Skip to content Skip to footer

من بلاغة الكوجيطو إلى أيديولوجيا الحجَّة الزائفة | د. بدر الحمري


كتب الفيلسوف الفرنسي جان بودريار Jean Baudrillard (1929-2007) عن مجتمع الاستهلاك قائلا:

«لم نعد نستهلك أشياء من أجل استخدامها، بل من أجل دلالتها. لقد صارت كل الأشياء عَلامات،

والسِّلعة لا تُشترى بوصفها شيئًا بل بوصفها هُوية »[1]؛ بمعنى آخر:

إنّ الاستهلاك في المجتمعات المعاصرة لم يعد تحركه المنفعة أو الحاجة، بل صار موجهًا بالدلالة والرمز؛ فالسلعة مثل الهاتف أو السيارة أو الوجبات السريعة أو اللبّاس أو مجمل مظاهر التسوق الواقعي أو الرقمي .. لم تعد أداة بل علامة اجتماعية بالغة تدل على المكانة الاجتماعية التي ينتمي إليها المستهلك، وهوية تحدد كينونته إن جاز لنا التعبير.

مع هذا القول الفلسفي أمام محاولة لتدشين هوية مغايرة أو هي بداية تأسيس كوجيطو جديد: “أنا أستهلك، إذن أنا موجود”؛ وهو تحوير بلاغي ساخر للكوجيطو الديكارتي[2] ” أنا أفكر، إذن أنا موجود”؛ فرغم بلاغة التكرار الذي يمكنُ أن يتضمنه هذا الكوجيطو الجديد، المتمثل أساسًا في ضمير المتكلم “أنا”، بما يمنحنا شعورًا مغشوشًا بالتشابه مع الكوجيطو الديكارتي، إلاّ أننا أمام تحديد مفهوم جديد للأنا يتضمن سخرية ضمنية – إلى حدّ ما صادمة – من طبيعة هوية الشخص اليوم؛ إنّه كُوجيطو جديد لأنه قائم على النظام الرمزي لتسليع العالم والإنسان والوجود، في مقابل كوجيطو كلاسيكي ديكارتي، أصلي، يقومُ على الوعي وفعاليات التفكير، كالنقد والشك والنفي والإثبات، والتخيل، والإحساس أيضًا. من ثمّ فإن الوعي الإنساني انتقل من العقلانية المنطقية إلى الاستهلاكية الرغباتية، من بلاغة العقل إلى بلاغة الرغبة، الأولى تنتجها ذات مفكرة عاقلة، أما الثانية فتنتجها ذات استهلاكية ما دامت الأنا تبين هويتها وتظهر وجودها من خلال فعل الاستهلاك نفسه المتضمن في المقدمة “أنا أستهلك”.

وهذه البلاغة الجديد المتضمنة في الكوجيطو الاستهلاكي بدل أن تظهر الوجود وتكشفه على “الأنا أفكر” بمستوياته العقلانية المتعددة، أو قل بمظاهر التفكير التي ذكرناها سابقًا، والتي تعدّ قاعدة البداهة والوضوح واحدة من ركائزها، أغرقت في الكشف عن اغتراب الذات عينها، لأن وجودها صار رهينًا بما تستهلكهُ، أو تتوهّمُ بأنها تملكه، لا بوعيها لذاتها. فهل نحن هنا أمام وعي فلسفي بلاغي نقدي جديد للوجود البشري؟ أم انّ بلاغة القول انتقلت في عصرنا من صور الذهن ومجازاته إلى صور الاستهلاك الاقتصادي، وبالتالي انتقل إثبات الوجود من برهان الفكر إلى رمزية الاستهلاك؟

غير أننا اليوم، في عصر ما بعد الحقيقة، قد تقدَّمنا خطواتٍ أبعد من مأزق الهوية الاستهلاكية؛ فلم نعد نستهلك البضائع اتباعًا لسلسلة من صيحات الموضة، بل تباينت هويتنا عنها كثيرًا، حتى كاد الأونلاين يصبح هويتنا الجمعية تقريبًا؛ فأن نكون متصلين هو ما يحدِّد هويتنا كأشخاص. إنها مفارقة ساخرة شديدة القتامة؛ إذ ينتقل فيها الإنسان من «أنا أفكر إذن أنا موجود» عند René Descartes، مرورًا بـ« أنا أستهلك إذن أنا موجود» كما يكشف تحليل مجتمع الاستهلاك عند Jean Baudrillard، وصولًا إلى «أنا أونلاين إذن أنا موجود».

ومن المؤكد أن تزييف الكوجيطو لن يقف عند تلك الحدود، إننا نرى اليوم كوجيطو جديد يسير بنا نحو التزييف الأقوى في التاريخ، يتمثل في: «أنا تْرِنْد[3] إذن أنا موجود»، فمن منطلق الوصف الذي قدمه بيونغ شول هان Byung-Chul Han لمجتمع اقتصاد الرغبة البشرية، فإن هذا المجتمع لا يتلاءم مع الإخفاء أو السر، أو الاحتجاب والإخفاء، بل إن سلبيات كل تلك القيم «تعمل على إثارة الرغبة ومضاعفة المتعة. هذا هو السبب في أن الإغواء يستعمل الأقنعة، والإيحاء والمظاهر. في حين تقضي الشفافية القهرية على مجال اللعب الخاص بالمتعة والرغبة»[4]. والترند Trends في ذاته لا يغلو من قساوة المتعة وميولات الرغبة الجمعية في الظهور وعدم الستر أو الاحتجاب.

التفاهة بوصفها هوية حِجاجية مزيفة

نأتي هنا إلى طرح السؤال الآتي: كيف تتحول أيديولوجيات التفاهة في عصر ما بعد الحقيقة إلى منطق حجاجي مُزيف؟

من المعلوم أنّ العقل يتأسس على الدليل والبرهان، سواء في بعده المنطقي الصوري أو في الأبعاد المنطقية غير الصورية، لكن التفاهة بقانونها القائم على الأونلاين غالبًا ما تقوم على الإغواء، والسطحية، واستهداف المشاعر، وإثارة العواطف الخفية، لذلك فإن منطقها قائم على الالتفاف حول الحقيقة، والانحراف عن العقل، والغوص فيما يسميه جاك دريدا في أرشيف اللاشعور، من ثمة فإن منطقها مزيف، يقوم على المغالطات ويركب الترندات. وبما أنّ عصر ما بعد الحقيقة هو عصر الأخبار الزائفة والعلم الزائف فإن أيديولوجيات التفاهة قد وجدت ضالتها الكبرى فيه؛ فما بعد الحقيقة تقدم نفسها على أنها حقيقة، وأيديولوجيات التفاهة تقدم نفسها على أنها عميقة، من ثم فكلاهما يقوم على تزييف الوعي والخداع.

فلا بأس بأن يظهر ممثلو التفاهة كما لو كانوا نماذج للتحرر من سلطة المجتمع، والديكتاتوريات المزعومة، بل في كثير من المناسبات يصبح هؤلاء ممثلين نمطيين للتحرر الأخلاقي؛ فلا يعتمدون على مبادئ المنطق الكلاسيكي، كمبدأ الهوية، أو مبدأ عدم التناقض، أو مبدأ الثالث المرفوع، أو حتى مبادئ السببية.

إنّ منطق التفاهة قائم على الرغبة، بما تحمله هذه القيمة من سيولةٍ في الغموض والتناقض واللذة والمتعة، وهي سيولة تعمل على ترسيخ اللايقين، أي على تعبيد الطريق نحو تجذير عصر ما بعد الحقيقة. غير أننا حين نقول «منطق التفاهة» فإنما نقول ذلك على سبيل التجوّز؛ إذ لا منطق في التفاهة في الحقيقة، بل إن اللامنطق هو الصوت الأعلى الذي يُشكّلها ويوجهها، بل ويبلور بنيتها.

إنّ حضور التفاهة في الفضاء الرقمي يجعلها تمتلك خطابات متسلِّطة، توهم الجمهور بأن لها شرعيةً دينية أو قانوينة أو إنسانية في أبعد الحدود، تمنحها الحضور في الفضاءات المشتركة، خاصة منها وسائل التواصل الاجتماعي، وإلاّ فيمكننا الحديث عن التفاهة في الثقافة كما في التربية. وما دامت لها جمهور أو قراء أو متابعين فمن «حقِّها» – كما تَفترض – أن تمتدّ إلى العالم الواقعي وتتجذّر أكثر من دون قيدٍ أو قانون، أو حتى من دون أخلاقياتٍ. غير أن هذا الحضور الرقمي هو نفسه ما يمنحها شعبويتها داخل المجتمع، ويُكسبها القدرة على إنتاج خطابٍ حِجاجي مزيف، يدافع عن شيء ما من دون أن يعني بالضرورة شيئًا محدّدًا. في حين «تقف الممارسات التي يطلق عليها اسم “نظيفة سياسيًا” على النقيض من ذلك؛ حيث تتطلب شكلا من الشفافية والابتعاد عن الغموض، وذلك من أجل ضمان أقصى قدر من الحرية والعقدية والمساواة، ومن ثم تحييد الهالة البلاغية والعاطفية التقليدية للإغواء »[5] نحن هنا أمام خطابين متوازيين: خطاب التفاهة الرقمي القائم على استهداف الرغبة والإغواء، وخطاب سياسي اجتماعي يدّعي امتلاك الحقيقة والعقلانية. وكلاهما يناقض الآخر، وهما معًا من الحقيقة براء؛ إذ لا يجتمع في الرغبة والإدعاء إلاّ التمويه والخداع.

خلاصة القول: إذا نظرنا إلى الحِجاج بوصفه تفكيرًا عقلانيًا منطقيًا، فإن غايته هي الإقناع، بينما تتمثل الغاية الكبرى لأيديولوجيا التفاهة في التأثير في العواطف وصناعة الشهرة، ومن ثم كسب مزيد من الانفعالات. أمّا في عصر ما بعد الحقيقة فإن الحقيقة نفسها تتعرض لانهيار سبل النظر فيها والبحث عنها؛ وهي السبل المنطقية التي تعتمد على النظر العقلاني والتفكير المنطقي والتجربة العلمية والمعايير المعرفية. وهكذا نجد أنفسنا أمام تراجع البرهان والحِجاج، ومن ثم الانتقال من طرح الأسئلة المنطقية، على سبيل المثال: ماذا يمكنني أن أعرف؟ وكيف أعرف؟ وما حدود معرفتي؟ .. إلى أسئلة أخرى من طبيعة مختلفة، تتعلق بكيفية إرضاء المتابعين وكيفية الحصول على الترند وكيفية البقاء فوق أمواجه!

لذلك فلا عجب أن يصبح الإغراء أهمَّ من الحكمة، وأن يغدو الانتماء العاطفي أقوى حضورًا من الاختلاف النقدي، وأن تتحول بلاغةُ التفاهة إلى أداة أيديولوجية جديدة تتجلى استراتيجياتها في القصص المصوَّرة، والصور المفبركة، وفيديوهات الذكاء الاصطناعي، والجمل القصيرة، والأخبار الزائفة، والسخرية المتطرفة، وفي التنافس على استثارة العواطف أكثر من السعي إلى الإقناع. وهكذا يُقصى عنصرٌ أساس في المنطق، هو اللوغوس؛ أي البعد المنطقي للحجاج، ليحلَّ محلَّه حجاجٌ عاطفيٌّ انفعاليٌّ خالص، هو الباثوس.

الهوامش:

[1]– جان بودريار، مجتمع الاستهلاك، يراجع موقع: https://fikrmag.com/5143/

[2] -نسبة إلى الفيلسوف رينة ديكارت René Descartes (1596-1650).

[3] Trends-

[4] – بيونغ شول هان، مجتمع الاحتراق النفسي، ترجمة بدر الدين مصطفى، دار معنى للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2021، ص 39.

[5] – بيونغ شول هان، مجتمع الاحتراق النفسي، المرجع السابق، ص:41.

Leave a comment