم أحوالنا وأحوال المجتمعات التي نعيش فيها. إذًا أنا أدعو، حتى عندما أتحدث عن المدرسة المغربية، عندنا ما يسمى بالمدرسة المغربية فيها المذهب المالكي، وفيها الأشعرية، وفيها التصوف، أنا لا أدعو إلى تطبيق الأحكام الفقهية التفصيلية، وإنما أدعو إلى استلهام الروح. المذهب المالكي، عندما يتحدث أن أصوله مثلًا “شرع من قبلنا”، أنا اعتقد أن هذا أصل مهم في الغرب، فيه اعتراف كبير بالمساهمات، الشرائع الأخرى. عندما يتحدث عن “العرف”. العرف هو: اعتراف بالسياق الثقافي، هذا أمر… عندما يقول “ما جرى به العمل”، أي التجربة الإنسانية أن نترجمه بلغة الوقت.
العقيدة الأشعرية، مثلًا، بها عنصران أساسيان يمكن أن نستعين بهما: أولا أنها لا تكفر، هذا إشكال في العالم اليوم، التكفير، هذه العقيدة لا تكفر. العقيدة فيها التأويل تجمع بين النص والعقل، وهذه إشكالية المدارس الآن، إذا تحدثنا عن الوهابية ترفض التأويل، فهذه المدرسة تقدم النص ولكن تعمل العقل. إذًا لابد أن نعمل العقل في النص، فأنا أدعو إلى استلهام هذه الروح وتفعيلها من جديد، بما توفر لدينا من علوم جديدة. تحدثنا قبل قليل عن اللسانيات، عن السميائيات، عن التاريخ عن كذا..
أنسير على ما هو موروث من الدين أم نسعى لتحديثه؟
باسم: عفوًا، أنا أتفق معك بالطرح العام، لكن هناك تفاصيل ضرورة، أنه بما طرحته يبقى النص معزولًا حتى الآن. لم نتخذ النص ليكون مركزًا للمعرفة، وحتى يكون النص مركزًا للمعرفة يجب أن نتفق على آلية لقراءته بعيدًا عن الموروث، لأن الموروث نحن متفقون، موزع، فلان يقول، والمدرسة الثانية الفلانية تقول كذلك، المذهب هذا يقول هكذا، والمذهب الآخر يقول هذا. نحن نريد أن نقدم النص القرآني أو معارف النص للآخرين، ولأنفسنا، ليس فقط للآخرين وأيضًا للمسلمين، المسلمون يحتاجون لأن يفهموا النص بعيون مختلفة عن ما قرأه الفقه، لكن يجب تحديد الآلية التي تقرأ النص. من يقرأ النص لنا؟
عبد الله: عندما تحدثنا قبل قليل عن عدم معرفة المسلمين بشمولية الإسلام، لم نفصّل، ولكن كان ممكن أن نفصل لما تفضلت به. أنا أدعو أولًا في موروثنا أن نفصل بين ما هو مقدس وما هو إنساني. إذًا، كل ما أنتجه البشر، فيمكن.. أنا لا أدعو لتجاوزه من أجل التجاوز، وإنما أدعو إلى استكمال البناء بعناصر جديدة.
باسم: نستأنس به؟
عبد الله: نعم نستأنس به. أنا لست من دعاة.. لا لست من دعاة، وإنما الحضارات والتاريخ كلها تبنى على التراكم. لا أحد يلغي التراكم، عندما أوروبا، نتحدث عن اليونان، نتحدث عن.. عندما نتحدث عن أفلاطون، نتحدث عن أرسطو. إذًا، نستلهم روحه لا ندعو إلى إلغائه.
أنا عندما تحدثت عن ابن رشد، تحدثت عن العقلانية التي هي أحد الأدوات المعاصرة لقراءة النصوص أيضًا، تعتبر ركنًا أساسيًا في فهم الواقع، في فهم العالم، في التعامل مع النص أيًا ما كان النص. العقلانية..
عندما تحدثت عن الروحانيات لابن عربي مثلًا، لأنه الآن العالم الأوروبي والغربي نفسه، في عدة -مثلًا- مقالات، أنا أستشهد بحوار أجراه الفيلسوف الألماني الكبير العقلاني هييبر ماس مع البابا ريتسينجر، كان حول: هل العقل هو الذي يستطيع أن يدبر الكون وحده أم الروح؟
اتفق الاثنان: لا الروح وحدها ولا العقل وحده يستطيع، ولكن هناك كثير من الشك في السيرورة التاريخية للغرب بين الروح والعقل فيصطدمان. نعيش كورونا، كورونا الآن أثبتت أن كل ما كان يقينيًّا لم يصبح يقينيًا، أننا أصبحنا نعيش نوعًا من التيه، وأصبح سؤال المعنى مطروحًا بحدة. لأنه عندما تحدثت عن ابن عربي، لأننا بين الكتب التي قرأتها واطلعت عليها، لأن لي مشروع أشتغل عليه هو فكر ابن عربي والحداثة، في ماذا يمكن أن يفيدنا فكر ابن عربي في الحداثة؟ وأسئلة الحداثة وحاولت أقدم جردًا لأسئلة الحداثة، وكيف تعامل عليها انطلاقًا من فصوص الحكم التي كتبها، فوجدت كثيرًا هو متقدم علينا بربما مسافة ضوئية على ما نقدمه اليوم نحن الآن من قراءات..
باسم: لأن العقل العربي حاليًا هو كان ظل ومازال أسيرًا لفقه كما تفضلت، الفقه نحن نستأنس به، لسنا معنيين، مثلًا، بوضعه بالزاوية، أو نفيه كليًا. لكن الاستئناس بالفقه لا يعني أو لا يعفي أن نقدم آلية لقراءة النص العربي، للنص القرآني لكي نتفق على مفاهيم محددة في هذا النص.
عبد الله: أكيد، ولهذا نتحدث عن تاريخ الأندلس، ممكن أستلهمه. أنا مما أذكره بين الفتاوى التي وقعت في تاريخ الأندلس، أحد الفقهاء الكبار لشمال إفريقيا أفتى للأندلسيين عندما قالوا له إننا نعيش في ظروف صعبة كذا. فقال “أما فيما يتعلق بإخواننا القابضين على دينهم كالقابض على الجمر، فإذا أومؤوكم للصلاة لأصنامهم فأومئوا لهم برؤوسكم منكرين ذلك بقلوبكم”، آنذاك. الآن المساحة هذه، مساحة الحلال في الإسلام واسعة جدًا، ولكن للأسف عملنا على تضييقها. وهناك نوع من التأثير لدى بعض الفقهاء من المسلمين، بالفكر المسيحي، عملنا على أقننة المعاملات الإنسانية، في حين أن الإسلام بعيد عن هذه الأقننة..
باسم: الحلال في الإسلام هو باتساع الحياة؟
عبد الله: أنا أستشهد بتعبير مغربي نقول “ميمونة تعرف ربي وربي يعرف ميمونة”، أن ميمونة تعرف الله والله… لأن العلاقة المباشرة بين الإنسان، بين العبد وربه، ولا أحد يتدخل في هذه العلاقة للإنسان مع الله سبحانه وتعالى. نحن في الإسلام لم يفرض علينا، كما هو في الكنيسة، رجال الدين ليقوموا السلوك الإنساني، ونسلم صكوك الغفران. الحديث يقول: “رُب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره”، إذًا، لا يمكن أن يأبه به أي إنسان.
إذًا، لا يمكن أن نتدخل في سلوكيات الناس وفي ممارستهم، وأن نقيّم ونقوم، ممارسات من هو الأقرب إلى الله والأبعد منه، هذا متروك لله. وأنا أعتبر القرآن..
باسم: ولكن أنا لي منك السلوك اليومي في حياتك..
عبد الله: وأنا أتحدث، القرآن، حديث القرآن كله يتحدث عن يوم القيامة، لأن الآية القرآنية واضحة، حتى فيما يجمعنا بأهل الكتاب وبالأديان الأخرى: “إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”، إذًا نحن في الدنيا لا يمكن أن نقوّم بعضنا البعض. إذًا، بالنسبة لنا، الإسلام في الغرب لابد أن يستلهم هذه الروحانية متقدمة ويبني عليها مشروعه الإسلامي، الممارسة، -نقول ليس الإسلام- الممارسة الدينية في الغرب، هذه الممارسة لا بد أن نضع لها سقفًا أو أهدافًا. من بين الأهداف ألا تكون ثقلًا على المجتمع، ممارستنا الدينية لا يمكن أن نجعلها من…
ممارسات المسلمين في الغرب
باسم: هذه نقطة مهمة، أنا أرى نقطة مهمة وحقيقة نتيجة تجربتي أنا كشخص. وجدت أن الكثير من المجتمعات تستثقل بعض ممارسات المسلمين اللاجئين، خاصة خذ مثلا الصلاة في الشوارع..
عبد الله: لا.. أكيد بالنسبة لنا يجب أن نبتعد عن كل ما يمكن أن يستفز الآخر، كان مؤمنًا أو غير مؤمن، كان مسيحيًا، كان يهوديًا، كان ملحدًا، أو غير ذلك. كل ما لا يقدم صورة، يحكم عليه الإنسان بأنها صورة جميلة. الصلاة في الشوارع في أوقات الذروة، شيء لا أظن أن الإسلام يوافق عليه. نحن في..
باسم: ولا السلوك السوي.
عبد الله: مثلًا، نحن في المغرب نطبق مثلًا المذهب المالكي، لن نسمح حتى بصلاة الجماعة بعد خروج وقت الصلاة، تكون جماعة واحدة. إذا أتت مجموعة من الناس تصلي في المسجد، لا يمكن أن تصلي جماعة، لأنه حتى لا تصبح فوضى. وهذه هي الروح التي يجب أن نستلهمها. أنا أدعو المسلمين بطبيعة الحال إلى أن تكون عبادتنا وسلوكياتنا الدينية وممارستنا الدينية لا تشكل عبئًا.
باسم: ولا تثقل على المجتمعات..
عبد الله: لا تشكل مصدر إزعاج للمجتمعات، أنا أكون مصدر إزعاج على أي مستوى، حتى إذا كنا أزعجنا أحد السكان في ركن سيارته مثلًا، لا يستطيع الخروج إذا كانوا يصلون الجمعة. أنا أدعو المسلمين إلى نوع من عقلنة الممارسة الدينية، أنا أشتغل على مشروع أسميته “من أجل ممارسة هادئة للإسلام في الغرب”.
باسم: أو ممارسة هادئة للتدين، دعنا نكون أدق.
عبد الله: للتدين، نعم.. من أجل أن نصل لهذه الممارسة الهادئة، يجب أن نغربل ما لدينا في موروثنا، وما هي القضايا التي ربما تجعلنا في احتكاك، وفي -أقول أنا- بعض الاشتباكات مع المجتمعات الغربية. بحكم تجربتي، وهذا أضعه للنقاش أن كثيرًا من النقاط الحساسة الآن أصبحت حساسة بالمجتمع، في مقياس الإسلام لا تمثل شيئًا كبيرًا، ولكن نحن بتمسكنا بها..
باسم: بشكليات محددة..
عبد الله: نعم.. نجعل منها نقاط خلاف مع المجتمعات التي نحن جزء منها، وهذا شيء يعكس حتى الروح الإسلامية، لأنه نحن لابد أن نعمل على تأليف قلوب الناس، نحن القرآن يدعونا إلى عدم سب آلهة الآخرين، حتى لا يسبوا آلهتنا. إذًا، لا يمكن أن نقدم السلوكيات التي يمكن أن تجعل الآخرين يطعنون فينا، فأنا قلت أن الكثير من النقاط الخلافية بيننا وبين المجتمع، هي وزنها في مقياس الشرع، حتى الشرع والموروث..
باسم: لا شيء
عبد الله: لا شيء، شيء بسيط جدًا. أتحدث عن -مثلًا- الذبح في يوم عيد الأضحى، أتحدث عن اللباس، أتحدث عن الأكل، أتحدث عن مجموعة من الممارسات، حتى ربما التي هي أقول: خلفيتها ليست حتى إسلامية، مرتبطة باليهودية أو مرتبطة بالمسيحية.
إذًا، لا بد أن أدعو المسلمين إلى إعادة النظر، وإلى إعادة قراءة هذا الموروث حتى نغربله، تسمى “الغربلة”، ولهذا المشروع – وإن كان لم أكتبه بعد- ولكن وضعت له عنوانًا جانبيًا، ربما اشتققته من المسيحية، يقال “نُغربل”…
باسم: أو نصفي.
عبد الله: أن نصفي الحبوب من النخالة، ونحتفظ بالحبوب حتى لا تغطي علينا هذه النخالة.
هل صعب أن ننشئ علاقة مع الآخرين؟
باسم: دكتور سؤالي كالتالي.. أيضًا من واقع، أو من تجربتك، هل المجتمعات الأوروبية -أو حتى النخب الحاكمة في المجتمعات الأوروبية- لديها الاستعداد أن تتقبل اندماج هذه الكتل اللاجئة الإسلامية؟
عبد الله: أنا حقيقة من خلال تجربتي، أعتبر أن كثيرًا، جزءًا كبيرًا من المجتمعات الأوروبية لديها الاستعداد، هناك من لديه عداء صارخ للإسلام، لديه عداء مرضي بالنسبة للإسلام، أتحدث عن “الإسلاموفوبيا”، ولكن هناك أيضًا جزءًا من المجتمع الغربي لديه قابلية للتقبل الإسلامي، أنا أدعو المسلمين إلى توسيع رقعة هؤلاء الذين لديهم رغبة في التعايش مع المسلمين؟ أن نعمل على توسيع هذه الرقعة ولا نعمل على تضييقها، لأنه الآن، بعض السلوكيات تعمل على تضييق هذه الرقعة للأسف الشديد. لندعو المسلمين إلى توسعة هذه الرقعة، أنا أعطي مثلًا من نفسي، عندما أردت إقامة مسجد بستراسبورغ، بلدية ستراسبورغ منحتني قطعة أرضية بعشرة آلاف وثلاثمائة متر مجانًا، بلدية ستراسبورغ منحتني مليون وأربعمائة ألف يورو، المجلس الجهوي منح أكثر من مليون يورو، المجلس الإقليمي منح أكثر من مليون يورو. وأشهد أمام الله أنني تلقيت أموالًا من اليهود والمسيحيين من أجل بناء ذلك المسجد. كما أن الأديان الأخرى، المسيحيين بروتستانت، وكاثوليك، وكذلك اليهود، وضعوا بيانًا، بيانًا عموميًا يدعون إلى مساندة بناء المسجد للمسلمين، وأن من حق المسلمين أن يكون لهم مكان لائق. ليس مكانًا وإنما مكان لائق، في المدينة.
ولهذا بنينا من أكبر المساجد في أوروبا، بُني بتلك المدينة بمساعدة السلطات، ومساعدة المجتمع الأكاديمي ومساعدة المجتمع المدني وبمساعدة الأديان أيضًا. إذًا. أنا أدعو المسلمين الآن، لأنا دائمًا من نرمي بالكرة في اتجاه الآخرين، أن نحتفظ شيئًا ما بالكرة، ونطرح السؤال على أنفسنا: الآن ما هي.. نقول إن كمية العلاقات علاقات المسلمين مع المجتمعات.
أنا مرة أعطيت درسًا في المسجد، كان في رمضان، وكان هناك أكثر من ألف شخص. عندما نتحدث عن ألف شخص، نتحدث عن ألف رب أسرة. فقلت: لو كان كل واحد منكم، كل أسرة لها علاقة مع أسرة واحدة من الفرنسيين، والأسرة تتكون على الأقل من أربعة أشخاص، كان لدينا أربعة آلاف من المناصرين لقضايانا. هل صعب أن ننشئ علاقة مع الآخرين؟
نحن في رمضان نصنع أطنانًا من الحريرة، ومن الحلويات، هلا يمكن أن نهدي طبقًا صغيرًا لجارنا؟ هلا يمكن أن نسأل عن الناس؟ هل لا يمكن أن نحسن إلى الناس في المعاملات المختلفة اليومية؟
باسم: أعتقد أن الأمر سهل، لكن لماذا لا يقدم عليه المسلمون؟
عبد الله: أمر سهل، نعم. ولهذا أنا أدعو الآن حتى، لهذا لابد أن نذكر كلمة أن.. الإسلام أن نجعله أو المسلمين يتفرغ لوظيفته الأساسية، التي هي المرافقة الروحية للمسلمين، والرفع من روحانيتهم، عوض أن نزج بالإسلام في السياسة. لأن الإسلام ما أضره كثيرًا في الغرب، هو العمل السياسي. تفاعل كثيرًا مع قضايا العالم الإسلامي، فقضية أفغانستان كان لها دور كبير، ربما غيبت المشاكل الحقيقية في أوروبا حتى بقيت المساجد في أوروبا تشتغل من أجل أفغانستان، ونطرح السؤال أين ذهبت كل تلك الأموال التي جمعت في أوروبا؟
جميع الدول، هذا لا يسقط مسؤولية الدول الأوربية، لأنه ربما سنتحدث عنه في صناعة هذه الدول، وفي هذه الحركات الإسلامية، وفي الإسلام السياسي، الغرب أنا ذكرته في كتبي، الغرب مسؤول، له مسؤولية كبيرة في صناعة الإسلام السياسي، ولكن، المسلمون أيضًا انخرطوا، الوقت الذي أضاعوه مثلًا من أجل أفغانستان، التي دمرت فيما بعد فترة ما يسمى “بالجهاد”، عندما خرج السوفييت تقاتلت فيما بينها، فأين ذهبت تلك الأموال التي كنا نجمعها في المساجد؟
أين تذهب تبرعات غزة؟
باسم: لمن ذهبت؟
عبد الله: لمن ذهبت؟ عندما نتحدث عن القضية الفلسطينية، وهي قضية بالنسبة لي، هي قضية أساسية، لأن قضية أساسية، لأنها قضية العدل
باسم: نعم.. ظلم وعدل.
عبد الله: ظلم وعدل، خارج قضية الدين، خارج.. هي ظلم وعدل، الآن الشعب الفلسطيني يعاني من ظلم لأن أرضه… أنا في حوار أجريته في 2002 مع الحاخام الكبير في ستراسبورغ في بيته، أنا كنت أذهب، لأنه صديق، كنت أذهب إلى بيته، وأجرت معنا صحيفة “لابوان” الفرنسية، وهي مجلة، في شهر فبراير 2002، أي خمسة أشهر بعد أحداث 11 سبتمبر، ففي هذا الحوار قلت لهذا الحاخام: “أنتم اليهود كان ممكن أن تكونوا شهودًا أن الإسلام ليس إسلام إرهاب، لأنكم عشتم في حجر الإسلام، وعصركم الذهبي عشتموه بالكتابات اليهودية في الإسلام”. قال: نعم، ومازال المقال منشورًا، الحوار منشورًا. وعندما سألنا الصحفي في الأخير، قال للحاخام: ماذا يزعجك للمسلمين؟ قال “الكاميكاس”؟ حينذاك، كانت فتاوى من أجل تفجيرات في تل أبيب. قال… وعندما سألني أنا، ماذا يزعجك عند اليهود؟ فقلت: الاستعمار، إن هناك أرضًا مستعمرة، فهذا في بيت الحاخام الكبير، والذي احتفظت بعلاقتي به إلى يومنا هذا.
وفي يوم تدشين المسجد كان حاضرًا، وألقى كلمة باسم الأديان، وعندما ألقيت كلمتي توجهت له بهذه الكلمة، قلت: “الصديق الكبير الحاخام الذي كنت أزوره في بيته ونتناقش حتى عن المشاكل التي تغضب، وهي القضية الفلسطينية، وله رأي وأنا لي رأي”. إذا نعتبرها قضية استعمار.
ولكن تفاعل المسلمين مع الفصائل، لأنه نحن عندما نتحدث عن الفصائل نجمع الأموال، لا ندري هذه الأموال لمن تذهب؟ لأي فصيل؟ ولأي هدف؟ وماذا يصنع منها؟ ومن هو الضامن؟
أنا عندما أرى اليوم الكثير من الجمعيات مازالت تجمع الأموال وتقول لغزة، أطرح سؤالًا، كيف يوصلون هذه الأموال إلى غزة ونحن نعرف أن هناك حصارًا شديدًا؟
بطبيعة الحال، ندعو إلى كسر هذا الحصار، ندعو إلى تقديم المساعدات الإنسانية، ولكن هذه الجمعيات في أوروبا تجمع الأموال لمن؟ كيف تعمل على إيصالها؟ هل يمكنها؟ يجب أن نطرح هذه الأسئلة. ولهذا نقول: إن الإسلام لا بد في الغرب أن يهتم بنفسه، أن يطور أدواته، أن يعمل على ابتكار أساليب جديدة في علاقته مع المجتمعات الغربية. كما قلت، أن يوسع رقعة المناصرين لقضاياه، وهم كثر، لأن هناك.. أن نوسع هذه الرقعة.
باسم: وهناك استعداد أيضًا.
عبد الله: هناك استعداد. إذا استعملت كلمة (أن نتودد)، لا أدعو إلى الخضوع أو نكون نذل، لا. أن نعمل، لأني عشت قصصًا كثيرة. كان من بين أصدقائي أحد السوريين الذي قدم من سوريا للدراسة، وتزوج من فرنسية، ولكن كان لا يملك أموالًا، وعاش في بيت صغير، كان البيت الكبير يضم شققًا فاخرة ملكية لأحد المحاميات في المدينة، كانت كبيرة السن. هذا الشاب كان يحسن إليها، بماذا يحسن إليها؟ يقول: “هل تحتاجين الحليب حتى أتي لك بالحليب؟ أو تحتاجين خبًزا؟ أو آتي لك بالرسائل من صندوق الرسائل؟” عندما توفيت هذه السيدة وتركت وصية كل ما تملك لهذا الشاب، فأصبح بين عشية وضحاها مليونيرًا. هو شاب سوري.
باسم: بسبب الإحسان.
عبد الله: بسبب الإحسان، ولهذا أنا أستحضر حديث النبي صلي الله عليه وسلم عندما هاجر الناس إلى المدينة، ماذا أوصاهم؟ قال: “أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام”. إفشاء السلام لا يعنى أن نقول للناس “السلام عليكم”، أن ننشر الطمأنينة، أن ننشر السلام، أن ننشر الأمن، أن نكون عنصر استقرار، أن نكون عنصر ازدهار، أن نعمل على أن تكون المجتمعات في السلم. لا أقول إننا نتحمل مسؤولية الحرب، لا. ولكن أن نعمل ما في جهدنا من أجل ترسيخ قواعد..
كيف صنع الغرب الإسلام السياسي؟
باسم: عودة دكتور.. عودة على ما ذكرت، أن أوروبا كان لها تدخل في صياغة ما يسمي “بالإسلام السياسي”..
عبد الله: أكيد.. الإسلام السياسي أكاد أجزم أنه صناعة غربية، لأني أنا كثيرًا في حواراتي مع المسؤولين الأوربيين، لأني كنت في عملي أتحاور مع كثير من.. أنا في فرنسا اشتغلت على ما لا يقل عن تسعة وزراء داخلية في فرنسا، وكنت ألتقي حتى برؤساء الجمهورية، الرئيس ساركوزي، كنت ألتقي به، كنت كثيرًا ما أقول لهم: “لا تحملونا تبعات ما تفعلون، صديق اليوم يصبح عدو الغد، وعدو اليوم يصبح صديق الغد، أنا لا يمكن أن أمارس هذه الرياضة الذهنية، لا يمكن أن أتحول معكم، لأنكم تشتغلون بمصالحكم”.
الغرب بطبيعة الحال اشتغل بمصالحه، وصنع “الإسلام السياسي”، أنا تتبعت الإرهاصات الأولى لهذه الصناعة فوجدتها عند الألمان، عند المستشرقين الألمان، الذين وظفوا الإسلام من أجل تأليب المسلمين على المستعمرات البريطانية والفرنسية، كما أنهم وظفوا الإسلام من أجل كسب دعم الدولة العثمانية إلى جانب الألمان في الحرب الأولى..
باسم: ولهذا كان فيه فيلق من المسلمين.
عبد الله: بطبيعة الحال. وخط السكك الحديدية الذي من برلين إلى بغداد، إلى غيره حتى، كان سيصل إلى مكة، وكذلك في الحرب العالمية الثانية.
باسم: هل كان ذلك التوجه هو توجه لخلق إسلام سياسي، بمعنى أن يستفيد منه المسلمون أم أنه تحصيل حاصل؟
عبد الله: لا.. هي انظر.. أنا لا أؤاخذ الغربيين على صناعة الإسلام السياسي، لأنهم كانوا يدافعون عن مصالحهم، ويشتغلون من أجل مصالحهم، لا يقتصر الحديث عن الألمان، وإنما استعمله الفرنسيون، استعمله الإسبان، البريطانيون استعملوه من أجل فصل باكستان عن الهند، سياسة فرق تسد، استعملوا الإسلام، محمد علي جناح، استعمله البريطانيون استعملوه.
باسم: وأبو الإعلى المودودي أيضًا.
عبد الله: وأبو الأعلى المودودي، الأمريكان استعملوه في ظروف الحرب الباردة، استعملوا أفغانستان، استعملوا الإسلام السياسي من أجل مكافحة الشيوعية، لأن الشيوعية كانت قوية، لأنها فكرة، لأنها أيدولوجية، الناس كانت تدافع عن الفكر.
المعسكر الغربي لم يكن له فكر، كان له السلاح، ولكن لم يكن يتوفر، والمعركة في أفغانستان كان لا يمكن خوضها بدون فكر، بدون أيدولوجية قوية راسخة. فلم يجدها الأمريكان إلا في الإسلام، ولهذا كان زعماء مختلف الطوائف أو التيارات في أفغانستان يستقبلون استقبال الرؤساء في أمريكا. أنا أذكر برهان الدين رباني كان يُستقبل من طرف ريجان أمام المدفأة التي يستقبل الآن بها رؤساء الدول. وريجان هو من أطلق ما نسميه بين مزدوجتين “المجاهدين الأفغان”، أو “مجاهدو الحرية” أو “مقاتلو الحرية”، هو ريجان أطلق هذا اللقب. والصحف الفرنسية، أذكر “لوفيجارو” و”اللوموند”، كانت على أعمدتها تشيد بمقاتلي الحرية في أفغانستان، فكيف أنت كنت تشيد بمقاتلي الحرية واليوم تدعوني إلى معاداتهم؟ كيف أنت؟ إذًا الغرب بطبيعة الحال، أذكر إيران، إيران أيضًا الغرب ساهم في صناعة الخميني، لأن الخميني لم يكن صاحب الثورة في إيران، لم يتزعم الشيعة أو ما يسمى “بالملا” لم يتزعموا الثورة في إيران، الثورة يعني “التشيع” صُنع صناعة، لأن الثورة في إيران قام بها حزب “تودة”، حزب شيوعي بطبيعة الحال، خاف المعسكر الغربي، خاف أن تسقط إيران في يد الشيوعية، وتصبح قوة إلى جانب أفغانستان. ومن هناك ستنتشر في باكستان، وتنتشر في الهند، وفي الخليج العربي، بطبيعة الحال. بمعنى أن المنطقة ستسقط كلها بيد الشيوعية، وسيصعب على المعسكر الغربي إعادتها، وبالتالي قطعوا الطريق على ثورة الشيوعية في إيران وصنعوا الخميني. الخميني تم استقدامه من طرف فرنسا من العراق، لأن فرنسا لم تكن على علاقة جيدة “بالشاه”، فاستقدموه إلى باريس إلى نيوشاتل في فرنسا في مدينة صغيرة في فرنسا، بقي فيها 120 يومًا، وأعطى 140 حوارًا صحفيًا، من سهّل له هذه العملية لإعطاء 140 حوارًا صحفيًا؟ المثقفون الكبار في فرنسا كانوا إلى جانبه، أذكر ميشيل فوكو، أذكر جان بول سارتر، أذكر سيمون دي بوفوار، وأقلّته طائرة الخطوط الفرنسية عند عودته إلى إيران زعيمًا للثورة الإيرانية، وأؤكد على ما أقوله.. أن الإدارة الإيرانية الأولى كانت من صناعة فرنسية، محمد بني صدر، درس بفرنسا ويتحدث الفرنسية بشكل جيد، جان بول ياغتيير أيضًا له علاقة كثيرة، زاد، أيضًا، له علاقة بفرنسا، كانت صناعة فرنسية. إذًا.. نظام الإيرانيين، أنا أعتبره صناعة فرنسية، وولاية الفقيه التي ابتدعها الخميني، ولاية الفقيه لا علاقة لها بالفكر الشيعي، وإنما هي نقولها: استنساخ للنموذج الكاثوليكي المسيحي، تم استنساخه..
باسم: ولاية الفقيه مثل ولاية البابا؟
كيفية مواجهة الإسلام السياسي
عبد الله: هذا هو، إذًا هو استنساخ للنموذج الكاثوليكي المسيحي. إذًا، لابد الآن أن نعيد النظر ونعيد القراءة لهذه النماذج، سواء نماذج الحكم أو ما يُسمى بالإسلام السياسي.
أن نعمل على، نقولها، ليس هدم، إنما حل بنيته الذهنية، والفكرية، وأطروحاته الأيدولوجية، عوض أن ندخل في عراك الآن، كما يحدث في العالم العربي والإسلامي.
للأسف، أنا عندما أقرأ، وعندما أطالع، وعندما أتابع، نجد أننا نجانب الصواب، لأننا دخلنا في معارك وهمية، أو المعارك ليست بأسلحتنا، وليست من أجل قضايانا، نخوض معارك بأسلحة الغير، ومن أجل قضايا الغير، والأسئلة المطروحة ليست بأسئلتنا، لأن الأسئلة ربما عرفها سياق تاريخي، لأن الإشكال الكبير وأنا كمؤرخ أتحدث والمؤرخون سيفهمونني: قراءة التاريخ، ليس هناك نموذج للتاريخ الإنساني. الغرب ليس نموذجًا. الغرب تجربة يجب أن ننظر إليه كتجربة، كما يجب أن ننظر إلى تجربتنا، ليست تجربتنا التاريخية، ليست مركزية، ليست مركز العالم، تجربة إنسانية، إذًا، أن نعمل على أن كل التجارب الإنسانية.
باسم: تجارب مجموعة..
عبد الله: على قدم مساواة، وندرسها بنفس المناهج، وبنفس الآليّات، حتى نفهمها. إذًا.. أنا أقول: إننا نخوض معارك ليست معاركنا، وبأسلحة ليست أسلحتنا، وبأسئلة ليست أسئلة المجتمعات الإسلامية، ولهذا الإسلام السياسي دخيل على الثقافة الإسلامية، دخيل على تاريخ الإسلام، دخيل على المجتمعات الإسلامية. إذًا، لا داعي للعراك معه سياسيًا، وإنما لابد أن نعمل على هدم بنياته الأيدولوجية، وأطروحاته الفكرية.
باسم: هي ليست أصيلة من الثقافة العربية؟
عبد الله: لا لا.
باسم: ولا من الثقافة الإسلامية؟
عبد الله: لا لا. هي أنا أعتبرها، أنها تعيش قطيعتين، الإسلام السياسي يعيش قطيعة مع الموروث الإسلامي، ويعيش قطيعة مع الواقع. قطيعة مع الموروث، لأن كل أطروحاته لا صلة لها بالإسلام، لا أحكم هنا بالكفر أو بالإيمان، لا، هذا ليس حكمًا قيميًا ولا حكمًا فقهيًا، أنا أتحدث عن الفكر، أتحدث عن التاريخ، هي بعيدة عن الموروث الإسلامي. هي إما مرجعيتها يهودية، مرجعيتها مسيحية، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون إسلامية. ولدي أدلة في مشروع قادم أشتغل عليه. الواقع نعرف انفصالها عن الواقع أيضًا بما يشعر..
لماذا وقع المسلمون في الفخ؟
باسم: توصيف أنهم يعيشون قطيعتين هو توصيف دقيق.. عودة إلى النقاط.. ما هي النقاط التي جذبت المسلمين للوقوع بفخ هذه التسمية؟ يعني: كيف تفاعل من تفاعل مع هذه التسمية وأصبح ضمن هذا التصنيف؟
عبد الله: هو ما جذبنا -أعتقد- تقاعسنا وكسلنا واكتفاؤنا بالانتصارات العاطفية، هذا هو، أزمتنا لأننا.. -أقول هذا وأنا أستذكر في ذهني تجربة مررت بها عندما كنت في أووربا، ستراسبورغ بالذات، نظمت أول مؤتمر للمسلمين في البرلمان الأوروبي سنة 1996، أتى المسلمون من كل الدول الأوروبية للحضور في هذا المؤتمر لمدة يومين، وكان النقاش حول مساهمة المسلمين في البناء الأوروبي. 1996 كان البناء الأوروبي، كانت قبل أن تتسع إلى أوروبا وتضم أوروبا الشرقية، فأنا قلت لا بد للمسلمين أن يساهموا كمواطنين في النقاش على الأقل، لا.. نحن لا نساهم للأسف في النقاشات الدائرة في المجتمعات التي نحن جزء منها ونعيش فيها. ففي هذا المؤتمر ما لاحظته من المسلمين الذين أتوا من أماكن بعيدة، بلدية المدينة وضعت رهن إشارتنا حافلة كبيرة تقلنا، تقل الناس الذين أرادوا أن يصلوا في المسجد، لأنه كان يوم خميس وجمعة. إذًا، لصلاة الجمعة كانت هناك حافلة موضوعة رهن إشارتنا.
باسم: لصلاة الجمعة؟
عبد الله: صلاة الجمعة، ومع ذلك أصرت مجموعة من المسلمين الذين أتوا من أماكن بعيدة، وفقهيا هم معفون من صلاة الجمعة لأنهم مسافرون، ولكن أصروا أن يصلوها في بهو البرلمان الأوربي. لماذا؟ لأن نكتب بعد الغد أن أول صلاة جمعة في البرلمان الأوروبي، التي هي مؤسسة سياسية لا علاقة لها بالدين. لماذا نبحث عن الانتصارات العاطفية؟ وبحثنا عن الانتصارات العاطفية هو الذي أدّى بنا إلى ما نحن عليه، لأننا نريد أن نحقق انتصارًا سريعًا جدًا.
باسم: انتصارات وهمية ليس له علاقة بالواقع.
عبد الله: سريع جدًا. المعارك التاريخية، المعارك الحضارية تخاض لقرون، قرن من الزمن لا شيء، سبقنا الغرب، لا يقلقني لا يخيفيني، لأنه في ميزان التاريخ لا شيء. قرن من الزمان لا شيء في مقياس التاريخ. نحن تحدثنا قبل قليل قلنا حرب المئة عام، قرن من الزمان فقط حرب بين دولتين في أوروبا. إذًا، بالنسبة لي نحن أيضًا الانتصارات التي يجب أن نكسبها، هي يجب أن تكون في زمن طويل حسب تعريف المؤرخ الفرنسي فيرمون بروديل، أن نسجل قضايانا ضمن الزمن الطويل وليس الزمن القصير. وهذا الزمن القصير، هو الذي أعمى بصائرنا عن إدراك مجموعة من الحقائق ومجموعة… ولم نستطع أن نبذل مجهودًاـ لأن أعتقد أن المجهود الفكري يحتاج إلى أن يكون فيه تخمير. ونحن عندما نريد أن نعمل على تخمير أي بضاعة، أي مادة فتأخذ وقتًا، وتكون بهدوء، حتى نقول نار هادئة نطبخ شيئًا على نار هادئة، هذا لا يعني أنني أريد أن أسيطر على العالم، أو أريد أن أكون بديلًا لأحد، أو أريد أن أنتقم من أحد، لا. أن نساهم في بناء حضارة إنسانية يكون فيها الإنسان مكرمًا، لأنني كمسلم أؤمن إيمانًا عميقًا أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق البشر أعطاهم ثلاث خصال:
إن القرآن يقول “فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا”، إذًا كل إنسان إنسان، فيها نفخة من روح الله.
القرآن الكريم يقول “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ”، فكل بني آدم مكرم من الله.
والقرآن يقول “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”، فكل إنسان مستخلف.
أنا أعتقد أن الإنسان موجه للإنسانية جمعاء، ولهذا نسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم “رحمة للعالمين”، لا يعني هذا أن يدخل في الإسلام، كما نعتقده نحن، لا نحن ننشر الرحمة. حساب الكل عند الله سبحانه وتعالى، لا ندري. أن ننشر الرحمة، أمرنا بنشر الرحمة، ولابد أن نحترم الإنسان، لأنه تتوفر فيه هذه الثلاث نقاط، هذه الخصال من الله سبحانه وتعالى في كل آدمي منذ أن خُلق الإنسان فوق الأرض. هذا ما أدعو إليه.
باسم: دكتور أنا استمتعت بالحوار معك حقيقة.
عبد الله: وأنا كذلك.
باسم: وأتمنى أنه يكون عندنا أيضًا فرص أخرى.
عبد الله: إن شاء الله رهن إشارتك.
باسم: لأن هناك قضايا كثيرة تخص اللاجئين المسلمين سواء العرب أو المسلمين بشكل عام في أوروبا، وكيفية دمج هؤلاء، ومنها المعرفة والتثقيف الذاتي ومن ثم اتقان اللغات، لغات المجتمعات التي يعيشون فيها. كثير جدًا من المسلمين لا يتقنون ولا يتحدثون حتى اللغات التي يعيشون فيها.
عبد الله: أكيد أكيد.
باسم: دكتور شكراً كثيرًا لك، وإن شاء الله نلتقيك في فرص أخرى، وأنا جدًا أبارك نشاطك ومجهوداتك في هذه التجربة.
عبد الله: أشكركم جزيل الشكر على هذه الاستضافة، ونتمنى إن شاء الله أن الحلقة تنال رضا المشاهدين الكرام شكرًا.
باسم: شكرا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج مجتمع.