Skip to content Skip to footer

لويس ماسينيون: محاولة مُلْتَبِسة لتأسيس نقد كِتابيّ | د. علي محمد اسبر

لم يشكِّك المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (1883-1962 م) في الجغرافيا التَّوراتيَّة، بل كان مُسَلِّمًا بها، وهذا وجه من وجوه الضَّعفِ العلميِّ نكاد نجده عند الجمهور الأكبر من المستشرقين الأوروبيين، ويمكن إرجاعه إمَّا إلى أنَّهم كانوا يداهنون اليهوديّة-الصُّهيونيّة أو إلى أنَّهم كانوا قليلي البضاعة من المناهج الحديثة في علم الآثار.

لم يشكِّك المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (1883-1962 م) في الجغرافيا التَّوراتيَّة، بل كان مُسَلِّمًا بها، وهذا وجه من وجوه الضَّعفِ العلميِّ نكاد نجده عند الجمهور الأكبر من المستشرقين الأوروبيين، ويمكن إرجاعه إمَّا إلى أنَّهم كانوا يداهنون اليهوديّة-الصُّهيونيّة أو إلى أنَّهم كانوا قليلي البضاعة من المناهج الحديثة في علم الآثار؛ لكن يمكن أن نجد عند ماسينيون ضربًا من النَّقد يستحقُّ فعلًا الإضاءة عليه. ويمكن أن يكون هذا النَّقد قد تولَّد في نفسه بسبب عقدة ذنب عانى منها، لأنّه كان في البداية متواطئًا مع المشروع الاستعماريّ الغربيّ بحكم عمله مترجمًا في المخابرات الفرنسيّة حتى إنّهَ، مثلًا، شارك في عام 1916، في المفاوضات الفرنسيَّة-البريطانيَّة التي أدَّت إلى اتفاقية سايكس-بيكو. علاوة على كونه صديقًا لحاييم وايزمان (1874-1952 م) واتِّخاذه موقفًا مؤيِّدًا لإنشاء وطن قوميّ لليهود في فلسطين!

النَّقد الإبراهيميّ للتَّوراة

نكتشف عند لويس ماسينيون نوعاً جديداً من النَّقد الكِتابيّ يمكن أنَّ أُسمِّيه-وهنا وجه المفارقة-“النَّقد الإبراهيميّ للتَّوراة” وقد نمَّاه هذا المستشرق على أساس فهمه للأُلوهيَّة في ضوء القرآن الكريم، وما أثار انتباهه بعمق هو أنَّ تصوُّرَ الله في الإسلام لم يُبْنَ على اللاهوت الطبيعيّ وفق مناهج الفلاسفة من أمثال أفلاطون وأرسطو وأفلوطين الذين حاولوا البحث عمَّا يقف وراء كينونة العالَم بوساطة اشتقاق أدلة على أساس عمليّة استقراء للطبيعة تنتهي بإثبات وجود الإله-عِلَّة ذاته، بل بُنيَ تصوُّر الله في الإسلام من منطلق الإيمان بإله إبراهيم وإسحق وإسماعيل، لأنَّ الإسلام -وفق رؤية ماسينيون- هو دين إكمال الإيمان بالله الحقيقيّ في اليهوديّة والمسيحيّة، وليس دينًا منعزلًا، بل يعبّر عن تطوّر ماهيّة الوحي في التَّاريخ. وهكذا اعتقد ماسينيون أنَّه فهم “سِرَّ الإسلام”.

سِرُّ الإسلام

   يتضِح هذا السِّرُّ، بالنِّسبة إلى ماسينيون، في معرفة أنَّ الإسلام ليس دينًا جديدًا، بل هو دين إبراهيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النساء: 125) ولذلك يدعو الإسلام جوهريًّا إلى الله الأحد ربّ إبراهيم من أجل أن يستقطب العالَم كّله إليه، وهذا يُسَلِّطُ الضَّوءَ على الجانب العالَمِيّ للإسلام، ويضعه في مضاهاة مع اليهودية –العرقيَّة، لأنَّه إعادة إحياء عالَميَّة وليس عنصريّة لعبادة الله ربّ إبراهيم. بل يرتكز الإسلام على ما هو أبعد من ذلك، إذ يرجعُ بنا إلى المصادر الأولى، أي إلى النبيّ نوح الذي أخبر عنه ربُّه قولَه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس: 72)، لذلك جاء العهد الحنيفيُّ -الإسلاميّ في رأي ماسينيون قبل الوصايا العشر لموسى وسبقَ عيد العنصرة (=ذكرى نزول الرُّوح القُدُس على الحواريين)، وبذا تبعًا لماسينيون يحيطُ العهدُ الحنيفيّ بالعهدين القديم والجديد.

القُدس بين رحلة النبيّ إبراهيم وإسراء النبيّ محمَّد

   تحدَّث ماسينيون عن أنّهَ حاول شخصيّاً -كما ظنَّ- تَتَبُّعَ رحلة النبيّ إبراهيم إلى القُّدس، والحقيقة أنَّ الزعم بوجود رحلة من هذا النَّوع هو زعم باطل كما تبيّن من الدَّلائل الأركولوجيّة التي أصبحت حاسمة ليس فقط بالنسبة إلى علماء الآثار الغربيين بل بالنسبة أيضًا لعلماء الآثار “الإسرائيليين” أنفسهم من قبيل زئيف هرتزوغ وإسرائيل فينكلشتاين. ولكن يبدو هنا أنَّ ماسينيون اقتنع بالسَّرديّة التَّوراتيَّة عن هذه الرِّحلة، ولم يحاول أن يُعيد النَّظر في كيفيَّة تلفيق الخرائط –التَّوراتيّة التي تبتلع جغرافيا فلسطين مثل الرِّمال المتحرِّكة! فأكَّد أنَّه ذهب إلى أور الكلدانيين ثم خرج منها إلى قرب حاران حتى وصل إلى بئر سبع حيث ترك إبراهيم ابنه البكر إسماعيل مع أمّه هاجر. بعد ذلك وصل إلى موضع “بلوطات ممرا”، وجالَ في الأرض المقدَّسة كلّها وأخيراً وصل إلى القُدس.

 نظر ماسينيون إلى مدينة القُدْس بصفتها الأرض الوحيدة التي يمكن أن تكتنفَ وحدةَ الإنسانيَّةِ كلِّها. ولا يمكن-وفق رؤيته الخاصَّة-أن توجدَ رقعةٌ جغرافيّةٌ دُنيويّةٌ يتِّحدُ فيها الزَّمانيّ بالرُّوحيّ سوى فلسطين، ولقد بدأ هذا الاتِّحاد فعلًا –وفق زعمه-منذ هجرة النبيِّ إبراهيم إليها ليُصبح ضيفًا بين سُكانها، ونضجَ بزيارتها من قِبَلِ السيد المسيح، واكتملَ بإسراء النبيّ محمَّد إليها. هناك في القدس فهم ماسينيون أنَّ الإسلام جعل إبراهيم أبًا لكلِّ أتباع الأديان السَّماويّة (اليهوديّة والمسيحيَّة والإسلام)، ولذلك وجدَ ضرورةً في نزع الصُّورة التَّوراتيَّة الدوغمائيّة عن إبراهيم التي جعلته أباً لليهود وحدَهم. ولقد حذَّر ماسينيون الذين أسماهم أتباع “الصّهيونيّة الوثنيّة الاستعماريّة” من أنَّ المسلمين يقرؤون الصَّلاة الإبراهيميَّة مع التَّحيات في الصَّلوات الخمس كلّ يوم، وهذا يعني أنَّ إبراهيم -بالنسبة للمسلمين- الأبُ العظيم لمِلَّتهم، ولن تستطيع المِلَّة اليهوديَّة احتكاره على الإطلاق، ولذلك يجب على الصَّهاينة أن يفهموا أنَّ الأرضَ التي وعد بها يهوه أبرام (=إبراهيم)، هي نفسُها الأرض التي أسرى إليها النبيّ مُحمَّد بصفته من نسل إسماعيل وإبراهيم. إنَّ إسراء النبيّ -في رأي ماسينيون- دليل قاطع على أمرٍ إلهيّ له بجعلِ أرضِ أسلافه مكانًا مقدّساً بالنِّسبةِ إلى المسلمين، وليس إسراؤه سوى عودة إلى أرض أبويه إسماعيل وإبراهيم. ونجد هنا ماسينيون بقدرة رؤياويّة شعريّة غير علميَّة يقوم بجعل القُدس (المسجد الأقصى) أرضًا موعودة للمسلمين في مقابل مزاعم اليهود عن حقّهم بأورشليم (هيكل سليمان)، وهذا يعني بالنسبة لماسينيون أنَّ الأطروحة التَّوراتيّة/الصهيونيَّة التي تتحدَّث عن خطة يهوه في أن يتمِّم غرضه بجعل نسل إبراهيم أمَّة يهوديّة عظيمة وحيدة بإسحاق قد فشلت، لأنَّ هناك أمة عظيمة أخرى عربيّة إسلاميّة أراد الله أن تظهر من نسل إسماعيل بن إبراهيم، لتصبح مدينتا القدس والخليل هما على التوالي ثالث ورابع الأماكن المقدسة في الإسلام؛ وستثور الأمَّة الإسلاميّة كلّها -في رأي ماسينيون- إذا هُجِّرَ نسلُ إسماعيل من فلسطين.

   لكن ما لم ينتبه إليه ماسينيون أو تعمَّد عدم الانتباه إليه هو أنَّه لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم تخبر عن هجرة النبيّ إبراهيم إلى أرض كنعان المزعومة وفقًا للرِّواية التَّوراتيّة، لذلك نكتشف عنده منهجيّة تركيبيَّة/تلفيقيَّة تقوم على إيجاد صيغة توفيقيّة بين التصوُّر الزائف عن هجرة عن النبيّ إبراهيم في التَّوراة المحرَّفة والتصوُّر الصحيح عن النبيّ إبراهيم في القرآن الكريم، وكأنَّه يُضمِر تسويغ قبول الرواية التَّوراتيَّة عن هجرة إبراهيم بالقرآن الكريم أو بالأحرى يسوِّغ لليهود تمسُّكهم بحقِّ إسحاق بأرض الميعاد في مقابل اعترافه للمسلمين بحقّ إسماعيل فيها!

 

شعب عالميّ إسلاميّ في مقابل شعب مُختار يهوديّ

تفهَّم ماسينيون شوق العرب المسلمين لهذه “الأرض المقدَّسة” التي طُرد ويُطرد منها أبناء جلدتهم، ونبّه إلى حنين المسلمين كافةً إلى موضع الإسراء، وأكَّد على دلالات توجيه القبلة الأولى للمسلمين نحو القُدس، ودخول المسلمين من كلِّ أصل ممن وصلوا إلى هناك منذ عام 637 م، العام الذي دخل فيه الخليفة عمر إلى القُدس.

   كما لا يمكن -في رأيه- اقتلاع الجذر الذي يُسَمَّى القُدس من نفوس المسلمين لأنَّهم يوقنون أنَّ النبيَّ كان مأمورًا من قِبَلِ الله من أجل الذَّهاب إليها بإسرائه، ويؤمنون بأنَّ يوم المحشر والمنشر -حيث تُجمع جميع المخلوقات ليوم الدِّين، يوم القيامة- سيحدث في القدس. كما أنَّ للقُدس تأثيرًا عظيمًا في المسيحيين لأنَّها تُحيي في نفوسهم ذكرى العشاء الأخير. غير أنَّ ماسينيون كان مقتنعًا أيضًا بأنَّه سيكون من الممتنع بالقدْر نفسه اقتلاع القدس (=أورشليم المزعومة) من نفوس اليهود بسبب الأمل اليهوديّ الذي يتجدّد في عيد الفصح من كلِّ عام ليجتمع يهود العالم في العام الذي يليه فيها.

 

 

تأوُّل ماسينيون للإسراء في أفق الرّواية التَّوراتيَّة

   يظهر هنا أنَّ ماسينيون أرادَ تأوُّلَ إسراء النبيّ محمَّد من أجل أن يُفسِّره في أُفق الرِّواية التَّوراتيَّة التي تقول بطرد النبي إبراهيم لابنه إسماعيل على أساس أنَّ الإسراء هو نوعٌ من الرُّجوع إلى الأرض الموعودة، أو الأرض-الإبراهيميَّة الأُمّ من أجل استعادة إرث إسماعيل المهدور، لكن دلالات الإسراء عند المسلمين مختلفة تمامًا ومنها اتِّساع الرُّقعة الجغرافيَّة للأراضي المقدَّسة الإسلاميّة بأمرٍ إلهيّ، وليس الرُّجوع إلى أرض مقدَّسة اختلقتها السَّرديَّة التوراتيَّة.

  لم يستطعْ ماسينيون التخلُّص من ميولهِ الصُّهيونيّة على نحوٍ حقيقيّ، فهو يطمح أن يكون ليهود العالَم حقّ في القُدس إلى جانب المسيحيين والمسلمين العرب، لكنَّ طموحه مشوب بتقصير حقيقيّ في فهم أنَّ وجود الفلسطينيين في أرضهم لم يتأسَّس على حقّ دينيّ أصلًا، بل على حقٍّ طبيعيّ بأرضهم، ولذلك يعيبُ فكرَ ماسينيون أنَّه لم يميّز بين سكان أصليين للأرض وأُناس من مختلف أصقاع العالَم يرتدون ثياب نسل النبيّ إبراهيم على قلوب الغزاة المحتلين.

لكن كان ماسينيون على المستوى الشخصيّ مقتنعًا ضمنيًّا–على الأقل-بعبارةٍ قالها السيد المسيح فيها تشكيك في علاقة اليهود مع النبيّ إبراهيم في حوارٍ له مع الفِرِّيسيين من اليهود داخل “الهيكل” حينما خاطبهم قائلًا: “أَنَا أَتَكَلَّمُ بِمَا رَأَيْتُ عِنْدَ أَبِي، وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ عِنْدَ أَبِيكُمْ. أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: “أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ”. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: “لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ!” (إنجيل يوحنا 8: 38-39)

الحقّ الإلهيّ لنسل إسماعيل في أرض الميعاد

عطفَ ماسينيون فهمه لتشكيك السيد المسيح في الصُّورة اليهوديَّة عن إبراهيم على فهمِهِ لدلالة معرفةِ النبيّ محمَّد عن طريق الوحيّ الإلهيّ أنَّ الكهنة اليهود من محرِّفي التَّوراة أساؤوا إلى شخصيّة إسماعيل فصوّروه مع أمّه بصورة المَطْرُوْدَين من قِبَلِ إبراهيم بأمرِ الربّ: “فَكَبِرَ الْوَلَدُ وَفُطِمَ. وَصَنَعَ إِبْرَاهِيمُ وَلِيمَةً عَظِيمَةً يَوْمَ فِطَامِ إِسْحَاقَ. وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ، فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: “اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّ ابْنَ هذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ”. فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: “لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ”. فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَأَخَذَ خُبْزًا وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَأَعْطَاهُمَا لِهَاجَرَ، وَاضِعًا إِيَّاهُمَا عَلَى كَتِفِهَا، وَالْوَلَدَ، وَصَرَفَهَا. فَمَضَتْ وَتَاهَتْ فِي بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ.” (تكوين: 21: 8-14).

أدرك النبيّ مُحَمَّد -وفق ماسينيون-حقَّ إسماعيل المنتهك على أيدي محرِّفي التَّوراة، لذلك عزمَ على أن يُرجِعَ الحقَّ إلى نسلِ إسماعيل، وكان تعويلُ النبيّ في ذلك على القرآن الكريم الذي سيكون استكمالًا للتَّوراة غير المحرَّفة كما كان إسماعيل وإسحاق صِنوين في الحقيقة كما هو ظاهر في القرآن نفسه، بخلاف ما هو وارد في التَّوراة المحرَّفة من مزاعم عن تفضيل إبراهيم لإسحاق وطرد إسماعيل.﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (إبراهيم: 39). ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (النساء: 163). وبذا أعاد النبيّ العربيّ تأسيس القاعدة الكتابية المنبثقة من (التَّوراة غير المحرَّفة) من أجل الرُّجوع الإسلاميّ إلى الينابيع الإبراهيميَّة، من منطلق إظهار شخصيّة إسماعيل الحقيقيّة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا. وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (البقرة: 54-55).

والحقيقة أنَّه لا يوجد شكّ في أنَّ القرآن الكريم يقدِّم صورة عن إسماعيل مختلفة عن الصُّورة التُّوراتيَّة لكن بما لا يتضمن جغرافيا فلسطين بصفتها المكان الذي طُرِدَ منه إسماعيل!

 لكنَّ ماسينيون أرادَ جعل وجود نسل إسماعيل من العرب المسلمين في الأرض المقدَّسة حقًّا إلهيّاً لهم يبذّ الحقّ اليهوديّ نفسه، وليس بَدْعًا -في رأي ماسينيون- أن يطالب كلُّ عربيّ مسلم بأرض أبيه إبراهيم بطريقة تحمل من القوَّة اللاهوتيَّة ما لا تحتمله طاقة الصهاينة. غير أنَّ جانب الخطورة في تفكير ماسينيون هو حسبانه لفلسطين حقًّا لأتباع الأديان الإبراهيميّة، وليست حقًّا لسُكانها الأصليين بدلالة نقده المُلتَبِس الذي مفاده أنَّ اليهود  -حتى وفق كتابهم- لم يفهموا أنَّ قدومَ إبراهيم إلى الأرض المقدَّسة استجابةً لأوامر الله يحمل معانيَ عميقةً عن قيمة بطوليَّة تجلَّت في أنَّ إبراهيم فهم معنى كونه ضيفًا في هذه الأرض، لأنَّ هذا سيعني بالمقابل تحوُّل إبراهيم نفسه إلى مُضيف يسمح باستقبال جميع الضيوف الآخرين من نسله الذين يجب أن تباركهم ضيافته.  إن ضيافة إبراهيم -كما ارتأى ماسينيون- علامة تنذر بالاكتمال النهائي لتجمُّع كلّ الأمم المُباركة في إبراهيم؛ ولذلك هذه الأرض المقدَّسة لا يجوز أن تكون حكراً على أحد.

 غير أنَّ ما لم يفهمه ماسينيون هو أنَّ تأوُّل السَّرديّة التَّوراتيّة في أُفق نظريّة وحدة الأديان التي استقاها ماسينيون نفسه من تصوّف الحلاج لن يكون مسوِّغًا على الإطلاق للاستيلاء على أرضٍ لشعبٍ قدَّم عشرات الآلاف من الشهداء من أجل استعادتها، ولن تستطيع أيّ سرديّة لاهوتيّة ملفَّقة أن تجعل الفلسطينيّ المنبثق من طين وماء أرضه نظيرًا للصُّهيونيّ القادِم من العدم.