Skip to content Skip to footer

نحو فهم اقتصادي ومعرفي جديد للقرآن | د. وائل كريم

مقدمة

باسم: أنت تقول: إن كلمة ربا في القرآن فُهِمَتْ.

وائل: اعتمادًا على الكلمة المشابهة في اللغة العبرية.

باسم: اعتمادًا على لفظة مُشْتَبِهَة في التلمود.

وائل: نعم، كلمة “ربيت”.

باسم: بمعنى نفس المعنى المستخدم في النص.

وائل: والآن هذا هو المعنى الدارج.

باسم: دعنا نفك الارتباط ما بين المفهومين؛ الربا في القرآن، كلمة ربا من الرَّبْو، رابية، يربو، رب، إلى آخره، الرب الزيادة في الشيء.

وائل: الزيادة في الشيء، ولكن بشرط. قلنا دائمًا بأن المعنى يجب أن لا يتحدد من خلال معنى الكلمة الحرفي دون الأخذ بالاعتبار السياق. الربا بالمفهوم العام ما يربو، أي يزيد. إذًا هو ليس قرضًا عاديًا، وإنما قرض فيه زيادة. هذا القرض يُعطى لمن؟

باسم: للفقير.

وائل: للفقراء. إذًا أنا أعطيت للفقراء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض. هو لا يستطيع ضربًا في الأرض.

باسم: هو فقير أصلًا، لا يملك.

وائل: لا، هو لن يستطيع سداد القرض. إذًا ما هو هدفي من إعطائه القرض أولًا؟ هو الاستغلال والابتزاز.

باسم: نقصد عبودية مثلًا؟

وائل: الربوبية، أنا أصبح ربه، بمعنى أنا مسيطر عليه سيطرة كاملة. استعمال هذه الكلمة “الربا” هي فيها عبرة رائعة بالفهم القرآني؛ بأن الله سبحانه وتعالى استعمل بالذات هذه الكلمة، وليس “الزيادة”.

 

ما أهمية القروض؟ وهل هي الربا؟

باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور وائل كريم، فلسطيني الأصل، وباحث في الاقتصاد، ومحامٍ أيضًا بالمهنة.

وائل: صحيح.

باسم: ومفكر إسلامي، أنت كذلك.

وائل: أحاول قدر الإمكان.

باسم: لفت انتباهي في كتابك “ما بين الماضي والحاضر: الفهم التشخيصي والمجرد للقرآن الكريم”، هناك مجموعة مواضيع كثيرة ممتعة في الحديث حقيقةً، لكن لفت انتباهي في الباب العاشر عندك مفاهيم اقتصادية وتجارية التي تربط فيها بين المفهوم القرآني ومفهوم المعاملات التجارية والاقتصادية التي نحن، أي البشر، يمارسونها في حياتهم اليومية. عندك مثلًا مجموعة من العناوين الفرعية، مثلًا عن مفهوم الربا، الأكل، وتوزيع الرزق، والحاكمية، وقوانين الاقتصاد. كيف توصلت إلى هذا الربط؟

وائل: هو أساسًا الحاجة إلى فهم وتوافق ما بين ما نعلمه الآن من نظريات اقتصادية، ومن تراكم معرفي حول حاجة الإنسان لقوانين اقتصادية تدير أموره، وكون القرآن هو تشريع، أو كتاب الله سبحانه وتعالى هو تشريع، ورسالة سيدنا محمد هي تشريع. لا يمكن أن تتغاضى عن موضوع مركزي.

باسم: هو جزء من حياة البشر والمجتمعات.

وائل: طبعًا، ولا يمكن إدارة حياة الإنسان دون أن يكون هناك تطرق واحد للقوانين، التعاملات الاقتصادية، ووضع حدود معينة لهذه التعاملات، وأيضًا أن تتوافق بشكل أو بآخر مع الفطرة الإنسانية، ولا يمكن أن تتعارض معها بحيث تتحول الأحكام التي ورثناها إلى مشكلة كبيرة تواجه مجتمعاتنا الإسلامية المختلفة. وهذا ما واجهته أنا نفسي، في ممارستي للعمل الاستشاري الاقتصادي. واجهت هناك مشكلة أولًا في مفهوم الربا. هل هو الربا كما وصلنا؟ وهل هو فعلًا كما هو؟ وإذا كان كذلك، فبالتالي سوف يتحول إلى معضلة كبيرة اقتصاديًا يواجهها كل إنسان، وبالتالي، يتحول إلى مجتمع أرستقراطي طبقي فيه إما أن تكون غنيًّا وإما أن تكون فقيرًا.

باسم: هذا كله ينعكس نتيجة فهم سيئ

 أو فهم حسن.

وائل: طبعًا، نعم، طبعًا. ، انظر مثلًا إلى مفهوم الربا على أنه هو الزيادة على رأس المال في القرض. ، هذا هو المفهوم الشائع لدى الناس، بأن الربا هو الزيادة التي تُدفع على القروض. إذًا، كل قرض الآن في مجتمعنا الذي نحن نعيش فيه غير ممكن. ما دام الزيادة عليه غير ممكنة، هو طبعًا البنك لا يعطيك لأنه هو يريد.

باسم: لن يعطيك قرضًا حسنًا، أن يقول لك: تفضل.

وائل: ، يقول لك: أعد لي، وأنت تريد، وهكذا، لن يكون؛ لأنه هو أصلًا أخذ المال من أحد، استثمر المال عنده، ويريد أيضًا عائدًا عليه، فبالتالي هو وسيط، البنك هو ليس إلا وسيطًا ماليًّا، بين المقرض والمقترض، بين صاحب المال وصاحب الاستثمار أو صاحب الفكرة، وهذا هو أهم عنصر وأساس في أسس التطوير الاقتصادي في عالمنا اليوم.

هناك أناس لديهم نقود، ولديهم أموال، وهناك أناس لديهم أفكار، فيجب أن يكون هناك وسيط يوصل بين الطرفين، وإذا أراد أن يكون الوسيط، يجب أن يأخذ.

باسم: عمولته.

وائل: عمولته أو أجره.

باسم: أو أجره.

وائل: هذا شيء منطقي وطبيعي، فبالتالي، كيف يُعقل أن نمنع الناس من اتخاذ القروض التي هي مصدر أساسي، وهي أساس في الاستثمار؟ ، لا يوجد هناك استثمار بدون أن يكون هناك قروض.

انظر إلى تحريم قروض الإسكان، ، عندما نسمع أن فلانًا يريد أن يقترض من أجل أن يمول شراء بيته، فالشيخ يقول له: ما دام لا تملك نقودًا، استأجر. أنا أتخيل النتيجة التي ستكون، النتيجة التي ستكون أن المجتمع سينقسم إلى قسمين: قسم هو صاحب أو القادر أن يبني بيوتًا، وقسم مستأجر عند هؤلاء. ، عمليًا، تحولنا إلى مجتمع إقطاعي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، أن هناك مجموعة مسيطرة سيطرت سيطرة كاملة على مجموعة أخرى، وهذه هي الربوبية التي سوف نتحدث عنها في اكتشاف مفهوم الربا.

باسم: لأن هذا حاليًا، كثير من الشركات العقارية الكبيرة الضخمة، مثلًا، حتى في الولايات المتحدة، تحاول أن تشتري أكبر عدد ممكن من البيوت لإسكان أكبر عدد ممكن من الناس، وبالتالي هي المالكة، وهؤلاء المستأجرون.

وائل: نعم، صحيح، وهذا هو إسقاطاته على المجتمع، على مستوى، ، البنية المجتمعية، هو خطير جدًا. هو ليس فقط له تداعيات اجتماعية سلبية جدًا، وإنما تجبير مفهوم الرأسمالية والطبقية بحيث لا يمكن إخراج هذا المجتمع من هذه الوضعية؛ لأنه، ، بالتالي، هذا الإنسان المستأجر..

 

ما هو الربا المحرم في القرآن؟ وما علاقته باليهودية؟

باسم: ، ما هو الربا المحرم في القرآن الكريم؟

وائل: هذا هو المصدر.

باسم: في القرآن الكريم: “لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً”.

وائل: صحيح، أولًا، دعنا نستعرض الربا كيف جاء في القرآن، هو جاء في معرض آيات تتحدث عن الفقراء بشكل واضح. الله سبحانه وتعالى يقول: “لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ”. (273) البقرة. تخلص الآية، لم أرَ الخبر بعد، يأتي الخبر في الآية الثانية، تقول: “الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)”. حسنًا، هذه الإمكانية الأولى.

أما الإمكانية الثانية فتأتي في الآية التي تليها، آية 276 من سورة البقرة، التي تقول: “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ”. إذًا، هذه الثلاث آيات تتحدث عن كيف نتعامل أو كيف يجب أن يتعامل المجتمع مع الفقراء “الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ”. لا يستطيعون ضربًا في الأرض، ليس لديهم إمكانية لإعالة أنفسهم، أو ليس لديهم إمكانية ليقوموا بمهامهم الوظيفية، وبالتالي هناك إمكانيتان: إما أن تعطيه صدقة، “يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً”، أو تعطيه قرضًا.

باسم: أين ذُكر القرض في الآية؟

وائل: في الآية تتحدث عن الربا، نحن نريد أن نرى ما هو مفهوم الربا. هو الإمكانية الأخرى، أنت إما تعطي صدقة أو أن تعطيه ربا أو تعطيه صفقة فيها ربا، حسنًا، تعال نفهم ما هو الربا؟ هو الإسقاط اللغوي الذي جاء من اليهودية بشكل خاص، التي لديهم كلمة “ربيت”، “ربيت” تعني ربا، بالمفهوم اليهودي التوراتي، الربا هي الكلمة التي تُرجمت من اللغة العبرية بشكل مباشر، وليست فائدة.

باسم: تُرجِم اللفظ أم تُرجِم المعنى؟

وائل: اللفظ، هي جاءت بلفظ مشابه للفظ المستعمل لدى اليهودية، وهو “ربيت”. اسمع الأحرف: ربيت. فاعتقد العرب أن الربا هي “الربيت”، وبقوا على هذا المعنى دون أن يكون هناك أي بحث لهذه المعاني.

باسم: دعني أفهمك، أنت تقول: إن كلمة ربا في القرآن فُهِمَتْ اعتمادًا..

وائل: اعتمادًا على الكلمة المشابهة في اللغة العبرية.

باسم: اعتمادًا على لفظة مُشابِهَة في التلمود.

وائل: نعم، التي هي “ربيت”.

باسم: تُلفظ “ربيت”.

وائل: نعم، تُلفظ “ربيت”.

باسم: بمعنى، نفس المعنى المستخدم في النص.

وائل: والآن هذا هو المعنى الدارج.

باسم: دعنا نفك الارتباط ما بين المفهومين، الربا في القرآن، كلمة ربا من الرَّبْو، رابية، يربو، رب، إلى آخره، الرب الزيادة في الشيء.

وائل: الزيادة في الشيء، ولكن بشرط. قلنا دائمًا بأن المعنى يجب أن لا يتحدد من خلال معنى الكلمة الحرفي دون أخذ بالاعتبار السياق. إذًا، الربا بالمفهوم العام هو ما يربو، أي يزيد. إذًا، هو ليس قرضًا عابرًا، وإنما قرض فيه زيادة. هذا القرض يُعطى لمن؟

باسم: للفقير.

وائل: للفقراء. إذًا، أنا أعطيت للفقراء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض. سؤال: هو لا يستطيع ضربًا في الأرض، أنا أصلًا عارف مسبقًا.

باسم: هو فقير أصلًا، لا يملك.

وائل: لا، هو لن يقدر أن يسدد القرض. إذًا، ما هو هدفي من إعطائه القرض؟ هو الاستغلال والابتزاز. أنا عندما أعطيك قرضًا وأنا أعلم أنك لن تعيد لي، ماذا سيحدث؟

باسم: تكون عبدًا له، صحيح؟

وائل: هو طبعًا، ، الابتزاز بكل أشكاله البشعة التي نعرفها، وللأسف حتى مجتمعات مسلمة كثيرة تتعامل بهذا المفهوم. حتى أن أناسًا يعتقدون بأنهم لا يعارضون الدين بما يفعلون، ويقومون بسداد دينهم عن طريق الابتزاز، والابتزاز هو الربوبية بعينها. عندما نقول بأن الربا هو الزيادة في الشيء، ولكن في محيط شروط فيها المقترض هو فقير، إذًا، نتحدث عن الربوبية، وليست أي زيادة في الشيء.

باسم: نقصد عبودية مثلًا؟

وائل: الربوبية هو أصبح ربه، بمعنى أنا مسيطر عليه سيطرة كاملة.

باسم: وأنا أصبح عبدًا لك.

وائل: طبعًا، الفهم. استعمال هذه الكلمة “الربا” فيه عبرة رائعة بالفهم القرآني، بأن الله سبحانه وتعالى استعمل بالذات هذه الكلمة وليس “الزيادة” في القرض. لو كانت هي زيادة في القرض، كان التعبير عنها بسيطًا جدًا، ولا يحتاج إلى استعمال كلمة خاصة. إذًا، هذا اللفظ، قرب هذا اللفظ من مفهوم الربوبية هو الذي أوصلني إلى هذه النتيجة. عندما استعمل الله سبحانه وتعالى هذا اللفظ، هو يريد أن يفهمنا بأن من هذه الزيادة تنتج ربوبية أو تنتج سيطرة وينتج، طبعًا، ما بعد ذلك كل موضوع الابتزاز المتعارف عليه. إذا ما استعرضنا أمورًا كثيرة أخرى.

 

كيف انتقل المفهوم التلمودي للإسلام؟

باسم: قبل أن نستعرض، أريد أن أفهم فقط جزئية؛ كيف انتقل؟ ما هو الفهم التلمودي لكلمة “ربيت”؟

وائل: الفهم التلمودي لكلمة “ربيت” هو زيادة في القرض.

باسم: نوع الزيادة أين كان هنا؟ هل زيادة، نسبة الزيادة محددة أم ضعفها؟

وائل: كل زيادة في القرض عند اليهود في التلمود تعد “ربيت”.

باسم: بدون تحديد..

وائل: بدون تحديد.

باسم: النسبة؟

وائل: بدون تحديد، ولكن طبعًا.

باسم: هل ممكن أن تصل إلى الضعف مثلًا؟

وائل: لا، هو لكي نفهم، نحن، المشاهد يعرف ما هو التلمود. التلمود هو اجتهادات لحاخامات وكهنة يهود، وليس التوراة، وهذا الاجتهاد يُستحدث من فترة إلى أخرى. دائمًا يأتي حاخام جديد ويكتب ما يسمونه هنا “مصطلح عبري” أو “فتاوى جديدة”، التي فيها يقوم بتحديث للفتاوى أو للأحكام الشرعية المختلفة. وهذه صفة يهودية تحدثنا عنها سابقًا، بأنه هي ما ميز أو تميز بها اليهود بأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أولياء.

باسم: أو ما وصف اليهود.

وائل: نعم، صحيح، وهذه هي صفة لليهودية. وذلك أن التلمود أصبح هو مصدر تشريعي للمسلمين، هذا هو الخطير في الموضوع، بأن نأخذ هذا المفهوم من مكان آخر، ليس هو القرآن. عندما يتحدث القرآن بشكل واضح عن الفقراء، ولا يتحدث مطلقًا عن الاستثمار والاقتصاد وما إلى ذلك. ولذلك هو تحديد “وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ..

باسم: “وَحَرَّمَ الرِّبَا”.

وائل: “وَحَرَّمَ الرِّبَا” (275) البقرة. هو تمييز واضح بأنه إذا كان القرض في مجال البيع، أي في مجال الاقتصاد الاستثماري، إذًا لا يُسمى ربا.

باسم: مثل؟

وائل: مثال بسيط، أنا معي نقود، ولكن ورثتها، ورثت نقودًا. أنت عندك أفكار، عندك اختراع، عندك مشروع. نأتي ونتفق أنه يا أخي، أنا أعطيك النقود وأنت استثمرها. أنا لا أفهم في موضوعك، لا تدخلني في المخاطرة، تربح، تخسر، كذا. أسألك: كم ممكن أن تربح أنت على الاستثمار؟ تقول لي: خمسون بالمئة. أقول لك: حسنًا، أنا لا أريد خمسة وعشرين بالمئة، يكفيني خمسة، ولكن الخمسة.

باسم: مضمونة.

وائل: مضمونة. أنت خذ المخاطرة وأكمل. فجاء الشيخ واخترعوا شيئًا لم أفهم من أين أتى، وهو أنه يجب أن يكون مشاركة في المخاطرة.

باسم: الذي ما يسمونه في البنك الإسلامي أو المضاربة الإسلامية.

وائل: المضاربة الإسلامية. وبعد ذلك، هناك أيضًا موضوع المرابحة، مواضيع مختلفة كثيرة. تقول له: حسنًا، لا بد أن يكون هناك مشاركة في المخاطرة. تقول: نعم، طيب، ممتاز. هل مسموح التأمين؟ أغلب الفقهاء سمحوا بالتأمين. ما هو التأمين إن لم يكن شراء مخاطرة؟ إذًا، لماذا عندي التأمين؟ أنا مسموح لي أن أشتري مخاطرة، وهنا لا. أنا أريد أن أشتري مخاطرة، قل له: حسنًا، أنت تقول 25% ربح، أنا تنازلت عن 15%، أعطني 10، ولكن..

باسم: وأنت خذ المخاطرة بنفسك.

وائل: ولكن أنت خذ المخاطرة كلها.

باسم: كأنه هو اشترى المخاطرة.

وائل: نعم، طبعًا.

باسم: بتخفيض أنت بنسبة الربح الخاصة بك.

وائل: صحيح، هذا هو المنطق. لذلك، مفهوم المخاطرة لم أجده في أي مكان في القرآن، كأنه ما يميز الربا، الربا لا يتميز بالمخاطرة.

باسم: عودة كالتالي: أن الربا هي زيادة.

وائل: الزيادة التي تؤخذ على قروض تُعطى للفقراء.

باسم: دون ربطها، مثلًا، بالاستثمارات.

وائل: كيف نعرف الفقير؟ من لا يستطع ضربًا في الأرض، هذا مستثمر؟

باسم: بالتأكيد لا.

وائل: المستثمر هو الذي لا يستطيع ضربًا في الأرض أصلًا، الاستثمار هو ضرب في الأرض. إذًا، من لا يستطيع ضربًا في الأرض، معناه ليس مستثمرًا، هو مستهلك. إذًا، قرضه استهلاكي وليس استثماريًّا.

تخيل أن الله سبحانه وتعالى يتحدث ويستعمل لفظ “أكل الربا”، “آكل الربا”، اربط بين كلمة آكل والاستهلاك. لذلك، الربا مربوط بشكل مباشر وقطعي مع القروض التي تُعطى للإنسان الفقير الذي لا يستطيع سدادها، أو على الأقل أن تكون هي قروض استهلاكية وليست استثمارية.

 

17:57

تحايلات البنوك الإسلامية

باسم: طيب، فيما يُسمى بالبنوك الإسلامية أو المرابحات، الفقير يذهب إلى بنك يتعامل كما يُقال بنك إسلامي، ويريد أن يأخذ قرضًا، مثلًا، ممكن ليشتري أكلًا.

وائل: يعملونها بمرابحة.

باسم: طيب، هذا هنا مضاد للنص.

وائل: إذًا هو ربا، لأنه تعريفيًا فقير، وشاهد عائلات كثيرة وقعت ضحية لهذا المفهوم، بأنها تدفع نسب فائدة مرتفعة أكثر لدى البنوك الإسلامية.

باسم: أنا عندي بنك، وعندي أموال آخرين يستثمرها البنك، جاءني فقير، كيف أتعامل معه؟ الأموال ليست أموالي، هذه أموال الغير.

وائل: لا تستطيع أن تعطيه أي شيء مع طلب زيادة، ما دام معلومك المسبق بأنه فقير. أصلًا هي البنوك التجارية، ماذا تفعل؟ تأتي وتعمل لك دراسة، ماذا تسألك: لماذا تريد أن تأخذ القرض؟ هناك بنك تدخل عليه بلندن يقول لك: حسنًا، أي قرض تريد تفضل.

باسم: هناك يسمونه “Personal Loan”.

وائل: نعم، لكنه يكون لديه معلومات مسبقة عن قدرتك على السداد، إذًا هو يعلم أنك لست فقيرًا. يجب أن يفحص، أساسًا. اليوم نرى هناك شيئًا اسمه تصنيف ائتماني، اليوم مصطلح متعارف عليه، هو التصنيف الائتماني، ليحدد هل أنت فقير أم لا، هل أنت قادر على السداد أم غير قادر على السداد. ولذلك صنّف الناس حسب القدرة على السداد. إذا لم تكن لديك قدرة على السداد، ستكون ضحية للابتزاز قطعيًا، وهذا هو الربا.

باسم: البنوك ليست محددة لإقراض الفقراء.

وائل: لا، بالعكس، البنوك التجارية تتعامل بصورة إسلامية صحيحة مئة بالمئة حسب القرآن.

باسم: البنوك التجارية؟

وائل: نعم، طبعًا.

باسم: لكن لا تقرض الفقراء.

وائل: هي لا تقرض الفقراء. الفقراء يأخذون من الصدقات، ومن الجمعيات، ومن أماكن مختلفة. ولذلك هذا الباب موجود في الآية الأولى، هذا الباب موجود.

باسم: دعنا نعيد التذكير، لو سمحت، في الآية.

وائل: الآية تقول: “الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً”. الله سبحانه وتعالى قال الفقراء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض، لهم حلان، أو النظام المجتمعي القرآني يعطيهم حلًا، إما قرضًا، وإما صدقة، أو إنفاقًا من الذين ينفقون.

باسم: وإذا كان قرضًا يجب أن يكون برأس المال.

وائل: تمام، هذا هو التحليل.

باسم: ومن سيقدم هذا القرض؟

وائل: الجمعيات، هناك جمعيات، متعارف عليها، التي تعطيه.

باسم: صحيح، هناك جمعيات، صحيح، حتى هناك كنائس تقدم قرضًا حسنًا.

وائل: نعم، صحيح، هذا القرض الحسن، وهذا شيء متعارف عليه، وتبعاته الاجتماعية إيجابية وليست سلبية. هو لا يؤدي بالتالي إلى سيطرة، وهناك نظام كامل في هذا المفهوم، الذي فيه الله سبحانه وتعالى حدد معايير للتعامل مع القرض خلال التعامل. قال: “وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ”. (280) البقرة. تخيل، هذا شيء موجود فقط في الدول المتقدمة الآن، أنه حتى البنك لا يستطيع أن يفعل شيئًا مع المقترض إذا أعلن إفلاسه، وهذا موجود في القرآن. هذا النظام الذي وضع في القرآن الكريم ببضع آيات هو نظام..

باسم: نظام مالي كوني عالمي.

وائل: نظام مالي كامل تتعامل به كل الأمم المتطورة.

باسم: هنا البنك، مؤسسة البنك، أو مؤسسات الإقراض العالمية كلها تدخل في دائرة، “وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ”.

وائل: نعم، لأنه بيع، لأنه تجارة، لأنه تعاملات اقتصادية. ما هو البيع إن لم يكن تعاملات اقتصادية؟ هنا الفهم يجب أن يخرج من المفاهيم الدارجة لمفهوم الربا، لأن نتيجته للأسف هي إنتاج نظام إقطاعي واضح لدى الأمم الإسلامية. الآن، في دول عربية كثيرة نرى بأن الذي معه، معمر عمارات، والناس مستأجرون عنده، ولذلك هذا فقير، ويبقى الوضع على هذا الحال.

ولكن، انظر موضوع قروض الإسكان، كم هو قرض الإسكان؟ هو قرض ممتاز استثماريًا. لا، كل واحد عنده معاشه ألفي دولار، ويدفع 500 دولار، ويعيش، بعد 15 سنة يصبح البيت له، ويصبح تملك شيئًا، يصبح على شيء، يعتمد عليه إن صار معه أي شيء.

ولذلك، بدل أن نشجع القروض التي فيها تطوير لمجتمعنا، وفيها زيادة في مفهوم الاستثمار، يجب أن نغير هذه المفاهيم. لا يمكن أن تبقى المفاهيم على ما هي عليه، لأنه بالتالي نحن نتحول إلى…

باسم: يجب أن نسقط الفهم التلمودي للفظة “ربيت”.

وائل: نعم، صحيح.

باسم: وعدم إلصاقها بالفهم القرآني اللساني للفظة “ربا”.

وائل: والدلائل واضحة من القرآن، السياق الذي تحدث به الله سبحانه وتعالى عن الربا هو سياق الفقراء فقط، وحدّد حتى من هم الفقراء، قال: الذين “لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ”، أكثر من هذا وضوح.

 

هل هناك سقف أعلى للزيادة؟

باسم: إذًا، ما هو الربا؟ الذي “لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً”.

وائل: الأضعاف المضاعفة هي سقف أعلى، بمعنى أن هناك سقفًا أعلى للزيادة التي يمكن أن تأخذها من المقترض. المقترض ممكن يصير في حالة فيها…

باسم: إذا وصل لضعف رأس المال يصبح حرامًا، وأقل من ذلك يظل في إطار البيع والشراء.

وائل: هو مفهوم الحرام، أنا لا أستطيع أن أجزم أنه حرام، هو الله سبحانه وتعالى حذر من ذلك، قال: “لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، هو أمر من الله ألا تفعل ذلك، ولكن..

باسم: فيه النهي ألا تصل إلى الضعف.

وائل: نعم، ألا تصل إلى ذلك هو وضع حدًا لها. الموضوع، السؤال، هل هو تحريم أو عدم تحريم؟ هذا سؤال كبير لا أستطيع أن أدخل فيه، طبعا إطلاقًا.

باسم: إذًا، استسهال استخدام مفهوم اللفظ “ربيت” في التلمود، وإلصاقه باللفظ القرآني.

وائل: هو أشبه بالمؤامرة ليست إلا، هو مفهوم، المسلمون في مرحلة معينة من التاريخ الإسلامي، كانوا يصلون إلى صعوبة معينة في فهم أمور معينة، وخاصة اللفظ القرآني. وبالتالي كانوا يحاولون يتساعدون بملل أخرى وبمصادر أخرى.

باسم: ربما كان نفس المفهوم أو نفس السلوك قائمًا في تلك الفترة.

وائل: نعم، هي أصلًا اليهود استعملوا مفهوم القروض والربا والربيت بهذا المفهوم في مراحل كثيرة من التاريخ، وكان هذا جزءًا من أسلوبهم في التنفيذ أو الاستنفاذ في حضارات مختلفة، وبالتالي، طُردوا من أماكن مختلفة من العالم نتيجة سيطرتهم عن طريق مفهوم الربيت أو مفهوم الربا بمفهومهم، بمفهوم أن يعطوا.

باسم: أو بالمفهوم الذي نفهمه حاليًا.

وائل: وكان هدف القروض دائمًا.

باسم: استعباد الناس.

وائل: هي استعباد الناس وابتزاز الدول والأنظمة.

باسم: حاليًا تُبتز الدول من قبل قروض صندوق النقد الدولي.

وائل: طبعًا، نعم، صحيح، وهذا إذًا عندما يصبح المقترض فقيرًا يصبح عرضة للابتزاز، ولذلك المفهوم القرآني واضح.

باسم: الآن الدول تُبتز من قبل صندوق النقد الدولي.

وائل: صحيح.

 

العلاقة بين الربا ومفهوم الرزق في القرآن

باسم: كيف يمكن ربط مفهوم الربا، مثلا، في توزيع الموارد في قانون الرزق؟

وائل: انظر قانون الرزق.

باسم: إذا كان الفقير غير قادر على الضرب في الحياة، وبالتالي إذًا مصادر رزقه محدودة.

وائل: لا، هو مفهوم الرزق هو مفهوم رائع في القرآن، كل ما أتذكره، تصير لي رعشة. بهذا التناغم الرهيب بين المفهوم القرآني وما تتحدث عنه حتى نظريات الاقتصاد الحديثة الآن. وأنا أتحدث كإنسان لدي معرفة ولو بسيطة في الاقتصاد، هذا هو مجالي، مجالي الأساسي هو مجال الاقتصاد. دائمًا نقول بأنه هناك نظريات كانت بمفهوم تحديد قيمة الجهد. وهذا السؤال كان يتساءله العلماء دائمًا: كيف ممكن أن نصل للعدالة الاقتصادية إذا لم يكن هناك تحديد لقيمة الجهد؟

باسم: الجهد المبذول.

وائل: نعم، وأنت تبذل جهدًا، وأنا أبذل جهدًا، وهو يبذل جهدًا، كل واحد يبذل جهدًا. السؤال: كيف يُقدَّر الجهد؟ هل أنه أنا، مثلًا، مجالي كذا، معناه ساعتي بكذا؟ ما هي المقومات؟

باسم: صحيح، المعايير الموضوعة.

وائل: نعم، المعايير.

باسم: ويبدو لي كل مهنة لها معاييرها الخاصة في تحديد سعة الجهد المبذول.

وائل: صحيح، فانظر آية في القرآن تقول: الله سبحانه وتعالى يقول: “وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)” النحل.

باسم: هل التفضيل هنا؟

وائل: مفهوم التفضيل، التفضيل هو تفضيل وظيفي، بمعنى أن هناك: “وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ”، أن النظام الوظيفي الذي سنّه الله في الكون هو نظام هرمي، هناك عامل، هناك مدير قسم، هناك مدير دائرة، هناك مدير عمل، هناك صاحب شركة. هذا هو البناء الهرمي الذي سنّه الله سبحانه وتعالى في النظام الاقتصادي الكوني.

باسم: هل التفضيل هنا، الله فضل “إكس” على “سين” في موقعه، مثلًا؟

وائل: لا، لا، هو انظر كمالة الآية. الآية تقول: “وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ..”.

باسم: حسنًا.

وائل: “فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ”.

باسم: ما المقصود بذلك؟

وائل: الله سبحانه وتعالى يقول: كوني أنا صاحب العمل، أنا الأجير عندي، ما ملكت أيماني، أنا ما أرد رزق هذا الشخص، أنا أعطيه حقه، من قَدَّر الرزق هو الله، ليس أنا.

باسم: على أي شكل قدر الله رزق الفرد؟

وائل: أولًا، يجب أن نفهم بأن الرزق بمفهومه هو المقابل للجهد. الرزق هو المقابل للجهد. الله سبحانه وتعالى يقول في آية: “وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ”. طيب، هم قتلوا أو ماتوا، كيف يرزقهم؟ يعطيهم مقابل الجهد الذي عملوه، حسنًا رزق. فلان تسأله: أين أنت ذاهب الصبح؟ يقول لك: والله ذاهب أسترزق. ذاهب أشتغل، أعمل على شأن أن آخذ رزقًا، على شأن أن آخذ مقابلًا، ماشي؟ إذًا الرزق هو مقابل العمل.

باسم: مصادر الرزق جهدك.

وائل: لنرى، الله سبحانه وتعالى يقول في الآية الأولى: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ” (22) الذاريات. الفهم، لأول وهلة، هو أن الرزق شيء مكتوب. وأنا شاهد، سآخذ المعروف وخلاص، اجتهدت، لم تجتهد.

باسم: عملت، لم تعمل، اجتهدت، لم تجتهد، فالوقت لك.

وائل: لأول وهلة، وهذا وعد “ما توعدون”. الله سبحانه وتعالى يكمل في الآية التي بعدها ويقول: “فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ”(23). طيب، ما علاقة النطق بالرزق؟

باسم: كون النطق حق.

وائل: كيف هو حق؟ النطق ليس حقًا، هناك من ينطق وهناك من لا ينطق، كيف هو حق؟ إذًا هو وصفه بالحق لكي نصل إلى نظرية رائعة في تحديد مقومات تقدير الرزق أو ثمن الجهد. ماذا تقول؟ قل: إن ثمن الجهد مكون من الزمن (T) (Time)، (S) التي هي المهارة (Skills)، (U) المنفعة الوظيفية (Utility)، عمليًا، المنفعة الوظيفية، أنت تستطيع أن تعمل، لكنك لست.. (R) التي هي ندرة الجهد (Rare)، والتأثير الاجتماعي (Impact) اجمع المصطلحات، وتخيل شخصًا يتحدث، ينطق.

هؤلاء المصطلحات كلها أنت تفحصها، عندما ينطق الواحد. تفحص هل أول شيء النطق، كم تحدث؟ الآن أنا موجود في المقابلة، تحدثت نصف ساعة، ربع ساعة، ثلث ساعة، إلى آخره. حسنًا، أنت تفحص المهارة، وتفحص المنفعة الوظيفية، وتفحص ندرة الكلام.

باسم: أو ندرة التجربة؟

وائل: نعم، التجربة والتأثير الاجتماعي، هكذا تقيم النطق.

باسم: حتى الآن لم تصلني، أتفق معك بالمعايير التي وضعت لتقدير الجهد.

وائل: هذه المعايير، نعم، هذه المعايير نحن كاقتصاديين وضعناها كالمعايير الأساسية لتحديد قيمة الجهد، حسنًا؟ يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أيضًا المقومات، هذا الإنسان يعمل حدادًا، هذا يعمل كذا، فالحداد يقول لك: أنا لكي أصبح حدادًا يجب أن أتدرب سنتين، والدكتور يتدرب سبع سنوات، لكي يصل إلى المهارات، هؤلاء يجب أن تحدد.

باسم: الجهد مختلف.

وائل: ولكن هذا لا يكفي، لأنه يأتي أحدهم ويقول لك: حسنًا، إن شاء الله بسبع سنوات تتعلم، لا يفرق معي، المهم أن تعطيني ما هي المنفعة الوظيفية التي أنت عملتها، قيمة المنفعة. مضبوط؟ يجب أن تعطيني التأثير الاجتماعي لفعلِك.

باسم: نعم، النتائج على المستوى.

وائل: كل هذه الأمور يجب.

باسم: المآل النهائي.

وائل: تمامًا، كل هذه مركبات التقدير لقيمة الجهد. الآن الله سبحانه وتعالى يقول: “فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ”، أنت تخيل كيف عندما الإنسان يتحدث أو يسوق لك شيئًا، الذي هو بالنطق، حسنًا، أنا أعطيك مقابلة، أو محاضرة، كيف تقيمها؟ بهذه المعايير. إذًا الآية تتحدث عن نظرية تقدير الجهد بشكل غير مباشر، بأن هذه هي الطريقة التي بها الله سبحانه وتعالى وضع قانون تحديد الرزق.

باسم: عن طريق النطق.

وائل: عن طريق هذه الاعتبارات.

باسم: هذه الاعتبارات أنا وأنت وضعناها.

وائل: نعم، طبعًا، وضعناها بعد ما وصلنا لهذه الصفوة، ووصلنا لهذا الفهم.

باسم: لا، قصدي النطق، ما علاقة النطق بتحديد..؟

وائل: النطق هو، أنت عندما تعطي خدمة، حسنًا، أنت تعطيها من خلال نطق معين، لكي أنت تعطي محاضرة، تتعلم شيئًا، حسنًا، الآن لكي أقدر الفائدة أو قيمة هذا الجهد، هناك اعتبارات آخذها بالحسبان، هذه الاعتبارات مماثلة تمامًا لمشروع النطق، النطق يقدر..

باسم: لكن ممكن تقدم شيئًا مكتوبًا لا تنطقه.

وائل: حسنًا، هو النطق، ليس بالضرورة أنه عملية اللسان، ممكن أنت تقول: حسنًا، انشر لي الموضوع، أرسله لي مكتوبًا. نعم، قيمته ليست كما هو موجود في بالي وكنت أتحدث. لذلك موضوع الزمن مهم في التقدير، الذي أعطاني إياه، حسنًا؟

لذلك المفهوم، مفهوم تقدير قيمة الرزق بعد كل البحث في هذا الموضوع نصل إلى الزبدة، وهي أن الله سبحانه وتعالى قال لنا إنه هو حدده.

باسم: لهنا نرجع للآية التي هي:

وائل: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ”.

باسم: لا، “وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا..”

وائل: “بِرَادِّي رِزْقِهِمْ”.

باسم: “بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ”، المقصود هنا العمال، أليس كذلك؟

وائل: نعم، “فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ”، هم في الرزق سواء، لأنهم يأخذون الرزق من الله، هو الله سبحانه وتعالى يقدر الرزق للإنسان.

باسم: دكتور شحرور، استنتج من هذه الآية أو استنبط من هذه الآية ضرورة مشاركة العمال في الربح.

وائل: استنتاج جليل، لا أستطيع أن أنقص منه، ولكن المبدأ الأساسي من وراء هذه الآية أن صاحب العمل عندما يعطي الأجرة على…

باسم: يجب أن يتبع هذه “كلمة إنجليزية”.

وائل: نعم، طبعًا، لا، هو ليس لازمًا أن يتبع، أدخل في الاتباع، أقول إن المبدأ الأساسي بأنه هو لا يتفضل أو لا يمنن على العامل، بأنه هو شغله، هذا رزق من الله، وكنت أنت أداة. هذه الآية تقول: “فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ”.

باسم: كله من نعمة الله.

وائل: نعم، طبعًا، فضلتك بالمبنى الوظيفي، بالمبنى الهرمي، أنه أنت صرت صاحب عمل، وهو أجير عندك، هذا لا..بأنك صاحب الرزق، أنت الذي تعطي الرزق، أنت لا تعطي الرزق.

باسم: هنا التعبير “وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ”، هل الله مثلاً اختار أن يفضل أحمد على محمود؟

وائل: لا، لا، هو لا يختار.

باسم: بشيء، مثلاً، أم هو قدم للطرفين عطاءً؟

وائل: لا، هو بنى، هو بنى سنة كونية، تتحدث عن المبنى الهرمي للنظام الاقتصادي في العالم، في الكون.

باسم: وكأن الله فضّل على الناس بما أنعم عليهم، بغض النظر عن المستويات المختلفة.

وائل: طبعًا، ولكن أنه جعلنا بعضكم فوق بعض درجات، هو ليس واحد فوق واحد من ناحية القدر، ولا من ناحية الوظيفة. فبالتالي المفهوم الذي نريد أن نصل له هو أن الرزق، والذي هو تحديد قيمة الجهد، مكتوب.

باسم: مقدر من عند الله.

وائل: مقدر من عند الله.

باسم: تحديد قيمة الرزق المحددة وليس الرزق ذاته.

وائل: نعم، أنا أعمل عندك، أعمل مثلاً حدادًا، عملت لك شغلة، تسويتها حسب الاعتبارات المختلفة، والتي أنت دائمًا تأخذها بالحسبان عندما تأتي لتقدير الشيء. لذلك هي مماثلة لتقدير النطق، كما قلنا، هي موجودة (built-in)، أي موجودة في داخل الإنسان في تقدير قيمة المجهود.

باسم: القدرة على تحديد المعايير لتحديد مجهودك هي من الله؟

وائل: نعم، إذًا، الله يقول: إن القدر، هذه القيمة، وعد من الله، بحيث إنه إذا أنت لم تعطني أجرتي بالقدر الصحيح، الله يعوضني، وأنت الله ينزل من رأس المال الذي عندك، بمعنى…

باسم: لن تفلت إذا أنت خصمت حقي، لن تلقى خيرًا.

وائل: أنا متأكد تمامًا أن الله سيعوضني، وأنت إذا فهمت هذه الآية بهذه الصورة، عندما ترجع تضع رأسك على الوسادة..

باسم: تكون مطمئنًا أن رزقك لن يضيع.

وائل: ترجع تمسك بالمعايير التي تحدثنا عنها، وترى هل أنت أعطيته حقه أم لا، لأنه إذا لا، أنت حتمًا ستخسر، لأن هذا وعد من الله.

باسم: هذا الفهم.

 

ما معنى أن الرزق وعد من الله؟

وائل: هذا الفهم للرزق هو أهم أساس في بناء الاقتصاد السوي، لو الأمة الإسلامية فهمت الرزق بأنه هو وعد من الله بحيث إن قدره محدد من الله، إذًا المعلم يعلم بإخلاص حتى لو كان يعلم أن المدير لا يعطيه حقه، والمعلم إذا لم يعلّم بإخلاص وكان يأخذ معاشًا لأنه قريب من رئيس البلدية في كذا، فهو يعرف تمامًا أنه سيدفع ثمن هذا الانتقاص.

باسم: هل الثمن سيكون خسارة فردية أم ثمنًا ممكن أن يكون خسارة مجتمعية؟

وائل: لا، حسابه حساب فردي.

باسم: هو حسابه حساب فردي.

وائل: نعم، طبعًا.

باسم: لكن الانعكاسات نتيجة هذا السلوك قد تكون مجتمعية.

وائل: بالتالي، طبعًا، الانعكاس هو انعكاس مجتمعي، ولكن السؤال هو كيف يمكن أن أوصل المجتمع إلى مجتمع سوي بحيث يعمل بإخلاص دون الأخذ بعين الاعتبار الاعتبارات الدنيوية؟ لأن هناك عدالة أخرى الله وعدنا بها، هي موجودة كقانون كوني.

باسم: أنت رُحْ، اعمل، واجتهد في عملك، إن صار فيه بخس لجهدك لا تقلق.

وائل: ستحصل عليه بشكل آخر.

باسم: سيأتيك في لحظة ما من العمر.

وائل: ويمكن أن يأتيك في شيء آخر، ويمكن أن يأتيك من مكان آخر.

باسم: صحيح، ممكن يتبدل في اتجاه آخر في حياتك، صحيح. إذًا، معنى هذا الكلام، لو يتم تعميم هذا الفهم عند الناس، الانعكاس على السلوك المجتمعي في الناس.

وائل: نشتغل مثل الصين واليابان، تمامًا، مثلما العمل عند الصيني أو الياباني هو شرفه، سوف يتحول العمل عند الإنسان المسلم إلى شرف، لأنه يعمل وهو متأكد تمامًا أن ثمن جهده سيأخذه، إن لم يأخذه من المشغل يأخذه من الله، وما يطلع على جاره. أنا ممكن يأتي عندي موظفان، واحد يعمل بإخلاص، واحد يعمل أقل قليلًا أحيانًا، لا أدخل في تفاصيل زيادة عن اللزوم، أقول هذا لا، أريد إذلاله وكذا، أقول: حسنًا، الأمور، لكن الذي يعمل بإخلاص يبدأ يخرج يقول: “أنا آخذ نفس المعاش، لماذا أعمل بإخلاص وهو لا، وهو يأخذ نفس المعاش؟”

باسم: وكأنك تقول له: اسكت، لا تتساءل، حقك محفوظ، سيأتيك من جهة أخرى في حياتك.

وائل: كن مطمئنًا، والله أعلم.

باسم: أو بشكل آخر.

وائل: “وما توعدون”، وهذا وعد من الله.

باسم: هذا فهم راقٍ فعلاً للآية، فهم راقٍ للآية.

وائل: هو مفهوم معاكس تمامًا للمفهوم الدارج بأن الرزق مكتوب، ولو تركض ركض الوحوش ما تأخذ.. لا، أريد أن أركض، كيف؟ “لو تركض ركض الوحوش، غير نصيبك ما تحوش”. طيب يا عزيزي، تقول لي: لا أركض؟

باسم: تعويد على الكسل.

وائل: نعم، طبعًا، هذه الآية تقول: إن كنت كسولًا سوف تدفع الثمن.

باسم: بغض النظر عن الآنية التي قد تحصل مقابلها أو لا.

وائل: لذلك الرزق هو ثمن المجهود، هو مقابل المجهود.

باسم: قد تأخذه في حينه وقد تأخذه في حين مختلف.

وائل: نعم، وإذا لم تجتهد لا تحصل على رزق، وهذا قانون. عندما يقول الله سبحانه وتعالى: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ”، هذا قانون كوني.

باسم: المقصود هنا بالسماء، طبعًا الدكتور محمد شحرور اعتبره مصادر رزق الجهد والماء، هو اعتبر أن المطر الذي ينزل من السماء هو كون تأثيره في الأرض.

وائل: هو الرزق، رزق دكتور، هو بمفهومه الطبيعي البسيط، هو المقابل، القرآن يتحدث عن الرزق أنه مقابل. قلنا إنه حتى الذين ماتوا والذين قتلوا في سبيل الله، الله يرزقهم، كيف يرزقهم؟ يعطيهم مقابل ما عملوا، ما دخله بالمطر؟ ما دخله بمصادر الطبيعة وأمور من هذا النوع؟ الرزق هو التعريف العيني. هو ثمن مجهود الإنسان، ولا يمكن أن يحمل معنى آخر. نقول: إن الرزق هو ماء؟

باسم: الفكرة كانت كالتالي: كون الماء يتسبب في انتعاش الأرض والزراعة والحركة، وإلى آخره، فبالتالي ينتج عنها كل الأكل والشرب، والحياة تنتج.

وائل: ولكن الآية لو كانت تحمل معنى “ماء”، كانت الآية تقول: “الماء في السماء وما توعدون”. والماء موجود في القرآن، ومفهوم لكل الحضارات، ومفهوم لكل الأزمنة، ولا حاجة لأن نوارِيه بكلمة أخرى. كلمة رزق يجب أن تكون عامة.

باسم: صحيح، أرى في ذلك أنه فهم راقٍ جدًا للآية، وأنه لو يتم تعميم هذا الفهم في المجتمعات الإسلامية، وحتى في كل المجتمعات البشرية، فأعتقد أنه ظل في مجتمعات فعلًا هذا الفهم سائد فيها، ويحكم علاقة الناس فيما بينهم.

وائل: كلما تطور الإنسان يصل إلى هذه القناعة بدون أن يعلم القرآن.

باسم: طيب، ما الذي أدهى العقل الفقهي إلى أن يفهم هذه الآيات بهذه الجزئية؟ أين الخلل الواقعي؟ لماذا فهم الفقهاء القدماء الله يرحمهم.

وائل: في مرحلة معينة من التاريخ، حتى القرن التاسع أو العاشر، كنا نتحدث عن مفاهيم العبودية أصلًا، وكنا نتحدث عن مفاهيم العمل وقوانين العمل، ولم نتحدث عن إمكانية أن يكون هناك تحديد لقيمة الجهد، وأن الذي يعمل عندك يجب أن تعطيه حقه. هذه أمور لم تكن أصلًا موجودة في الحضارة، ولذلك الإنسان ما كان مفتوحًا لفهم الآيات بهذه المنظومة. الذي يعيش اليوم بالمنظومة الاقتصادية الجديدة، ساعتها يجب أن يبحث عن معنى الكلمات من خلال ثقافته، من خلال معرفته، من خلال ما يعرف. فأنا لا أستغرب أنه حتى مفاهيم الأنثى والذكر لم ينتبه أحد في التاريخ، مثلاً في آية المواريث، أن الذكر هو المُعيل، والأنثى هي التي تساعد، وبغض النظر إن كانت مذكرًا أو أنثى، لأنه كان شيء طبيعي أن المذكر هو المعيل. فالناس لم تلتفت لهذه الأمور، وهذا شيء طبيعي، وهذا هو الإعجاز الرهيب في القرآن. دكتور، أنا كلما تعمقت في القرآن كلما فهمت أن هذا القرآن فيه صفة غريبة جدًا، لا يمكن أن تنطبق على الكلام الإنساني. الكلام الإنساني هو يخدم صاحبه في حينه، وإنما كلام الله سبحانه وتعالى يخدم كل الشعوب.

باسم: كلما تطور الوعي البشري كلما ازداد.

وائل: نعم، والمفاهيم تتغير، النص يبقى ثابتًا، والمفهوم يتغير ويتلاءم بشكل رهيب مع التراكم المعرفي الإنساني.

 

ما علاقة الرزق بالأكل؟ وكيف يذكر اسم الله عليه؟

باسم: على ذكر الرزق، ما علاقة ذلك بالأكل، بالغذاء، ما لم يذكر اسم الله مثلاً؟

وائل: انظر، فيه آية تقول: “وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ”. السؤال، هذه الآية… أسقطها الفقهاء فقط على مفهوم خاص، وهو مفهوم الأكل من أهل الكتاب، وما إلى ذلك، من “وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ”(121) الأنعام. إذًا الأكل شيء لم يذكر اسم الله عليه بمفهوم الذكر. الذكر أنه ما قلنا “بسم الله” فسق وشياطين، وما أعرف ماذا. معقول؟ الأكل ذكر بالقرآن بكثير من المواقع، وفي غالب المواقع لم يتحدث عن الطعام مطلقًا، آكل الربا، آكل مال اليتيم، كل هذه الأمور لم تتحدث عن…

باسم: “وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ”.

وائل: هذا هو الكسب، الأكل هو الكسب.

باسم: طيب، فيه آية مهمة: “بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ”، مثلاً، كلفظ مستخدم؟

وائل: لا، الكسب المادي، الأكل هو الكسب المادي. إذًا، الله سبحانه وتعالى يقول: “وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ”. طيب، ما هو ذكر الله؟ ذكر الله هو المحافظة عليه، أن تحافظ، قال: “اذكروني أذكركم”.

باسم: كان المرحوم قصي هاشم فاخر اعتبر ذكر اسم الله على الأكل هو أن تضمن سلامة الأكل صحيًا، تطبيق نظام السلامة الصحية على الأكل، هو هذا المقصود بذكر الله.

وائل: هو من نفس المفهوم: “واذكروني أذكركم”، حافظوا على تعاليمي، وعلى ما أقول، أنا أحافظ عليكم، اذكروني أذكركم. الذكر أنه ليس أن تقول “بسم الله”.

باسم: أكيد لا.

وائل: ولا “الله أكبر” ولا…

باسم: حتى لو ذكرت “بسم الله”، “بسم الله” ما هو قانون “بسم الله”، سأعمل على توفير الظروف البيئية الصحيحة لتحفظ هذا الطعام، أن يكون صالحًا للاستخدام.

وائل: نعم، ولكن ذكر الله هو عمل وليس لفظًا، وهنا نتحدث عن الكسب المشروع وغير المشروع، ما لم يذكر اسم الله عليه. الذي لم يؤخذ بحقه من الله، أو لم يأخذ مع الأخذ بعين الاعتبار تعاليم الله. هو قانون اقتصادي بحت يتحدث عن الكسب المشروع والكسب غير المشروع. إذا أنا (أنصب) بين قوسين بمفهوم النصب المتعارف عليه، هذه ليست شطارة، حتى لو كسبت، حتى لو ربحت، هذا لم يُذكر اسم الله عليه. لذلك، الكسب يجب أن يكون.

باسم: مما يُذكر اسم الله عليه.

وائل: مشروعًا، مشروعًا حسب القيم التي أمر بها الله، ولا يمكن أن تكون عكس ذلك.

باسم: كيف سيترك للناس تحديد هذا الكسب المشروع وفق ما يُذكر اسم الله عليه؟ أنا تاجر في السوق، عندي، أبيع بضاعتي، يصح أن أبيع البضاعة.

وائل: هناك تشريعات موجودة في القرآن، وهناك تشريعات تركت للإنسان حسب تطوره المعرفي. الدول، هولندا، لا تشرع حسب القرآن، ولكن تشرع حسب الفطرة الإنسانية، والفطرة الإنسانية هي فطرة إلهية، الله زرعها فينا، وهي تتطور كلما تطور الإنسان معرفيًا وثقافيًا. إذًا هو يبدأ يتطبق تعاليم الله بدون أن يقرأ القرآن، لأن الله سبحانه وتعالى نفخ فينا من روحه. إذًا هذه الروح تظهر وتصل إلى الصفوة، عندما يتطور الإنسان ويقترب من هذه الصفوة الذهنية، عندها يبدأ يطبق تعاليم الله التي هي قوانين كونية، بدون أن يلجأ إلى القرآن، ولكن نجدها في القرآن.

 

الفهم الاقتصادي للقرآن

باسم: سؤالي أنا، شخصي، كونك أنت تعمل في الاقتصاد في الحياة العملية، ما الذي دفعك إلى هذه القراءة للنص؟ هل هناك فيه تجارب مررت بها، اكتشفت أن الفهم سائد لها..

وائل: أهم شيء كان موضوع الربا، الأهم، شيء كان بالنسبة إلي صادمًا جدًا، الدارج في الفهم الإسلامي حول الربا، والذي يمؤسس الفقر والإقطاعية والطبقية في المجتمع، ولا يمكن أن يكون الله…

باسم: ويمؤسس للكسل أيضًا.

وائل: ولذلك لا يمكن مطلقًا أن يريد الله من خلال القرآن هذا الفهم. فإما أن يكون هذا القرآن غير صحيح، وإما أن يكون فهم الناس للقرآن غير صحيح. ولذلك كان هناك حاجة للجوء إلى القرآن كمصدر للتشريع الأساسي والأول.

باسم: كونه موجودًا في الحياة العملية.

وائل: نعم، مفهوم الرزق. خذ مفهوم الرزق، أنت عندك دكتوراه في الاقتصاد، وتحاول أن تعمل استشارة اقتصادية، وإلى آخره، تصطدم بواحد يقول لك: استشارتك وعدمها لن تفيد، ورزقي غير مكتوب، أنت كل علمك على الفاضي.

باسم: أيضًا هناك دعوة إلى التجهيل، إلى الجهل.

وائل: طبعًا، طبعًا، لذلك كان لازم أفهم هل القرآن هكذا، وإذا هكذا، معناه نحن في مصيبة كبرى. وإما أن يكون الفهم غير هكذا. ولسعادتي وغبطتي أني اكتشفت أن الفهم الذي وصلني هو الخاطئ، وليس القرآن هو الخاطئ. وهذا كان بالنسبة إلي انقلابًا نوعيًا في حياتي، أنا من أربع إلى خمس سنوات أخصص ما لا يقل عن ثلاث إلى أربع ساعات يوميًا لدراسة القرآن. لأنني اكتشفت أن البعد بيننا وبين الفهم القرآني الصحيح هو بعد هائل، لا يُطاق.

 

كيف الوصول لهذا الفهم؟

باسم: كيف تمكنت للوصول لهذا الفهم؟ هل شطبت؟ هل عملت حذفًا لكل المعلومات التي ترسخت في عقولنا وفي ثقافتنا، مثلاً؟

وائل: هناك شيء مهم جدًا يجب أن يتخذ، برأيي المتواضع، كل إنسان يريد أن يتدبر القرآن، وهو أن يأتي إلى الشيء من لا شيء. أنا أتذكر في سنوات التسعين كنت في محاضرة في موضوع “الكوتشينج” في الولايات المتحدة، فالذي يقدم المحاضرة يقول إن المسيح لم يمشِ على الماء لأن الله ساعده، وإنما المسيح شطب كل معتقداته، وجاء إلى الفعل مع إيمان وإصرار أنه يستطيع فعل ذلك، حتى لو كان ضد قوانين الكتلة، أن كتلة رجليه أعلى من كتلة الماء، ولذلك المفروض أنه يغرق. ولذلك عندما تأتي إلى شيء مع محو كامل لكل المعتقدات، أنت تكتشف عندك قدرات غير طبيعية لم تعلم عنها مسبقًا، وهي كانت مُخبأة تحت عفن موروث، وأنت ضحية فقط ليس إلا.

باسم: أنت هيئت لك…

وائل: خذ مثالًا بسيطًا، بنفس الدورة قال المحاضر: إنه لما أنت تكون تريد أن تعمل شيئًا، يكون عندك صوت خلفي. يقول لك دائمًا: لا، لن تقدر، وموضوع صعب عليك، وأنت كذا، إلى آخره، وهكذا. فأنت ماذا يجب أن تفعل؟ اضرب هكذا عليه، واحكِ له لفظًا، احكِ له (SHUT UP I can do it)، قل له: “اسكت، أنا أستطيع”. فاستحضرني في نفس المحاضرة القصة المروية أن سيدنا إبراهيم التفت ورمى إبليس. فقلت إن سيدنا إبراهيم فعل نفس الشيء الذي يفعلونه اليوم، والذي اكتشفه علماء النفس اليوم، بأنه يجب أن تستحضر محادثة ما بينك وبين الإيجو أو الطاقة السلبية التي تواجهك، حتى لو كانت محادثة فعلية، لكي تستطيع أن تصده، وهذا ما كان.

باسم: طيب، أنت هيئ لك ضمن مستوى معرفي محدد أنت عليه لفهم هذه النصوص، طيب، هل هذا يمكن أن يُهيأ لفرد آخر مثلاً؟

وائل: طبعًا.

باسم: كيف؟

وائل: حسب التراكم المعرفي الموجود. هو أول شيء يحتاج إلى إصرار، إرادة، وإيمان قاطع بأن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن لكي ينقذ البشرية من التبعات السلبية الموجودة في تصرفاتها، فلا يمكن أن يتعارض مع الفطرة التي فطرنا الله عليها.

ولذلك، عندما تقول إنه خلاص، هكذا قال المشايخ وانتهى الموضوع، أنت تذعن بشكل كامل للموروث وتصبح عبدًا لهذا الموروث.

باسم: تسلم رأسك…

وائل: نعم، طبعًا، والمصيبة الأكبر أنك لا تسلم رأسك وحدك، أنت تربي أجيالًا.

باسم: القطيع كامل.

وائل: طبعًا، وأنت تربي أجيالًا. أنا أقول: إنه إذا لم أسمح لابني أن يجادلني، فأنا لن أستطيع أن أبني جيلًا مختلفًا. الله سبحانه وتعالى يقول: “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”.

باسم: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”.

وائل: “تعارفوا”، قالوا كثيرًا إن التعارف أننا نعرف بعضنا، ولكن ليس لها أي علاقة بالتعارف، وإنما تبادل المعرفة.

باسم: تبادل مستويات المعرفة.

وائل: والمعرفة يمكن أن تكون فقط إذا كنا مختلفين، إذا لم نكن مختلفين لا يمكن أن نكتسب من بعضٍ شيء.

باسم: طيب، ألا يمكن أن يكون لدينا آلية محددة؟ طبعًا القرآن يتحدث عن نفسه أنه هناك فيه آلية اسمها آلية اللسان العربي، أنزل فيها القرآن، وأنزلناه حكمًا عربيًا، في تحديد لهذه المواصفات، أنه كتاب فصلت آياته، وكتاب آياته مفصلات من لدن خبير. وكأنك أنت ركزت أن هذا القرآن يجب أن يُقرأ من داخله، بداخله، استخدمت نفس أدوات النص.

وائل: أول شيء، هناك أساتذة كبار، أنا أُجِلّهم مثل الدكتور محمد شحرور وآخرون الذين بدؤوا المسيرة، مسيرة بالفهم المعاصر للقرآن الكريم، وهذا أحد المحركات المهمة جدًا، أنه أنا أقول: لا، أنا لا أريد أن ألحد، أو لا أريد أن أترك هذا الدين، تعال نعطِ لنفسي فرصة أخرى وأتدبر القرآن. أحيانًا، وقرأت كتب محمد شحرور، وطبعا تابعت حلقاته، أحيانًا كنت أتفق معه، وغالب الأحيان كنت أتفق معه، وكان هناك أحيان لا أتفق معه، ولكن هو فتح بابًا، هو أحدث ثورة كبيرة في إعطاء الإنسان العربي المسلم فرصة للتعامل مع النصوص الموروثة بشكل بحثي وليس بشكل نقلي، وهذا هو الباب الأساسي، وهذه هي، التجديد الكبير الذي عمله محمد شحرور. أنا أعتقد أنه هو مؤسس الفكر المعاصر في الإسلام في المئة سنة الأخيرة.

 

كيفية توزيع الرزق في القرآن

باسم: الحديث عن توزيع الرزق والربا يقود إلى كيفية توزيع، مثلاً، الفيء، مثلاً في آية الفيء التي في القرآن أيضًا ينطبق عليها المدلول الاقتصادي، أكيد فيه دالة اقتصادية مجتمعية يمكن أخذها أو قراءتها من هذه الآية، مثلاً؟

وائل: أولًا، هذه الآية تتحدث عن نظام الماكرو كروميكس، ليس الميكرو، هو إدارة الأنظمة الاقتصادية.

باسم: إدارة النظام الاقتصادي بشكل عام.

وائل: النظام الاقتصادي وليس على مستوى الفرد.

باسم: التي هي آية الفيء؟

وائل: آية الفيء تتحدث عن تحويل وتحول.

باسم: سورة الحشر.

وائل: من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي، من هم أهل القرى؟ أهل القرى هم الذين يعيشون في نظام ديكتاتوري. “مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى”.(7) الحشر. ماذا من أهل القرى؟ أنهم كانوا قرى، “فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ”، الآن ما هم أهل القرى، هناك اليوم نظام ديمقراطي وهناك رسول. انظر، هو يقول: “فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ”، ولم يعطف كلمة رسول كما قال الأولى: ما أفاء الله على رسوله، لم يقل ولرسوله، قال وللرسول مع أل التعريف، الرسول الثانية هي يمكن أن تكون الرسول..

باسم: الأولى.

وائل: سيدنا محمد.

باسم: ربما أن يكون الرسول.

وائل: وربما أن يكون رسولًا آخر مع تعاقب الشعوب، والرسول مع تعاقب الشعوب هو من نحدد نحن أنه رسول بمعنى أن ننتخبه، هو المسؤول عن إدارة نظام.

باسم: “مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ”.

وائل: “وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ”.

باسم: “وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”(7). الرسول الثانية ليست بالضرورة أن تكون تقصد الرسول محمدًا عليه السلام.

وائل: نعم.

باسم: إنما قد تكون الشخص الذي يمثل إرادة المجتمع أو الشخص الذي يمثل إدارة المجتمع.

وائل: إرادة المجتمع.

باسم: إرادة.

وائل: نعم، لأن الرسالة لا يمكن أن تكون بدون إرادة، أنا أريد أن أحدد من هو رسولي في إدارة مجتمعي، يجب أن تكون بإرادتي، بعملية انتخاب.

باسم: تقصد أن الرسول الثانية: “مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ..”

وائل: “وَلِلرَّسُولِ”، للرسول، للحكومة، للجهاز الإداري الذي أنا أختاره ليُدير بلدي أو دولتي أو نظامي أو منطقتي أو مدينتي.

باسم: سيأخذ جزءًا من الفيء.

وائل: طبعًا، هو الترتيب فلله. فلله في كل الأمور، لله هي الكلمة العامة جدًا التي تحدد أن الفيء يُعطى في كل ما هو في سبيل الله.

باسم: “مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى”؟

وائل: من أهل القرى، كيف نحن نحصل على الفيء؟ الفيء قسم منه، مثلاً، موارد طبيعية في الدولة: نفط، غاز، حديد، إلى آخره، مضبوط؟

باسم: وقسم منه الضرائب أو مشاركات الناس.

وائل: الآن كل هذا يجب أن يكون هناك تحديد للدروب التي يُصرف فيها، لا يصير أنه يكون عبثيًا، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: “كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ”.

باسم: هنا المقصود بالفيء طبعًا لا علاقة له بالغزوات ولا علاقة بالحكم، الفيء هي منتجات المجتمع الاقتصادية.

وائل: نعم، إذًا عندما تكون أنت موجودًا في نظام فيه هذا المحتكر من قبل المحتكرين، ومن قبل التنفيذيين والرأسماليين والإقطاعيين، ولذلك مهابة هي القرى الأحادية الظالمة إلى آخره، تتحول، عندما تتحول إلى أماكن، وهذه دعوة واضحة لأن نتحول إلى أنظمة ديمقراطية، عندما يقول الله إنه هكذا يجب أن تصيروا، هو يدعونا أن نتخلص من مفهوم القرى إلى مفهوم المدينة.

باسم: هذا الفهم الذي تنطلق منه، الذي هو طبعًا قدمه الدكتور محمد شحرور، لكن هناك من قدم قراءة مختلفة كليًا معاكسة لمفهوم القرى والمدينة، اعتبر القرية هي الأوسع شمولية، لم ينطلق من الفعل قر، واعتبر أن جزءًا من القرية فيها المدينة وفيها المصر.

وائل: ولماذا يتوعد الله القرى؟ هل يتوعد الشامل أم يتوعد المحدود؟ إذا كان مجموعة شاملة تشمل عدة مجموعات، هل يتوعد الله المجموعة الكاملة بالهلاك؟ يجب أن يكون شيئًا مميزًا، يجب أن يكون شيئًا مميزًا، لا المجموعة حتى تصبح…

باسم: إذا أخذت مثلاً عادًا وثمود، كانت قرى هذه..

وائل: طبعًا.

باسم: وربما كانت قرى بالمعنى الذي تم تقديمه.

وائل: نعم، هي قرى بكل ما تعنيه الكلمة، أنها كانت محكومة من قبل ديكتاتور أو من قبل حاكم ظالم، وكانت كلها هي قوم شيء، قوم عاد، وعاد هي صفة، يتحدثون بأن عاد هو شخص. أنا أقول إن هذا القوم تميز بصفة معينة حتى تحول إلى قرية، لأنه صار أحاديًا في التصرف. ولذلك حق عليه العذاب، الهلاك هو نتيجة لتحول المجتمع إلى أحادي في التصرف.

 

كيف أفاء الله على رسوله من أهل القرى؟

باسم: طيب، كيف هنا الفيء يكون من أهل القرى؟ كيف أفاء الله على رسوله من أهل القرى؟ هل أخذ منتجاتهم؟ ما المقصود أن الله أفاء على الرسول؟

وائل: الفيء يأتي كنتيجة لنهاية عهد القرى، هو هذه النتيجة التي وضعها الله كقانون. الله لما يقول: ما أفاء الله…

باسم: هذا قانون مطلق.

وائل: نعم، لا يمكن أن نتخيل أن الله، ولله المثل الأعلى.

باسم: للحظة أفاء وتوقف.

وائل: كل ما يصير يأخذ من هنا ويضع هناك، ليس له قانون كوني. القانون الكوني يحدث بشكل عفوي وحده، لأن الله وضعه. إذًا هذا القانون يحصل بشكل أوتوماتيكي عندما يستطيع النظام، النظام المنتخب، أو المرسل…

باسم: المتفق عليه.

وائل: من قبل الناس كي يحرر الناس من التبعية ومن الإقطاعية ومن كذا. طبعًا ينتج عن ذلك هذا الفيء، وهذا الفيء يجب أن نوزعه بشكل معين ونحفظ حق…

باسم: هل المقصود بالفيء هنا الزيادة في الشيء؟

وائل: لا، الفيء…

باسم: لما نقول فلان يتفيأ بظل الشجرة.

وائل: الفيء هو نتيجة، الفيء هو نتيجة عملية التحرر من الإقطاعية، من القرى، من الخروج من مفهوم القرى. هذه هي النتيجة، النتيجة تصبح متعددة الموارد، منها الموارد الطبيعية، هذه منها، لكنها ليست فقط هي. ولذلك قال:

باسم: “مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى”..

وائل: “وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ”.

باسم: “وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ”.

وائل: نعم، “وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ”.

باسم: قبل أن ننتقل لهذه النقطة التي أعتبرها جوهرية، “كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ”، الأغنياء ليسوا مشمولين؟

وائل: نعم، الأغنياء هم من مصادر الفيء. هو يقول: “كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ”، هو أصلاً ما كان موجودًا بين أيدي الأغنياء تحررنا.

باسم: كي لا يبقى الفيء دولة بين الأغنياء، فيجب توزيعه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وائل: نعم، والدولة هنا لا يكون “دولة بين الأغنياء”. “الدولة” هي الحصر، أنه محصور مع الأغنياء.

باسم: كي لا يظل متداولًا بين الأغنياء.

وائل: نعم. إذًا يجب أن يوزع على الآخرين، كي نصل إلى المجتمع السوي، المجتمع الذي فيه توزيع عادل للمقومات المجتمعية التي هي نتاج لكوني أنا موجود في هذه الدولة أو في هذا النظام.

 

مسارات توزيع الفيء

وائل: فهنا نرى بأن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن المسارات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار بتوزيع المقومات الاقتصادية المجتمعية.

باسم: الفيء.

وائل: ولا يمكن التغاضي عن أحد منهم. إذا كان عندك ذو القربى الذين هم، الضعفاء بمفهوم المعاقين، أو اليتامى الذين هم الأطفال ما دون سن البلوغ الذين ليس لهم معيل، حتى لو كان لديهم أب، ولكن ليس لهم معيل، هو يتيم، يتيم بالمفهوم الاقتصادي. نحن نتحدث في كل السياق عن اقتصاد، عن أغنياء، عن فيء، وعن أموال، وعن مال، حسنًا؟ إذًا الحديث هنا، حتى إذا أردنا أن نفهم ما هو المسكين، يجب أن ننظر إليه من المفهوم الاقتصادي، لأنه سياق اقتصادي. ما يمكن أن أفهمه أنه، الحزين، لا علاقة له بالاقتصاد. نحن نتحدث هنا، الآية تتحدث عن الاقتصاد، لذلك يجب أن تفهم الكلمة من خلال سياقها. والسياق عندما يتحدث عن الاقتصاد يجب أن نفهم اليتامى ليس بالمفهوم أن اليتيم هو فاقد الأب، وإنما اليتيم هو فاقد المعيل.

باسم: بغض النظر كان أبًا أو أمًا.

وائل: طبعًا، ليس له معيل. إذا اليتيم مثلاً توفي أبوه وعنده أموال جرارة، هل يخرج له من الضريبة؟ لا تخرج له، عنده شركة، كيف نحوله إلى إنسان يحق له من الضريبة؟ لا يصير.

باسم: فاليتيم هنا شرط أن لا يكون معيلًا،..

وائل: نعم، ليس له معيل.

باسم: ألا معيل له.

وائل: والمسكين الفاقد للعناصر الأساسية الثلاثة، وهي المأكل والمشرب والمسكن. ليس له سكن. السكون يحصل…

باسم: مشرد مثلاً.

وائل: ليس له، ممكن يكون مشردًا، ممكن يكون مثلاً جائعًا، هو فاقد لأحد الثلاثة عناصر. يمكن له مسكن، ولكن ليس له مأكل أو ليس له مشرب، هو مسكين.

باسم: شحرور اعتبر ذلك هو المسكين، هو المعاق، بمعنى من اللفظ، من مدلول لفظ سكن، سكن يسكن ساكنًا.

وائل: طيب إذا هكذا، معناه أين الفقراء؟ أنت مثلاً بالأنظمة الحديثة دائمًا كل واحد ما عنده دخل…

باسم: تلاحظ الفيء هنا لم يذكر الفقراء في آية الفيء.

وائل: نعم، لم يذكر الفقراء، ولكن المساكين، يدخل تحت طائلة مفهوم المساكين، الناس الذين ليس لديهم إمكانية يعيشون بقواهم الذاتية، أو ليس لديهم المقومات الثلاثة للمعيشة. الحديث هنا يتحدث عن الإمكانية أو إمكانية الاستقلالية الاقتصادية لأي من المجموعات. ولذلك، من فسّر بأن ذي القربى أنهم من القريبين منا، ليس لها أي منطق اقتصادي. ممكن القريب مني معه أموال، طيب …

باسم: لماذا أعطيه؟

وائل: لماذا أعطيه؟ وهنا ذي القربى من المقربين من السلطة؟ تخيل، ممكن يكون… هو الحديث عن السلطة..

باسم: لأننا اتفقنا أن للرسول الثانية، قد يكون هذا الرسول ممثل السلطة أو ممثل لإدارة أو لذاته والمجتمع.

وائل: نعم، لكن ليس من ذوي القربى..

باسم: ليس بالضرورة أن يكون الرسول بذاته.

وائل: الرسول هو والجهاز التابع له، هو ليس شخصًا.

باسم: هو الذي اتفق المجتمع على إرساله.

وائل: هو ليس شخصًا، هو نظام.

باسم: صحيح، قد يكون حكوميًا أو هيئة.

وائل: صحيح، لذلك ذي القربى هو ليس بالمفهوم القربي، القريبين. ولذلك المعنى الأقرب إلى الصحيح هو أن ذي القربى هم الناس الذين هم ليسوا كاملين، هم دائمًا تقول إن فلانًا مثلاً تقريبًا يعمل الشيء الذي يريد أن يعمله، التقريب هو عدم الكمال. لذلك ذوي القربى معناها الإنسان غير القادر.

باسم: قدراته قليلة.

وائل: نعم، طبعًا، أو غير كاملة للحصول على مصدر معيشة.

باسم: أعتقد أن هذه الآية تحتاج إلى بحث أكثر ودراسة، ولكن فيها معقولية، لكن…

 

ما معنى “وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ”؟

وائل: نعم، والآن، ننتقل إلى مفهوم “وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ”.

باسم: إذًا هنا الرسول المقصود فيها الرسول..

وائل: السلطة.

باسم: السلطة، ما قدمته لكم السلطة أو السلطان أو الإدارة، فخذوه.

وائل: نعم، طبعًا، لا يصير عندي…

باسم: وهذه الآية صارت جدًا معقولة ومنطقية.

وائل: هو لازم أنت تتبع النظام الذي أنت موجود فيه. لما أنت اخترت، مثلاً، نحن اخترنا رئيسًا، طبعًا أكيد ليس كلنا اخترناه، ولكن الأغلبية اختارته. فتخيل أن الذي لم يختره يقول: لا، أنا لم أختره، أنا لا أريد. أصبح لا يوجد نظام. ولذلك، عندما يصبح هو رسول حسب النظام الذي اتفقنا عليه، اتفقنا أننا نريد أن نختار رسولًا، إذا اتفقنا أن هذا هو الرسول، يجب أن نتبع تعاليمه، حتى لو أنا غير راضٍ عنه.

باسم: طالما صار فيه اتفاق بغض النظر عن النسبة، صحيح.

وائل: والحديث هنا عن المادة وليس اتباعًا، ويقول: “وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ”، أخذ شيء مادي.

باسم: والإتيان هنا من العند.

وائل: والإتيان، خذوه، “وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا” أنه أنت ممنوع، مثلاً تأخذ وتستعمل المال العام، ممنوع تستعمل الساحة العمومية في البلدية، إلى آخره.

 

ما سر الفهم الخاطئ لآية الفيء؟

باسم: “وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”. إذًا كيف فهم الفقه وعلماء، بين قوسين، (علماء التدين)..

وائل: هو الاقتطاع.

باسم: واقتطاع هذه الجملة من سياق الآية الجميلة، وتم اعتبارها أنها تبرر أن ما أتانا الرسول من أحاديث ومن روايات، وبني على ذلك نظام كامل متكامل من الروايات والأحاديث..

وائل: المشكلة الأساسية في تبرير مفهوم الحديث، ونقل الحديث، وتحويل الحديث إلى مصدر تشريع. وقلنا سابقًا إن هذا مفهوم تلمودي موازٍ تمامًا لما فعله اليهود. أتباع موسى، لو بقوا على منهج موسى، لكانوا مسلمين. وبالتالي، عندما انحرفوا، تمثل انحرافهم بأحد أهم الانحرافات في تصرفهم، وهو تحويل أحبارهم وكهنتهم إلى أولياء من دون الله، إلى أربابهم من دون الله، الذين يتخذون…

باسم: أحبارهم.

وائل: أحبارهم أولياء من دون الله، أو أربابهم من دون الله. هؤلاء اتبعوا التلمود الذي هو نتاج لكتب…

باسم: هو فقه بشري.

وائل: طبعًا، اجتهادات.

باسم: نعم، اجتهادات بشرية.

وائل: الآن المشكلة أن هذا ما بدأ يحدث في القرن التاسع من التاريخ الإسلامي، عندما بدأ مفهوم المذاهب والتشريعات المختلفة، واختلافات المذاهب في مرحلة معينة من التاريخ التي تلاها بعدها الانهيار الكامل والدخول إلى عصر الظلمة، وما إلى ذلك من التاريخ الإسلامي الأسود في تلك الفترة.

وللأسف ما زلنا حتى الآن نبرر مفهوم المذاهب. تسأل واحدًا مثلاً: ما حكم موضوع معين؟ فيسألك: أنت شافعي أم أنت كذا؟ فهنا تتساءل، تقول: طيب لو أنا لست مسلمًا، ماذا أقول؟ ما هو السؤال؟ لماذا تسألني عن مذهبي؟ أنا أسألك حسب الدين الإسلامي، هو دين واحد، وقرآن واحد، ونبي واحد. وبالتالي، هو ليس فقط أنه دين واحد، هو يقر بأنه الدين الوحيد الموجود. فتخيل هذه المفارقة العكسية تمامًا بأن القرآن يقول إن الدين عند الله الإسلام، أن الدين هو واحد لكل البشرية، ونحن نحوّل رسالة ملة من الملل إلى مذاهب مختلفة، وإلى تشريعات مختلفة. وهذا واضح أنه يمكن أن يكون…

باسم: إذًا “وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ” لا علاقة لها….

وائل: لا علاقة لها مطلقًا بالحديث، وليست مقتصرة على الرسول الذي هو النبي محمد صلوات ربي عليه. لا علاقة له، الرسول كان هو مؤسس دولة، صحيح، وهذا تميز به عن باقي الأنبياء، ما عدا، طبعا، الذين نُعِتوا بالملوك: داوود وسليمان. ولكن هو أسّس دولة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولذلك كان هو الرسول. أما من بعده فهم أيضًا رسل.

باسم: من يمثل المجتمع.

وائل: نعم، ولكن المجتمع يختارهم، والمجتمع يحدد أنهم رسل، ولذلك يجب أن نطيعهم، لأنه إذا لم نطعهم…

باسم: نعم، تصبح فوضى مجتمعية.

وائل: بالضرورة تصبح فوضى اجتماعية، ولذلك هذا هو نظام تأسيس الدول في القرآن من خلال آية واحدة في القرآن. هذه الآية إذا تعمقت فيها جيدًا ترى كيف تُدار الدول اقتصاديًا.

باسم: آية واحدة، التي هي الآية رقم 7 في سورة الحشر.

وائل: طبعًا، هناك آيات أخرى في القرآن، كل آية تمثل قانونًا كاملاً موجودًا في مجلدات عند أنظمة مختلفة في العالم، وفيه دقة متناهية، شيء لم أره. إن كان مثلاً قانون الاتفاقية: “إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ”(282) البقرة. ترى أنه عندما تدخل في تفصيل هذه الآية ترى قانون الاتفاقيات بكل حذافيره، بكل شيء.

عندما ترى “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ”، هو القانون الجنائي بكل تفصيله.

باسم: وقانون ما يسمى الجزية.

وائل: والجزية وما إلى ذلك، كل هذه الأمور.

باسم: هي قوانين جنائية لضبط سلوك المنحرفين في المجتمعات، مثلاً.

وائل: آية الجزية تتحدث عن العقوبات، هي آية العقوبات، وليست… قانون العقوبات، وليس القانون الجنائي.

باسم: ما هو المقصود بقانون العقوبات، وليس القانون الجنائي؟

وائل: المفهوم الجنائي فيه عنصران: العنصر الأول هو تحديد الجناية، ما هي الجناية أو ما هو الخطأ، ما هو الذنب. وهناك قانون عقوبات يحدد ما هي العقوبة لكل شيء بعدما يثبت الشيء.

ولكن لكي تحدد أنه مثلاً في مفهوم القتل، هل هو قتل مع سبق الإصرار، وهل هو خطأ أم عمد، وهل أنت مساعد في القتل، أو كل هذه التمييزات في حجم الجناية وتمييزها هي قانون وحده، وبعدها يأتي قانون تحديد العقوبة الجزائية، وتحديد العقوبة هو آية العقوبات.

 

هل يوجد تمييز جنسي في المواريث؟

باسم: قبل أن ننهي، لفت انتباهي أن لديك فهمًا خاصًا للأنثى، للفظة “أنثى”.

وائل: انظر، لفظة الأنثى امرأة عمران قالت: “إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ”. انتبه، لم يقل: “والله أعلم بما وضعته”، لو قال “والله أعلم بما وضعته” إذًا هي تقول ذلك.

باسم: هي التي تقول ذلك، هي تصف ذلك.

وائل: ولكن “والله أعلم بما وضعت” هذا لأنها جملة اعتراضية بتدخل خارجي.

باسم: غير قولها.

وائل: غير قولها، إذًا من يقول هو الله: “وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ”، صحيح؟

باسم: أكيد.

وائل: السؤال، طيب هل تريد التشكيك؟ هي خلفت، رأت أنثى، قالت: “إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى”. طيب، كيف ربنا يشكك بكونها أنثى أو ليست أنثى؟ إذًا هي ليست أنثى بالمفهوم الوظيفي، هي أنثى بالمفهوم الجنسي، صحيح هذا الذي رأته امرأة عمران. ولكن بالمفهوم الوظيفي هي ليست أنثى. آنذاك كانت مريم أكملت رسالتها، التي كانت فيها رسالة وظيفية رجولية وليست أنثوية. الآية التي تقول: “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ”..

باسم: “لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ”.

وائل: “لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ”. طيب، الله يقول: “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ”، لو كان المفهوم جنسيًا، فكيف في آية الكلالة: “وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ”(12) النساء. فالتمييز الجنسي غير قائم في المواريث.

باسم: ما فيه جندرية في المواريث، ما فيه.

وائل: لا، مستحيل.

باسم: في التعامل مع الحالات الوظيفية للإنسان.

وائل: صحيح، لذلك الله سبحانه وتعالى يقول: “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ”، الهدف من كل هذا الموضوع…

باسم: وصية للأولاد.

وائل: نحن جئنا لنُدير بالنا على أولادنا، حسنًا؟ الهدف من القانون أن الله يريد أن يحفظ حق الأولاد. طيب، كيف؟ كيف ما المهم في الموضوع؟ المهم في الموضوع من سيعيل الأولاد، صحيح؟ لنفرض أنه أولاد، وكل واحد أخذ حصته وخلاص. طيب، هذا الولد، الطفل، ليس لديه قدرة على أن يعيل نفسه، حتى لو أنت ورثت له ملايين، صحيح؟ إذًا يجب أن يكون هناك من يقوم بعملية الإعالة، ومقابل ذلك يحصل على ضعف حصة الآخر.

باسم: فالذكر هو الذي يعيل الأنثيين.

وائل: يعيل بغض النظر لو كان…

باسم: أنثى بيولوجيًا أو ذكرًا بيولوجيًا.

وائل: لو كان مؤنثًا أو مذكرًا، لا أنه مؤنث أو مذكر.

باسم: هنا الذكر القادر على القيام بمهمة الإعالة. قد يكون أنثى بيولوجيًا أو يكون ذكرًا بيولوجيًا.

وائل: صحيح، ولذلك عندما أراد أن يتحدث عن الجنس قال: “فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً”، هنا تمييز، “فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ”، إذًا هنا بدأ الحديث عن الجنس، التمييز الجنسي، صحيح؟ إذًا الجملة الأولى، لو كانت الجملة الأولى تتحدث عن تمييز جنسي، إذًا ما بحاجة ليقول: “فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً”، قال: “وإن كن فوق اثنتين”. فكنا نتحدث عن إناث، ما حاجة لإدخال التمييز؛ النساء.

باسم: طيب كيف تم الربط هنا رغم أنه ليس هذا موضوعنا، موضوعنا معنى الأنثى؟

وائل: المهم في موضوع المواريث هو موضوع مهم وواسع جدًا، ولكن مفهوم الامرأة في القرآن هو مفهوم جدًا مهم لفهم القوانين في القرآن. إذا ما نظرنا إلى الآية التي تتحدث عن: “إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ”، فيقول: “وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ”. طيب، كيف؟ الله يتحدث عن رجالكم، كيف؟ وإن لم يكن هناك رجلان، ممكن يكون رجال، لكنهم ليسوا رجلين، سؤال أول. السؤال الثاني: إذا قال: “فرجل وامرأتان”، هل هذا بأن شهادة المرأة، إذا كانت دكتورة، متعلمة، متخصصة…

باسم: نصف شهادة الجاهل.

وائل: لنصف شهادة الجاهل، كونه مذكرًا. الحل كان بفهم مفهوم المرأة، هو من سورة “تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ”، وهناك كان شيء رهيب بمفهوم كلمة “وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ”، والمفتاح كان بالفتحة فوق “حمالةَ”، لأنه لا يمكن لو كانت امرأة أبي لهب هي امرأة بمفهوم الزوجة، عندها سوف تصبح هي مبتدأ، و”حمالةَ” يجب أن تكون مرفوعة كي تصبح “حمالةُ” أي: خبر للمبتدأ. أما عندما قال: “وامرأتُه حمالَةَ”، إذًا “حمالة” تصبح مجموعة، الذين يحملون الحطب، و”امرأتُه” إذًا هي المجموعة المأمورة منهم.

باسم: طيب لماذا قرأتها “امرأته”، لماذا لم تقرأ: إذا كان المقصود من الذين يقعون تحت إمرته، لماذا لم تقل “وإمرته”، الذين يأتمرون به أو بأمره؟

وائل: لا، و”امرأته”، المرء بالقرآن يختلف عن “امرئ”، ويختلف عن “الرجل”، كل مصطلح…

باسم: له مدلوله اللفظي.

وائل: له مدلول مختلف: “يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)”. عبس. هو يتحول إلى “مرء”، بمعنى أنه ليس قادرًا، ليس رجلًا. الرجل هو الحر في اتخاذ قراره، “امرأته حمالة”، “حمالة” بهذا التاريخ فهم أن هذه الصورة جاءت لأبي لهب، لشخص عم الرسول، ولكن هذا غير منطقي أن الله يخصص سورة كاملة…

باسم: لشخص.

وائل: لشخص بالتاريخ.

باسم: وكأنه ند الله.

وائل: ما معقول، إذًا، أبو لهب هو الشخص الذي يفسد الشيء، ماذا يفعل اللهب؟ الحريق؟ يفسد الشيء بحيث لا يمكن تصحيحه.

باسم: هو سلوك، هذا وصف سلوكي.

وائل: سلوك وفساد من أبشع أنواع الفساد، الفساد الذي لا يمكن إصلاح نتيجته، مثلاً قنبلة نووية، حسنًا. والله سبحانه وتعالى يقول: “تبت يدي أبي لهب وتب”. كل واحد، ممكن يكون ترامب معه المفاتيح النووية في العالم، هذا الشيء لا يجعلك تخاف؟ لو تفكر في الموضوع بشكل عيني تقول: نحن…

باسم: في أي لحظة ممكن نضيع.

وائل: نعم، خلاص، فالله يقول: “تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ..”. طيب، حسنًا، مسكنا، طيب، فيه ناس هم معاونون له..

باسم: ظاهرة أبو لهب السلوكية لا يمكن أن تكون مفردة.

وائل: طبعًا، مطلقًا.

باسم: يجب أن يكون له امرأة.

وائل: امرأة، وهذه الامرأة هي المجموعة المأمورة منه التي في جيدها حبل من مسد. أن الله سبحانه وتعالى يطمئننا بأنه من خاف من وجود ظواهر متعاقبة بالتاريخ لوجود ناس هم…

باسم: شريرون أو أشرار.

وائل: بشاكلة أبي لهب بصفة أبي لهب، لأنه حتى حمالة الحطب الذين يقومون بالفعل الذي هو يريده، هم أيضًا محاطون بحبل من مسد. إذًا من هنا أنا فهمت أن امرأته، وهذا يتطابق تطابقًا كاملاً مع القوانين المتطورة اليوم. بمعنى أنه أنا وأنت نريد أن تعمل اتفاقية، إذا أردت أن يكون ابنك شاهدًا، لا يصير أن تكون شهادته كاملة لأنه متعلق بك، هو مأمور منك. لذلك يجب أن يكون على الأقل رجل، الذي هو إنسان محايد، إنسان بغض النظر إن كان أنثى أو ذكرًا، إنسان محايد ليس له علاقة بأحد الأطراف أو بالاتفاق نفسه، لا مصلحة له بالاتفاق، “وامرأتان”، ساعتها نأخذ من كل طرف الشهود الذين لهم علاقة..

باسم: الشهود من جماعتكم، طيب هاذان المرأتان، لماذا لا يعدان من الرجال؟ هو يقول من إنتاج الرجال.

وائل: ليسوا مالكين أمرهما، شهادتهما منتقصة.

باسم: نعم، من الناس الذين تحت السيطرة ضمنًا، مثلاً، الخدم أو الحشم أو…

وائل: لا علاقة بالخدم، واحد يعمل عندي، أجير، لن يشهد ضدي، صحيح؟ إذًا شهادته معي منتقصة.

 

ما التداعيات المجتمعية للفهم الجديد؟

باسم: التداعيات المجتمعية على هذا الفهم لهذه الآيات، كيف يمكن أن يحسن أداء المجتمع ويضبط أداءه، فيما لو فهمت هذه الآيات هذا الفهم الصحيح، بينما إذا العودة للفهم التقليدي الموروث هو فهم مجزوء، فهم ضيّع كل النصوص، وضيّع كل المعارف التي يمكن استنباطها من هذا النص، وجعل هذا النص عبارة عن فقط مجموعة أوراق تحفظ في الرفوف، وعلى تابلوهات السيارات، ويغنى للطرب أو للموت.

وائل: هو أساسًا المشكلة تتمحور في إخضاع الدين للعادة والتقليد وليس العكس. الأمة الإسلامية لم تفهم أن القرآن جاء ليغير مفاهيمها، ليس أنهم يخضعون القرآن لمفاهيمهم. هذه هي المشكلة الأساسية التي صارت، أنه بدل أن نقول: حسنًا، نحن متعودون أن مثلاً المرأة في البادية يجب أن تغطي رأسها، الدين ماذا يقول؟ لا نسأل هذا السؤال، نقول قطعًا، أكيد، يجب أن يخدمنا، هو راح يعارض مفهومنا وعادتنا وتقليدنا. ولذلك نبحث في المفهوم القرآني عن شيء يخدم العادة والتقليد، لكي لا يتعارض مع الموروث، لأن الموروث شيء ليس بسيطًا. دكتور، لنكن واقعيين، الإنسان عندما يواجه الموروث يقع في مشكلة، والمشكلة ليست بسيطة. وتخيل إنسانًا مثلاً له عشرون سنة يصلي، تأتي تقول له: انتظر، انتظر، تعال لنرى صلاتك صحيحة أم خاطئة. هو يقول لك: أحسن لي، دعني…

باسم: دعني كما أنا.

وائل: لا، هو بالنسبة له هذه هي المشكلة الأساسية.

باسم: أو هذا ما يوصف، التراث عادة، أو الفهم التراثي للدين. دعنا نحدد، لكي لا يحدث سوء فهم، المقصود بالتراث، لأن هناك التراث المهم، التراث الثقافي والعلمي والمعرفي، هذا تراث أيضًا، لكن اعتبار هذا التراث كالدين الآبائي، وتسليطه أو اعتباره هو الحجة على النص، هنا كان مقتل المسلمين أنفسهم.

وائل: صحيح، هو أساسًا مفهوم النقل عن السلف، نقل الفهم وليس النص. نقل النص ماشي الحال، ولكن كيف يعقل أنه ينقل الفهم؟

باسم: وتسويده على النص.

وائل: لأن الفهم شيء دائمًا يتعلق بالحالة والسياق والظروف. هو ليس شعرًا، شاعرًا يمكن أن أفهم أنه امرؤ القيس قال هذا البيت، ومعناه ثابت، هكذا، هكذا قصد، لأنه الحالة واضحة، هذه الحالة غير متكررة. ولكن النص القرآني يختلف تمامًا، ولذلك لا يمكن إسقاط مفهوم امرئ القيس لمصطلح معين على…

باسم: على فهم النص حاليًا.

وائل: فهم النص القرآني. وهذه هي المشكلة الأساسية لفهم الأمة العربية ككل للنص القرآني، أولًا. ثانيًا، الخوف من التغيير. الخوف من التغيير هو صفة متعلقة جدًا بمدى الوعي. الإنسان الواعي هو الإنسان الذي يستطيع أن يتحدى، ومن خلال التحدي يستطيع أن يغير. ولكن إذا لم يكن لديه المقومات الأساسية من الشخصية التي من خلالها يمكن أن يقول: حسنًا، ممكن يكون خطأ. هنا نقع في آفة ومشكلة كبيرة. والمشكلة الأساسية الموجودة اليوم هي أن مجتمعنا لا يستطيع بالمقومات الحالية التخلص من الموروث، حتى مع قناعته بأنه خطأ.

باسم: لماذا طيب؟

وائل: القناعة بأنه خطأ تحوله إلى ضحية. أنا ضُحك عليّ عشرين سنة.

باسم: طيب في النهاية هنا المشكلة؟

وائل: السؤال أنه الآن أريد أن أوقف هذه المهزلة وأبدأ من جديد. هل عندي الطاقة أن أعمل هذا الشيء؟ سؤال.

باسم: أعتقد أنه سؤال، لكن هذه المجتمعات صار لها فترة طويلة تسير في اتجاه الهلاك. واضح أن لا أحد يقدر ينكر أن واقع المجتمعات العربية والإسلامية هو واقع مهترئ، واقع متهالك، واقع مزرٍ. هذه المجتمعات تعيش على هامش التاريخ، ولا تنتج للتاريخ وللبشرية أي شيء. وبالتالي يجب أن يكون هناك سبب. واتفقنا أن هذا الكتاب، الذي هو القرآن، فيه من المعارف ما لا ينضب، وأنني متأكد أن الكثير من المجتمعات التي لم تقرأه أيضًا استلهمت هذا الفهم من الكتاب المنشور، الذي هو النص، الذي هو الكون. لماذا لم يستطع المسلمون، وهم لديهم “المانيوال” الذي هو القرآن المسطور، أن يفهموا القرآن المنشور؟ فبالتالي نصدمهم، لماذا لا؟ لأننا نجبرهم على التغيير. لماذا لا؟ لأن البقاء على ما هو عليه لن يؤدي..، سيبقيهم كما هم، ربما…

وائل: لو يبقيهم كما هم، سيكون سيئًا جدًا.

باسم: نعم، سيلقي بهم إلى التهلكة.

دكتور، أنا جدًا استمتعت في الحديث معك، حقيقة، الوقت سار كثيرًا، والمواضيع كثيرة لديك، وإن شاء الله يكون عندنا فرصة أخرى في الحديث عن الكثير من الأفكار الجيدة فعلاً التي أعجبتني في كتابك، وإن شاء الله يكون عندنا فرصة ثانية.

وائل: تسلم، دكتور.

باسم: مشاهدينا، شكرًا لكم، وإلى اللقاء في تجربة أو في لقاء جديد من برنامج مجتمع. إلى اللقاء.