Skip to content Skip to footer

من المسؤول عن تهميش العلوم الاجتماعية في العالم العربي؟ مع د. عبد الرحيم العطري

مدخل إلى علم الاجتماع: لماذا نحتاج تاءات ثلاث وعيونًا ثلاث؟

باسم: أهلا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”. في حلقة اليوم نلتقي الدكتور عبد الرحيم العطري. العَطْرِي أم العَطَري؟

عبد الرحيم: العَطْري

باسم: العَطْري.

عبد الرحيم: نعم، صحيح.

باسم: طبعًا الدكتور غني عن التعريف، هو باحث في السوسيولوجي، علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، ولك –ما شاء الله- مساهمات كثيرة. أنا أحسدك على هذا النشاط.

عبد الرحيم: بارك الله فيك.

باسم: عادة أنا يذهلني علم الاجتماع، لتوسعه ودقته في نفس الوقت، أنه مهما قدمت فيه تشعر أنك لم تقدم شيئًا بعد.

عبد الرحيم: أولًا أشكرك يا دكتور على هذه الدعوة الكريمة، وأود في البداية أن أهنئكم على هذا المشروع الثوري بالأساس. دائمًا أقول بأن ما نحتاجه في عالمنا اليوم هو تاءات ثلاث، وعيون ثلاث. ماذا أقصد بالتاءات الثلاث؟ التاء الأولى هي التغيير، والتنوير، ثم التحرير: تحرير العقول، وتنوير العقول، وتغيير الوقائع والمصائر.

ثم العيون التي نحتاجها اليوم هي: عين العقل والعلم في نفس الآن، وعين العدل، وعين العمل. وأعتقد أن منصتكم تسير في هذا الاتجاه: تاءات ثلاث وعيون ثلاث.

أما بخصوص علم الاجتماع، هذه المعرفة النقدية التي جاءت أساسًا من أجل أن تفهم المجتمع، ومن أجل أن تقول كلمتها في حق هذا المجتمع، هو علم نقدي بامتياز، علم يسعى إلى إنتاج المعنى. أي نعم، نعيش في زمن اللا معنى وزمن اللا يقين، ونحن بحاجة إلى علوم تحررية بالأساس، وعلم الاجتماع يؤدي هذه الوظيفة. لماذا؟ لأنه يطرح السؤال، يطرح السؤال بصدد ما هو يقيني، وما هو ينبغي، وما يبدو لنا بأنه عادي. يأتي علم الاجتماع ليطرح سؤالًا، ويطرح سؤالًا عن شروط إنتاج وإعادة إنتاج الوقائع الاجتماعية. لماذا؟ كيف؟ وكيف يمكن أن نستمر في إنتاج مجتمعات قادرة على فهم ذاتها؟

هذا الذي يجعلنا ربما نمارس شغفًا، ونحن نعلن الانتماء إلى مدرسة القلق الفكري التي هي علم الاجتماع.

 

جدلية التحول في علم الاجتماع

باسم: هل علم الاجتماع كأي علم آخر، له قواعد وأسس، أم هذه القواعد متطورة وفق تطور البشر بشكل عام؟ يعني المجتمعات ليست مجتمعات ساكنة، صحيح هناك مجتمعات ساكنة مثل المجتمعات العربية. رغم كل هذه المجتمعات، لكن هناك ميكانيزم داخلي تفاعلي قد لا تكون غير محسوسة في المجتمعات. هذه الفعالية الصامتة التي يمكن أن نصفها في المجتمعات، تغير من قواعد قراءة المجتمعات؟ يعني تغير من قواعد علم الاجتماع إلى قراءة المجتمع مثلًا؟

عبد الرحيم: فعلا دكتور، هو إحدى الأقوال الرائعة لديل أكلمان، وهذا من الباحثين الأمريكيين الذين اشتغلوا على المغرب. كان يقول بأن المجتمع لا يوضع في صندوق ثلج، أن المجتمع لا يمكن أن يبقى كما هو، المجتمع المغربي سنة 1970 ليس هو المجتمع المغربي اليوم. دائمًا هناك مياه تجري تحت الجسر، دائمًا يجب أن نطرح السؤال بأننا لا نستحم في النهر مرتين. إذن هذا المجتمع المتحرك، هذا المجتمع المتغير باستمرار، هل سنقرأه بنفس الأطر النظرية، بنفس المناهج، بنفس البراديغمات (النماذج) التي قرأنا بها مجتمعات سابقة؟

اليوم ما يحدث في مواقع التواصل الاجتماعي يستدعي منا أن نبحث عن آليات جديدة. هل سأنجز مقابلة بالطريقة القديمة؟ هل سأنجز استمارة بالطريقة القديمة؟ أم اليوم سأعتمد استمارة رقمية، مقابلة رقمية، Face to face (وجهًا لوجه)، وما إلى ذلك؟

إذن المجتمع أحيانًا يتجاوزنا ويسبقنا، وعلينا أن نطور من أدائنا، وأن نطور من أسئلتنا، لكي، على الأقل، أن نكون في مستوى هذا التدفق الهائل للأحداث والوقائع الاجتماعية.

الجريمة التي كانت قبلًا ليست هي الجريمة اليوم، اليوم هناك جرائم تتم في العالم الرقمي. إذن كيف لعالم الاجتماع أن يواكب هذه التحولات؟ علم الاجتماع دائمًا كان هو تاريخ نظريات ونظريات مضادة. اليوم نحن محتاجون أيضًا إلى براديغمات مضادة. اليوم الذي نعيشه ما يُسمى (Paradigm Shift) (التحول النموذجي). هناك إبدال جديد اليوم. هناك واقع جديد، واقع المخاطر، واقع اللا يقين، واقع التوترات. ما الذي سيقدمه السوسيولوجي اليوم والأنثروبولوجي؟ إذن ينبغي أن يجدد أدواته، وينبغي أن يجدد أسئلته. الأسئلة، نحن اليوم في حاجة إلى أسئلة كبرى.

 

قراءة المجتمع: قرار فردي أم جماعي أم مؤسسي؟

باسم: في نفس السياق، هل قراءة المجتمع أنثروبولوجيًا أو سوسيولوجيًا؟ هي قرار فردي أم قرار جمعي أم قرار محلي؟ يعني مجموعة بشرية تقرر أن تقرأ ذاتها لتضع قواعد لتطورها الذاتي مثلًا، أم أن المؤسسة أو إدارة المجتمع الرسمية أو الاستراتيجية -إن جاز القول- هي تتخذ قرارًا: نريد أن نقرأ المجتمع في هذه المرحلة لأننا نفكر مثلًا بتغيير كذا أو عدم تغيير كذا مثلًا؟

عبد الرحيم: بطبيعة الحال، لا يمكن أن نقول دائمًا بأن الباحث له استقلالية مطلقة. لا يجب أن ننسى بأن السياق هو الكفيل بإنتاج المعنى، وأن السياقات التي نوجد فيها هي التي تؤثر أحيانًا حتى في مسارات القول ومسارات الإنتاج. السلطة السياسية في كثير من الأحيان كان لها قول فصل في كثير من الدول بشأن رؤيتها لعلم الاجتماع. نتذكر بأنه مغربيًا مثلًا في سنوات الجمر والرصاص، يعني نشأ قرار غير مقبول، وهو أننا نعتقد بأن الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس هي معارف ربما تساهم في تفريخ أطر اليسار. إذًا كان القرار..

باسم: تساهم..

عبد الرحيم: في تفريخ أطر اليسار. فكان هناك قرار بإغلاق معهد العلوم الاجتماعية في الستينيات. الذي حدث وتم فقط أن السوسيولوجيا تُدرّس.. والفلسفة تدرس في فاس والرباط فقط. وفي مقابل ذلك فُتحت الأبواب أمام شعب أخرى، من بينها شعبة الدراسات الإسلامية، وما إلى ذلك.

إذن الذي حدث في هذه المرحلة أن العلوم الاجتماعية مغربيًا شهدت نوعًا من الحصار. هذا لكي أدافع عن فرضيتي بأن الدولة أحيانًا تتدخل من أجل توجيه الأمر. ولكن بدا واضحًا بعد السنوات أن هذا القرار لم يكن صائبًا، وكان خاطئًا بامتياز، فعادت السوسيولوجيا إلى الجامعات المغربية وأصبحت تدرس في كل الجامعات.

إذن هنا الدولة، أي دولة كيفما كانت، لا بد أنها في بعض اللحظات توجه العلم، والمطلوب من الباحث أن يحافظ على استقلاليته، لأن العلم كما نقول لا وطن له، العلم لا انتماء له، لا انتماء للعلم، هو انتماء للبراديغم العلمي بالأساس.

إذن هذه المعارف عانت في لحظة معينة في مجتمعاتنا العربية عمومًا، ولكن اليوم يمكن أن نقول إن هناك طفرة. ولكن هذه الطفرة، هل هي من توقيع الدولة أم من توقيع الجماعات أو من توقيع الفاعلين؟ للأسف الشديد، الذي يحدث مغربيًا أننا لم نستطع لحد الآن بلورة مفهوم الجماعة العلمية، فهي في طور التشكل..

باسم: ما المقصود بالجماعة العلمية؟

عبد الرحيم: الجماعة العلمية هي تنظيم غير رسمي، ولكنه هو الذي يحرس العلم بهذا المعنى، هو الذي يحدد أخلاقيات العلم، ويحدد أخلاقيات الحرفة بهذا المعنى، ويحدد البراديغم الذي سوف نشتغل به، ويكون مكونًا من الأقران (Les pairs) بهذا المعنى، وهم الذين يحددون هذا السقف.

 

بين الحاجة المجتمعية ودور الدولة: متى يتدخل علم الاجتماع؟

باسم: أنا كنت أريد أن أسألك نتيجة هذه الفكرة: متى يقرر علم الاجتماع التدخل في قرارات المجتمع؟ هل هناك قرار: نقرر الآن ندرس أم هناك قرار دائم في دراسة سوسيولوجيا للمجتمع مثلًا؟

عبد الرحيم: نعم. أولًا، اليوم بالنسبة للدولة لديها اعتقاد راسخ بأنها في حاجة للعلوم الاجتماعية، واليوم الكثير من المؤسسات في الدولة عندما تنتج قراراتها تبنيها على دراسات مرتبطة بالعلوم الاجتماعية، في إطار مكاتب الدراسات وغيرها. ولكن أغلب الأبحاث التي تتم اليوم هي مجهودات فردية بالأساس؛ أساتذة وباحثون وفق إمكانيات ذاتية يحاولون بقدر المستطاع أن يساهموا في فهم الواقع.

إذًا الدولة في إطار استراتيجياتها تلجأ لهذه العلوم الاجمتاعية وتبني قراراتها بناءً عليها، ولكن هذه المعرفة عمومًا كيف تدار وكيف تتطور وتنتج؟ هي بجهود فردية بعيدًا عن منطق الجماعة العلمية.

 

شباب خارج المؤسسة.. وخارج البحث

باسم: يعني بالنسبة إليك كعالم اجتماعي أو كباحث في علم الاجتماع، ما هو الوضع المثالي بالنسبة لك كباحث؟ أنه يكون أن تطلب مثلًا من مؤسسة.. أو من قيادة المجتمع أو إدارة المجتمع تطلب منك دراسة ما حول ظاهرة ما، لأن الدولة تفكر باتخاذ مثلًا إجراء ما في سير المجتمع، أم ما صار فيه تدخل، ما صار فيه طلب منك؟

عبد الرحيم: الآن نحن أمام مسارين: المسار الأول هو مسار ما تسميه بالخبرة، يعني هنا هل السوسيولوجي يُفترض فيه أن يكون خبيرًا؟ أي نعم، في لحظات معينة قد تكون خبيرًا وتقدم دراسات تحت الطلب بهذا المعنى، دراسات حول قضايا معينة من أجل مؤسسة معينة. الآن مثلًا في المجتمع المغربي هناك مواضيع ما يسمى بالشباب (NEET) . شباب (NEET)  هو شباب خارج المؤسسة، بمعنى (No in education)، (No in training)، بمعنى ليس في تكوين جامعي..

باسم: يعني ليسوا مثقفين، لا يوجد تدريب.

عبد الرحيم: ليس في مدرسة، ولا في تدريب مهني، وليس أيضًا له أي فعالية في المجتمع، وليس في العمل. يعني هذا الشباب الآن…

باسم: وهذه الفئة كبيرة؟

عبد الرحيم: 4.5 مليون من الشباب اليوم هم في وضعية شباب “نيت”، يعني ليس في العمل…

باسم: يعني هؤلاء سلبيون أو وجودهم سلبي في المجتمع.

عبد الرحيم: أنه ليس له سقف اجتماعي، ليس له احتضان مؤسسي. أنا لما بحثت عن ترجمة فقلت: سميتهم بالشباب بلا سقف أو بلا احتضان، شباب لا مؤسسي بهذا المعنى، هو شباب الهامش. هذا الشباب اليوم نريد أن نعرف ما الذي يفعله هذا الشباب؟ هو ليس في مؤسسة مدرسية، ليس في تكوين مهني، وليس في عمل. ما الذي يفعله على المستوى اليومي؟ إنجاز دراسة بهذا الشكل تتطلب إمكانيات، تتطلب فريقًا بحثيًّا كبيرًا جدًا.

باسم: تتحدث عن فئة مهمة في المجتمع.

عبد الرحيم: فئة مهمة، وهي التي تكون في شغب الملاعب، وهي التي تقول كلمتها يوميًا بطريقتها الخاصة. دائمًا أقول بأن الشباب لا أعتقد بأنه شباب غُفلٌ، لا يمارس السياسة وأنه بعيد عن السياسة. لا، هذا الشباب يمارس السياسة بطريقة خاصة، وبصيغة أخرى مختلفة عنا. هذا الشباب يستدمج يوميًا ما نسميه الاستبعاد السياسي والاستبعاد الاجتماعي، إذن يستدمج في داخله ما يسمى بالعنف، إذن لا بد أن يرد بعنف مضاد. إذًا كل تعبيراته الثقافية على مستوى الجداريات، على مستوى الجرافيتي، على مستوى الشغب في الملاعب، هذا ما هو إلا عنف مضاد، لأن القاعدة تقول لدينا في علم الاجتماع أن كل عنف يستتبع عنفًا مضادًا. إذًا هنا هذه الدراسة أريد أن أشتغل عليها، ولكن الإمكانيات تعوزني.

باسم: طيب، إدارة المجتمع، سواء كانت محلية أو على مستوى الوطن بشكل عام، ألا تعي وجود ظاهرة من هذا النوع مثلًا، أنها ظاهرة بحاجة للدراسة ومن ثم تقديم حلول؟

عبد الرحيم: بطبيعة الحال، هناك أولًا الباحثون في علم الاجتماع في المغرب، يعني في غالب الأحيان كما قلت يقومون بدراسات وأبحاث ولكن وفق جهود فردية وإمكانيات محدودة، لأنه ليست هناك مؤسسات تدعم الأبحاث، ليست هناك منح بحثية تدعم هذه الأبحاث التي تريد أن تشتغل عليها. حتى المنح الموجودة داخل الجامعات هي محدودة جدًا، يمكن أن تساعدك في طبع كتاب أو شيء من هذا القبيل أو تنظيم ندوة بسيطة أو شيء من هذا القبيل. ولكن إنجاز دراسات علمية كبرى ومسوح ودراسات بعينة تصل إلى ألف يعني مثلًا أو ألفين أو خمسة آلاف، هذه تتطلب إمكانيات كبيرة جدًا.

 

علم الاجتماع والديمقراطية: متى يزدهر العلم الاجتماع؟

باسم: يعني علم الاجتماع في رأيك لا ينتعش إلا في ظل مجتمع مدني ومؤطر؟

عبد الرحيم: علم الاجتماع ينتعش في ظل الديمقراطية. كلما كنا أكثر قربًا من العيون الثلاثة ومن التاءات الثلاثة سينتعش علم الاجتماع. علم الاجتماع يشتغل على الأزمة، إلى درجة أنه في كثير من الأحيان نقول بأن كلمة نقد تتحدر سلاليًا من الناحية اللغوية من الأزمة، لأنك (مصطلح فرنسي)، بمعنى أنك عندما تنقد شيئًا فأنت تضعه أمام حقيقته. علم الاجتماع هو علم الأزمة بامتياز، ولكن هذا العلم لكي ينتعش ويتطور لا بد له أولًا من إمكانيات مادية. لا بد له من بنى رسمية وبنى تساعده على النهوض، ولا بد من منطق الجماعة العلمية.

 

ما فعالية علم الاجتماع في المجتمعات العربية؟

باسم: في كل المجتمعات العربية تقريبًا، وإن كان فيه استثناءات خفيفة جدًا أو قليلة جدًا، لا يوجد فعالية لدراسات علم الاجتماع في المجتمعات، وأن قيادات المجتمع أو إدارات المجتمع، سواء كانت المدنية أو السياسية، لا تأبه لأن يكون لديها موجهات من علم دراسة المجتمع في قيادة المجتمع. وبالتالي هل مجتمعاتنا تقاد هكذا، كما يُسمى: يعني على باب الله؟

عبد الرحيم: أنا أقول بأنه في بعض الأحيان ما وصل إليه مثلًا الكثير من الباحثين مغربيًا وعربيًا وفي كثير من الدول، بفضل علم الاجتماع، أنه مكنهم من قراءة المجتمع ومن استشراف المستقبل أيضًا. الآن كلنا نتحدث عن الإنسان سايبورغ، هذا الإنسان الجديد الذي ينتمي إلى أطروحة ما بعد الإنسان، الإنسان الذي لا يكتمل وجوده إلا بوجود أدوات مرتبطة بهذه التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي. علم الاجتماع تحدث عن هذا الأمر منذ زمن بعيد. اليوم نتحدث عن ما يسمى بالأرضية الصامتة (Silence Ground)، أننا اليوم ننتمي إلى مجتمعات صامتة. علم الاجتماع تحدث عن هذا الأمر منذ زمن بعيد. اليوم نتحدث عن تفكك الأسرة، وأن الأسرة اليوم تحولت إلى مؤسسة بيولوجية فقط، تختص فقط في توفير المأكل والمشرب والمرقد فقط..

باسم: لا تربي..

عبد الرحيم: ولا تربي. هذه الأمور تحدث عنها علم الاجتماع قبلاً. ما يعيشه العالم القروي اليوم: المجتمع القروي من نوع الترييف غير الطبيعي، ومن سرقة القرية من قريتها ومن قرويتها. اليوم نعيش اجتثاثًا للقروي بسبب الاستثمار الجائر وبسبب مجموعة من الأمور. هذه الأمور تحدث عنها علم الاجتماع.

 

أزمة القراءة والصراع بين التقنية والمعرفة

عبد الرحيم: المشكلة لدينا هي في أزمة القراءة وفي أزمة الإنصات لعلم الاجتماع. الصراع دائمًا كان في كثير من الدول هو صراع بين داعية التقنية وبين المثقف. داعية التقنية هو التكنوقراط اليوم، هذا بتعبير عبد الله العروي. هل ننصت لداعية التقنية أم ننصت لحلول العالم المثقف؟

باسم: في رأيك ننصت لمن؟

عبد الرحيم: أنا بالنسبة إلي يجب أن ننصت لصوت العلم. لماذا؟ لأنه أحيانًا صوت العلم قد يبدو مزعجًا، قد يقول الحقيقة المزعجة، ولكن إذا أردت أن تستثمر في المستقبل، أنصت لهذه الحقيقة ولو كانت مزعجة. في حين أن داعية التقنية في كثير من الأحيان يعطيك حلولًا آنية، وحلولًا ربما تكون بأقل تكلفة، ولكن على المستوى البعيد ربما يكون هناك مشكلة.

سأعطي مثالًا بسيطًا وهو مرتبط اليوم بما يحدث في كثير من المدن المغربية بعملية إعادة بناء هذه المدن استعدادًا للمونديال. لكن الذي يحدث هو أننا نقوم بالاستبعاد المجالي لساكنة أخرى كانت تقيم وسط المدينة، نخرجها من هامش المدينة إلى هامش الهامش، ونمارس استبعادًا اجمتاعيًا. داعية التقنية ماذا يقول؟ يجب أن نؤهل مدننا لكي تستقبل المونديال. ولكن بالنسبة للمثقف وعالم الاجتماع والأنثروبولوجي، ماذا يقول؟ ماذا عن الضرائب الاجتماعية التي ستكون لهذا الفعل؟ لأنك عندما تستبعد أناسًا من مجالهم الأصلي، فأنت تساهم في إنتاج حلقات جديدة للإجرام. سوف تنتج مستبعدين مجاليًا، معذبين..

باسم: سوف يستعدي مجموعات أخرى ضده..

عبد الرحيم: بطبيعة الحال، وهذا الذي سيحدث الآن في أحواز المدن الكبرى: نخلق أحزمة جديدة للفقر ستشكل علينا خطرًا مستقبليًا.

إذًا، هذا الذي لا يريده صانع القرار، لا يريد أن يستمع لصوت المثقف لأنه مزعج، لا يقدم لك أمورًا وردية أو حلولًا وردية. هذا هو أصل الصراع دائمًا. لأنه مثلًا، محمد جسوس يومًا ما، هذا المرحوم من كبار السوسيولوجيين المغاربة، ماذا قال؟ في سنوات معينة عندما كانت الحرب على المدرسة والحرب على الأسرة. ماذا قال لهم؟ صاح صيحته الشهيرة: “إنهم يريدون خلق جيل من الضباع.” والنتيجة اليوم: لا أتعفف ولن أصف شبابنا بأنه جيل من الضباع، ولكن الوضع الذي كلنا نرفضه الآن أن تجد شبابًا لا بوصلة له، أن تجد شبابًا يهدر وقته اليوم في متابعة التفاهة والرداءة، هذا هو المشكل.

إذًا، الصيحة كانت في زمن ثمانيني، واليوم نأكل من العنب المحصرم -كما نقول- نحصد حصاد الهشيم. هذه مهمة العلوم النقدية بالأساس: أنها تضعنا أمام حقيقتنا.

 

لماذا لا يُنصت لعلم الاجتماع؟

باسم: سؤالي قد يبدو تقليديًا وقد يبدو ساذجًا: لماذا لا ينصت قائد المجتمع أو مدير المجتمع أو سياسي المجتمع، لماذا لا ينصتون إلى رأي الذي يدرس المجتمع؟ علماء الاجتماع، لماذا لا يستشيرونه؟ طالما أن هناك تجارب أمامنا ورأينا نتائج، نتائج مدمرة على مستوى المجتمع، وعلى مستوى المجموع بشكل عام وعلى مستوى الوطنية بشكل عام. لماذا لا يتعظ السياسي؟

عبد الرحيم: أولًا لأن السياسي يفكر… السياسة باعتبارها فنًا لتدبير الممكن وللممكن، تفكر في الآني وفي الحلول الآنية، لأنه دائمًا السياسي يشتغل وفق خطاطة أو مصفوفة معينة، (ماتريكس) مرتبطة بالانتخابات، لديه سقف محدد، ولا يخرج من الصندوق ولا يفكر خارج الصندوق. إذًا، يفكر كيف يدبر هذا اليومي، اليوم مر بخير انتهى، غدًا سأفكر في غد. ليست له رؤية استراتيجية لبناء المجتمعات، هو يفكر داخل مصفوفة مغلقة تتحدد بالأرباح والخيرات الرمزية والمادية التي سيراكمها، ولا يفكر لهذا المجتمع: هل سنصنع مجتمعًا ضد المجتمع؟ هل سنصنع هويات وأنانيات قاتلة داخل هذا المجتمع؟ هل سنصنع عنفًا مضادًا؟ هذه الأمور لا يفكر فيها في كثير من الأحيان.

 

الفردانية الجديدة: من التضامن القروي إلى الإنسان الرقم في زمن الرأسمالية

باسم: يعني تأثير النظم الرأسمالية الأوروبية، وحتى النظام الاجتماعي الأمريكي، على المجتمعات، دعنا نسميها المجتمعات التقليدية العربية.

عبد الرحيم: فعلاً، لأن اليوم المد الأكبر، ما حدث في جائحة كورونا، التي أسميها أحجية كورونا، والتي لم تنفك ألغازها إلى حد الآن، لأنها مرتبطة بعملية إعادة ضبط كبرى (Great Reset) بهذا المعنى، إعادة ضبط لموازين وما إلى ذلك. لكن الذي خرجنا به هو أن المد الرأسمالي المتوحش يسير في كل اتجاه، وأنه يسعى إلى تحوير المجتمعات، وإلى سرقة المجتمعات من ذاتها. اليوم، ما هي القيم الأكثر انتشارًا في مجتمعاتنا اليوم؟ هي الربح، هي البحث عن المال. تصور معي، أستاذي الجليل، بأنه في دراسة سابقة كنا نطرح سؤالًا حول أحلام الطفل العربي، الأحلام السوسيوميانية للطفل العربي، فكانت الإجابات: كلنا من جيلنا، ما الذي تريد أن تكونه غدًا؟ تريد أن تكون طبيبًا، تريد أن تكون معلمًا، تريد أن تكون دركيًا أو شرطيًا، هذه هي المهن.. أو ممرضًا. لكن عندما طرحنا السؤال مؤخرًا على شبابنا العربي وعلى أطفالنا: ما الذي تريد أن تكونه غدًا؟ ماذا كان الجواب؟ يريد أن يكون لاعب كرة، يريد أن يكون مغنيًا، يريد أن يكون صانع محتوى يدخل الملايين من اليوتيوب وما إلى ذلك. الربح السهل والشهرة السهلة، هذا الذي حدث.

لأنه هذا هو المد الرأسمالي المتوحش، ما الذي يفعله؟ إنه يحول الأفراد إلى مجرد أرقام تسلسلية ضمن نسق عولمي كبير جدًا، ينبني على الربح، وينبني على هذه الأمور. قمة الفردانية، فردنة الأشياء، فردنة الطعام، فردنة كل شيء. كل شيء يُصرف بصيغة المفرد، لا بصيغة الجمع.

في مجتمعاتنا القروية، الجمعي هو الذي كان ينشئ الأشياء. تصور معي، أستاذي الجليل، أنه في عالمنا القروي المغربي، وأكيد في دول عربية أخرى، أنه كان هناك طقس يُسمى طقس لوزيع. ما الذي يعنيه هذا الطقس؟ أنه عندما بحثت فيه، انطلقت من الفكرة الشائعة، وهو أن الناس عندما يكون لديهم مشكل في الوصول إلى اللحم بسبب غلائه، فهم يقومون بشراء بقرة أو كبش، ويقومون باقتسام هذا من أجل تقليل الثمن. لكن عندما بحثت أنثروبولوجيًا في طقس لوزيع، وجدت بأن الأمر ليس له علاقة باقتسام اللحم، وإنما باقتسام الخسارة. كيف ذلك؟ تكون لديك بقرة يقع لها مكروه، تكون مضطرًا لذبحها، إذًا تتدخل الجماعة، القرية كلها وتتقاسم معك تلك الخسارة. إذًا هذا هو التضامنات الجمعية التي كانت في مجتمعاتنا: نتقاسم الخسارة.

تويزة: عندما يأتي الحرث، أنت لديك محراث بسيط جدًا، تأتي الجماعة كلها في إطار عمل جماعي يُسمى تويزة، ونتداخل وكلنا نقوم بهذا الحرث الجماعي.

باسم: نفس العادات التي كانت تُقام في الشرق أيضًا، أيام وقت الحصيد.

عبد الرحيم: صحيح نحصد جماعة بالغناء.

باسم: قطف الزيتون جماعة.

عبد الرحيم: هذه الأمور أصبحت تنسحب، وأصبح واقع جديد ينبني على الفردانية المطلقة، على تنقيد العلاقات الجماعية. كل شيء يُصرف بالدرهم، وأن قيمة الأفراد هي مرتبطة بما يملكون من رساميل مادية فقط، وليست رمزية. اليوم، حتى في مواقع التواصل الاجتماعي، كل يسأل عن “اللايكات”. الرأسمال هو رأسمال من “لايكات” ومن “جيمات” ومن “شير” وما إلى ذلك. إذًا الرأسمالية التي… ماذا تريد؟ أن تدخلنا في علبتها ونتحول إلى (Code Bar) إلى رقم تسلسلي، إلى (QR) يؤدي مباشرة إلى رقم معين.

 

النصائح السوسيولوجية بين رفوف الكتب وواقع القرار

باسم: ألا يقوم عالم الاجتماع، يعني طالما الصورة واضحة بهذا الشكل للتأثيرات السلبية مثلاً، للفردانية أو للنظام الرأسمالي الجاف أو المجرم أو الجشع، بتقديم نصائح مباشرة مثلاً لصاحب القرار؟ انتبه، أو لصاحب رأس المال، للمستثمر، للتاجر، أنه أنت صحيح ستحقق ربحًا، لكن ستدمر في المستقبل، اعمل كذا، اعمل كذا، من هذه النصائح.

عبد الرحيم: هذه النصائح هي موجودة في الكتب، موجودة في الدراسات، ولكن أغلب دراسات السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا تُسجن بين الرفوف. أنا أقول دائماً: عندما أذهب إلى دول أخرى أجد الاحتفاء الكبير بالكتب التي ينتجها أبناء الوطن. لكن هل في بلداننا من الماء إلى الماء، هل نحتفي بالكتاب؟

باسم: هل يُقرأ؟

عبد الرحيم: هل نفكك رموزه؟ هل نقرأ شفراته الداخلية؟ هل نقرأ توصياته وخلاصاته؟ لأن أي كتاب يدافع عن أطروحة ما وينتصر لأطروحة ما. المشكلة، كما قلت، هو أنه هناك أخدود عميق بين داعية التقنية وبين المثقف، وأن صانع القرار في كثير من الأحيان ينتصر لداعية التقنية ولا ينتصر للمثقف، لأن المثقف بالنسبة إليه هو مزعج.

اليوم أقول بأن العلوم الاجتماعية في وطننا كلها تقدم رؤى نقدية وتحليلية على درجة عليا من الأهمية، ولكن السؤال: من يقرأ هذه الكتب؟ ومن يقرأ هذه الدراسات؟ ومن يقرأ هذه الأعمال؟ اليوم نحن في حاجة إلى العلوم الاجتماعية، لأن ما يحدث في العالم لا يمكن أن نفهمه إلا بالفلسفة، إلا بالعلوم الاجتماعية والإنسانية.

باسم: صانع القرار هنا أو مدير المجتمع أو الذي يدير المجتمع بشكل.. بمستوياته المختلفة، هل هو يرفض الاستماع أو هو يجهل؟ هل هو يرفض الاستماع لمشورات علم الاجتماع، أو يجهل مدلولات أو فعالية علم الاجتماع؟ أو هو لا يريد؟

عبد الرحيم: أحيانًا، المسألة هي مرتبطة أولًا بالقرب، صانع القرار؛ من هم الأقرب إليه؟

باسم: البطانة.

عبد الرحيم: بطبيعة الحال، هم الذين يحددون المسارات، هم الذين يحددون من نقرأ لهم، ومن نستمع لهم، ومن نفيد منهم. وفي كثير من الأحيان، عندما يذهبون إلى العرض السوسيولوجي والعرض الأنثروبولوجي، يجدون بأنه عرض مزعج، وعرض لا يخدم مصالح مالكي وسائل الإنتاج والقرار، ولهذا يقومون بتحييده من خارطة اللعب. لأنه دائمًا أقول: إن كل سلطة إلا وتتضمن مقاومة معينة، عندما تكون لديك سلطة، حيثما هناك سلطة، حيثما هناك مقاومة.

باسم: أكيد.

عبد الرحيم: أكيد. إذن هذه المقاومات أحيانًا لا نريد أن نستمع إليها، لا نريد أن نسير في مسارها، ولكن نريد أن نبحث عن مسار آخر ربما هو أضمن لنا وأقرب إلينا في كثير من الأحيان.

 

الانبهار بالآخر وانهزام الهوية: أزمة الثقة في الذات الثقافية

باسم: في حالة المجتمعات العربية، عدم الإنصات لعلم الاجتماع سواء بالرغبة أو بالجهالة، سواء لا نريد أن نسمع له ونعرف أنه موجود، أو نجهل وجوده وبالتالي لا نعرف ما يقول. هل تعتقد أن هناك تدخلات خارجية بفرض مثلًا أجندة ثقافية مختلفة على المجتمعات العربية من خلال إدارات المجتمعات بمستوياتها المختلفة تعيق تفاعل المستوى السياسي أو المستوى الإداري في المجتمع مع النتائج أو دراسات علم الاجتماع؟

عبد الرحيم: أشكرك كثيرًا على هذا السؤال، لأنه يطرح سؤال الأنا والآخر. لماذا لدينا الانبهار الدائم بما يقدمه الآخر؟ لأنه أحيانًا صانع القرار يريد أن يستمع لمكتب “ماكينزي”، يريد أن يستمع لمكتب الدراسات القادم من أكسفورد ومن كذا ومن كذا، ولا يريد أن يستمع إلى ما تنتجه الجامعات المغربية، وما ينتجه الباحثون المغاربة. أحيانًا ما ينتج في الجامعات المغربية أهم من التقارير المدبجة التي يقدمها “ماكينزي”.

باسم: لأنه ابن البيئة وابن الواقع وابن المجتمع.

عبد الرحيم: وأنا يومًا ما تابعت هذه التقارير، ووجدت بأن التقرير الذي يقدمه “ماكينزي” مثلًا للمغرب أو للجزائر أو لتونس، هو التقرير الذي يقدمه أيضًا لدولة أخرى “نسخ لصق” في هذا المعنى.

باسم: حبة أسبرين ويوزعها على الجميع.

عبد الرحيم: على الجميع، نفس التقارير مع تغيير كذا وتغيير كذا. إذن أحيانًا صانع القرار يريد أن يستمع فقط لذلك الذي يوجد في الضفة الأخرى. وهذا ابن خلدون: “إن المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب”. دائمًا هناك انبهار كبير بذلك الآخر، ما ينتجه الآخر هو العلم، وما ننتجه نحن هو اللا علم، العكس من ذلك.

أنا عدت حتى إلى ما أنتجه المستشرقون وما أنتجه الكثير من الباحثين الذين زاروا المغرب وزاروا العالم العربي، في اشتغالي مثلًا أنثروبولوجيا الحج الإسلامي، عدت إلى المتن الذي أُنجز، فماذا وجدت؟ اشتغال على الغرائبي بالدرجة الأولى، وهذا الاشتغال على الغرائبي هو الذي يعطيه الشرعية ويعطيه المقبولية الاجتماعية. أشتغل على الحريم، أشتغل على بعض الأمور المرتبطة بالجنس..

باسم: يعني يشتغلون على السلوكيات الجانبية في المجتمع فعلًا وليس السلوك العام.

عبد الرحيم: وأقدمها بشكل عجائبي بهذا الأساس. ولكن بمقابل ذلك، أجد بأن طالبًا باحثًا عندي في الدكتوراه أنجز بحثًا متميزًا حول منطقة معينة، ولكن لا يتم الاستماع إليه لأن الكتاب الآخر القادم من هناك ممهور بتوقيع “مسيو” فلان أو “مدام” فلان أو ما إلى ذلك. إذن هذه الانبهارية هي التي نريد أن نقطعها. لدرجة أنه أحيانًا أقول بأنه هذا صديقي سعيد، يقول: “الانهزامية الهوياتية” لدينا، انهزام هوياتي في كثير من الأحيان، نحقر أنفسنا قبل أن يحقرنا الآخر. يعني أن مفهوم “الحقرة”، بهذا المعنى، أن الحقرة الذاتية هي التي ربما تؤثر فينا.

 

جلد الذات وتراتبية القيمة الثقافية في المجتمعات العربية

باسم: دعنا نحكي بوضوح أكثر: هل تعتقد -لا نريد القول والتعميم- أن المجتمعات العربية بشكل عام تحتقر ذاتها، إنما قيادات المجتمعات بمستوياتها المختلفة، سواء سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو تجارية أو حتى المثقفة؟ لأنه أيضًا هناك مثقفون يحتقرون ذاتهم، ولا يركنون إلا ما ينتجه الآخر عنهم.

عبد الرحيم: أنا سأعطيك، دكتور باسم، مثالًا بسيطًا مرتبطًا بهذا المنسوب العالي من جلد الذات لدينا كعرب، منسوب عالٍ من جلد الذات، منسوب عالٍ من تحقير الذات. أحيانًا نعتبر بأننا دائمًا في صف ثانٍ، والدليل على ذلك أنه عندما يأتي معرض الكتاب، ويأتي كتاب ممهور مثلًا بلغة فرنسية أو إنجليزية، نعتبره بأنه قمة العلم. ونفس الأمر عندما يأتي كتاب ممهور بلغة عربية، نعتبره بأنه في مستوى ثانٍ. إذن لماذا أنجزنا هذه التراتبية؟ يعني أن المسألة بنيوية لدينا، ولكن هذه المسألة البنيوية مرتبطة بالتاريخ. لأنه، هل إعلامنا اليوم يحتفي بمثقفينا؟ لهذا قلت لكم بأنكم تقومون بدور كبير جدًا.

باسم: تسلم.

عبد الرحيم: يعني، هل هذا الإعلام يحتفي بمثقفينا في قضايانا الوطنية أحيانًا وقضايانا الأساسية؟ دائمًا نريد أن نستمع لصوت الخبير الأجنبي. أنا لست ضد الخبير الأجنبي، مرحبًا به، ولكن في نفس الآن هناك مثقفون من داخل البلد، هناك مثقفون من الماء إلى الماء على قدر كبير من الأهمية.

باسم: لا شك لا شك.

عبد الرحيم: ولكن نقوم بإزاحتهم وإبعادهم.

 

من الهويات القاتلة إلى الأنانيات القاتلة

باسم: هو سؤال كبير، ونتيجة طبيعية لكل ما تقدمت فيه: كيف السبيل لإقناع قيادات المجتمعات السياسية أنه دعنا نتوقف قليلًا عن تحقير ذاتنا وجلد ذاتنا بشكل أكثر من اللازم، ونحاول أن نتعامل مع ذاتنا بنوع من السلمية والتعامل لإنجاز شيء منجز جمعي على مستوى مجتمعاتنا؟

عبد الرحيم: أمين معلوف تحدث يومًا عن “الهويات القاتلة”. أنا أقول بأنه بالإضافة إلى الهويات القاتلة من البحر إلى البحر، هناك الأنانيات القاتلة. اليوم علينا أولًا أن نقطع مع منطق الأنانيات القاتلة. يومًا ما كنت في ستوكهولم، وأعجبتني عبارة جميلة لأحد الأساتذة وضعها عند باب مدرجه، في باب المدرج كتب: (Leave your ego out and enter this classroom) “اترك أناك المتضخمة خارجًا وادخل إلى هذا الدرس.” اليوم ما يحتاجه المثقف العربي وصانع القرار وداعية التقنية هو القطع مع الأنانيات ومع الأنا المتضخمة. لدينا اليوم أنا متضخمة.

باسم: هل هذه الأنا محصورة عند المثقفين أم محصورة عند السياسيين؟

عبد الرحيم: عند الجميع. واليوم أضافت مواقع التواصل الجميع، حتى للمواطن العادي أصبحت له، عن طريق “السيلفي” وعن طريق كذا، ما يحدث فيها.

باسم: إذن لا يمكن لوم السياسي أو الذي يدير المجتمع بأنه هو الذي يحتقر ذات المجتمع وحده؟

عبد الرحيم: السياسي له مسؤولية وله نصيب كبير من المسؤولية.

باسم: لا شك، لكن المثقف..

عبد الرحيم: المثقف مدعو إلى مراجعة ذاته.

باسم: يعني أنا يحزنني القول: إن كل الكتب التي ينتجها المثقفون العرب، لو تحسب نسبة من قرأها إلا ما رحم ربي.

عبد الرحيم: وأحيانًا لا نقرأ لبعضنا البعض.

باسم: بالضبط.

عبد الرحيم: ولا نحتفي ببعضنا البعض.

باسم: معناه أن المثقف نفسه عنده مشكلة.

عبد الرحيم: المشكلة الأساسية عند المثقف أولًا.

باسم: هل المثقف لا يثق بما يكتب وما ينتج؟

عبد الرحيم: المثقف أحيانًا يكتب ما لا ينعكس على سلوكه وعلى ممارساته اليومية. كيف تدعي بأنك تكتب عن التنوير وعن الحداثة وأنت وزميلك معك في الجامعة أصدر كتابًا ولم تقل له حتى مبروك، لم تقرأ حتى الكتاب، لم تشترِ حتى الكتاب؟ إذًا لدينا مشكلة حقيقية اليوم.

اليوم أحيانًا المثقفون دخلوا في حروب بينهم، الذي حدث قبلاً، وهذا هو الزمن، دائمًا نحن إلى الزمن الجميل. لو كان هناك سجال ثقافي بين المثقفين..

باسم: لم يعد موجودًا.

عبد الرحيم: جورج طرابيشي يكتب عن الجابري.

باسم: محمد عابد الجابري.

عبد الرحيم: كان هناك سجال ثقافي. على الأقل يقرأون لبعضهم البعض، لكن اليوم لا أحد يقرأ للآخر.

 

المثقف بين ضمير المجتمع وأزمة الممارسة: من نلوم؟

باسم: إذن المشكلة ليست عند السياسيين، وليست عند إدارة المجتمعات.

عبد الرحيم: المشكلة أحيانًا عند المثقف. المثقف لا تنعكس عليه ثقافته في ممارساته اليومية، في ما يفترض فيه أن يكون، لأن المثقف هو ضمير المجتمع، المثقف هو الذي يُفترض أن يكون..

باسم: يعني نحن بحاجة إلى أن نثقف المثقف نفسه أو نعيد تثقيف المثقف.

عبد الرحيم: فعلاً، محتاجون إلى مثقف نوعي، إلى مثقف ملتزم، إلى مثقف يزاوج بين الخطاب وبين الممارسة في نفس الآن، كما يقال أو كما يصف المثقف..

عبد الرحيم: العضوي مع جرامشي بالأساس. وأعود، أستاذي، لو سمحت لي، إلى مسؤولية صانع القرار. صانع القرار يملك ثلاث مؤسسات على الأقل يوجهها: الإعلام، والمدرسة، والأسرة. ماذا أقصد بذلك؟ لو صانع القرار دفع في اتجاه التمكين الاقتصادي والاجتماعي للأسرة، ستكون لنا أسرة حقيقية..

باسم: فاعلة ومنتجة.

عبد الرحيم: بطبيعة الحال ومنتجة. لو ساهم في بناء المدرسة من جديد، وتكون لنا المدرسة التي نحلم بها، مدرسة تسهم في تغيير المجتمع، سوف يؤدي الأمر إلى ما هو إيجابي. ولو ساهم في تملك الإعلام وتوجيهه في اتجاه بناء مواطن نريده أن يكون أخلاقيًا وأن يكون منتصرًا للتنوير، سنربح المعركة. ولكن اليوم، مؤسسات الإعلام…

باسم: يعني هي يمكن القول من قبل: الدجاجة أم البيضة؟ من نلوم؟ هل نلوم المثقف الذي نفسه يحتقر ذاته ويحتقر ثقافته، أم نلوم السياسي الذي أيضًا هو نفس الشيء؟ فعدم وجود ثقة: لو أنا سياسي وأرى المثقفين هم أنفسهم لا يحترمون ما ينتجون، ولا يلتزمون سلوكيًا بما يثقفون أنفسهم، فبالتالي لماذا أركن عليهم؟ فأكيد سألجأ للآخر.

عبد الرحيم: صحيح، سألجأ إلى الخبير الأجنبي من “ماكينزي”، سوف يعطينا تقريرًا كذا كذا وفق ما أريد، وانتهى هذا الأمر.

باسم: إذن يمكننا أن نوقع كثيرًا من اللوم على المثقف أكثر من على السياسي؟

عبد الرحيم: وأنا أذهب معك بعيدًا في هذه المسألة وأتفق معك كل الاتفاق أن المثقف يتحمل المسؤولية الأكبر، لأنه اكتفى في كثير من الأحيان بدور المتفرج، لا يريد أن يتدخل في النقاش، وأحيانًا.. أو لا يريد أن يكتب في بعض الأحيان، لا يريد أن يقول كلمته. علينا أن نعترف بأن الكثير من أساتذة الجامعات لا ينتجون شيئًا. علينا أن نعترف بأن الكثير..

باسم: مجرد موظف.

عبد الرحيم: مجرد موظف، في حين أن مهمتك الأساسية أنت أستاذ باحث، يعني أجرتك ليس فقط الأستادية وإنما البحث أيضًا. ما الذي قدمته للجامعة المغربية؟ ما الذي قدمته للمجتمع؟ إذًا المثقف عليه أن يجتهد، وعليه أن يتكتف من أجل بناء جماعات علمية قوية. لأن الجماعات العلمية والمدارس الكبرى… لماذا اشتهرت مدينة فرانكفورت؟ لم تشتهر فقط بمطارها الكبير، وإنما بمدرستها النقدية، فرانكفورت. لماذا اشتهرت مدينة شيكاغو؟ اشتهرت بمدرسة شيكاغو في علم الاجتماع. إذًا اليوم، هل يمكن أن نقول بأننا لدينا مدرسة الرياض أو مدرسة بيروت أو مدرسة الرباط أو مدرسة مراكش؟

باسم: للأسف ما فيه.

عبد الرحيم: لماذا لا يجتمع المثقفون؟ لماذا لا يلتقي المثقفون؟ لماذا لا يتساجلون ويدخلون في نقاشات؟ كل واحد يعتبر نفسه نبيًا فوق الجميع، وأنه الأحق بأن نستمع له، وأنه الذي يمتلك المعرفة، والمعرفة لا تشرق إلا من جبينه.

باسم: يعني الفردانية التي تحكم الثقافة المجتمعية هي فردانية المثقف نفسه.

عبد الرحيم: صحيح، الأنانيات القاتلة. الأنانيات القاتلة التي أصابتنا في مقتل.

باسم: للأسف، دكتور، حقيقة للأسف، أنه نستنتج بعد الحوار أن اللوم يقع على المثقف الذي هو يطالب الآخرين أن يقرأوا كتبه ويقرأوا منتجاته أو مستخرجاته الثقافية.

عبد الرحيم: أنا قلت يومًا، قلت أحيانًا لدينا في حقل التربية والتكوين في المغرب حوالي ثلاثمائة ألف موظف، ما بين أستاذ ومعلم وما إلى ذلك.

باسم: في الجامعات المغربية؟

عبد الرحيم: في الجامعات، وفي الإعداديات، وفي الثانويات، وفي كل المؤسسات. يعني كل الذين ينتمون إلى حقل التربية والتكوين من الابتدائي إلى الجامعي، حوالي ثلاثمائة ألف موظف، ثلاثمائة ألف أستاذ. هل نبيع ثلاثمائة ألف نسخة؟ المثقف الذي ينتج كتابًا أقصى ما يمكن أن يبيعه هو ألف نسخة. كتابي “صناعة النخبة في المغرب” كان (Best Seller) (الأكثر مبيعًا) وبيع منه اثنا عشر ألف نسخة، سنة 2006 تحديدًا في إطار سياقات معينة، ولكن ليس لدينا ما يسمى بالأكثر مبيعًا في المجتمع المغربي. لماذا؟ لماذا؟ لأننا لا نقرأ.

باسم: لا يوجد “بيست سيلر” أصلًا.

عبد الرحيم: عندما نتحدث “بيست سيلر” مثلًا في فرنسا، يعني في الدخول الجامعي نتحدث عن مليون نسخة على الأقل. لكن لماذا؟ لأننا لا نقرأ لبعضنا البعض، إذًا اللوم علينا. ثم إننا لا نواكب ما يحدث اليوم كما تحدثت قبلاً. ماذا عن هذا الشباب، الشباب بلا سقف؟ ماذا عن الاستبعاد المجالي؟ ماذا عن السلطوية؟ ماذا عن كل هذه الأشياء التي نحتاجها؟

 

الأمن الاجتماعي والمادي: السياق والهاجس اليومي

باسم: ربما أسألك يعني، هل هناك أسباب مثلًا للأمن الاجتماعي والأمن المادي عند الفرد؟ أنه دائمًا الفرد يعيش في هم توفير لقمة العيش، توفير البيت، توفير مثلًا تربية الأطفال؟

عبد الرحيم: أنا دائمًا يعني..

باسم: هل هذا هو الهاجس؟

عبد الرحيم: فعلاً دكتور، لأن الأمر مرتبط بالسياق. السياق كفيل بإنتاج المعنى، السياق الذي نعيش فيه، السياق الرأسمالي المتوحش يسرق من الناس إنسانيتهم، ويحولهم إلى عبيد، ويحولهم إلى لاهثين فقط وفق مسارات مخططة. يعني أنا أحيانًا، في بعض الأحيان، أقول بأن هذا الأستاذ الجامعي أدخلته في دوامة مرتبطة بالقروض، ومرتبطة بكذا، ومرتبطة بالأسرة، وبأمور أخرى. يعني متى سيكتب؟ متى سيقرأ؟ إن لم يكن له ضمير، إن لم يكن له قضية وأطروحة يدافع عنها. في كثير من الأحيان نجد بأن الكثير من المثقفين غادروا في منتصف الطريق، واكتفوا بالتفرج وبالمشاهدة، لأن السياق سرق منهم وظيفتهم الأساسية. من يستمرون الآن هم يقبضون على الجمر بأيدٍ…

باسم: وضع مأساوي سواء للمثقف أو للمجتمع أو حتى لإدارات المجتمع، بالفعل ما عندي حل، لن أضع لك حلًا..

عبد الرحيم: الحل هو: يجب أن نستمر من أجل توطين التاءات الثلاث والعيون الثلاث.

باسم: أتفق معك.

عبد الرحيم: أن نستمر بحثًا عن التغيير، والتنوير، والتحرير، من أجل العمل، والعلم، والعدل في أنفسنا.

 

أنثروبولوجيا الحج: أزمة النصوص الشارحة

باسم: أحب أن أسمع “سوسيولوجيا الحج”، هذه الفكرة كيف جاءت؟ ما المقصود بسوسيولوجيا الحج؟

عبد الرحيم: أولًا، كتاب “أنثروبولوجيا الحج الإسلامي”

باسم: هو أنثروبولوجيا الحج وليس..

عبد الرحيم: هو “أنثروبولوجيا الحج الإسلامي: من التجربة الحجية إلى النقد المنفتح”، أنه انتقلت أولًا في البداية باشتغال على النخب، على الأعيان، وبعد ذلك أصبحت مغرمًا بالمسار الأنثروبولوجي. اشتغلت أولًا على بركة الأولياء، المقدس الضرائحي، ثم على الطعام، وعلى قرابة الملح. وكما قلت: القرابة في المجتمع المغربي هي ثلاث: إما قرابة بالدم عن طريق المصاهرة والزواج، أو بالحليب عن طريق الإرضاع، أو قرابة بالملح عن طريق العيش والملح. يعني: ونحن أكلنا عيشًا وملحًا، إذن أكيد ستكون هذه القرابة دائمة ومستمرة، الممالحة والمؤاكلة. وبحثت في الهندسة الاجتماعية للطعام.

ولكن عندما ذهبت إلى الحج، طرحت سؤالًا، سؤال قد يبدو بسيطًا، ولكنه دفعني إلى التساؤل: لماذا نطوف ضد عقارب الساعة؟ لماذا نقوم بهذا الطقس وفق هذه الطريقة؟ ما دلالة الإحرام؟ ما دلالة الأشياء؟ فالذي وجدت بأن أغلب الذين كانوا معي لا يمتلكون جوابًا، وأن الإجابات كانت موزعة بين كذا وكذا. فقلت مع نفسي: يُفترض فيّ أن أكون باحثًا ومبحوثًا في نفس الآن؛ أن أكون حاجًا، وفي نفس الآن أمارس البحث الاجتماعي على الحج، الباحث والمبحوث. فانطلقت هذه المسألة على مدى أربع سنوات، توزعت بين عمرة وبين حجين. فكانت النتيجة…

باسم: أنت مارستها؟

عبد الرحيم: نعم، مارستها فيّ بطبيعة الحال، كانت الممارسة الحجية يعني يعني، وكنت فيها باحثًا ومبحوثًا، حاجًا ومبحوثًا في نفس الآن. والنتيجة هو أنني قلت: مشكلتنا مع النص الشارح، وليس مع النص الأصلي. ولا أخفيك سرًا بأن ابنتي الصغيرة، ملا، كانت سببًا في دفعي إلى البحث في هذا المنطق. يومًا ما وكنا نتحدث سويًا، سألتني سؤالًا: بابا، هل الجنة ليس فيها مكتبة؟ ليست فيها سيارة؟ ليست فيها “آيباد”؟ لماذا الجنة لدينا تصور لَذّوِيٌّ للجنة: الحور العين، والمن والسلوى؟

باسم: الأكل والشراب.

عبد الرحيم: ألا يمكن أن تكون فيها أشياء أخرى نحتاجها؟ أنا إذًا رجعت إلى النصوص، فماذا وجدت؟ أنه أحيانًا أمور لا يقبلها العقل، وأنه تم اختزال الجنة كجزاء فقط في تصور لَذَّوِيٍ صِرْف، وذكوري بالأساس، كأن النساء لا حظّ لهن في الجنة على مستوى المتع وما إلى ذلك.

فوجدت بأن مشكلتنا مع النص الشارح، النص الشارح الذي قام بشرح النص الأصلي، جاء في سياق سياسي بالأساس ليخدم الخروج من زمن الخلافة كبنية، يعني تحيل على وضعية سياسية معينة، مقبولة ديمقراطيًا، من بناء الشورى وما إلى ذلك، إلى وضع آخر فيه وضع يتأسس على الاستفراد بالسلطة. فوجدت بأنه يجب أن نعود إلى الحكايات التأسيساتية لنفهم ديننا. الدين في الأصل هو دين الحرية، الدين في الأصل هو دين السلام. ولكن الذي حدث أن النص الشارح سرق الدين من أصله ووظّفه توظيفات أيديو-دينية بالأساس.

باسم: يعني بدّل الكلم، حرّف الكلم عن مواضعه.

 

كيف نوسّع الدائرة؟

عبد الرحيم: ولهذا أقول دائمًا: يجب أن نعود إلى الحكايات التأسيساتية.

اسمح لي، أستاذي الجليل، أن أُذكّر بحكاية، ودائمًا تعجبني الحكاية لأننا مجتمع حكاء. حكاية غيرت مسار الحياة، وكانت سببًا في كتابتي “أنثروبولوجيا الحج”. التقيت يومًا ما في بيروت، أعتقد، مع فقيه أزهري، كنا ضيوفًا على برنامج معين، فحكى لي في استراحة حكايته مع المؤسسة العسكرية: أنه كان يمضي فترة التجنيد في الصعيد المصري، وأخذ عطلة وذهب إلى القاهرة لزيارة أهله. كان من المفروض أن يعود بانتهاء العطلة في ساعة معينة، لكن قطار الصعيد تأخر عن موعده. الذي حدث هو أنه استقبله الضابط المسؤول عنه وقال: لقد تأخرت، إذن تستحق العقاب. بعد العشاء نلتقي في ساحة الثكنة العسكرية. التقيا، قال له مباشرة: ارسم دائرة، فرسم دائرة صغيرة. قال له: ادخل إلى هذه الدائرة، عقابك أن تمضي الليل كله وسط هذه الدائرة. وفعلا نفذ الأمر. في الصباح جاءه الضابط المسؤول عنه: ما الذي استفدته من هذا العقاب؟ ماذا كان جوابه؟ ما الذي أجبرني على رسم دائرة صغيرة؟ أنت طلبت مني أن أرسم دائرة، كان بإمكاني أن أرسم الدائرة بملء الساحة، أتمشى، أقف، أجلس، أفعل أشياء كثيرة، ولكن بما أنني رسمت دائرة صغيرة، انفرض عليّ الليل كله أن أبقى واقفًا.

كانت هذه الحكاية بمثابة الصفعة التي غيرت نظرتي للحياة. ومنذ تلك اللحظة وأنا أُكبّر الدوائر، حتى في قراءة المجتمع، حتى في قراءة الحج؛ لم أقرأه بعين الفقيه، وإنما بعين المتسائل الذي يبحث في العمران المحيط بالحج، في سرقة الحج من أصوله الأصلية، في تحول الحج إلى سوق حجية، في سيطرة الطقوس أحيانًا على ما ينبغي أن نعيشه في الحج.

 

العودة إلى الأصل ورسائل الحج العميقة

عبد الرحيم: مثلًا في مزدلفة وأعتبر بأنها لحظة فارقة في تاريخ الحج، أبحث في الحكايات التأسيسية: من أين جاءت مزدلفة؟ من “الزُلفى”، من القرب. وأعتبر بأن تلك اللحظة هي قرب القرب في مزدلفة. ما المطلوب من الحاج؟ أن يتجرد من كل شيء، أن يتجرد من سًلَطه الرمزية ونياشينه، وأن يبيت في العراء، وأن يبيت على قطعة ثوب بسيطة فوق الأرض. إذًا هو نوع من الرجوع إلى الأصل لإعادة الأشياء. ولهذا أعتبر بأن الحج هو مدرسة لإعادة صناعة الإنسان.

باسم: يعني (Resetting).

عبد الرحيم: فعلا بهذا المعنى: أنك تعود إلى الأصل، وفي نفس الآن تعتبر بأنك لا تساوي شيئًا. في التجربة الحجية الثانية، كنت من ضيوف الملك سلمان، وكان معي رئيس دولة، كلنا ننام على الأرض فوق الحج. وحينها أطرح السؤال. هذا الذي يرعب الناس..

باسم: نائم على نفس الأرض..

عبد الرحيم: نائم على نفس… إذن هذه الرسالة القوية من الحج، حتى في عملية ما نسميه رجم الشيطان. رجم الشيطان بالنسبة إلي في “أنثروبولوجيا الحج” هو استفراغ للشر، وأسميته بهذا في الفصل: استفراغ. أنت لا ترمي شيطانًا، وإنما تستفرغ الشر الذي يوجد فيك عن طريق الرمي.

باسم: لكن كم حاج يفهم هذا المغزى؟ أو يفسر هذا السلوك وهذا الطقس بهذا التفسير؟

عبد الرحيم: هذا ما أسميته بالتدين الفُرْجَوي. في كثير من الأحيان، الدين يُسرق من ذاته ويتحول إلى ممارسة فُرْجَوية غايتها هو الحصول على اللقب السوسيو-ديني. وجدت بين الكثير من الحجاج ليس لهم هدف سوى الحصول على لقب الحاج. تصور معي: مجرد ما وصلنا أصبحوا ينادون أنفسهم على بعضهم البعض، الحاج الحاج، ونحن لم نحج بعد. للتو وصلنا من للطائرة.

إذن الغرض هو تحصيل اللقب، لأننا نعيش في زمن الألقاب، في زمن الألقاب التي توزع يمينًا ويسارًا.

 

إشكالية النص الشارح: من التأويل السياسي إلى استعادة الأصول

باسم: هل ذلك يعود للتعبير الذي أنت ذكرته أن الشارح سلك سلوكًا مختلفًا عن النص، أو عن مقاصد النص؟

عبد الرحيم: فعلاً، لأن الشارح كانت له استراتيجيات سياسية بالأساس، لأن المشكل الذي حدث في هذا العالم العربي الإسلامي، ما هو؟ هو حادث السقيفة، لأن حادث السقيفة، سقيفة بني ساعدة، عندما جاء الخبر اليقين بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد مات، واجتمع القوم في سقيفة بني ساعدة، طُرح سؤال ملغوم لم يتم الكشف عنه إلى الآن: لمن الأمر اليوم؟ بمعنى: من سيحكمنا؟ سنحتكم إلى ماذا؟ الذي حدث هو أنه كان هناك توافق هش، والدليل على ذلك ما حدث للخلفاء الراشدين؛ قتل واغتيال وما إلى ذلك. وهذا يذكرني بالبيت الشعري الرائع الذي قاله نزار قباني: “فكم من نبي قتلناه/ وكم من رسول ذبحناه/ أيامنا كلها محن/ وتاريخنا كله كربلاء.” فمن ثم انطلق موسم الدم.

باسم: التأريخ للمرحلة ما بعد وفاة النبي عليه السلام، هو النبي الكريم، فيها دراسات كثيرة وشروحات كثيرة. أنا ما زلت أشك بنسبة الأحداث إلى واقعيتها، حيث إنها كذلك، أنها صارت هكذا، وأن الشروحات التي أُعطيت فيما بعد هي تبريرات للكذب أو للدس على التاريخ.

عبد الرحيم: هذا ما أسميه النص الشارح، الذي كُتب في سياق سوسيو-سياسي بالأساس، كان فيه صراع حول السلطة وحول الثروة، وكان صراع حول الأرض، وهذا هو الصراع الذي استمر..

باسم: لكن سؤالي: يعني لنفترض أنه حدث كل هذا، هل يعني أن من كان في ذلك الوقت وتساءل هذا التساؤل: هل كان يفقه الدين أو هل يفقه الإسلام بحقيقته مثلاً؟ كانوا لا يزالون صغارًا.

عبد الرحيم: مشكلتهم أنهم في تلك اللحظة ربما أقول بأنهم لم يفهموا سماحة الدين، لم يعرفوا بأن الدين هو الحرية، لم يعرفوا بأن الدين هو العقل، لم يعرفوا بأن الدين هو الإيمان بدين الإنسانية. لأنك عندما تعود إلى مجموعة من الآيات القرآنية، فإنها لا تقوم بتكفير كذا ولا بتكفير، “لَا إِكْرَاه فِي الدِّين”، وأن هذه الخيرية الإنسانية المرتبطة بالإسلام جاءت للعالم الأكبر، وأن الأديان والعقائد في مختلف البقاع مهمتها الأساسية هي صناعة السعادة وصناعة الخيرية بالأساس.

باسم: الموضوع حقيقة موضوع مهم جدًا، خاصة التأريخ، يعني عملية التأريخ للحدث، ما يسمى… أنا لا أتفق معه، الحدث الديني، هو التأريخ للعرب المسلمين في ذلك الوقت، وما جدّ من جديد على فهمهم وتمثلات سلوكياتهم الدينية، حسب نتيجة فهمهم للنص..

عبد الرحيم: هذه المرحلة أستاذي الجليل، نحن مطالبون بإعادة تفكيكها. لماذا؟ لأنها تؤثر في الراهن، لأنه علينا أن نعلم بأن الإسلام سياسي.

باسم: لو أردنا أن نضع نقدًا لهذه السردية، كيف نبدأ؟

عبد الرحيم: أول شيء بالنسبة إلي، هو أولاً أن يتمثل المثقف دوره الأساسي والطليعي، وأن يقطع مع الأنانيات القاتلة، وأن يقطع أولاً مع النصوص الشارحة التي توجهه، وأن يتوجه إلى الحكايات التأسيساتية..

باسم: المقصود؟

عبد الرحيم: بطبيعة الحال، أن تعود إلى الحكاية الأصلية، النص القرآني، أن تعود إلى الأصول، وأن تشتغل بمنطق منهجي وبمنطق نقدي يقوم بإزالة كل الشوائب، وأن تفهم الإسلام كما هو ليس كما قدمه المسلمون والشارحون.

 

سلطة النص الشارح وجدار التأويل

باسم: لماذا اكتفى العقل العربي الإسلامي بما قدمه الشارحون عن النص وأبقى النص بعيدًا في زاوية مخفية؟ لأن النص الشارح أصبحت له السلطة، أصبحت له سلطة الوساطة. اليوم، مثلاً، عندما تريد أن تعود، لا يجب أن تعود إلى الشروح التي قدمها فلان والشروح التي قدمها فلان..

باسم: وليس إلى النص..

عبد الرحيم: بل أعود إلى النص الأصلي وأقوم بقراءتي.

باسم: يعني، السؤال: هل الناس لا تريد العودة إلى النص لأنها مكتفية بالشارح؟ أم أن هناك صعوبة في العودة إلى النص؟

عبد الرحيم: الذي حدث هو أن النص الشارح أصبحت له سلطة معرفية، وأصبح أشبه ما يكون بجدار، يعني مباشرة تجده أمامك قبل الوصول إلى الآخر. وحتى عندما تعود إلى الأصلي، فأنت تفكر بمنطق النص الشارح. ولهذا في “النقد المنفتح” قلت بأنه علينا أن نعود إلى الحكاية التأسيساتية لكي نفهم الطقس، ونفهم الرمز، ونفهم ما يحدث. لأنه لن أقبل اليوم بأنه -وإن كان البعض يقول بأن هذا الحديث أنه لا غبار عليه- ولكن أفكر بمنطق أن تجد البعض يردد من آل الإسلام الإيديو-ديني وتنظيمات معينة بأن “من لم يجد ما يتصدق به فليلعن اليهود والنصارى”. أي عقل يقبل هذا؟ والبعض يردد هذا الحديث. لا منطق..

باسم: لا شك هناك خلل كبير في المنقول التاريخي.

عبد الرحيم: أو تجد البعض يقول لك: “وإذا قلت لصاحبك أنصت فلا جمعة لك”. أنا وإياك في الجمعة، وأعجبني صوت الخطيب وأعجبتني فكرة الخطيب، استمع زميلي، هذا ما قاله رائع، ذهبت الجمعة؟ أبدًا، ويردد لدينا. ولكن هذا الذي أنتج معه هو السياق السياسي، لأن الجمعة كانت هي جمعة الخلاف والنقاش والتواصل. ولكن نتذكر ما حدث مع الجعد بن درهم، أنه في يوم عيد أو يوم جمعة، لا أذكر، نزل الإمام وقال لهم: “ضحوا فإني مضحٍ بالجعد بن درهم”، في يوم عيد الأضحى، وقام بالتضحية به. إذًا هنا من أجل أن نمنع الناس من النقاش، من الاحتجاج، صنعنا نصًا شارحًا يخدم مهمة صانع القرار ويشرعن وجوده وما إلى ذلك. إذًا اليوم محتاجون إلى الغربلة، محتاجون إلى إعادة النظر في هذه الأمور..

باسم: هو لا شك أننا نحتاج إلى الغربلة وإعادة النظر، لكن نحتاج إلى وسائل. ما هي الوسائل التي يجب توفرها للعودة إلى قراءة النص بمعزل عن الشروحات الموازية أو ما يسميه البعض كما سمى عمر بن الخطاب “المثناة اليهودية”، قال لهم: “هذه مشناة اليهود”.

عبد الرحيم: صحيح، ما نحتاجه هو العلم والعمل.

باسم: العلم كحقل، كأدوات. لكن كيف نقرأ النص؟ هذا النص يحتاج إلى قراءة. من المؤهل لقراءة النص ليتمكن من تدبره واستنباط المعارف التي فيه بالطريقة الصحيحة؟

عبد الرحيم: نعلم جيدًا بأنه اليوم في الفلسفة، ومنذ زمن بعيد مع بول ريكور أن هناك حديثًا عن الهرمنيوطيقا، الهرمنيوطيقا أو علم التأويل. وعلم التأويل كما سماه بول ريكور أن مهمته الأساسية تنحد في أمرين أساسيين: فن الإصغاء وفن الفهم. أن تصغي أولاً إلى النص الأصلي، إصغاء تام، وأن تفهمه. وهذا مجهود قوي يجب أن نبذله.

اليوم نحن محتاجون إلى بذل مجهود أكبر، محتاجون أولاً إلى بناء جماعات علمية قوية، محتاجون إلى مصالحة بين صانع القرار وبين المهام العلمية، وأن لا يعتبرنا بأننا باحثون من درجة ثانية، وأن الباحث الأجنبي والخبير الأجنبي وداعية الخبرة هو المطلوب. محتاجون إلى الإيمان بطاقاتنا وبإمكانياتنا، وبأننا قادرون على تحرير النص الأصلي من النص الشارح. ومحتاجون أساسًا إلى الإيمان بقدرات العلم، أن العلم اليوم هو مفتاح الفرج.

قلتها يومًا في جائحة كورونا والعالم منغلق على ذاته: كلنا يقول بأن الصبر مفتاح الفرج. أي نعم، الصبر مفتاح الفرج، ولكن العلم هو مفتاح الفرج.

باسم: سنبقى قابضين على المفتاح حتى يأتي الفرج. دكتور، إن شاء الله نلتقيك في حلقة أو في فرصة أخرى. أنا سعدت بالحديث معك.

عبد الرحيم: بارك الله فيك.

باسم: وحقيقة في أشياء كثيرة يمكن الحديث فيها معك.

عبد الرحيم: أنا سعيد جدًا.

باسم: دائمًا الوقت سيف بتار. مشاهدينا، شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”.