كيف يمكن توظيف الفلسفة وآليات التفكير الناقد لفهم مقاصد النص الديني بعيدًا عن احتكار الحقيقة والتسلط؟ وهل تكفي آلية اللسان العربي وقراءة الرحمة لتفكيك الخطاب المتطرف؟ وكيف تساهم المؤسسات المجتمعية في نشر ثقافة التعايش؟ أسئلة شائكة يجيب عنها د. بدر الحمري، باحث الفلسفة المغربي، في لقائه مع د. باسم الجمل، في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع
ما علاقة الفلسفة بالتسلط والتطرف؟
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، وفي حلقة اليوم نلتقي الدكتور بدر حمري، حمري أم حميري؟
بدر: الحمري.
باسم: الحمري.
بدر: نعم.
باسم: هل لها علاقة بالحميري مثلًا؟
بدر: حسب البحث الذي قمت به، هناك امتداد للشرفاء المتواجدين على منطقة دكالة عبدة هنا في المملكة المغربية، وعندما بحثت عن المصدر وجدت أنه يمتد إلى اليمن…
باسم: يا سلام، يعني جدودك يمنية؟
بدر: ربما، حسب ما وقفت عنده. هذه بعض المعلومات التاريخية.
باسم: دكتور، أنت أستاذ في الفلسفة، وطبعًا الفلسفة موضوع عام وشامل أعتبره من العلوم، لكن أنت ضمن تخصصاتك في دراسة الدكتوراه مثلًا، تطرقت إلى العلاقة ما بين السلطة والفلسفة، أو التسلط والفلسفة، أو التطرف والتسلط. ما العلاقة الموجودة؟ كيف يمكن استخدام الفلسفة مثلًا في تهدئة التسلط، أو تهدئة التطرف، أو معالجته؟
بدر: التطرف من الناحية المفهومية، يمكن أن نعرفه على أنه الذهاب إلى أقصى الشيء، سواء في جهة اليمين أو في جهة اليسار.
باسم: نحن لم نحدد ماذا نقصد بالتطرف، المقصود بالتطرف كما تقدمت التطرف ليس مقصورًا فقط على حقل من الحقول العلمية، أو حتى على فكرة محددة. التطرف في الحياة بشكل عام، بالسلوك، بالأفكار، بالعلاقة مع الناس، برؤيتك للعلاقة مع الآخرين.
بدر: هذه أستاذ باسم أنواع التطرف. هناك تطرف اجتماعي، وتطرف سياسي، وتطرف ديني، وتطرف أيضًا في السلوك، وتطرف في اللباس. ولكن أشد أنواع التطرف هو ما يمكن تسميته بالتطرف المركب. وهذا الذي يستغل كل هذه العناصر الثقافية أو السياسية ويؤسس عليها ما أسميه في كتابي الأول “منطق التسلط”، أسميه بالتسلط لأنه يذهب بعيدًا بالسلطة. فإذا كنا نعتبر أن السلطة هي قوة تشريعية مستمدة من المؤسسات المنتخبة قانونيًا أو شرعيًا، هدفها هو تحقيق التوازن في المجتمعات وصيانة الحقوق، فإن التسلط عكس ذلك؛ هو محاولة إلغاء كل هذه الشرعية واستخدام آليات من أجل تضليل الجمهور أو تضليل المتلقين.
وهنا أعود إلى سؤالك الأول الذي قلت بأنه ما علاقة الفلسفة بالتطرف أو بدراسة نصوص تحليل الخطاب الديني؟ أعتبر أن الفلسفة بما هي محبة للحكمة، والحكمة بما هي في تعريفاتها المتعددة، يعني يمكن أن نأخذ التعريف التالي أنها حُسن استخدام العقل. ومن الناحية الاصطلاحية، يمكن أن نعتبر أيضًا أن الفلسفة كممارسة للسؤال والاستشكال وللتفكير الناقد تمنحنا هذا الأفق الواسع من أجل دراسة الخطابات، مثلًا النقد بوصفه فحصًا للمعارف وتبيان الفاسد منها من الصحيح، أو الصحيح والخطأ، أو غير ذلك.
لذلك فإن الآليات الفلسفية إن اشتغلت على خطابات -بين قوسين- تسلطية أو خطابات متطرفة تمنحنا هذا الأفق المنهجي. مع العلم أن الفلسفة هي بحث عن الحقيقة، في حين أن الخطابات المتسلطة تدعي بأنها تمتلك الحقيقة.
كيف نميز بين الاعتدال والتطرف؟
باسم: سؤالي هنا: كيف نحكم أن هذا تطرف وهذا معتدل أو هذا غير تطرف؟ هل هناك معايير مثلًا في الحياة أو عند البشر؟
بدر: هو هذا امتلاك الحقيقة، بمجرد أن نسقط في هذه الدائرة أنني أمتلك الحقيقة، مثلًا الحقيقة الدينية، فهذا تطرف.
باسم: يعني الادعاء بامتلاكك الجواب على سؤال، هل هذا تطرف مثلًا؟ أو أنك تحتكر هذا الجواب، وبالتالي أنت صادق فيما تقول؟
بدر: نعم، يعني ليس فقط الادعاء بأنني أمتلك الجواب، هناك مقام آخر أنا أمتلك الجواب بوصفه حقيقة، وليست هناك حقيقة أخرى. بمعنى هناك تصور أحادي للجواب أو للحقيقة أو للرأي أو للمواقف، وليست هناك تصورات متعددة. بينما التفكير الفلسفي يرى بأن الحقيقة نبحث عنها، وتاريخ الفلسفة هو تاريخ البحث عن الحقيقة.
أو كما يقول أحد الفلاسفة المعاصرين الفرنسيين، وهو غاستون باشلار، بمعنى أن تاريخ العلم هو تاريخ تصحيح أخطاء العلم، أو الأخطاء التي ارتكبها العلماء. بمعنى أننا لا يمكن أن نتقدم خطوة إلى الأمام إلا بتصحيح الأخطاء التي ارتكبها من سبقونا من العلماء. هذا على مستوى التفكير الفلسفي.
بينما الخطابات المتطرفة والمتسلطة التي تفرض أحادية في الرأي تدّعي عكس ذلك، تقول لقد اكتشفنا الحقيقة اليوم، أو بالأمس، أو منذ مئات السنين، فلا تخرج فكرك عن هذا. يعني لا تناقش ولا تجادل. هذا يمكن أن نصفه بالفكر المنغلق، أو بالفكر المتشدد الذي لا يقبل الرأي والرأي الآخر، ولا يتصالح مع نفسه.
بل يمكن أحيانًا أن يسقط المتطرف في أنانية ضيقة، ويعرف الحقيقة أين هي موجودة، أو الخيط الناظم، والخيط الذي يمكن من خلاله أن نبدأ أو نصل إلى الحقيقة، ولكن لا يتبعها.
من يملك شرعية الحكم بالتطرف؟
باسم: عادة في المجتمعات، في الحياة اليومية العادية، لا يوجد كثرة من الفلاسفة ليقودوا الناس إلى مثل هذا التفكير. الناس عادة، يعني بالسلوك العام، يبدو وكأن هناك سلوكًا فطريًا يحدد للفرد بقبول هذا الشيء أو عدم قبوله. يعني السلوك الفطري الطبيعي عند الإنسان يقدر أن يحكم أن هذا تطرف زائد عن حده، أو أنه يمكن أن نقبله، لأنه نلاحظ في المجتمعات أنه أيضًا يوجد قبول لهذا التطرف الذي نسميه تطرفًا، وأن الناس العاديين أيضًا يقبلون هذا التطرف، وهناك ناس يدافعون عن هذا التطرف. ما هي المعايير التي يمكن أن تكون شاملة أو عامة في مجتمعنا تمكن الفرد أو أنا أو أي شخص آخر يقول هذا تطرف فابتعد عنه؟ يعني من يعطي الشرعية ليحكم على أن هذا شيء متطرف أو هذا غير متطرف؟
بدر: الشرعية موجودة في النص القرآني، مثلًا الإكراه في الدين، الله سبحانه وتعالى يقول: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” [البقرة: 256]، بينما ما نلاحظه وما قمنا بدراسته في كتابنا الأول هو عكس ذلك. هذه التيارات أو هذه الجماعات الإسلامية أو الإسلاموية، تحاول أن تقرأ النص على غير مراده، وتقرأه بصيغة حرفية، هذه نقطة أولى.
نقطة ثانية، أنها توظف النص طبقًا لأيديولوجيا تقصي الغير، وتقصي الآخر، وتقصي حتى الرأي الداخلي، إذا كان من منهم ينتمي إلى هذه الجماعة وعبّر عن رأي مخالف لما تتبناه الجماعة، أو لما يتبناه مركز الجماعة أو أمير هذه الجماعة، فهو مرفوض ويمكن أن يهدد حياته بالقتل. وهذا يذكرني بقول نيتشه بأن الحقيقة تقتل عندما تكتشف أن أساسها هو الخطأ، أو أنه هو الوهم.
يمكن أن نتكلم أيضًا عن معايير أخرى، وهي مدى إمكانية إعطاء قراءات جديدة للنص القرآني، هذه القراءة التي لا تقف عند حدود ما هو حرفي، وعند حدود ما هو لحظي راهني. النص القرآني هو نص خالد ونص أبدي، لأنه كلام الله، والله سبحانه وتعالى الحي الذي لا يموت. فكيف يمكن أن نوازن؟ أو أن أقرأ أنا كبشر نصًا قرآنيًا هو كلام الله الحي الذي لا يموت؟ فقراءتي دائمًا هي قراءة ناقصة.
باسم: أو قراءة نسبية يعني.
بدر: قراءة نسبية نعم.
كيف نقرأ النص بآلية الرحمة؟
باسم: هل يمكن أن يكون هناك آليات محددة لقراءة النص من خلالها، حتى تضبط أن الجميع يكون ملتزمًا على الأقل؟ أو استخدام آلية تضبط الفهم النصي أو فهم مقاصد النص، دون الوصول إلى مراحل التطرف، أو دون الدخول في التطرف مثلًا في تطبيق هذه المفاهيم؟
بدر: يعني فضلًا عن الآلية اللغوية.
باسم: اللسانية.
بدر: اللسانية نعم، آلية قراءة القرآن باللسان العربي المبين، وهي آلية مسبوقة، يمكن أن نقرأ القرآن أيضًا من زاوية قيمية أو زاوية أخلاقية. أنا أفضّل أن أقرأ القرآن بقراءة الرحمة، الله سبحانه وتعالى يقول: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” [الأنبياء: 107]. الخطاب موجه هنا إلى النبي الكريم.
في سورة طه يقول الحق: “اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ” [طه: 44]. فهذا فرعون الذي ادعى الألوهية، الحق سبحانه وتعالى في عليائه يقول لنبيه الكريم سيدنا موسى وسيدنا هارون: “اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ” [طه: 43]، يعني هو محكوم عليه بالطغيان هنا في هذه الآية كما هو ظاهر، ولكن ماذا سنقول لهذا الذي ادعى الألوهية؟ “فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ” [طه: 44].
فهذا الذي ادعى الألوهية، فما بالك بتارك الصلاة الذين يحكمون عليه بالقتل؟ فما بالك بين قوسين أو بين ظفرين المرتد؟ ما بالك من هو خارج ما نصنفه بالمسلمين، المسيحي أو غير ذلك؟ فكيف يجب أن ننظر إليه؟ هذا المؤمن الذي… أو الفرد الاجتماعي الذي نعتبره عاصيًا، وهو لم يدعِ الألوهية، هذا فرعون الذي ادعى الألوهية “فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا” [طه: 44]، ما معنى لينًا؟ لم أجد من مرادفات أو من شروح لهذه الكلمة سوى أنها تنتمي إلى مجال الرحمة الإلهية.
فإذا قرأت القرآن من هذه الزاوية أو بهذه الآلية، وهي آلية الرحمة، يمكن أن نجد بطريقة حسية وبسهولة وبطمأنينة لجميع الإشكالات التي يعاني منها العالم. وبالتالي سيصبح القرآن يخاطب جميع العصور ويخاطب الأفق الحضاري، إن كانت لنا نحن كباحثين وكمسلمين من آليات ومن قيم ومن إمكانات يمكن أن نساهم بها. أعتقد أن الرحمة شاملة لجميع الخلق، وهذا بشهادة القرآن.
لماذا يرفض المتطرفون خطاب اللين؟
باسم: بلا شك، سؤالي أنا، ألم يتعظ هؤلاء الذين يوصفون بالتطرف مثلًا؟ أو من يمارس التطرف على آخرين في فرض تصوره الخاص لفهمه للنص، سبحانه وتعالى أنه طلب من النبي موسى أن يخاطب فرعون باللين، وهؤلاء لا يخاطبون شخصًا عاديًا باللين.
بدر: لأن غرضهم ليس هو بناء الإنسان، ليس غرضهم هو البحث عن الحقيقة، كما درجنا على ذلك سابقًا، ليس غرضهم هو بناء الحضارة. ليس غرضهم… لهم أغراض أخرى، ربما التمكن من السلطة التي نسميها التسلط، وتسيير الناس، والنظر إلى الآخر على أنه عبد وليس إنسانًا، وليس بناء الله… وكيف…
باسم: إذن الخلل في رؤية هذا الفرد، أو هذه المجموعة للنص، أو لمقاصد النص.
بدر: وأيضًا المنطلقات الأيديولوجية؛ كيف يمكن أن أقرأ القرآن بقراءة رحمانية، قراءة بآلية الرحمة ولا أنطلق من منطلق أيديولوجي يتأسس على أن كل من يخالفني هو ملحد، أو كافر، أو لا ينتمي إلى ديني؟ كيف؟ بالعكس، إذا قرأت النص القرآني بقراءة بآلية الرحمة، هنا ستتضح الأمور، وسيبدو لك بأنه حتى الحقيقة نفسها ليست حقيقة واحدة، حقائق متعددة وكلها تؤدي إلى حقيقة الرحمة، “ورحمتي سبقت غضبي”.
كيف نعمم آليات الفهم مجتمعيًا؟
باسم: سؤال هنا كالتالي: كيف يمكن تعميم آلية في المجتمع، أو في أي مجتمع، توفّر للناس الإمكانية للفهم حسب المستوى المعرفي للفرد، دون الاصطدام مع المتطرفين؟ أو دون السماح لهذا المتطرف أن يطغى على قول الآخرين، أو على فهم الآخرين؟
بدر: بخصوص الآلية كما قلت، يمكن أن نبدأ بالآلية اللسانية، “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا” [يوسف: 2]، “بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ” [الشعراء: 195]، هذه الآلية هي مدخل من مداخل متعددة نقرأ بها القرآن الكريم، ونميز ما بين القراءات السابقة والقراءات الحديثة أو القراءات المعاصرة.
باسم: أنت تحدثت أن آلية اللسان العربي المبين هي الآلية الأكثر صلاحًا في قراءة النص وفي استنباط مقاصد الآيات القرآنية. هذا كلام سليم وأنا أتفق معك فيه، لكن من الذي يحكم على أن هذه الآلية هي فعلًا ستعطينا الطريق إلى فهم المقاصد كما هي مقاصد النص؟ هل مثلًا الجامعة؟ هل المعاهد العلمية؟ هل المدرسة؟ هل البدء في تعليم الأطفال من الصغر لفهم كيفية، بدل تدريس اللغة ضمن قواعد أو ضمن قوالب جامدة كما درسنا في المدارس؟ كيفية إعادة تقديم اللغة أو اللسان للإنسان بشكل عام ليصبح آليته الخاصة في قراءة النص، أو حتى في حياته اليومية؟
بدر: الحقيقة الانتقال من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي يحتاج إلى عُدة، ويحتاج إلى مؤسسات. وقراءة النص القرآني إذا كنا قد صبرنا قرونًا، لا بد أن تكون هناك عُدة صحيحة وسليمة. وأعتقد أنه من أجل إنزال هذه الآليات على المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي، نحتاج تضافر كل المؤسسات، سواء كانت مؤسسات الدولة الرسمية التي تشتغل في الحقل الديني، سواء كانت مؤسسات جامعية، سواء كانت مراكز أبحاث، أو سواء كانت مجتمعات علمية، مجتمعات من الباحثين والمفكرين وعلماء اللغة وعلماء الدين، إلى غير ذلك.
ثم هناك المستوى، على المستوى الفردي، فتضافر هذه الجهود بأكملها يمكن أن يقرّبنا من إيجاد جواب عن سؤال: كيف نقرأ النص القرآني اليوم؟
باسم: يعني نحتاج إلى مؤسسات مرعية من المجتمع، سواء مؤسسات رسمية أو حتى أكاديمية.
بدر: نعم، بمعنى أننا نحتاج إلى إرادة سياسية.
باسم: هل ترى أن الدولة أو الكيان السياسي في المجتمع يستطيع، أو هو مكلف بتقديم هذه الآلية للمجتمعات كجزء مثلًا من مناهج التربية والتعليم؟
بدر: طبعًا صحيح، تغيير المقررات، من يشرف على هذه المقررات أو البرامج؟ الدولة، بمعنى هي إرادتها السياسية في بعدها التربوي تغير من هذه المقررات. مثلًا هنا لدينا في المملكة المغربية تجربة وهي توحيد خطبة الجمعة التي لم تعجب الكثير. توحيد خطبة الجمعة يجنبنا الارتجال، ويجنبنا الخطابة بالرأي، الخطابة بالمواقف. بالتالي فإن الإرادة السياسية في احترامها للتعددية واحترامها للحريات الفردية يمكن أن تذهب بنا بعيدًا في فهم النص القرآني.
باسم: هل هذا ممكن مثلًا؟ يعني من سيعلق الجرس؟ من قبل، الدجاجة أم البيضة؟ من مسؤول؟ هل نحتاج إلى توفير أولًا بيئة أكاديمية تتقبل هذا اللسان وتستوعبه؟ أم نحتاج إلى قرار سياسي لفرض هذا اللسان، أو حتى تقديمه في المناهج وتدريسه للأطفال منذ السنوات الأولى، حتى يصبح هذا النهج أو هذه الآلية، آلية اللسان في متناول الجميع، وبالتالي يستطيع الفرد العربي أن يستخدم اللغة في مجالات أوسع مما كان يستخدمها فيه؟
بدر: مع العلم أن اللغة القرآنية ليست هي اللغة البشرية.
باسم: بالضبط.
بدر: ما ندرسه في مواد معينة؛ تدريس قواعد اللغة العربية أو النحو العربي، هذه في الخطابات البشرية، بينما النص القرآني يختلف عن ذلك. اللغة القرآنية متفردة والنحو القرآني متفرد أيضًا، إذا قمت بتطبيق ما تعلمته من تطبيقات -عفوًا- على الخطابات البشرية وقمت بتطبيقه على النص القرآني…
باسم: ستخرج بنتيجة سيئة.
بدر: ستخرج نتيجة عكسية.
باسم: وهذا يبدو يدفع البعض على القول إن اللغة العربية، أو ما مستخدم من مستويات اللغة الحالية في المتداول عند العرب، هي عاجزة أن تفهم مقاصد النص، لأنها لا تستخدم آلية اللسان العربي المبين، أو لا تستخدم القراءة البنيوية في النص.
بدر: لأن المنطلق هو النص، وبالتالي علينا أن نستخرج الآليات، آليات النص من القرآن نفسه، ونسميها الآليات القرآنية وليس من خارج النص. تلك تجارب لغوية يومية. هل يمكن أن نفهم مثلًا النص القرآني بلغة دارجة يومية…
باسم: بالتأكيد لا.
بدر: أو بلغة… أو بلغة معينة أو بلهجات معينة؟
باسم: بالتأكيد لا.
بدر: النص القرآني بما أنه يخاطب العالمين، علينا أن نجد هذه اللغة القرآنية التي تخاطب العالمين، تخاطب فينا العقل وتخاطب فينا الوجدان، والأهم من ذلك تخاطب فينا هذا الجانب الإنساني الروحي، لأنه وحده يمكن أن نصير ذاك المؤمن وذاك الذي يسير إلى الله.
أما تدريس اللغة القرآنية منذ الطفولة في المدارس، المناهج، أعتقد هذا يحتاج إلى إرادة سياسية قوية، وإلى خبراء في مجال البيداغوجيا، وهل يمكن أن تناسب هذه اللغة للأعمار؟ ولكن تجديد المناهج لا بد أن تكون له إرادة سياسية.
كيف يُنتزع النص من سياقه؟
باسم: عودة إلى خطاب التطرف، هل توجد علاقة لسانية ما بين عدم قراءة القرآن لسانيًا وقراءته مثلًا بالرواية أو حسب الفقه التراثي القديم؟
بدر: الخطاب المتطرف…
باسم: هل التطرف نتيجة عدم قراءة القرآن لسانيًا أو بنيويًا؟
بدر: يمكن أن يقرأ التطرف قراءة لغوية، ولكن قراءته قراءة انتقائية، هو يبحث عن شواهد أو عن حجج من النص القرآني ما يناسب فكره وما يناسب هدفه. على مستوى الخطاب المتطرف نجد كثيرًا من الاستشهادات بنصوص قرآنية منزوعة من سياقاتها.
باسم: منزوعة من السياق، صح.
بدر: أعطيك مثالًا؛ في إحدى الخطب يقول: الحمد لله القوي المتين والصلاة والسلام على من بُعث بالسيف رحمة للعالمين. أين أجد هذه الجملة؟ هل لها مصدر في النص القرآني؟ ما أعرفه كمسلم هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث رحمة للعالمين.
باسم: بُعث رحمة للعالمين، كيف بُعث بالسيف؟
بدر: يعني هنا تتوافق اللغة وتصبح اللغة هي أداة لارتكاب جريمة داخل اللغة، فما بالك بالمستمع عندما يسمع هذا الخطاب؟ ونحن نعلم بأن الأفكار تتحول إلى أفعال. ولماذا اختيار “الحمد لله القوي المتين”؟ هل القوة كما يفهمها هذا الخطاب المتطرف كما هي موجودة في النص القرآني؟ أكيد لا.
ما الدوافع النفسية لتبني التطرف؟
باسم: لماذا أصبح هذا المتطرف متطرفًا؟ ما الذي دفع شخصًا أو مجموعة أن تكون متطرفة في قراءتها للنص؟ على أي أساس؟
بدر: بغض النظر عن القراءة المتسلطة للنص القرآني، يمكن أن نعد مجموعة من الأسباب، ربما أسباب نفسية تعود إلى مراحل الطفولة، ربما أسباب اجتماعية، أن هذا الفرد يشعر بالإقصاء والتهميش، وبالتالي يبحث عن أشياء من أجل فرض ذاته، ويجد في الخطابات المتطرفة أو في التيارات المتطرفة أو في الجماعات المتطرفة يجد ضالته، يحاول البروز، يحاول الظهور، يحاول أن يمتلك هذه القوة من وجهة نظره الخاصة.
باسم: ولكن المتطرف عادة كما شهدنا في الكثير من مراحل التاريخ، المتطرفون على الأقل الدينيون أو المتطرفون بفهمهم الديني، يعتبر نفسه أنه يقدم خدمة للدين، ويقول كأنه مختار من قبل رب العالمين أن يكون حارسًا للدين، حتى الكثير منهم يُطلق على بعضهم حارس حمى السنة، أو حارس السنة، أو حارس حمى الإسلام. هذه الألفاظ، من يطلق على نفسه هذه الألفاظ ويعطي نفسه مهمة أنه هو الحارس والحامي، لا بد أن يكون عنده أدوات اقتنع بها. ما الذي جعله يقتنع أنه هو حارس الدين دون غيره؟
بدر: أنا قلت إنه ربما هناك مشاكل نفسية، ربما هناك أيضًا محاولة للظهور، فضلًا عن القراءات للدين بصيغ لا تلائمه. هذه الصيغ الحرفية، قراءة النص بظاهره وحرفيته، يمكن أن تسقطنا بهذا الذي نسميه الغرور، وأنه وحده يمتلك الحقيقة.
باسم: لا، عندما يقرأ شخص ما القرآن بالرأي، بمعنى ما قال فلان وفلان وعلان ةإلى آخره عن القرآن، وهذه القراءات هي قراءات رأي، بغض النظر من صاحبها، يبقى رأيًا. والرأي أيضًا يكون محصورًا في مستواه المعرفي أو في ظرفه الزمني. ألا تشكل هذه القراءات أيضًا مادة من أدوات التطرف عند الآخر؟
بدر: أكيد أن هذه القراءات التوراتية، نسميها القراءات التوراتية للنص القرآني، أكيد أنها تشكل، خاصة وأنها قراءة لم تعايشنا ولا تعرف همومنا المعاصرة اليوم. عندما يقرأ المتطرف القرآن الكريم، فكما قلت هو يبحث عن آلية أو عن ضالة لكي تسمح له بالوصول إلى السلطة، والتي سميتها بالتسلط. بمعنى أنه هنا ينسى النص الأصلي ويذهب إلى التفاسير ويحاول أن يكيفها طبقًا لأيديولوجيته الخاصة.
باسم: أنت تقصد أن المجموعة المتطرفة، سواء كانت حزبًا، أو حركة، أو إلى آخره، أي مجموعة متطرفة لها قراءة خاصة للنص، تسعى إلى الوصول إلى السلطة فقط لفرض ذاتها على المجتمع، أم لفرض رؤيتها على المجتمع.
بدر: ليس فقط لفرض ذاتها ولفرض رؤيتها، بل أيضًا الوصول إلى السلطة، ومحاولة التحكم في الناس، وهذا هو مربط الفرس إن شئنا القول. يعني لن يعود هناك الدين بغرض الرحمة كما أنزل، أو الدين بغرض معرفة حقيقة الإنسان، حقيقة نفسه، أو حقيقة ذاته والسير بسلوكه إلى حضرة الله.
يصبح هنا من أجل الوصول إلى مآرب خاصة، وهي هذا الذي سميته بالتسلط، وفرض هذا الذي يسمونه بالدولة الإسلامية بكذا وكذا. فهي في آخر المطاف هي أهداف سياسية وليست أهدافًا تسامحية وأهداف رحمة.
كيف يواجه التفكير الناقد التطرف؟
باسم: ما هي الحلول الفكرية أو المعرفية التي يجب أن تتوفر في المجتمع للحد من اتساع ظاهرة التطرف؟ ليس فقط في قراءة النص القرآني، في سلوكيات مختلفة كثيرة. المعايير التي يجب أن تصاغ في المجتمع، من مسؤول عن صياغتها؟ إدارة المجتمع؟ مثقفو المجتمع؟ مثلًا المعاهد الأكاديمية؟ معاهد الأبحاث؟ من مؤهل أن يقدم منظومة معيارية توضح للناس أن هذا تطرف فابتعد عنه، وهذا معتدل فاسلكه؟
بدر: مثلًا من بين هذه المعايير من أجل معالجة هذه الظاهرة، يمكن أن نقترح مثلًا تعليم آلية التفكير الناقد. آلية التفكير النقدي، وهي آلية منطقية مأخوذة من صميم علم المنطق، الذي تتأسس عليه أيضًا أفكار في اختلاف الرأي والرأي الآخر، وعدم التوهم بأننا نمتلك الحقيقة. فالناقد دائمًا ودومًا يبحث عن ما يطور من ذاته وما يطور من عقله، ويميز ويوازن ما بين الأشياء، سواء كانت أشياء صحيحة أو أشياء فاسدة.
والتفكير المنطقي أيضًا يعلمنا التعايش والتسامح مع أفكار الآخرين، وهذا ما نحتاجه اليوم في ظل هذه الأوضاع المتأزمة سياسيًا، خلفيات أيديولوجية دينية. نحن نحتاج اليوم إلى هذه الآلية من أجل أن نرى الآخر بأنه يشبهنا، فنحن نوجد، لا نوجد منعزلين عن الآخر أو عن الغير، نوجد دائمًا مع الغير.
إذن، أنا إن قمت بإقصاء الغير، لا أنتظر منه أن يقدم لي جائزة أو هدية، هو أيضًا سيقوم بإقصائي، ولا أنتظر منه أن يعاملني. ففي ظل إقصاء الغير وفي نبذ الغير واحتقار الغير، أو وصفه بصفات أو بمواصفات لا تليق به كإنسان، كهذا البناء الرباني الإلهي…
باسم: تبرر التطرف ضده مثلًا؟
بدر: تبرر التطرف ضده طبعًا. هناك أيضًا إعادة التفكير في مفهوم الهوية، هل الهوية منبعها واحد أم هي هوية متعددة؟ أنا أفتخر بأنني مواطن مغربي، ولكن في نفس الآن لدي مشرب ثقافي متعدد، أنتمي إلى العالم المتسامح شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا. يعني الهوية يجب أن نعيد التفكير فيها من زاوية نظر آلية الرحمة أيضًا، وهي الهوية الراحمة المنفتحة.
كيف ننشر ثقافة الرحمة مجتمعيًا؟
باسم: أنا متفق معك أنه توجد مجموعة أفكار أو أسس معرفية يمكن تقديمها للمجتمع كأسس معيارية، لكن الآلية لتطبيق هذه الأشياء، آلية نشر هذه المعارف… أنت تعرف أن اللسان العربي المبين أحد الآليات، تعتبر أسس الرحمة مثلًا آلية. كيف يمكن إشاعة هذه الآليات في المجتمع؟ ما الآلية التي يجب أن نوصل هذه المعرفة إلى المجتمع بها؟ التلفزيون مثلًا؟ جامعة؟ مدرسة؟ قرارات حكومية مثلًا؟ كيف؟
بدر: الآلية المنتشرة اليوم الجمهور…
باسم: أنت ذكرت مثلًا توحيد نظام الخطبة في الجمعة، هذه إحدى الآليات التي تستخدم لضبط مثلًا سلوكيات الناس أو معارفهم حول مسألة محددة ما، يعني توجيه محدد مركزي من قبل الدولة في هذه الزاوية. لكن على المستوى العام، أنت تحارب ظاهرة، وهذه ظاهرة موجودة في كل المجتمعات، والتطرف في كل شيء موجود. ما الآليات الفضلى التي يمكن استخدامها لإيصال هذه المعرفة التثقيفية للإنسان ونقول له: هذا تطرف وهذا غير متطرف، هذا حسن وهذا قبيح. كيف تريد أن تصل للناس العاديين؟
بدر: لكي نخاطب جمهور الناس أو ما سميتهم بالناس العاديين، علينا أن نخاطبهم بلغتهم أو بالوسائل التي يعتمدون عليها. وأعتقد هنا دور وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة وأننا نلاحظ أن وسائل التواصل الاجتماعي فيها كثير من الصفحات المتطرفة.
باسم: لا شك طبعًا، هم منتشرون، أكيد.
بدر: بالتالي فالاعتماد على هذه الآلية يمكن أن يساعدنا في توصيل رحمة النص القرآني ورحمة الإسلام العالمي إلى هؤلاء الناس المتواجدين “أونلاين”، ما يسمى “أونلاين”.
كيف نحاور أصحاب الفكر المتطرف؟
باسم: أنت ذكرت بداية إحدى الخطب التي سمعتها، يحمد الله الذي أُرسل بالسيف، النبي عليه الصلاة والسلام. لو تسأل هذا الشخص، سيقول لك إن الإسلام رحيم وهذا جزء من الرحمة. يعني جزء منه يقول: أنا أحارب فلانًا لأنه خارج نطاق الرحمة التي يجب أن تشمله، لأنه كافر، لأنه يخرج عن الملة، فهو بالنسبة له يمارس الرحمة. كيف تقنعه أنك تمارس القتل؟
بدر: أقنعه بالحوار، يمكن أن أتحاور معه بإعطائه فرصة للتفكير، “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” [القمر: 17].
باسم: تستخدم الفلسفة والتسامح في مجابهة التطرف. كيف يعني؟
بدر: التسامح هنا بمعناه إذا حاولنا أن نقوم بتطبيقه مع جمهور الناس، فهو لا يعني السماح، أن أتسامح معك بمعنى أن أقبلك على ما أنت عليه، وليس لي الحق في أن أدمرك، لأني أنظر إليك على أنك بناء الله، ولأنك خلق من مخلوقات الله.
باسم: يعني قد يسألك أحد مثلًا كالتالي، وأنا سأسألك كالتالي: أنت تحاسب الإنسان كما هو. لكن يوجد لص يجب أن تحاسبه كما هو؟ توجد معايير يجب أن تطبق على محاسبة الناس. يعني توجد mechanism (آلية) للمحاسبة، للجزاء أو للعقاب يجب أن تكون موجودة. قبول الناس على علاتهم لا يعني تسامحًا هذا، يجب أن ينضبط الناس ضمن مسلك رحموي –دعنا نسميه- يسالم الناس والناس يسالمونه حتى تقبل الناس كما هم. يعني لا تقدر أنت أن تحضر شخصًا لصًا وتقول له: أنا أقبلك كما أنت، وبالتالي أنا سأحافظ عليك كما أنت. هذا ردًا على ما تقوله.
بدر: هناك قانون، هذا اللص إذا ارتكب جريمة أُخضِعُه للقانون، لمؤسسات الدولة.
باسم: أكيد سيخضع للقانون.
بدر: يعني لا يمكنني أن أطبق هذا القانون كفرد أنا كمواطن، وإلا سندخل هنا في الفوضى. وهذا ما تحاول بعض الجماعات أن تفرض قانونها الذي تعتقد بأنه مستمد من النص الديني على الناس. هنا يسقطون في جرائم، هنا يسقطون في الدعوة إلى الله، وإلا كيف سنفهم الآيات القرآنية، يعني عشرات الآيات، من بينها قول الله سبحانه وتعالى: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” [النحل: 125]؟
هنا أعود بك إلى الخطبة والصلاة والسلام على من أرسل بالسيف، أين هو السيف هنا؟ والنص القرآني يقول: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ…” الخطاب موجه إلى النبي، نبي الرحمة: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ” [الأنبياء: 107]، بمعنى هنا هي مسألة…
باسم: يعني هو بهذه الخطبة يعارض نصًا قرآنيًا صريحًا.
بدر: صريح. إلا من أبى من الجمهور ولا يفهم، فذلك شأنه، فعليه أن يجتهد؛ لأنه من جهة أخرى، نحن مطالبون بالتدبر والتفكر في آيات الله وفي خلقه، وفي النظر إلى الناس على أنهم يتساوون معنا في الوجود. أما الرجوع إلى النص وتطبيق هذا النص كما هو على الناس فهذه جريمة. لأنني سأسقط هنا، كما قلت قبل قليل، في قراءة انتقائية؛ أنا أذهب وأنتقي بعض الآيات لكي أُكيِّفها أو أُسَيِّقها، وأقوم بليِّ عنقها مع ما أريده من الخطاب، من أجل التسلط عليهم، ومن أجل إظهار أن هذا هو الحق. وكل من يريد أن يخرج من هذا الحق كما أرسمه، فهو إذن كافر وخارج من الجماعة، وبالتالي يستباحون…
هل يحتاج الدين لمؤسسات تديره؟
باسم: أسأل سؤالًا أرجو أن لا يُرى كأنه تعدٍ على ما هو موجود من مؤسسات؛ هل هناك ضرورة أن يكون للدين مؤسسة؟ هل هناك ضرورة أن تكون هناك هيكلية لشيء نسميه يمثل الدين؟
بدر: إذا كانت مؤسسة تنبني على أسس ومن منطلقات الحفاظ على حقوق المواطنين فأهلًا وسهلًا، أما إلغاء هذه المؤسسات وقيام مؤسسات أخرى طبقًا لأيديولوجيا فهنا ستصبح هذه…
باسم: ألا توجد معايير قرآنية مثلًا تحدد أنه إذا سيكون هناك مؤسسات للدين يجب أن تكون على هذه المعايير القرآنية؟ هل هناك معايير قرآنية مثلًا؟
بدر: هذا يدخل في باب الاجتهاد ورسالة العلماء أن يطوروا من نظرتهم، ويطوروا من اجتهاداتهم، وأن ينفتحوا على قراءات جديدة وقراءات متعددة معاصرة للنصوص الدينية، خاصة في القرن الأخير منذ عصر النهضة في مصر وفي المغرب وفي تونس ومجموعة من البلاد ومن الدول. إذن هناك مسؤولية للعلماء أيضًا الذين يشرفون على هذه المؤسسات، وأعتقد أن توحيد خطبة الجمعة هي سابقة في التاريخ فهي تمنع…
باسم: لا شك هي توحيد لموقف ما أو لقول ما، لكن هذا ليس كل شيء، هذا لا يحارب التطرف، هذا لا يمنع تولد التطرف، يعني قد تمنعه في فترة زمنية ما ولكن سيطفو على السطح ثانية، لأن عوامل وجود التطرف موجودة. أنا في رأيي، عدم وجود آلية كاملة معممة ومعروفة للجميع وموجودة في كل مؤسسات المجتمع لكيفية قراءة النص، ستظل إمكانية ظهور تيارات تقرأ النص بتطرف فهمي مختلف قائمة. نحن نريد أن نحد من هذا التطرف الذي هو يعتمد على قراءة خاصة بالنص، كيف نريد أن نعمم للناس أن نحد أو نجفف منابع التطرف كما يمكن القول؟
بدر: عن طريق التواصل معهم بأبسط السبل وأبسط الطرق. ذكرت قبل قليل وسائل التواصل الاجتماعي، وأيضًا هذه المناهج التي تدرس يجب أن نعيد قراءتها بما يتناسب مع هذه القراءات الجديدة للنص.
هل تكفي آليات النص لفهمه؟
باسم: نقطة صحيحة أنا أتفق معك دعنا نفسر أكثر، أن العقل المتطرف أو التيارات المتطرفة أو القراءات المتطرفة في المجتمعات الإسلامية بغض النظر عن شكلها وأشكالها ومستوى التطرف الذي فيها، لكن لأنها تعتمد على قراءة خاصة بها، تعتمد على قراءة الرأي، ولا تتدبر القرآن ولا ترتله وفق الآلية الخاصة به، هي كما أنت ذكرت تجتزئ الآيات من سياقها، وبالتالي تعطيها معاني أو تسقط عليها معاني لها علاقة بها مرات لها علاقة بالسياسة، لها علاقة مثلًا بالفهم بالمستوى المعرفي السائد عند المجتمع. ألا ترى أن تحديد آلية حتى ترتيل الآيات القرآنية وتدبرها ومن ثم استنباط المعارف أو المعاني منها، أنه يجب أن تكون جزءًا من آلية محاربة التطرف الفكري؟
بدر: نعم هذه آلية من الآليات كما قلت قبل قليل، آلية من الآليات، آلية الترتيل وآلية اللسان العربي، ولكن أنا أركز على آلية الرحمة، لأنه حتى القراءات التي نقدمها اليوم، سواء كانت آلية لسانية أو تأويلية من مناهج من مختلف المشارب المعرفية، هي راهنية لظرفيتها اليوم، ولا يمكن أن نحكم عليها على أنها حقيقة مطلقة أيضًا، وإلا سنسقط في نفس الإشكال وفي نفس المشكل. بمعنى أن الآليات هي اليوم لزمانها، ويمكن غدًا أو بعد مرور سنين… النص القرآني يا دكتور باسم هو نص خالد لأنه كلام الله، وبالتالي السؤال المطروح هنا: هل يمكن أن نجد الآلية التي تناسب هذا الخلود للنص القرآني؟
باسم: القرآن يتحدث عن ذاته: “أنزلناه بلسان عربي مبين، وأن القرآن فصل بعضه بعضًا، فهذه الآلية موجودة. وتوجد آلية الترتيل وآلية التدبر وآلية الاستنباط، يعني توجد ملامح واضحة للآلية لأن تكون آلية دائمة وليست مجرد زمنية أو تتبدل من زمن إلى آخر. هذه الآلية موجودة في النص القرآني، في بنية النص.
بدر: ولكن هذه آلية واحدة من جملة الآليات.
باسم: هو ليس لازمًا أن يكون لدينا جملة آليات، إذا كان عندنا مثلًا آلية لقراءة النص بالرأي أو بالحديث موجودة.
بدر: ويمكن أن نستثمر آليات أخرى وهي الآلية السيكولوجية أو الآلية الاجتماعية، أو الآلية الأنثروبولوجية، أو الآليات المعرفية هكذا، أن نركبها ونقوم بقراءة هذا النص.
باسم: ولكن ألا توجد عندك آلية داخلية في النص نفسه؟ لماذا نحتاج إلى اختلاق آليات أخرى؟ عندك آلية تسمى آلية اللسان العربي المبين، التي تعتمد على كيفية ترتيل القرآن وتدبره، ومن ثم استنباط الأحكام أو المعارف الموجودة فيه. هذه موجودة.
بدر: نعم.
باسم: أميل أنا إلى أن الخطاب المتطرف دينيًا هو نتيجة غياب فهم هذه الآلية عن هذا العقل المتطرف، أو عن هذا الشخص المتطرف. هو لو طبق هذه الآلية لا يمكن أن يخرج بفهم متطرف للنص، لأن النص غير متطرف، النص غير دموي، النص رحموي.
بدر: آلية الرحمة يعني ممكن أن نستشفها من آلية اللسان العربي المبين، كما فهمت من تدخلك.
باسم: نعم صح.
بدر: نعم صحيح، لكن أحاول أن أفهم النص القرآني على أنه نص مقدس ونص خالد، وأنظر إلى الآلية اللغوية على أنها هي اجتهاد بشري، وإلا سنسقط في نفس الإشكال. أنا قرأت النص بآلية لغوية صحيح، وهذه القواعد التي قمت بتطبيقها هي قواعد أنا وضعتها، هو في باب الاجتهاد، يمكن أن تسمى كذلك اجتهادًا، أو تسمى تدبرًا، أو تفكرًا في النص القرآني. ولكن إن أنا أصررت على تأكيدها وعلى ترسيخها كآلية وحيدة لقراءة النص القرآني، أعتقد أننا سنسقط في نفس الإشكال. أننا سنقصي مجموعة… ماذا إن ظهرت مع تطور العلوم ومع تقدم الآليات التي يجتهد العالم في إنتاجها، ماذا لو ظهرت هناك آلية أخرى لقراءة النص القرآني؟ أليس مسموحًا لي بأن أقرأ بها النص القرآني نفسه؟
باسم: نحن لا نريد الارتجال في صناعة آليات، نحن نعتمد على ما موجود في النص من هذه الآليات، وهذه الآليات مذكورة في القرآن. أسس هذه الآلية موجودة، مذكور اللسان العربي المبين، مذكور الترتيل، مذكور التدبر، مذكور الاستنباط، وأن القرآن يفصل بعضه بعضًا وآياته مفصلات. كل هذه الآيات موجودة، وأنه مجرد ما تقوم بعملية ترتيل موضوعي للآيات ذات الموضوع المتشابك أو الواحد ستصل إلى نتيجة مذهلة. أنت لا تحتاج أن تدخل آليات من خارج النص لقراءة النص. ولهذا القرآن كلام مقدس بمعنى فعاليته دائمة، في أي تغير للمستوى المعرفي ستجد أن القرآن يتجاوب مع هذا المستوى. يعني هو دائمًا يعطيك، ولّاد للمعاني طالما أُحسنّا استخدام آلية التدبر وآلية اللسان.
بدر: يعني تبقى الإشكالية هنا هي حُسن استخدام هذه الآليات.
باسم: المستوى المعرفي هو الذي يحكمهما…
بدر: هذه حكمة أن نقرأ القرآن الكريم بعين الحكمة وليس بعين التشدد أو التطرف، ويجب أن نتسامح مع المجتهدين. وهذه نقطة أساسية يا دكتور باسم؛ أن من أتى بقراءة لا أسميها جديدة ولكني أسميها متجددة، لأنها جديدة مقارنة مع القديم…
باسم: يجب التسامح معها، صح.
بدر: هي قراءة متجددة، القرآن حقائقه يعني ليست ثابتة في زمن محدد، بوصفه نصًا خالدًا فهي حقائق وهي أيضًا خالدة. وإذا اكتشفت آلية من هذه الآليات، على الآخر أو على هذا الجمهور أن يكون متسامحًا وأن يقبل وأن يناقش بالحوار والتسامح والتعايش، وإلا سيمر إلى التسلط والإقصاء، وإلا سنسقط جميعًا في هذا التخلف التاريخي الذي نحاول أن نجد له مخرجًا، في نفس الدوامة الدوران في حلقة مفرغة.
باسم: دكتور شكرًا لك، أنا استمتعت بالحوار معك. للأسف الوقت يداهمنا، شكرًا لك. إن شاء الله نلتقي في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.
بدر: إن شاء الله دكتور باسم، وشكرًا لك.
باسم: شكرًا لكم وإلى اللقاء.
