Skip to content Skip to footer

العثمانيون بِعيون الآخر: رحلة في دهاليز الاستشراق الداخلي والخارجي | د. عبد الرحيم بنحادة

هل خضع التاريخ العثماني لقراءة عربية موضوعية، أم تشكل عبر نظارات استشراقية وقومية؟ كيف صمد المغرب وحيدًا أمام هذا النفوذ؟ ولماذا تأرجحت النظرة العربية بين التمجيد والعداء؟ في هذه الحلقة، يفكك د. عبد الرحيم بنحادة، أستاذ التاريخ الحديث والعثماني، جذور الاستشراق الداخلي، ويقرأ علاقة العرب بالأتراك متجاوزًا القوالب الجاهزة لفهم تعقيدات الماضي وأثرها في الحاضر، في حواره مع الإعلامي ياسين عدنان، في #بودكاست_في_الاستشراق، على #منصة_مجتمع.

ما هو التاريخ العلائقي وكيف تطور عالميًّا؟

عدنان: أعزائي عزيزاتي أهلًا وسهلًا ومرحبًا. هل يمكن الحديث عن استشراق داخلي في العلاقة بين العرب والأتراك؟ وإذا كان الاستشراق الكلاسيكي يمثل نظرة الغرب المهيمنة تجاه الشرق، أفلا يكشف التساؤل عن وجود نمط مشابه من الهيمنة المعرفية والسياسية داخل الجغرافيا الإسلامية نفسها؟ أفلا يكشف عن طبقات أعمق من التعقيد التاريخي؟ ثم كيف نظر العرب إلى الأتراك العثمانيين؟ هل كانت هذه النظرة محايدة أم محملة بتراتبيات ثقافية وسياسية؟ وهل يمكن اعتبار الخطاب العثماني الرسمي عن الولايات العربية نوعًا من الاستشراق الإسلامي؟

هذه الأسئلة نطرحها على واحد من أبرز المؤرخين العرب الذين أعادوا النظر في كتابة التاريخ العثماني من منظور عربي مغاربي، متجاوزًا التأريخ الأيديولوجي الذي طبع الكتابة التاريخية العربية عن الدولة العثمانية لعقود طويلة، حيث ظلت هذه الكتابات تتأرجح بين رفض قومي عربي يرى في الحقبة العثمانية احتلالًا تركيًا، ونزعة إسلامية تمجد الخلافة العثمانية. الدكتور عبد الرحيم بنحادة أستاذ التاريخ الحديث والتاريخ العثماني العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، مدير مختبر المتوسط والعالم الإسلامي، عضو اللجنة الاستشارية لموسوعة “أوتمان هيستوريانس”، صاحب كتاب “الدولة العثمانية: المؤسسات والاقتصاد والثقافة”، ثم كتاب “المغرب والباب العالي من منتصف القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر”. الدكتور بنحادة أهلًا وسهلًا ومرحبًا بك.

بنحادة: أهلًا وسهلًا.

عدنان: الدكتور بنحادة، اهتم الجيل الثاني من المؤرخين المغاربة، جيلك، بما تسمونه التاريخ العلائقي بدءًا بالعلاقات المغربية المشرقية، المغربية العثمانية، علاقات المغرب مع أوروبا، مع أمريكا، مع إفريقيا. أولًا ما المقصود بالتاريخ العلائقي وكيف يختلف هذا المنهج عن دراسة التاريخ الوطني المنغلق على الحدود الجغرافية؟

بنحادة: شكرًا سي ياسين. دعني في البداية أن أتحدث عن معنى التاريخ العلائقي، (Histoire relationnelle) يختلف تمامًا عن المعنى الذي نعطيه نحن للتاريخ العلائقي والذي تفضلت بذكره.

التاريخ العلائقي في العالم تطوّر ضمن سياقات مختلفة، لنتحدث أولًا عن السياق الأوروبي. في أوروبا كان التمركز على تاريخ الدولة الوطنية، على تاريخ الدولة القومية، وكان التركيز أيضًا مع المدرسة الوضعانية في القرن التاسع عشر على الأحداث التاريخية، على الوقائع، على سرد الوقائع، على تحليل هذه الوقائع.

ولكن الذي حدث في بداية القرن العشرين، بالضبط بدءًا من سنة 1929 مع مدرسة الحوليات هو الانتقال من الاهتمام بالحدث إلى الاهتمام بتاريخ البنيات، وبالتالي في هذا الإطار جرى الخروج من القوقعة، من قوقعة تاريخ الدولة الوطنية، ومن قوقعة تاريخ الأحداث، جرى الاهتمام أكثر بتاريخ البنيات في إطار المدى الزمني الطويل، وبدأ الاهتمام بالتفاعلات بين المجالات. ولعل أبرز مثال على ذلك هو أطروحة فرنان بروديل التي كان ناقشها في سنة 1949 تحت عنوان “المتوسط والعالم المتوسطي في زمن فيليب الثاني”، منذ ذلك الحين بدأ الاهتمام بتاريخ التفاعلات العابرة للحدود، إن شئتم.

هذا فيما يخص المجال الأوروبي. في المجال الأمريكي، في الولايات المتحدة الأمريكية بالخصوص جرى الاهتمام بشيء آخر، بتاريخ تفاعلات ضمن التاريخ العالمي، فكان الاهتمام بحركة الأفكار، بانتقال السلاح، جرى الحديث عن تشكّل فضاءات أطلسية وكل ذلك رغبة في التخلص من المركزية الأوروبية، لأنه دائمًا نُظر إلى التاريخ، إلى تاريخ العالم انطلاقًا من الزاوية الأوروبية.

في آسيا وفي الهند بالضبط جرى الاهتمام بتاريخ التفاعل في أفق التخلص من قضية نظرية التابع، وجرى رد الاعتبار للفاعلين المحليين. جرى أيضًا رد الاعتبار والإسهام في إبراز تعدد المراكز التاريخية، أي لم تعد أوروبا هي المركز الذي ننظر به إلى تاريخ العالم، ينبغي أن ننظر إلى هذه التفاعلات.

نحن في المغرب لم نندرج بعد في هذا الموضوع، بل أكثر من ذلك، وقعنا في تراجع حتى على مستوى الانفتاح المنهجي. نظرتنا إلى التاريخ العلائقي هي ما يسمى في تاريخ العلاقات الدولية.

عدنان: تمامًا هكذا استقيت من أدبياتكم على فكرة.

بنحادة: ولكن تاريخ العلاقات الدولية.. وتعرف أن تاريخ العلاقات الدولية هو أيضًا النظر انطلاقًا من زاوية الدولة الوطنية، الاهتمام بالتاريخ من الأعلى، أي علاقات الفاعلين السياسيين من سفراء من ملوك. وكتبنا التاريخ الدبلوماسي بهذا الشكل، التاريخ العلائقي ولم نختلف كثيرًا عن التاريخ العلائقي كما تناوله ابن زيدان في بداية القرن العشرين عندما كتب “العلائق السياسية للدولة العلوية”.

عدنان: ابن زيدان إلى عبد الهادي التازي…

بنحادة: عبد الهادي التازي الذي كتب التاريخ الدبلوماسي، فانخرطنا دون أن نربط هذا التاريخ العلائقي وتاريخ العلاقات المغربية سواء مع المشرق، مع أوروبا، مع أمريكا أو مع إفريقيا دون أن نفحص تاريخ الجهات الأخرى. فهناك عدد كبير من المؤرخين أو من الباحثين الذين درسوا العلاقات المغربية والفرنسية ولكنهم غير منفتحين على تاريخ فرنسا، ما الذي كان يحدث في فرنسا في فترة ما، الذي نستطيع أن نفسر به سلوك الفرنسيين تجاه المغرب؟ نفس الشيء كان بالنسبة لي، الفارق الوحيد هو أننا فتحنا نافذة الأرشيفات وبدأنا نبحث في تلك الرسائل مباشرة، أي كانت علاقتنا حتى مع تلك الأرشيفات هي علاقة براغماتية، أي أننا نبحث عن المعلومات التي تغذّي ذلك الفضول، التي تغضي أو تجيب على أسئلتنا المرتبطة بعلاقات المغرب كدولة مع المجالات الأخرى.

كيف أثر الحضور العثماني في مسار التاريخ المغربي؟

عدنان: أنا في الحقيقة شاكر لك هذا التوضيح فيما يتعلق بالمعنى الحقيقي للتاريخ العلائقي، ولكنني إذا سمحت ولاعتبارات منهجية فقط، سأبقى في المعنى الذي استقيته منكم، والذي يصير بموجبه التاريخ العلائقي هو تاريخ علاقات دولة معينة انطلاقًا من وجهة نظرها ومن سياقها الخاص في علاقتها مع الآخرين. وهنا أريد أن نذهب إلى ما اشتغلت عليه أنت سيد عبد الرحيم هو أنك تاريخ المغرب مثلًا اشتغلت عليه في العلاقة مع التاريخ العثماني، وتقول بأن العديد من القضايا في تاريخ المغرب لا يمكن فهمها على نحو جيد إلا إذا استحضرنا التاريخ العثماني كمسألة الإصلاح والعلاقات مع أوروبا. نريد أن نعرف في الحقيقة كيف أثّر الحضور العثماني في المنطقة على خيارات المغرب الإصلاحية وسياساته الخارجية؟

بنحادة: أنا فقط دعني أعود بك إلى السؤال الأول، لأقوم بتوضيح بسيط، أنه فيما يتعلق بتاريخ العلاقات المغربية العثمانية هذا الموضوع جرى الاهتمام به منذ بدايات القرن العشرين، منذ سنة 1904 عندما وضع أوغست كور كتابًا عن (L’établissement des dynasties des Chérifs au Maroc et leur rivalité avec les Turcs de la d’Alger) (تأسيس دول الأشراف بالمغرب وصراعها مع أتراك إيالة الجزائر)، وكان فيه التركيز إذا لاحظت هذه الدولة العثمانية، ” les Turcs de la d’Alger ” (أتراك الجزائر)، والتركيز على مسألة المحلية.

عدنان: تمامًا.

بنحادة: هذا الكتاب هو الذي أصبح بمثابة دليل للأبحاث التي جاءت فيما بعد حتى عند الفرنسيين والإسبان الذين اشتغلوا على موضوع العلاقات بين المغرب والأتراك، ودعنا نقول الأتراك ولا نقول العثمانيين.

عدنان: لماذا؟

بنحادة: لأنه انحصرت دراسات في العلاقات بين المغرب وأتراك الجزائر، وليس بين المغرب والدولة العثمانية والدولة المركزية، لا يشار إلى ذلك إلا لمامًا لماذا؟ لأنه اعتمدنا على النصوص التي اعتمدنا عليها أو الوثائق التي جرى الاعتماد عليها، الوثائق التي جرى الاعتماد عليها إما الفرنسية أو الإسبانية أو الإنجليزية في بعض الأحيان، وتعرف أنه عندما أُسس قسم التاريخ في معهد الدراسات العليا المغربية الذي أنشئ في 1919 في الرباط، كانت أوكلت مهمة الإشراف عليه لباحث كبير اسمه الكونت هنري دو كاستري، والكونت هنري دو كاستري أول عمل قام به هو الإشراف على سلسلة نشرت الوثائق المتعلقة بالمغرب الموجودة في الأرشيفات الفرنسية والإسبانية والبرتغالية والإنجليزية والهولندية، وأشرف على نشر هذا المجموع الذي صدر في عشرين مجلدًا. كانت طريقة لانتقاء الوثائق، هذا الكوربوس هو الذي تم الاعتماد عليه من طرف المؤرخين الذين كتبوا تاريخ العلاقات المغربية التركية أو العلاقات المغربية –دعنا نقول- التركية.

فهذا الكوربوس يجب أن نستحضر شيئًا هو أنه كانت العملية كيف؟ لأنه لا يمكن أن ننشر في عشرين مجلدًا فقط كل الوثائق المتعلقة بالمغرب، صار انتقاؤها وفي عملية الانتقاء كانت حاضرة عملية سياسية. عندما كتب الفرنسيون نجد أنهم استحضروا دائمًا كلمة “Le péril turc” “Le danger turc” الخطر والخطر الماحق. والخطر الماحق هذه الكلمات التي نجدها عناوين لكتابات الفرنسيين في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. لماذا؟ لأنهم اعتمدوا على هذه الوثائق واعتمدوا بالأساس على التقارير التي كان يبعثها حكام مليلية ووهران إلى الدولة المركزية في إسبانيا مثلًا. ولأن هؤلاء، لأن مليلية كانت محتلة من طرف الإسبان، ووهران كانت محتلة من طرف الإسبان، ولكي يحافظ هؤلاء على مراكزهم كانوا يعملون على المبالغة في أي تحرك، التهويل في أي تحرك تركي وذلك للحفاظ على مصالحهم. فكتبنا تاريخًا أو كتب هؤلاء تاريخًا دون أن يشعروا، بالاعتماد على، أو بالترويج لهذه، أو لمثل هذه الأحكام.

بطبيعة الحال هذا الأمر تطور، الدراسات التاريخية التي جاءت فيما بعد لا سيما بعد أن قام مؤرخ أمريكي وهو مهندس بترول اسمه أندرو هيس كان يشتغل في الكويت واستهواه قراءة كتاب فرنان بروديل “La Méditerranée et le Monde méditerranéen”، عندما قرأ فرنان بروديل..

عدنان: “المتوسط والعالم المتوسطي”.

بنحادة: انتبه إلى أن بروديل يقول بوحدة المتوسط، وهو الذي كان يعيش في الكويت، وهو بالمناسبة متصاهر مع مغربي في طنجة، كان يقول لا هذا لا يمكن، كان كثير التردد على مدينة طنجة، كان يقول هذا لا يمكن، العالم المتوسط متوسطان.

عدنان: ضفتان.

بنحادة: ضفاف ليس فقط ضفتان، فيه حدود ثقافية وهذه الحدود الثقافية منسية، ولذلك عنون كتابه بـ “Forgotten Frontiers” “الحدود المنسية”، للإجابة على بروديل وشروع… لماذا؟ لأنه يقول إن بروديل اعتمد على نصوص الضفة الشمالية وبما أنها تنتمي لنفس الثقافة فكان من الطبيعي أن ينتج هذه الفكرة أو هذه النظرية عن وحدة المتوسط.

عدنان: يعني سردية واحدة.

بنحادة: سردية واحدة.

عدنان: مُوحَّدة ومُوحِّدة.

بنحادة: هو كان يقول لا ينبغي أن أكتفي بنصوص الضفة الشمالية ينبغي أن ألجأ إلى نصوص الضفة الأخرى، فبدأ يشتغل على الصراع في البحر الأبيض المتوسط، بالاعتماد أيضًا على النصوص العثمانية، واشتغل عن…

عدنان: الأرشيف، ربما وفرت له أرشيفًا لا يجده لدى الآخرين.

بنحادة: فكان يقابل ويقف عند هذه الحدود أو ما يعزز فكرة الحدود المنسية التي نسيها بروديل. هذا الكتاب كان بمثابة حافز لعدد من الباحثين المغاربة للتوجه إلى الأرشيف. أنا شخصيًا لم أكن أعرف هذا الكتاب ولكن ما دفعني إلى الاهتمام بالعلاقات المغربية العثمانية هو أنني كنت أشتغل حول التاريخ الاقتصادي، وكنت أشتغل على تاريخ منطقة مغربية في الجنوب المغربي، منطقة السوس التي كانت مهدًا للدولة السعدية.

عدنان: طبعًا.

بنحادة: فوقفت عند ضعف اقتصادي، كان السؤال هو هل تمكّن السعديون من معالجة وضع الأزمة الذي وجدوه قبل أن يصلوا إلى الحكم؟ قلت أنا لم أكن أعرف هذا الكتاب قبل بداية الاشتغال عن تاريخ العلاقات المغربية العثمانية، أنا ما قادني إلى الاشتغال على هذا الموضوع هو ملاحظة، هي أن الدولة المغربية استطاعت أن تقف في وجه العثمانيين، كان المغرب هو البلد الوحيد الذي وقف أو صد الدولة العثمانية، على الأقل صد الدولة العثمانية عن المغرب، وبقي البلد الوحيد الذي لم يخضع للسيطرة العثمانية.

عدنان: في كل العالم العربي طبعًا.

بنحادة: في كل العالم العربي، البلد العربي الوحيد. هذه التفسيرات التي أُعطيت لهذه القضية، قضية استقلال المغرب عن الدولة العثمانية لم تقنعني. أزيد على ذلك أن هذه القضية التي تكلمنا عنها قضية الخطر الماحق والخطر وأتراك الجزائر وعدم النظر إلى العلاقات مع مركز الدولة العثمانية هي التي جعلتني أتشجع على زيارة هذا الموضوع الذي دُرس.

فكانت الفكرة هي ألا أكتفي بما كتبه المغاربة من نصوص عن هذه العلاقات، تفيد في هذه العلاقات سواء رحلات أو مصادر تاريخية، ولا أكتفي بتلك الوثائق الأوروبية بجميع أصنافها، ولكن ألجأ إلى الأرشيف العثماني لكي أبحث عن الأسئلة المعلقة، كيف يفسر العثمانيون هذا الأمر؟ فبدأت أشتغل على سؤالي هو أنه إذا أردنا أن نجيب على سؤال الاستقلال ينبغي أن نستحضر تلك العلاقات المعقدة في البحر الأبيض المتوسط، ينبغي أن نستحضر ذلك الصراع بين الدولة العثمانية، هذه المرة ليست بين أتراك الجزائر، بين الدولة العثمانية وإمبراطورية هابسبورغ. ينبغي إذا أردنا أن نجيب على السؤال أن ننتبه إلى صيرورة التاريخ العثماني، إلى تطور الدولة العثمانية نفسها سواء من حيث مؤسساتها، من حيث اقتصادها، من حيث تمثلها للعالم وما إلى ذلك. وأيضًا إذا أردنا أن نجيب على هذا السؤال ينبغي أن نبحث فيما كان يجري بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية في المشرق، لأن ما كان يجري في المشرق يؤثر على ما كان يجري في الغرب وفي البحر الأبيض.

 

كيف حافظ المغرب على استقلاله أمام الزحف العثماني؟

عدنان: لا أريد سيد عبد الرحيم أن أغادر هذه النقطة دون أن نشرح مثلًا الحالةً المغربية وكيف أن المغرب هو الدولة العربية الوحيدة التي لم تخضع للحكم العثماني، وهي الرواية التي نقدمها في بلادنا كإنجاز تاريخي. هناك أيضًا الأطروحة التي تقول إن العثمانيين والإسبان اتفقوا على جعل المغرب أرضًا محايدة (No man’s land)، وربما هذا يشوش على السردية البطولية التي نتبناها نحن كمغاربة. أيضًا لا أريد أن تفوتني هذه النقطة.

بنحادة: لا ينبغي أن يشوش ذلك على سرديتنا الوطنية، المغرب كانت عنده دولة، لا مراء في ذلك ولا أحد يشك في ذلك. الذي ينبغي أن نؤكد عليه في هذا الباب هو قضية سلاطين المغرب، وهذا يدخل في صميم السردية التي ينبغي أن نؤكد عليها وهي واضحة هي أن سلاطين المغرب سواء سعديون أو علويون كانوا أكثر تفتحًا، وهذا لست أنا الذي أقوله، لعل الأستاذ سعيد بن سعيد العلوي يؤكد على هذا الأمر، ويؤكد على أن سلاطين المغرب كانوا أكثر تفتحًا وأكثر علمًا بما يجري حواليهم من النخبة العالمة في المغرب.

المغاربة، سلاطين المغاربة، سعديون كما قلت أو علويون سلكوا سياسة، هذه السياسة هي التي يُصطلح عليها في قاموس العلاقات الدولية بـ “Real Politic”، السياسة الواقعية. هذه الواقعية السياسية هي التي سلكها جميع سلاطين المغرب، سلاطين المغرب لم يكونوا ينتصرون فقط للانتماء إلى دار الإسلام، أو كانوا لا يجدون حرجًا في التعامل مع المسيحيين إذا كان ذلك سيمس بالوحدة الترابية، بواحدة من المهام الموكولة إلى السلطة المغربية وهي الحفاظ على وحدة التراب ضد الهجمات. فكان واحدًا مثل دا سيلفا وهو حاكم مليلية في زمن منصور السعدي، كان قد بعث إلى الملك فيليب الثاني يقول له لا أستطيع أن أفهم أحمد منصور السعدي، عندما نقول له أعطنا العرائش يقول هيا بنا إلى الأتراك، وعندما نقول له… يعني كان هو يراعي مصلحته، أنا مستعد أن أعطيكم العرائش ولكن مقابل أن نصد الأتراك، ومستعد أيضًا ولكن دون… هي كانت لعبة، ولعبة هذه الواقعية السياسية أتقنها المغاربة، أتقنها السلاطين المغاربة.

يمكن أن يدخل هذا في السردية…

عدنان: تمامًا تمامًا تبنى…

بنحادة: ومقنع إذا ما زرنا هذه الأحداث وإذا ما اعتمدنا على مثل هذه النصوص.

 

هل استفاد المغرب من الإصلاحات العسكرية والصحية العثمانية؟

عدنان: الآن نبقى فقط في حدود التفاوض ومثل ما تفضلت الآن، يعني أحمد منصور الذهبي يقول يعني يراوح في علاقته مع الإسبان والأتراك وكذا. ولكن ماذا أيضًا عن التفاعل مع الأتراك ومع تاريخ العثمانيين فيما يتعلق بالمسألة الخاصة بالإصلاح في المغرب وفيما يتعلق بالعلاقات مع أوروبا، علاقات المغرب مع أوروبا وأنت أشرت لهذا في كتابة سابقة لك.

بنحادة: هو وفقط سيد ياسين، هو عندما قلت هذا قلته في مقدمة الكتاب الذي أصدرته حول “العثمانيون: المؤسسات والاقتصاد والثقافة”، قلته لأبين أن الانفتاح على المجال العثماني يسمح لنا بالإجابة على كثير من الأسئلة.

أنا أريد فقط أن أعطيك مثالًا، والمثال هو مأخوذ من تجربة جيش عبيد البخاري في المغرب.

عدنان: علاقتها بالإنكشارية.

بنحادة: نعم هو كان الأستاذ عبد الله العروي نبيهًا عندما كشف عن هذا الموضوع هو أن المولى إسماعيل، وهنا أعود إلى الفكرة التي قلتها قبل قليل وهي أن السلاطين المغاربة كانوا منفتحين على عوالم، كانوا يعرفون نسبيًا ما يجري خارج رقعة البلد. إنكشارية… عبيد البخاري لا يمكن أن نفهمه إلا إذا استحضرنا التجربة الإنكشارية، ويمكن أن نقارن بين التجربتين، لماذا نجحت الأولى ولماذا فشلت الثانية.

كل هذا فيما يتعلق بالإصلاحات، أتعرف أن المغرب ظلّ منفتحًا على الإصلاحات العسكرية العثمانية في زمن السلطان سيدي محمد بن عبد الله حتى لا أعود إلى ماضٍ بعيد زمن عبد الملك السعدي وأحمد المنصور السعدي لا أريد، ولكن في زمن السلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي حكم ما بين سنة 1757 وسنة 1790، السلطان سيدي محمد بن عبد الله كان يتلقّى مدربين عسكريين أتراك لا سيما في مجال البحرية. في البدايات الأولى للإصلاح زمن السلطان عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن كان التركيز على التجارب التركية، فقط في فترة السلطان مولاي الحسن ومولاي عبد العزيز والتي جرى فيها الانفتاح على التجارب الأوروبية وذلك بسبب ضغوطات أوروبية، لأن أوروبا أيضًا كانت تفرض، فرنسا وإيطاليا كانت تفرض السياسة العسكرية التي تريدها أو الإصلاح العسكري الذي تريده، لأن القضية فيها الديون، وفيها قضية بيع الأسلحة، فيها كثير من الأشياء.

ولكن في عهد السلطان مولاي عبد الحفيظ عدنا إلى الاهتمام أو إلى التجربة العثمانية بعدما فطن مولاي عبد الحفيظ إلى أن الأوروبيين كانت لهم، عندما كانوا يساعدون في هذه الإصلاحات العسكرية كانوا يساعدون أنفسهم، فجرت العودة إلى الاستعانة بخبراء أتراك، وهناك بعثة عارف باشا المعروفة في سنة 1908 التي وصلت لدعم الجيش المغربي، لدعم الإصلاحات العسكرية في المغرب في زمن السلطان مولاي عبد الحفيظ مباشرة بعد توليه.

أيضًا هناك بعض الأشياء التي لا يمكن فهمها إلا..، مثلًا هنا أريد أن أعطيك ظاهرة كانت هي الظاهرة الخاصة بالحجر الصحي، الكرنتينة. هذه الكرنتينة أو اللازارتة كانت بمثابة العلامة للانتقال من مجال إلى مجال.

عدنان: صحيح.

بنحادة: هذه الكرنتينة وكذا إذا ما ذهبنا إلى النصوص العثمانية لا سيما كتب الرحلات وقارناها بنصوص الرحلات الأجنبية يمكن أن نفهم طريقة تجاوب المغاربة مع الكرنتينة، مع دائرة الحجر الصحي.

 

كيف بدأت بواكير الاستشراق الغربي تجاه الدولة العثمانية؟

عدنان: وهي ظاهرة توقفنا عندها في حلقة خصصناها للاستشراق الوبائي، ومناسبة لكي أعود بك إلى مدارنا، إلى مدار الاستشراق. سيكون سؤالي الأول مباشرًا هو هل يمكن أنه تقربنا سيد عبد الرحيم في عجالة من الأعمال الاستشراقية الأولى التي اهتمت بالدولة العثمانية؟

بنحادة: فيما يتعلق بالاستشراق دعني أتكلم في البداية عن ما تفضلت به عن تلك التجارب الاستشراقية، وأنا أريد دائمًا أن أنطلق من أمثلة، سأنطلق من مثالين، من كتابين. الكتاب الأول هو كتاب لوسيت فالنسي، عن البندقية والباب العالي خلال القرن السادس عشر، وهذا الكتاب هو صغير حجمه عظيمة فائدته، لماذا؟ لأنه يعتمد على تقارير السفراء البنادقة الذين زاروا الدولة العثمانية وأقاموا في عاصمتها إسطنبول ونفذوا إلى البلاط العثماني ووصفوه من الداخل. هذه التقارير هي على درجة كبيرة من الأهمية، أنت تعرف وضع البندقية…

عدنان: طبعًا.

بنحادة: أعود إلى وضع البندقية إذا سمحت.

عدنان: طبعًا.

بنحادة: البندقية هي تلك الدولة المدينة، التي كانت تنتمي إلى العالم المسيحي في ذلك الوقت، كانت واحدة من مدن دول إيطاليا، وكانت قريبة من الفاتيكان، ولكن هي رغم هذا الانتماء المسيحي ورغم انخراطها في الحروب ضد الدولة العثمانية، ضمن الحلف المسيحي المقدس في عديد من المرات، إلا أن مصالحها الاقتصادية كانت مع الأتراك العثمانيين، فكان البنادقة يلعبون على الحبلين، كان بروديل يسمي البندقية بمومس الأتراك، لأن مصالحها مع البندقية، مصالحها مع الدولة العثمانية، ودينيًا وسياسيًا محسوبة على.. كلما وجدت الفرصة للانفلات من الحلف المقدس، كلما.. ولذلك وجدنا هذه السياسة تنعكس في كتابات هؤلاء البنادقة.

أعود إلى قضية السفراء البنادقة، أعود إلى قضية البنادقة الذين نفذوا إلى البلاط العثماني وتحدثوا عن النظم السياسية والنظام داخل البلاط. ولعل هؤلاء السفراء البنادقة هم أول من تنبه أو أول من قعد لظاهرة الاستبداد الشرقي، (Le despotisme). وكتبت لوسيت فالنسي عن (Le despotisme) انطلاقًا من هذه التقارير وهي تقارير كثيرة وغنية جدًا.

الكتاب الثاني هو عبارة عن كوربوس الرحلات الفرنسية إلى الدولة العثمانية وكتبه أحد المؤرخين، وهو مهندس حضري ولكنه تحول بفعل اشتغاله على تطور مدينة إسطنبول، القسطنطينية، هو يوناني الأصل فرنسي، اسمه ستيفان يراسيموس كتب مجلدًا ضخمًا عن “الدولة العثمانية عند الرحالة الفرنسيين”، وأعطانا وصفًا لكتب الرحلات ولمضامين هذه الرحلات.

هذان كتابان أساسيان إذا ما أردنا أن نرى كيف تعامل أو أن نتكلم عن ما يسمى بالاستشراق البدائي (Primitif).

عدنان: البدائي الأولي.

بنحادة: الأولي إذا ما أردنا، يمكن أن نعود إلى هذين الكتابين وهما، هذان الكتابان، يعطيان أو يتركان لدينا انطباعًا عن كيف كان ينظر هؤلاء الغرب إلى الدولة العثمانية. بعد ذلك..

 

كيف تنوعت المدارس الاستشراقية الأكاديمية في دراسة العثمانيين؟

عدنان: وأعتقد أنه منذ البداية وأنت الآن تشير مثلًا إلى تقارير البنادقة وكذا تحس فعلًا بأن الأمر يتعلق بأعمال تتعدد بتعدد الخلفيات والمصالح والسياقات والانتماءات.

بنحادة: بالتأكيد.

عدنان: وبالتالي لا يمكن… أنا هنا أريد أن أتحدث معك في الحقيقة إلى تطور الكتابات الاستشراقية حول الدولة العثمانية لأنه من بعد سيكتب الروس وسيكتب الألمان وسيكتب الفرنسيون وستحس بأن سرديات متعددة وكلها محكومة بسياقاتها وانتماء كتابها، أنا أريد أن نتوقف مع هذا التطور.

بنحادة: تمامًا إذن قلت الكتابان يعطيان هذه الفكرة عن هذا الاستشراق الأولي، ولكن نحن نتكلم عن الاستشراق أو ما يسمى بالاستشراق الأكاديمي، وهنا ينبغي أن نشير إلى التحولات التي عرفها الاهتمام بالشرق العثماني، بالدولة العثمانية. هذه التحولات هي أننا أولًا انتقلنا من استشراق فردي إلى استشراق جماعي، عندما نتكلم عن الأكاديمي نتكلم عن المأسسة، والمأسسة بدأت في القرن الثامن عشر عندما جرى إحداث كراسي للدراسات الشرقية في الجامعات، جرى الاهتمام باللغة فظهرت معاجم لغوية، يكفينا فقط أن نشير إلى معجم مينينسكي. أيضًا هناك هذا الخروج من الكتابات التبشيرية إلى كتابات معرفية. هذا الأمر سنجده يتكرّس في القرن التاسع عشر عن طريق ماذا؟ عن طريق إحداث مدارس للغات والحضارات الشرقية.

عدنان: دو ساسي في فرنسا

بنحادة: نحن نتكلم عن 1795 عن إحداث مدرسة اللغات والحضارات الشرقية التي ما زالت إلى الآن، وكان فيها التركيز في البداية على اللغة التركية، اللغة والحضارة التركية والفارسية والعربية. وصارت على هذا النهج الجامعات في بريطانيا في القرن التاسع عشر، توالدت هذه المدارس. نحن لا نتكلم عن تقليد هولندي، هولندا منذ القرن السادس عشر ليدن وكذا، ولكن نريد أن نتكلم عن تكريس هذه الظاهرة أو عن مأسسة، إلى درجة أنه في القرن التاسع عشر دخلت الدولة العثمانية ودراسات الشرق دخلت في البرامج الدراسية في الجامعات وبدأ الناس يكتبون دراسات أكاديمية عنها.

كيف ولّد اتساع الإمبراطورية العثمانية الاستشراق الداخلي؟

بنحادة: عندما نتكلم عن الاستشراق في الدولة العثمانية وعن الدولة العثمانية ينبغي أن نستحضر كما تفضلت بذلك السياقات، ولكن أن نستحضر أيضًا مسألة تنوع هذا الاستشراق، نحن لا يمكن أن نتكلم عن استشراق واحد، ولكن نتكلم عن استشراقات، لماذا؟ لأن الدولة العثمانية هي دولة متسعة المجال…

عدنان: تمتد على ثلاث قارات.

بنحادة: حكمت لمدة، لقرون، يعني في القرن التاسع عشر كانت قد وصلت إلى قرنها الخامس.

عدنان: صحيح، يعني العباسيون كم حكموا؟ والأمويون كم حكموا؟

بنحادة: سنعود إلى هذه القضية هذا فقط عن طول المدة، وتوسع المجال هو الذي جعلها تكون مركز اهتمام. للإجابة على هذا السؤال، للإجابة لماذا حكمت هذا المجال الواسع ولماذا حكمت كل هذه الحقبة الواسعة أيضًا. إذن المجال الواسع هو الذي يعطينا استشراقات مختلفة، عن الاستشراقات الخارجية، نتكلم عن استشراقات داخلية. وهنا أريد أن أتكلم عن أرميني كان يشتغل لفائدة السفارة السويدية في إسطنبول،

عدنان: متى؟

بنحادة: في القرن الثامن عشر، وكُلّف بوضع كتاب اسمه “مراجعة دوسون”. دوسون كتب كتابًا سماه (Tableau Général de l’Empire Othoman) (اللوحة العامة أو وصف عام للإمبراطورية العثمانية) درس فيه المؤسسات، مؤسسات الدولة العثمانية من السلطان إلى الصدر الأعظم إلى القبودان باشا إلى كل هذه مراكز القرار داخل الدولة العثمانية. واهتم بتطور هذه المؤسسات العثمانية. ودرس أيضًا الاقتصاد والعملة والاجتماع. هو أرميني ولكن كتب بنظارات سويدية، لأنه كان يجيب على أسئلة للسفارة السويدية. وهو أرميني، يعني تابع، من رعايا الدولة العثمانية -إذا شئت-. ولكنه كتب بطريقة.. وعلى فكرة هذه قضية الـ “Tableau Général” سنجدها من خصوصيات الاستشراق بشكل عام.

أنا يحضرني هنا فقط كتاب ماسينيون عندما كتب كتابه (Le Maroc dans les premières années du XVIe siècle : Tableau géographique d’après Léon l’Africain) عن المغرب في السنوات الأولى من القرن السادس عشر، وكتبه انطلاقًا من الوزان.

إذن هذا أرميني من رعايا الدولة كتب وبطريقة استشراقية أيضًا بنظارات سويدية.

داخل هذا الاستشراق الداخلي يمكن أن نتحدث أيضًا عن تلك المجالات التي كانت تابعة للدولة العثمانية. البلقان كانت تابعة للدولة العثمانية وتعرف أن البلقان منذ بداية القرن التاسع عشر وبالضبط في سنة 1826-1829 بدأت الدول البلقانية تتحرر من الدولة العثمانية ونشأت فيها دراسات عثمانية، تناولت تاريخ الدولة العثمانية بمنظور ذلك التابع المتحرر، الذي أعطانا نظرة للدولة العثمانية، بلده، أو بلد الانتماء كان تابعًا للدولة العثمانية، عندما تحرر عكست نظرته زمن التحرر.

كيف وجّه الصراع حول فيينا بوصلة الاستشراق النمساوي؟

بنحادة: ثم هناك الاستشراق من الخارج وهذا الاستشراق من الخارج يخضع لسياقات. عندما نتكلم عن الاستشراق من الخارج ينبغي أن نفكر في الاستشراق النمساوي أولًا. لماذا؟ لأنه التماس. يجب أن نفكر في الاستشراق…

عدنان: الروسي؟

بنحادة: لا، الاستشراق الهنغاري (المجري).

عدنان: صحيح.

بنحادة: لأن هابسبورغ (L’Empire austro-hongrois) (الإمبراطورية النمساوية المجرية).

عدنان: صحيح.

بنحادة: ينبغي أن نرى أولًا هذا، لماذا؟ لأنه غني، غني. إذا ما استحضرنا فقط الاستشراق النمساوي يبرز لنا اسم بارز لا يمكن أن نستغني عنه أو يستغني عنه دارس الدولة العثمانية وهو هامر. فون هامر الذي كتب كتابًا عن الدولة العثمانية مؤلفًا من 17 مجلدًا، يعالج فيه الدولة العثمانية من البدايات إلى سنة 1774. سنة 1774 لأن سنة 1774 سنة فاصلة في تاريخ الدولة العثمانية هي السنة التي وقعت فيها الدولة معاهدة كجوك قينارجه ذات الدلالات السياسية والقانونية وو، لأنه بعد الاتفاقية، هذه المعاهدة ستضيع جزيرة القرم، والقرم كانت أرضًا إسلامية، أول مجال إسلامي يضيع من الدولة العثمانية، حتى قبل مصر، قبل الحملة الفرنسية على مصر، سنعود إلى الحملة الفرنسية على مصر.

إذن كتب هذا الكتاب من 17 مجلدًا ويخوض في التفاصيل، وأهمية هذا الكتاب تنبع أساسًا من اعتماده للنصوص العثمانية، التي يستثمرها بشكل جيد. فون هامر كان مؤرخًا وضعانيًا لا يهمه إلا الأحداث ولكنه كان يخوض في التفاصيل التي تسعف في دراسة المؤسسات وفي دراسة الاقتصاد واجتماعيات الدولة العثمانية.

إذا كان فون هامر قد تخصّص في كتابة هذا التاريخ العام، فإن زملاءه الهنغاريين تخصصوا في الأرشيف وفي دراسة الأرشيف العثماني والوثائق العثمانية، وعملوا على مقارعتها بما توفر حول مواضيع مشتركة بين الدولة العثمانية وبين الإمبراطورية الهابسبورغية.

هذا نوع، وقلت إن النمسا، لأن النمسا، الدولة العثمانية كانت عيونها مسمرة على فيينا منذ القرن السادس عشر، ولم يتخلَ العثمانيون عن مشروعهم لاحتلال النمسا ولاحتلال فيينا حتى سنة 1683، يعني ما بين الحملة الأولى زمن سليمان القانوني في سنة 1529 و1630 هناك زمن طويل يؤكد على أن الدولة العثمانية كانت عازمة على أخذ فيينا. وأعتقد أن هذا الأمر هو الذي جعل المؤرخين النمساويين يهتمون أكثر من غيرهم بالدولة العثمانية.

كيف انعكست الصراعات على الاستشراق الروسي؟

بنحادة: وهناك الاستشراق الروسي، أو الروس كيف اهتموا بالدولة العثمانية؟ ما الذي أنتجوه عن الدولة العثمانية؟ ما الأثر الذي تركه هؤلاء الروس على الدراسات الروسية أو الاستشراق الروسي –إذا شئت- في الكتابة التاريخية التركية؟ الروس كانت علاقتهم معقدة مع مع الدولة العثمانية، كانت علاقة صراع محتدمًا هذه المرة حول البحر الأسود، وأيضًا ذات طبيعة دينية، تعرف إلى الآن أن الكنيسة الأرثوذكسية مقرها أين يوجد؟ في إسطنبول، في القسطنطينية، فهناك علاقات…

على كل حال اهتم الروس بالأساس بهذا البحر الأسود واهتموا بالعلاقات، الأتراك العثمانيين مع مجالهم الواسع، التركمانستاني الواسع. ومن ثم سنجد عملين بارزين عند الروس بالإضافة إلى ذلك العمل الضخم الذي أنجزه كراتشكوفسكي عن الأدب الجغرافي عند المسلمين، وهذا كتاب في القمة. لماذا؟ لأنه يبرز لك سعة هذا العالم في اللغات الإسلامية الثلاثة: التركية والعربية والفارسية. عندما نقرأ كتاب “الأدب الجغرافي عند المسلمين” نحن نتجول في جميع جغرافيات العالم الإسلامي، عند أدب الرحلة، عند الفرس، عند الترك وعند العرب المسلمين.

بالإضافة إلى كراتشكوفسكي عندنا هذا الكتاب، من يسميه الأتراك بالمعلم بارتولد. فاسيلي بارتولد اهتم بعلاقة العثمانيين بالمجال التركي واهتم بالأساس بجنكيز خان، جنكيز خان الذي أصبح فيما بعد بمثابة رمز عند الوطنيين الأتراك.

ونجد أيضًا سميرنوف الذي كتب كتابًا عن البحر الأسود وعن الصراع الروسي العثماني في البحر الأسود. بطبيعة الحال، الكتاب يعكس وجهة نظر روسية، ولكنه يقارب الموضوع بشكل جعل الباحثين الذين اهتموا فيما بعد بالبحر الأسود وبالعلاقات الروسية العثمانية لا يجدون محيدًا عنه.

بطبيعة الحال، توارى ظهور هذا الكتاب كما توارى ظهور الكتابات الاستشراقية في الدراسات الحديثة، أتكلم عن الدراسات الاستشراقية الأولى في الدراسات الحديثة لاعتبارات عدة ترتبط بأن البحث الآن ينبغي أن يعتمد على ما صدر حديثًا. ولكن مثل هذه الدراسات، سميرنوف وبارتولد تظل على درجة كبيرة من الأهمية.

ما أهمية الاستشراق الألماني؟

بنحادة: هناك استشراق آخر، وهو استشراق من الدرجة الرفيعة، ويمكن أن نقول إنه هو الاستشراق الأكاديمي…

عدنان: الأكثر معرفية يمكن؟ نتحدث عن الاستشراق الألماني.

بنحادة: الأكاديمي الصرف، نتكلم عن الاستشراق الألماني، أنا فقط أستحضر هنا عالمين بارزين، الأول هو فرانز بابينجر، وفي بداية القرن العشرين، فرانز بابينجر كتب كتابًا عن محمد الفاتح، محمد الفاتح يعني القسطنطينية. كان دور فرانز بابينجر في هذا الكتاب هو ألا يكتفي برواية واحدة لفتح القسطنطينية، وبرواية واحدة لتحركات محمد الفاتح، ولكن كان همه أن يقارع الروايات البيزنطية بالروايات التركية العثمانية حول حدث مهم في التاريخ العالمي وهو فتح القسطنطينية في سنة 1453.

إذن هذه الكتابات البيزنطية والكتابات التركية العثمانية، أتكلم عن المصادر سواء التي عاصرت الحدث أو التي جاءت بعد الحدث، لأن فتح القسطنطينية ظل عالقًا بالذاكرة التركية وكتب عنه الأتراك بعد الفتح أكثر من زمن الفتح.

ثم هناك كتابه الثاني هو الكتاب الذي كرّسه لكتابات المؤرخين العثمانيين عن الدولة العثمانية، وتُرجم الكتاب إلى اللغة التركية مع أنه كُتب في سنة 1921، ولكن تُرجم إلى التركية في سنة 1980، ترجمه الأتراك، دليل على أهمية هذا الكتاب بالرغم من أنه صدرت العديد من الأبحاث باللغة التركية حول الكتابات التاريخية العثمانية. الكتاب تحت عنوان (Les Historiographes des Ottomans et leurs œuvres) “كُتّاب التاريخ العثماني وآثارهم”، وهو كتاب عبارة عن مسرد لنصوص نفيسة ومشهورة حول تاريخ الدولة العثمانية منذ بداية الدولة العثمانية إلى نهايتها.

والمؤلف الثاني هو مؤرخ وضعاني اشتغل به الناس كثيرًا وهو رانكه (فون رانكه). رانكه مؤرخ ألماني كان يشتغل في الجامعة وكتب كتابًا عنونه بترجمة إلى اللغة الفرنسية واطلعت عليه في صيغته الفرنسية، هو عن (Histoire des Osmanlis et de la monarchie espagnole) “العثمانيون والملكية الإسبانية”. هو كان عنده مشروع أنه درس الأنظمة الملكية في أوروبا ولكن انتبه إلى أنه لم يول اهتمامًا كبيرًا لـ… أطروحته كانت عن الأنظمة الملكية في أوروبا، ولكنه انتبه في النهاية إلى أنه لم يخصص الأنظمة الملكية في جنوب أوروبا، لم يفردها بفصل في كتابه السابق، فكرّس لها كتابًا، وحاول فيه أن يقارن بين الملكية الإسبانية وبين الدولة الملكية في الدولة العثمانية. وهو كتاب على درجة كبيرة من الأهمية لأنه يعطينا بعض التقاطعات الموجودة بين فيليب الثاني وبين سليمان القانوني، بين شارل الخامس بالخصوص وبين سليمان القانوني على اعتبار أنهما كانا متعاصرين أو متزامنين.

كيف غيرت حملة نابليون مسار الاستشراق الفرنسي؟

عدنان: لاحظ معي هذه الاستشراقات إذا سمحت لي متعددة، ولكن خلفية، أنا لا أريد أن نغادر هذه النقطة دون أن نتوقف مع الاستشراق الفرنسي. إلى أي حد كان محكومًا بالحملة، بحملة نابليون على مصر لا من حيث المقاربة ولا من حيث اشتغالاتها واهتماماتها؟

بنحادة: هو تعرف أن التقليد الفرنسي هو تقليد قديم، وأنا أريد أن أعود بك إلى فترة قبيل الحملة الفرنسية على مصر، تعرف، الكل يعرفون أنطوان جالان.

عدنان: طبعًا مترجم ألف ليلة وليلة.

بنحادة: الكل يعرف أنطوان جالان، كان عنده علاقات كبيرة وعلاقات متشعبة بالمجتمع العثماني، وخاصة بالنخبة السياسية، وكتب عن الدولة العثمانية في هذه الفترة هو كان يشتغل في السفارة الفرنسية في إسطنبول، كانت العلاقات الفرنسية -كما تعلم هي كما يقول الفرنسيون “Toujours au beau fixe” إلى سنة 1789 ليس فقط 1798، 1789 لأنه كانت الثورة الفرنسية والعثمانيون أخذوا موقفًا من الثورة الفرنسية، يعني كانوا ينعتون الثوار الفرنسيين بأقبح النعوت.

(المحرر: هذا التعبير الفرنسي يُستعمل في الأصل لوصف حالة الطقس الصافية والمستقرة، ويُستعار سياسيًا ودبلوماسيًا لوصف العلاقات عندما تكون ممتازة ومستقرة تمامًا وخالية من أي غيوم أو توترات، وهو ما يطابق وصفه لحالة العلاقات الفرنسية العثمانية قبل الثورة الفرنسية.)

حين نعود عندما وصل الفرنسيون بطبيعة الحال إلى مصر من دون شك أثر ذلك على العلاقات بين العثمانيين والفرنسيين وتفاقمت العلاقات أو ساءت العلاقات بين فرنسا والدولة العثمانية، وانتقلت النظرة الفرنسية التي كانت محكومة إلى زمن قريب بتلك النظرة الغرائبية العجائبية، إلى نظرة استعلاء ونظرة يشتم منها مسألة الانتقام من ذلك الموقف الذي وقفته الدولة العثمانية تجاه…

عدنان: ضد الثورة والثوار.

بنحادة: ضد الثورة والثوار.

كيف نظر المؤرخون العرب القدامى إلى النفوذ العثماني؟

عدنان: أنا أردت في الحقيقة ونحن نناقش كل هذه الاستشراقات، أن أعود بك إلى ما يمكن أن نسميه استشراقًا داخليًا، داخل هذا المجال الذي يجمعنا مع الأتراك، عندما مثلًا نتأمل تاريخ العلاقات داخل العالم الإسلامي، خصوصًا بين العرب والترك، نجد أنماطًا مشابهة من إنتاج المعرفة عن الآخر. في الحالة العثمانية تبلور الخطاب حول العرب باعتبارهم رعايا في مقابل خطاب قومي عربي اعتبر العثمانيين محتلين أجانب رغم الرابطة الإسلامية التي تجمعنا، كيف تعلق على هذه الثنائية؟

بنحادة: دعني أبدأ بالعرب كيف نظروا إلى الدولة العثمانية، وأريد أن أعود إلى ما قبل…

عدنان: دائمًا المؤرخون يعودون.

بنحادة: المؤرخ عليه العودة، نعود إلى الدولة العثمانية كيف كتب عنها العرب قبل الفتح، قبل الدخول، حتى نقول لا فتح ولا غزو ولا احتلال، قبل الدخول العثماني إلى القاهرة، قبلها تعرف أن الدولة العثمانية كانت ممتدة، ولكن العثمانيين كانوا يعتبرونها، لأنها بدأت كإمارة حدودية في خدمة الدولة السلجوقية…

عدنان: في الأناضول.

بنحادة: وكانوا يعتبرونها امتدادًا للدولة السلجوقية، حتى عندما انتهت الدولة السلجوقية كانوا ينظرون إلى الدولة العثمانية كدولة تركية يعني ليست.. أريد أن أعطي مثالًا فقط، ابن خلدون متى بدأ كتابه؟ بعد مضي حوالي قرن من الزمان أو أقل من قرن من الزمان على قيام الدولة العثمانية، كيف كتب عن الأتراك؟ كان ابن خلدون معجبًا بالأتراك، وأظن أن الأتراك هم -كما يقول الأستاذ علي أومليل- هم الذين جرب فيهم هذه النظريات العصبية، وكان معجبًا بالسلطان المملوكي برقوق، وكان يُشيد به. ولكن عندما نراجع كتابه “العبر” الذي يخصصه للأقوام، للترك والفرس والعجم والعرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، عندما نطالع ما كتبه ابن خلدون عن الدولة العثمانية لا يتجاوز ثلاث صفحات…

عدنان: ثلاث صفحات فقط؟

بنحادة: ثلاث صفحات عن الدولة العثمانية.

عدنان: ما دلالة ذلك؟

بنحادة: دلالة ذلك هو كما قلت لك يعني هي استمرار لتلك الدول. وتعرف أن الأتراك، لأن المؤرخين يعتمدون على بعضهم، ولم يكن العثمانيون في ذلك الوقت كتبوا سرديتهم، لأن هذا التاريخ البدايات، لا يكتب إلا في فترة الأوج.

عدنان: صحيح.

بنحادة: وبالتالي لم تكن قد توفرت معلومات عن الدولة العثمانية تسمح للمؤرخين أو للكتاب العرب بشكل عام بالكتابة عن هذا التاريخ.

ابن تغري بردي الذي كتب قبيل الحملة، تشعر بنوع من عدم إيلاء العثمانيين الاهتمام الذي يستحقونه، لا سيما وأن ابن تغري بردي كتب بعد فتح القسطنطينية، في سنة 1453، حتى فتح القسطنطينية، هذا الحدث الكبير لم يجد صدى كبيرًا داخل الكتابات العربية، كان الصدى محدودًا جدًا.

عندما جاء ابن إياس، وابن إياس هو الذي كان معاصرًا للحملة العثمانية على مصر.

عدنان: الحملة الفرنسية.

بنحادة: الحملة العثمانية.

عدنان: الحملة العثمانية صحيح.

بنحادة: ابن إياس كان معاصرًا للحملة العثمانية على مصر، هناك بدأ التموقف، الموقف من العثمانيين لأنهم أصبحوا حكامًا فكانت النظرة هي نظرة دونية، كانت النظرة أن هؤلاء جاؤوا من أجل الجباية، من أجل المال، وتوقف عند قضية الإجحاف في الجباية. وهو على فكرة… تعرف أنه في القضية التي تداولتها الكتابات فيما بعد، قضية أن سليم الأول عندما دخل مصر تسلّم مفاتيح الكعبة ورموز الخلافة من آخر الخلفاء كذا كذا، هذه الرواية غير واردة عند ابن إياس مع أنه كان معاصرًا، وهذه الرواية كما يؤكد برنارد لويس والذين اشتغلوا على مسألة الخلافة، هي جاءت رواية ونُسجت في القرن الثامن عشر، وكان واحدًا من الذين نسجوها هو الذي سبق أن أشرنا إليه، هو دوسون الأرميني الذي كان في خدمة السويد.

على كل حال هناك مع ابن إياس بدأنا نشعر بأن هناك نوعًا من التموقف، وبنوع من نظرة معينة للدولة العثمانية أو للعثمانيين كحكام. وهذه النظرة يمكن أن نقول إنها استمرت فترة طويلة، تتحدث عن الجور في الجباية بالأساس، تتحدث عن الطريقة التي كان يتعامل بها من ولّاهم العثمانيون ولاية البلاد العربية سواء مصر أو الشام، وتشتم دائمًا منها هذه نبرة أو رائحة التوتر في العلاقات بين الحاكم والمحكوم.

جاءت لحظة فاصلة هي الحملة الفرنسية على مصر، الحملة الفرنسية على مصر هناك نوع من الموقف هو أن الدولة العثمانية لم تقم بالمهمة التي كان من الممكن أن تقوم بها وهي حماية مصر من الحملة الفرنسية، ولكنها كانت أيضًا مناسبة للتحرر نوعًا ما من الدولة العثمانية، وهنا نشأ هذا الخطاب الذي هو عبارة عن محاولة للانفلات أو للإفلات من قبضة الدولة العثمانية. محمد علي باشا جاء سنوات بعد الحملة الفرنسية على مصر في سنة 1805 كان محمد علي ماسكًا بمصر، مستقلًا إلى حد كبير عنها.

وبعد ذلك جاءت هذه العمليات التحررية التي لا يمكن أن تمر دون أن تترك أصداء في العالم العربي هي التي تكلمنا عنها قبل قليل، هي ما عرفته شبه جزيرة البلقان، شبه جزيرة البلقان، اليونان استقلت، البلغار بدأوا في طريقهم إلى الاستقلال، فكان ذلك أوحى للعديد من العرب بأنه بإمكانهم مع تجربة محمد علي، بأنه بإمكانهم أن يتخلصوا من الدولة العثمانية، خصوصًا أن الحركة القومية بدأت تتغذى بهذه الـ… إلى أن..

عدنان: وينشطها الفرنسيون والإنجليز بمطامعهم.

بنحادة: إلى أن بلغت مداها، ينشطها الفرنسيون والإنجليز. بدا ذلك في قضية الموقف من الخلافة العثمانية في بداية القرن العشرين، عندما دخل العثمانيون أو الأتراك آنذاك، تركيا الفتاة، عندما دخلوا، الوطنيون الأتراك عندما دخلوا الحرب إلى جانب ألمانيا، كانت مناسبة لتصفية هذا… للدخول على خط العلاقات العربية العثمانية…

 

كيف وظّف الاستعمار الغربي قضية الخلافة لضرب العثمانيين؟

عدنان: وعلى فكرة، حتى على المستوى الفكري حينما يكتب شخص مثل هاملتون جيب يتكلم عن الخلافة ويعتبر النسب القرشي أساسيًا لهذه الخلافة، فهو ينزع جُبة الخليفة عن..

بنحادة: هذا هو ما أريد أن أتحدث عنه، هو في سنة 1916 نشرت مجلة العالم الإسلامي (La revue du monde musulman)، التي كانت تصدرها إدارة الحماية الفرنسية، نشرت مجموعة من الفتاوى تقول… لمغاربة، وليام بن المواز الذي كتب البيعة الحفيظية يقول إن الأتراك اغتصبوا الخلافة، وهو كله ترتيب من الفرنسيين للقضاء المبرم على تلك الرابطة بين العرب والعثمانيين. وكان الفرنسيون يرشحون السلطان مولاي يوسف ليكون خليفة للمسلمين، وكان الإنجليز يرشّحون الشريف حسين، وكانت هناك عمليات حج منظمة للقيام بالدعاية ضد الدولة العثمانية، لأن الدولة العثمانية دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا، وكان هذا هو الذي لعب دورًا كبيرًا سواء عند الفرنسيين أو عند الإنجليز.

كيف يقرأ المؤرخون العرب المعاصرون تاريخ الدولة العثمانية؟

بنحادة: ولكن السؤال هو المؤرخون الآن ماذا يكتبون؟ ماذا يكتب المؤرخون العرب عن الدولة العثمانية؟

عدنان: تقصد أن تقول ماذا تكتبون؟

بنحادة: لا، أنا لا أكتب كثيرًا ولكن الذين كتبوا عن الدولة العثمانية هو..، دعني أتحدث لك عن ما بعد.. عن خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لماذا اخترت أن أتكلم عن الستينيات؟ لأنني أريد أن أتكلم عن التاريخ المُمَأسس، التاريخ كمعرفة مُمَأسسة، ونحن في العالم العربي تأخرت عندنا مأسسة التاريخ، مأسسته ومهننته، ولذلك اخترت أن أتكلم عن الخمسينيات والستينيات، وما بعد الخمسينيات إلى الآن.

وهنا يمكن أن نتكلم عن مراحل، مرحلة أولى هي ما يمكن أن نسميه بالتاريخ الرومانسي أو بالاتجاه الرومانسي، وهذا الاتجاه الرومانسي يمكن أن نميز فيه بين تيارين، التيار الذي استمر على تلك النبرة القومية التي بلغت مداها مع ثورة عبد الناصر والثورات العربية، يعني كلها عداء للأتراك العثمانيين، أن الأتراك العثمانيين هم سبب ما وصلنا إليه من انحطاط و إلى آخره، والأتراك هم الذين فرملوا انطلاقة العرب.

وهناك التيار الثاني أيضًا الذي يمكن أن.. وهو رومانسي على كل حال، وتمثل في كتاب أصدره مؤرخ مصري هو عبد العزيز محمد الشناوي وعنوان الكتاب هو “الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها”، هو إعادة الاعتبار للدولة العثمانية. هو يقول ودعني فقط أقرأ أو مقتطفًا من مقدمته: “وقد ردد بعض المؤرخين والباحثين العرب عن جهالة أو تجاهل أو حقد تلك الآراء الخاطئة الظالمة معًا في مؤلفاتهم، واستقرت في أذهان الأجيال المتعاقبة من رجال الفكر العربي والإسلامي صورًا حالكة الظلام عن الدولة العثمانية، واقترن ذكرها في أفئدتهم بمظالم ومحن تكدست على رعاياها من استغلال في تقرير ضرائب تعسفية عليهم ومن مصادرة أموالهم وأراضيهم ومحاصيلهم ومناصبهم، ومن تخلف ومن جراء مذابح عامة، ومن عزلة عن العالم فرضتها الدولة على ولاياتها العربية، مما أدى إلى نشر الفقر والجهل والمرض. وغفل أولئك المتحاملون عن الخدمات التي أسدتها الدولة لولاياتها العربية بوجه خاص، وهي خدمات يجب أن تُذكر لها وتُشكر عليها. وتناسوا أيضًا أن الدولة العثمانية واجهت أخطارًا دولية جسيمة كانت تُهدد العالم العربي بأفدح الأخطار”.

انتهى الاقتباس. لذلك أنا سميت هذا بتيار رومانسي، هو بقدر ما كان الاتجاه الأول يُحاول أن يبين مساوئ الدولة العثمانية، بقدر ما يُحاول هذا الاتجاه الرد على ما كتبه هؤلاء المنتصرون للقومية العربية.

المرحلة الثانية من الكتابة التاريخية هي ما بعد منتصف السبعينيات، ما الذي حصل؟ الذي حصل هو أنه أُنجزت كتابات حول تاريخ الدولة العثمانية في العالم الغربي، هي محاولات لمراجعات الكتابات التي أُنجزت عن الدولة العثمانية بشكل عام، وسافروا في أوروبا وأمريكا، وسافر عدد من الباحثين العرب إلى الجامعات الأمريكية والأوروبية من أجل إنجاز أطروحاتهم، وهنالك صادف هؤلاء نظرة أخرى للدولة العثمانية.

أكتفي فقط بذكر مثالين هما وجيه كوثراني الذي حضّر أطروحته في بلجيكا، وعبد الكريم رافق الذي حضّر أطروحته في أمريكا، عبد الكريم رافق هو مؤرخ سوري معروف، هؤلاء تخلّوا عن تلك الثنائية عرب-ترك، عرب-عثمانيون، ولجأوا إلى دراسة التاريخ الاجتماعي، وفي التاريخ الاجتماعي كان هو الوسيلة للخلاص من ذلك السجال، وأنت تعرف أن السجال لا يمكن أن ينتج سوى معرفة عقيمة، فتخلصوا من ذلك السجال وانخرطوا في كتابة تاريخ يتجاوب مع التيارات الموجودة في الكتابة التاريخية عن الدولة العثمانية في الغرب.

ما يُعاب على هذا الجيل وعلى عبد الكريم رافق ووجيه كوثراني هو عدم عودتهم إلى النصوص التركية العثمانية، إلى الأرشيف العثماني، ولو أنهم عادوا إلى ما يُعرف بوثائق المحاكم الشرعية ودرسوها دراسة جيدة من أجل الكشف عن البنى الاقتصادية والاجتماعية في البلاد العربية، سواء في الشام بالنسبة لوجيه كوثراني وعبد الكريم رافق.

المرحلة الثالثة هي ما بعد التسعينيات، الذي حصل هو التحرر الكلي من الكلام عن القومية العربية والانفتاح على تركيا. لا ينبغي أن يغرب عن بالنا أن تركيا قدمت خطوات على العالم العربي لا سيما في نهاية الثمانينيات زمن الوزارة الأولى لتورغوت أوزال، الذي انفتح على العالم العربي لأسباب اقتصادية، وبالتالي ترتب عن ذلك انفتاح ثقافي، إيفاد بعثات إلى تركيا من أجل الدراسة، وأيضًا فتح الأرشيف العثماني في وجه الباحثين العرب.

يمكن أن أتكلم عن تجربتين، على تجربة مصري حضّر رسالته في جامعة إسطنبول واستثمر فيها الوثائق العثمانية وكتب عن الحملة العثمانية على مصر في القرن السادس عشر زمن الدولة العثمانية، وتوجها بكتابة كتاب آخر عن العثمانيين حضارة وتاريخ، وفي هذا الكتاب إعادة للنظر في الدولة العثمانية بالاعتماد على الأرشيفات العثمانية.

والثاني هو لصديقي وزميلي المرحوم عبد الرحيم أبو حسين، الذي كان من آخر كتاباته هو الكتاب الذي وضعه عن أسطورة جبل لبنان، وفيها استثمر الوثائق العثمانية، وثائق الأرشيف العثماني، ليفكك هذه السردية، السردية اللبنانية الوطنية الضيقة عن قضية جبل لبنان واستقلال جبل لبنان والرغبة، وتحدي جبل لبنان للدولة العثمانية.

في المغارب اتسم الموقف أو صار البحث في تاريخ الدولة العثمانية مسارًا آخر، بدأ بالتاريخ العلائقي وانتهى إلى الاهتمام بالدولة العثمانية، حتى أنا مثلًا اشتغلت عن استغرافيات تركية، كيف كتب الأتراك تاريخ الدولة العثمانية.

عدنان: وكتابات مختلفة مثلما وضحت.

بنحادة: وبمعية زميلي وصديقي عبد الرحمن المودن أنشأنا وحدة للتكوين والبحث، عكف فيها الباحثون على دراسات عثمانية صرفة، على دراسات عثمانية لا تدخل في إطار التاريخ العلائقي كما سبق أن فسّرنا في البداية، يعني علاقات دبلوماسية أو كذا، ولكن خُصصت دراسات للدولة العثمانية وللمقارنة بين المغرب والدولة العثمانية، تناول باحثون مسألة ولاية العهد في أو تولي السلطة مقارنة بين المغرب والدولة العثمانية، الحريم في المغرب والدولة العثمانية، إلى غير ذلك من المواضيع التي تسعى إلى تكريس المقاربة المقارنة.

عدنان: وفي الحقيقة، أنت لا تتخيل كم استفدنا، رغم أنني لم أطرح عليك حتى نصف الأسئلة التي أعددتها. ولكن ربما هي فرصة لكي..

بنحادة: لأنه أنا ثرثار.

عدنان: لا أبًدا بالعكس.

بنحادة: وأنت محب للاختصار.

عدنان: أنت استفدت فأفدت، وأنا أتمنى أن تُتاح لنا فرصة تجديد اللقاء لكي نتحدث هذه المرة عن استغرافية تركيا. وكيف أنه مثلًا حتى التاريخ العثماني في الحقبة الكمالية كُتب بطريقة تؤسس للقطيعة مع الماضي العثماني، ثم كتابة تاريخ فيما بعد لكي تعيد الاعتبار لهذا التاريخ. وهذه التواريخ التركية المختلفة قد تحتاج منا جلسة أخرى في الاستشراق.

بنحادة: إن شاء الله، الله يحفظك.

عدنان: شكرًا جزيلًا سيد عبد الرحيم لقد سعدت بك، وأنتم أعزائي عزيزاتي إلى اللقاء.