Skip to content Skip to footer

أوهام “العصر الذهبي” و”القابلية للاستعمار”: تفكيك السرديات التاريخية الكبرى د. وسام سعادة

هل كان العرب نياماً قبل النهضة، أم أننا وقعنا في فخ سردية غربية عن “عصر الانحطاط”؟ وكيف تحوّل “العصر الذهبي” إلى ساحة صراع أيديولوجي؟ وما حقيقة “القابلية للاستعمار”؟ وهل لا يزال ابن خلدون قادراً على تفسير انقساماتنا؟ د. وسام سعادة يفكك عددًا من السرديات التاريخية في حواره مع نور حريري، في #بودكاست_سرديات، على #منصة_مجتمع

 

كيف قادت الحرب الأهلية نحو التاريخ؟

نور: دكتور وسام، أهلًا وسهلًا بك.

وسام: أهلًا بك.

نور: سعيدون جدًّا بوجودك معنا، وشكرًا على قبول الدعوة. دكتور وسام، حضرتك تكتب في مجالات كثيرة: تاريخ، وفلسفة. أرغب، قبل أن نبدأ بموضوعنا، أن أسألك: ما الذي شدّك في البداية إلى هذا المجال، إلى العلاقات ربما بين الفلسفة والنظرية السياسية والتاريخ؟

وسام: هذا شيء مربوط ببداياتي؛ يعني بحكم وجودي بواقعٍ معقّد كالواقع اللبناني، وكشخص نشأ في مناخ الحرب الأهلية اللبنانية. لا شك أنه كانت الأسئلة السياسيةتحيل إلى أسئلة ثقافية، والأسئلة الثقافية تحيل إلى أسئلة حول حال البلد وحول حال العالم. وهذا أيضًا كان يحيل إلى أسئلة عندها طابع وجودي منذ الصغر؛ وهذا الشيء الذي حملني على القراءة بشكل عاموعلى التفكير.

وهذا الشيء سوف يأخذني دائمًا إلى هذه المنطقة الملتبسة، إذا أردنا القول، ما بين تخوم الفلسفي والسياسي والتاريخي.

هل استيقظ العرب حقاً من “سبات” طويل؟

نور: دعني أبدأ معك بالحديث عن مرحلة كثيرا حساسة، وخاصة بتاريخنا: تاريخ المنطقة، تاريخ العرب، ما يسمّى بالنهضة العربية. مرحلةمن الاسم يقال، طبعًا، يقال بشكل شائع أيضًا كسردية: أنه نهض العرب بعد سبات طويل، بعد أن كانوا لمرحلة طويلة نائمين. واستيقظوا على الأسئلة الكبيرة، واستيقظوا على فكرة الدولة الحديثة، والتغيير، والتقدم، والعلم، والعقلانية. دعنا نبدأ من هذه الصورة، من هذه الصورة السردية الشائعة: لأي درجة فعلًا، بتلك اللحظة، استيقظ العرب بمشاريعهم المختلفة النهضوية: العلمانية، والإسلامية، والمسيحية، والعروبية؟ لأي درجة فعلًا استيقظوا برأيك؟

وسام: يعني إلى حدٍّ ما هذه الترسيمة ترتبط بـ… أو تعكس، أو تقتبس من التقسيمة التي شاعت في الغرب، حينما كان يجنح الغربيون بالعصر الحديث لتسوية صفحات العصر الوسيط (Medieval Age) والاعتبار بأنه كان عصر ظلمات، وبالتالي اعتبروا أن الـ (Golden Age) هو الـ (Antiquity) هو العصر القديم، واعتبروا أنه: هناك العصر القديم، ثم عصر الظلمات، ثم النهضة الأوروبية. فالنخب العربية اقتبست هذا المنظار في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. هذا المنظار، إلى حدٍّ كبير، لا يعكس قدرةً على قراءة أكثر تأنيًا وإحاطةً وشموليةً لتاريخ المجتمعات العربية والإسلامية.

​يميل إلىالحديث عن عصر انحطاط ممتدٍّ في مرحلة لم تكن بالضرورةلا يمكن أصلًا اعتبارها ككل مأخوذة بعصر انحطاط في كل المجالات؛ بل هي في هذه المرحلة بالمخيّلة التي قامت عليها النخبة النهضوية العربية، ثم تبعها قوميو المشرق العربي في القرن العشرين، جرى اعتبار بأن الفترة المتأرجحة ما بين ضعف الخلافة العباسية والإمبراطورية العباسية، وتحديدًا سقوطها بالنهاية في 1258م مع الفتح المغولي، وصولًا للقرن التاسع عشر، هي عصر انحطاط. في حين أن هذه المرحلة هي مرحلة شهدت، صحيح، بعض الهجمات المغولية الكبرى، شهدت بزوغ إمبراطوريات كانت من أقوى دول العالم بالعصر، بما يوافق، ما يوازي (العصر الوسيط)، أو بدايات العصور الحديثة. يعني بهذه المرحلة كان ما بين الإمبراطورية المملوكية، الإمبراطورية العثمانية، الدولة الصفوية، والدولة المغولية بالهند، البابورية المغولية بالهند، الشيبانية عند الأوزبك.

فهذه هي، خاصة ما يعرف بـ (Gun Powder Empires) (إمبراطوريات المدافع/البارود الإسلامية)، هذه التجارب كانت قائمة على، إضافةً للمدافع، إضافةً لجيوش جرّارة، إضافةً لصراع على التوازن بينها وبين الممالك الأوروبية بهذه المرحلة، إضافةً لإعادة تمكّن الإمبراطورية الإسلامية العثمانية من خوض النزاع من داخل أوروبا، أو بالعمق الأوروبي، بحوض الدانوب تحديدًا. هذه كانت أيضًا إمبراطوريات اشتهرت إلى مرحلة معينة بأنها حضارة الألسن الثلاث؛ بمعنى أنه بكل من هذه الإمبراطوريات كان هناك مكان للغة العربية، ليس فقط بلغة الفقه ولغة المعنية بعلم الحديث، ولكن مثلًا بإيران تحديدًا نرى أن الميرداماد، أو الملا صدرا، أو الملا هادي السبزواري، الفلسفة الإيرانية التي كان يكتبها هؤلاء كانوا يكتبونها باللغة العربية. كما أنه بالتصوف الهندي: أحمد السرهندي، أو شاه ولي الله الدهلوي، كان عندهم مؤلفات باللغة العربية.

وبالتالي، حتى على صعيد اللغة، من المجحف ومن التعسّفي القول بأن اللغة العربية ضمرت أو تراجع دورها الثقافي في هذه تقريبًا الألف عام، أو السبعمائة عام، ما بين القرن الثالث عشر والقرن التاسع عشر إلى أن ظهر النهضويون.

​أكيد القوالب اللغوية التي استخدمها النهضويون، وتحديدًا اللغويون من النهضويين، وخصوصًا الثورة التي قام بها أحمد فارس الشدياق وغيره ممنأسسوا للنثر العربي الحديث؛ هذا أيضًا، أنا ضدّ أن شخصًا يشحط فيها، لأنه في مرات نعيد اكتشاف أنه هذه الحقبة لم تكن فجوة انحطاط، وإلى آخره، لصالح التقليل من أثر عصر النهضة.

ولكن، في نفس الوقت، وهذه مسألة أساسية: لا يمكن فصل عصر النهضة عند هذه النخبة العربية النهضوية عن ما كان يعتمل ويجري ضمن الإمبراطورية العثمانية، وتحديدًا مرحلة الإصلاحات ومحاولات التحديث ضمن هذه السلطنة، التي كانت تؤطر بما يعرف بعصر التنظيمات. وبالتالي النهضة العربية هي: (Corollaire) المكمّل، أو هي الوجه الآخر…

نور: الامتداد ربما.

وسام: وهي انعكاس للديناميات التي أطلقتها الإمبراطورية العثمانية نفسها؛ من رأسها، من رأس الإمبراطورية العثمانية، من القيادة العثمانية. هذا من ناحية. أو بمصر: من الذي أطلقها أيضًا السلطة بوقتٍ، بظل محمد علي. وبالتالي شهد، النصف الأول من القرن التاسع عشر تنافسًا ما بين مشروع تحديثي عثماني، ومشروع تحديثي أيضًا كان عثمانيًا، وإن كان… واحد منهم كان بالعاصمة، بالآستانة، والتاني كان بالإقليم بمصر، ثم توسع.

هل “العصر الذهبي” مجرد اختراع غربي؟

نور: دكتور وسام، سنعود إلى هذه النقطة، لكن أنا أحببت جدًّا إجابتك لنؤكد عليها معًا: إذًا أنت تقول: إن النهضة لم تبدأ من عدم؛ فعليًا كان هناك حراك، هناك ثقافة، وكان هناك حضور للغة العربية. وأيضًا ما بوسعنا أن نقرأ عصر النهضة بدون أن نقرأ ما كان يحدث في ربما أواخر المرحلة العثمانية من تنظيمات، وما إلى ذلك، وإصلاحات وحركة قومية تظهر من جديد.

​لكن أنا استوقفتني كلمة ذكرتَها بكلامك أن فكرة الحضارة، إنعاش فكرة الحضارة، الحضارة الذهبية. طبعًا يقال أيضًا إن المفهوم بحد ذاته، فكرة الحضارة، ما كان حاضرًا، لم يكن موجودًا؛ بل أُخذ عن القراءات الغربية، وأُسقط إسقاطًا بأثر رجعي لقراءة ما سُمّي فيما بعد إنه حضارة عربية ذهبية، أو أو أو، ولم يكن هناك اتفاق على على ما هي الحضارة الذهبية.

​إلى حدٍّ ما هذا صحيح؛ بمعنى أنه بالقرن الثامن عشر، حتى أواخر القرن الثامن عشر، وتحديدًا في فرنسا، كان المصطلح (Civilisation) لا يستخدم بمحموله الحالي، يعني: حضارة، وكان يعني: تهذيب، يعني أنه (civilizer) أنه شخص تشذب…

نور: تحضر، تهذّب.

وسام: ولكن في النصف الثاني من القرن الثامن عشر جرى استخدامه بمحمول أنه يعني ارتقاء ما في مستوى المدنية، وفي مستوى المعارف والصناعات والترتيب والتنظيم.

​وإنما حتى في القرن التاسع عشر، بأواخر القرن التاسع عشر، بقي هذا المفهوم بنطاقه الفرنسي؛ الذي هو بدأ بنطاقه الفرنسي، يعني لا يستخدم بالمفرد ولا يستخدم بالجمع. كان التصور التنويري، خاصة التنوير الفرنسي، قائمًا على أنه هذه الحضارة (Universal) واحدة…

نور: وعالمية.

وسام: تبدأ في مصر وهي أم الحضارة، ثم تنتقل إلى الإغريق، ثم تذهب إلى روما، ثم عندما تأتي البربرية، لتغلق منافذ الحضارة في روما يلتقطها العرب. -هذا كان في التصور التنويري- ثم يقوم العرب بنقل هذه التركة إلى الغربيين، والغرب عليه من الآن فصاعدًا أن يكون وفيًّا لهذا التراكم، وأن يشيع هذه الحضارة، وأن يبحث في المناطق التي سبق أن شهدت المراحل السابقة في هذه الحضارة: كيف يمكنه أن يعيد التقاط تراثها. وبالتالي أخذ الغربيون في القرن الثامن عشر، في أواخر القرن الثامن عشر يسألون أنفسهم: لماذا الإغريق في أيامهم؟ لماذا المصريون في أيامهم؟ لماذا العرب في أيامهم؟ لم يعودوافي مستوى التألق الحضاري كما في السابق.

​هذا نشر في الوعي التنويري الأوروبي، وتحديدًا الفرنسي، في أواخر القرن الثامن عشر تقسيمًا، هذا كان تقسيمًا كولونياليًّا إلى حدٍّ كبير، ولكنه تقسيم استشراقي، هو تقسيم ما بين مجتمعات لم تكن أصلًا جزءًا…

نور: جزءًا من هذه الحضارة.

وسام: من الحضارة، وهي مجتمعات ينبغي نفخ الحضارة فيها من الأول، من عدم، ومجتمعات ناسية لحضارتها، مُغفلة لحضارتها، أغفلت حضارتها لسبب ما، وكان ينبغي البحث عن سبب تعليلي: لماذا هذه الحضارات الشرقية التي كانت موئلًا للحضارة في القديم نسيت حضارتها؟

فجرى حينها تفسير الأمر بأنه بسبب الاستبداد الشرقي، وبسبب قيام طغم من خارج هذه البلاد بالتحكم برقاب العباد. ومن هنا هذا كان الخطاب الذيأسس له الدبلوماسي والرحالة الفرنسي فولني مثلًا عندما زار بلاد الشام ومصر في أواخر القرن الثامن عشر، وقد تأثر مثلًا بونابرت حين كان شابًّا بكتابة فولني؛ وهذا طبع أيضًا جزءًا من روحية الحملة الفرنسية عام 1798 على مصر.

كيف حرّف النهضويون مفهوم “الحضارة”؟

نور: لنعُد لفكرة النهضويين العرب: أخذوا هذه الفكرة وبدأوا بالبحث. بدأنا هنا نجد تعددًا. أنت قلت إن الفكرة الفرنسية كانت واحدة: إن هناك حضارة تتحرك من مكان إلى آخر. قبل أن نحللقبل أن نفكك هذا الكلام: أخذت هذه الفكرة وبدأ البحث عن تعداد لنسب الحضارة الذهبية لمرحلة معينة؛ على سبيل المثال: مرحلة الأندلس أو مرحلة أخرى. وأنا أجد لديك في كتاباتكشيئًا من هذه الفكرة، صحيح يعني، هناك نسب مختلف، حتى إن هناك أفكارًا لا علاقة لها بالإسلام: نعود إلى حضارة فينيقية، أو حضارة فرعونية، أو حضارة إسلامية من نوع معين: مدنية أو غير مدنية. أنا أحب أن نقرأ ما الذي فعلَه النهضويون، تحديدًا، في فكرة الحضارة التي أُخذت من التصور الفرنسي؟

وسام: في القرن التاسع عشر، كلما تجدين كلمة مفردة: الحضارة، في رسمها هذا، لن تجديها عند النهضويين؛ ستجدين: التمدّن. والتمدّن كان أول مصطلح استخدمه رواد عصر النهضة ليقابلوا به مفهوم الحضارة الغربي. وبالتالي كان في تصورهم أن الحضارة هي مسألة مدائنية بامتياز: مسألة ترتبط بالمدينة، بإعادة تأهيل المدن لتكون استقبالية للنور، للعلوم، للصناعات، إلى آخره.

​ولاحقًا جرى التقاط مصطلح موجود عند ابن خلدون، والذي هو: الحضارة. مصطلح الحضارة موجود في مقدمة ابن خلدون، وموجود بشكللا يوحي باستخدامه الحالي؛ لأن ابن خلدون يعتبر أن الحضارة هي نهاية العمران وبداية الفساد. وبالتالي هناك علاقة تناقضية يقيمها بين العمران الذي هو بالنسبة له مقابلهضمن أفكاره، لفكرة أن الإنسان مدني بطبعه عند أرسطو، وبين الحضارة التي هي تَوهُّم الملك بأنه إذا ما انقطع عن عصبيته التي أوصلته، عن شروطه المادية للتغلب الذي أوصله، واستقلّ بمجتمع اللوكس ومجتمع الترف ومجتمع البلاط، يمكنه أن يستمر؛ فتقع الواقعة. وبعد جيل أو جيلين تكون قوة آتية من المناطق البدوية، من المناطق التي كان يصفها ابن خلدون بأنها أفضل أخلاقيًّا من الحضر، ومتوحشة في آن واحد بضرب هذه الحضارة. وبالتالي كانت الحضارة لها هذا المدلول التشاؤمي.

أي “عصر ذهبي” نتصارع عليه اليوم؟

نور: إذا أردنا أن نرجع، أو أردنا أن نبدأ بتسمية بعض المشاريع النهضوية التي أخذت ربما الفكرة كما ذكرتَها الآن أو بطريقة أخرى: كان هناك فكرة الإسلام الذهبي. لا نستطيع أن ننكر أنه كان هناك عودة إلى فكرة الإسلام الذهبي، إسلام متخيل بطريقة ما، من بعض الجماعات أو التوجهات. دعنا نتحدث قليلًا عن مشاريع نهضوية علمانية إسلامية كانت حاضرة واستخدمت هذه المفردات.

وسام: إذا اتفقنا بأن رواد عصر النهضة، ولاحقًا رواد الفكر القومي في القرن التالي في القرن العشرين، اقتبسوا الثلاثية، أقصد التوزيع الثلاثي للتاريخ الذي اقتبسوه عن الغربيين: (العصر الذهبي) ثم الانحطاط، ثم النهضة؛ سوف نجدهم بأنهم سوف يتخاصمون فيما بينهم على تحديد هذا العصر الذهبي. هناك من اعتبر بأن العصر الذهبي يتحدد انطلاقًا من (Les œuvres de la civilisation) منجزات الحضارة، وعلى هذا الأساس جرى تحديد العصر الذهبي بأنه الفترة الأموية والفترة العباسية الأولى، عندما كان الخلفاء بنو العباس أقوياءفي القرن الثامن والتاسع. في فترة من بين الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور وصولًا إلى عصر المأمون. وبالتالي هذا العصر كان بالنسبة لهم هو…

نور: هو الأساس والمنشأ.

وسام: المشهد الحضاري. وأيضًا الأندلس الأموية. فكان هناك هذا الارتباط: ربط الحضارة.

 

لماذا اختلف النهضويون حول زمن “الأصالة”؟

نور: من أين يأتي هذا الخصام، هذه الخصومة بين تحديد: أننا نريد أن نقول إن هذه المرحلة هي المرحلة الذهبية، وهذه المرحلة هي المرحلة؟ من أين تأتي هذه الخصومة برأيك؟

وسام: أنه هو المعيار: هل المعيار معيار الاقتدار والعلوم والإنتاج الفكري والمعمار -المعمار المعماري مسألة أساسية في هذا الأمر- أم هو معيار الأصالة؟ عندما يتعلق بمعيار الأصالة ذهب الأمر إلى الاعتبار بأنه ليس بمنجزات الحضارة يقيم أين هو العصر الذهبي، ولكن بدرجة الـ (Authenticity)، بدرجة الصدقية والأصالة.

وبالتالي هنا جرى الذهاب إلى الاعتبار بأن العصر الذهبي هو عصر صدر الإسلام: عصر النبي والصحابة، وعصر دولة المدينة. واعتبار بأن الندّ للمدينة في الفكر الإغريقي وامتداداتها في التصورات الغربية هو المدينة الإسلامية الأولى. بحيث جرى اعتبار أنه في مقابل الحديث الغربي عن الدستور، وعن تقسيم، توزيع السلطة، عن السلطة التي تحدّ من السلطة، هناك في المقابل شكل آخر دستوري: الذي هو صحيفة المدينة. التي جرى اعتبار بأنها دستور، جرى اعتبار أنه في مقابل التوزيع، تقسيم السلطات إلى آخره، في الفكر الغربي هناك الشورى في المدينة. فبالتالي هناك سؤال: أين هو العصر الذهبي؟

نور: لنعود إليه طبعًا.

وسام: لإعادة استلهامه، لإعادة استلهامه. في المقابل نجد بأن هناك ميلًا آخر إلى اعتبار أن العصر الذهبي -وهذا نجده مثلًا عند ساطع الحصري- أن العصر الذهبي الحقيقي للعرب هو عصر الجاهلية، هو عصر ما قبل الإسلام؛ حين كانت النخوة، والشجاعة، والفروسية، والقيم البطولية العربية في شكلها…

نور: الأول ربما.

وسام: الأول والتام، وفي شكلها الحقيقي والحيوي. وبالتالي، هناك، حتى في داخل، هذا التوتر، سينتاب الفكر القومي: في مقابل ميشيل عفلق، الذي سوف نجد بأنه لا، العصر الذهبي يبدأ بالنبي كمعيد تأسيس للأمة، أو كمُوحِّد للأمة، ومن ثم في الإمبراطورية الأموية تحديدًا؛ سوف نجد بأن سلفه في الفكر القومي، أي ساطع الحصري، يعتبر بأن عصر الجاهلية هو العصر الذهبي للأمة العربية المتخيلة.

هل لا زلنا أسرى التقسيم الثلاثي للتاريخ؟

نور: هذه الخصومات الفكرية في تحديد المنشأ، والأصل، والأصح، وما إلى ذلك، ستمتد، وسنجد لها ربما تمظهراتنمت عبر التاريخ، وكونت ربما كانت بذورًا أولى لسياسات، وأيضًا ربما ظهور جماعات إذا كنا نتحدث عن الإسلام، أو حتى أحزاب إذا كنا نتحدث عن القومية. هل نستطيع أن نقرأ هذه القراءات السياسية، سواء للإسلام أو لماضي العرب، على أنها بذور أولى لما حدث فيما بعد؟ يعني: نحن اليوم، هل ما زلنا نعيش ما حدث في تلك المرحلة؟

وسام: إلى حدٍّ كبير هذا التقسيم الثلاثي للتاريخ، الذي هو تقسيم غربي، لم يلبث الغربيون أنفسهم أن بدأوا بالتفلت منه رويدًا رويدًا؛ حين أخذوا يعتبرون بأنه لم تكن هناك مثل هذه القطيعة الدرامية المتخيلة بين العصر القديم المتأخر وما بين العصر الوسيط. وأن العصر الوسيط لم تكن كل صفحاته صفحات جهل وظلام، وأنه تخللته عدد من النهضات المحلية أو الإقليمية أو المتقطعة في العصر الوسيط، لا يمكن أن يختزل في صورة سلبية. الغربيون أخذوا يتحررون من التقسيم الثلاثي، وأخذوا يعتبرون، حتى صار هناك جدل بين المؤرخين: هل صحيح أن القطيعة الحداثية تبدأ بعصر النهضة أو…

نور: قبل…

وسام: أو بعد ذلك؟ يعني هناك نظرية عن العصر الوسيط المتأخر الذي يمتد حتى القرن الثامن عشر، يعني هناك…

نور: تتحدث في السياق الأوروبي؟

وسام: في السياق الأوروبي، وبالتالي الأوروبيون أخذوا يتفلتون شيئًا فشيئًا من التقسيم الثلاثي الدرامي للتاريخ. في مقابل المجتمعات أو النخب الثقافية والفكرية التي تتعاطى بالتاريخ، وتتعاطى بأسطرة التاريخ في المجتمعات غير الغربية.

نور: مثل من قصدك؟

وسام: مثل الهند، مثل المجتمعات العربية والإسلامية، مثل البلدان الأخرى؛ لا تزال تحاول بشكل صعب أن تتفلت من هذا التحقيب الذي هو إلى حدٍّ كبير أسطوري للتاريخ: ما بين عصر ذهبي، ثم عصر انحطاط، ثم عصر انبعاث ونهضة.

هناك خرافة أعتقد بأن عملية تفكيكها هي أساسية للتقدم، وهي خرافة عصر الانحطاط…

نور: عن أي عصر انحطاط تتحدث هنا؟

وسام: عصور الانحطاط، يعني عصر الانحطاط أو أولًا بالنسبة للنهضويين والذين أخذوه عن عدد من المستشرقين رأوا نفس الرأي، ذهبوا نفس المذهب، أن هناك عصر انحطاط يبدأ حين بدأ خلفاء بني العباس يضعف أمرهم أمام الجند الترك، ثم عندما أصبح الخلفاء تحت وصاية البويهيين، ثم عندما ضعفت الخلافة…

لماذا أخذت هذه الخرافة عن الغرب؟

وسام: لأن الغرب أوجد نطاقًا تفسيريًّا: لماذا هذه الحقبة؟ بالنسبة للفكرة الغربية عن الحضارة العربية، هذه حضارة استطاعت أن تحفظ، في الأمانات، مفهوم الحضارة ومفهوم، الفلسفة اليونانية، وترد هذه الأمانات لأصحابها المتخيلين، الغرب نفسه، في نهايات العصر الوسيط عندما بدأ عصر النهضة في إيطاليا.

وبالتالي هذا التحقيب، كان ترتيبه في المخيلة الغربية. أما عند العرب فكان هناك محاولة لفهم أسباب تضعضعهم وضعفهم في عصرضعف السلطنة العثمانية وتمكّن القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر، وأرادوا ردّ ذلك إلى تاريخ مديد من الانحطاط.

​هذا لا يعني أنه ليس هناك قابلية لأن يستشف المرء بأنه في هذه المرحلة المديدة، في نهاية الأمر، كان هناك أسباب بنيوية لضعف المجتمعات تحديدًا الناطقة بالعربية ضمن هذه الإمبراطوريات الإسلامية المختلفة. ولكن فكرة إطلاق القول على أن هناك عصر انحطاط كاملًا، ليس له تاريخ: انحطاط مستدام، وانحطاط بشكل واحد، إلى آخره، هذه فكرة إلى حدٍّ كبيرمنشؤها (تركوفوبي)؛ منشؤها بأن الترك عندما دخلوا إلى الحضارة الإسلامية اجتثوا منها الحيوية، واجتثوا منها الإبداعية، وأصبحت عندهم فقط حضارة جند يتحكمون برقاب العباد. في حين أن السلاجقة والمماليك والعثمانيين، إلى آخره، لا أعتقد بأنه يمكن قراءة هذه الفترة المديدة على أنها فترة انحطاطية.

ويصبح السؤال هنا: متى بدأت الفجوة المعرفية والمعرفية الذهنية، وأيضًا السياسية والعسكرية، بين المجتمعات المعنية بالواقع الإسلامي، أو المجتمعات حيث الأكثرية إسلامية، وما بين الحضارة المسيحية الغربية أو ما بعد المسيحية؟ ولكن هنا شيء أساسي: المشكلات (العصر الذهبي) عندما اعتبر أن العصر الذهبي للحضارة العربية والإسلامية هي فترة الأموية وفترة العباسية الأولى.

لماذا فصل النهضويون بين “الإسلام” و”المسلمين”؟

نور: طبعًا هذه نقطة كثيرًا مهمة، وسنرجع لها بحلقة أخرى سنناقش فيها هذا الموضوع. لفتني شيء بكتاباتك متعلق أيضًا بالنهضة، وهي كثيرة ومبعثرة، لكن تمكنا من العثور على بعض الأفكار: أنكتتحدث عن الفصل بين الإسلام والمسلمين، والذي بدأ بشدة بمشاريع إسلامية نهضوية. ما هو هذا الفصل بين الإسلام والمسلمين؟ وتتحدث عن شيء مثل أقنمة أو ربما تشييئ الإسلام ووضعه في مكان، والغلو في مراعاة الإسلام على حساب الدين ربما، وحياة الدين، ودنيا الدين.

​الفكرة أنه في القرن التاسع عشر في النخب الإسلامية المختلفة، سواء التركية أو عند المسلمين في الهند أو عند العرب، عندما صار هناك حاجة للرد على بعض المستشرقين للدفاع عن الإسلام في وجه التصورات التي نجدها مثلًا عند إرنست رينان عندما اتهم الإسلام بأنه ديانة تحول دونتطور الفكر العقلي، وأنالمفكرين العقلانيين في الإسلام مثل ابن رشد كانوا النشاز، أو الاستثناء الذي لا يعكس واقع الحال.  وهذا ما يفسر لماذا لم تتبنَّ الحضارة الإسلامية أو الفكر الإسلامي الرشدية بل أقصتها، في حين التقطت الرشدية الحضارة الغربية. في تلك المرحلة لجأ النهضويون والتحديثيون من اتجاهات مختلفة -ليس فقط الاتجاهات التي سوف تنتج لاحقًا الفكر الإسلاموي، ولكن أيضًاالجميع إلى حدٍّ ما- لجأوا إلى هذه التخريجة البلاغية.

نور: لكن الإسلاموية اعتمدت عليها فيما بعد.

الإسلاموية سوف تعتمد عليها أكثر فأكثر، في حين أن نجدها عند الجميع: من جرجي زيدان إلى جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده. هذه التخريجة قائمة على أن المشكلة كانت في المسلمين وليس في الإسلام في حد ذاته، وأن المشكلة تفسر إلى حدٍّ كبير بغربة المسلمين عن الإسلام، وهذا ما يفسر تأخرهم وضعفهم. وهذا مثلًا في الجدل في فرنسا بين جمال الدين الأفغاني وإرنست رينان الذي كان جدلًا مهذبًا؛ في حين أن جمال الدين نفسه حين كان في الهند كان عنيفًا في مواجهة التحديثيين الهنود في تلك المرحلة. ولكن عندما تكلم مع رينان كان مهذبًا للغاية، وقال معه: “أنا أتبنى فكرتك، ولكنها لا تنطبق على الإسلام في ذاته، تنطبق على المسلمين الذين تخلفوا عن الإسلام”.

​وبالتالي جرى التأسيس لمنطق لا تاريخي قوامه أن هناك شيئًا اسمه الإسلام في ذاته، وأن هناك شيئًا آخر هم جمهور المسلمين أو التاريخ الإسلامي. هذا الفصل أصبح أكثر فأكثرموجودًا ونجده بأشكال مختلفة. وهذا أسس لإيجاد أقنوم معلّق ما بين…

نور: متخيل تمامًا.

وسام: ما بين الغيب، ما بين عالم الغيب وعالم الحضرة الإلهية، وبين المسلمين، هو الإسلام؛ كما لو كان هناك أقنوم، كما لو كان هناك مكان، حيز في عالم البرزخ اسمه الإسلام. وبالتالي هذا الإسلام في ذاته، هذا اكتشاف، هذا اختراع من القرن التاسع عشر، استمر بأشكال مختلفة وخاصة عند الإسلاميين في القرن التالي.

هل “الإسلام المجرد” اختراع بلاغي؟

نور: طبعًا، لنربط بين الفكرة السابقة والتالي: منذ قليل كنت حضرتك تحكي عن فكرة اختيار لحظة ذهبية، ثم إذًا الإسلام هنا هو شكل من أشكال اختيار لحظة ذهبية من التاريخ الإسلامي والتشبث بها. أيضًا حين تحدث عن هذا الأقنوم، نجد أنه لحظة مختارة في التاريخ بشكل سياسي بحيث تناسب ربما هذه التوجهات.

وسام: بالنسبة إلى سيد قطب مثلًا، هذا الإسلام في ذاته لا يتجلى إلا في عصر الصحابة لأنهم جيل استثنائي، وبعد ذلك هناك غربة عن هذا الإسلام. وبالتالي تُقاس الأمور على قاعدة أن هذا الإسلام في ذاته تمظهر وتجلى في جيل واحد، ثم الأجيال الأخرى لم تستطع أن تقترب منه.

​وهنا استحضر أيضًا الحديث النبوي أنه “يولد الإسلام غريبًا”، وأن هذا الاغتراب هو قدر للإسلام في ذاته عن العالم. وبالتالي هناكعناء، وهناك استحالة بأن يعاد ظهور الإسلام في ذاته.

ما هي الجذور التاريخية لظاهرة “الإسلاموفوبيا”؟

نور: عداء الإسلام، رهاب الإسلام، مصطلح إشكالي جدًّا، يُفهم بأكثر من طريقة، ونريد أن نحاول أن نفهم هذه الظاهرة مع بعض. أسألك عن كيف تقاربها؟ كيف تفهمها هذه الظاهرة؟ طبعًا، هي بكل تأكيد ظاهرة معقدة. لما نسمعها ممكن شخص يفكر مباشرة باللحظة الراهنة الحالية: مشكلات الإسلام والغرب، ربما الإرهاب والغرب، ربما الإسلام السياسي وأفكار غربية. شخص آخر ممكن يرجع لفكرة الاستشراق، الاستعمار، ولحظة الاستعمار بين الغرب ودول غير الغرب. لكن هناك أيضًا من يعود بالتاريخ إلى الوراء ويقول: لا، هي لحظة الإسلام في الشرق، ظهوره من البدايات، وربما صدامه مع أديان أخرى في المنطقة، المسيحية وغير ذلك. وبالتاليهي كلمة جدًّا مطاطية، ولا تدل على شيء في عينها. هذا إذا لم نسأل بعد: أي إسلام؟ وأي عداء؟ يعني.

فسأبدأ معك بسؤال بسيط: اليوم، لما نسمع عداء الإسلام، حضرتك ماذا تفهم؟ وأيضًا ما السردية التي تستبطن هذا المصطلح والتي ممكن أن نحكي عنها وننقدها معًا؟

وسام: يعني، رهاب الإسلام، هناك أشكال وأنماط مختلفة من المشكلة مع الإسلام. هناكفي البدايات لا يمكن رصد هذا الرهاب الإسلامي إلا عند أهل الكتاب الذين عاشوا ضمن المجتمعات الإسلامية، وأخذوا يطورون منهجًا نقديًّا، أو كتابات نقدية سجالية للإسلام، منذ فترة يوحنا الدمشقي، الذي كان مبكرًا في السجالية مع الإسلام، كان هناك جدل؛ فهذا الجدل كان هونقديًّا إلى حدٍّ ما تجريحيًّا في الإسلام، وساهم أيضًا في حثّ المسلمين على الجدل وعلى علم الكلام.

​وبالتالي، إذًا هناك سردية عن الإسلام بدأها المسيحيون واليهود في المجتمعات التي خضعت لسيطرة الجيوش العربية أو الفتوحات إلى آخره. وهذه السردية جنحت إلى حدٍّ كبير لاعتبار بأن الإسلام هو هرطقة: إما مسيحية وإما تحوير عن اليهودية؛ وبالتالي الإسلام ليس دينًا جديدًا.

​وبالتالي هناك جذر قديم للإسلاموفوبيا هو عدم القدرة على اعتبار أن الإسلام يمتلك منطقًا دينيًّا قائمًا بذاته، مستقلًّا عن المسيحية أو اليهودية، ويعتبر بأن الإسلام ليس إلا هو تكرار لما جاء في الديانات التي قبله؛ لأن العقل الديني الآخر المختلف لم يكن بمستطاعه أن يعتبر بأن هناك دينًا إضافيًّا جديدًا. وبالتالي هناك هذا الجذر للمشكلة.

وهذا أيضًا تجدد مع الدراسات حول الإسلام في بداياتها في أوروبا؛ حينما أيضًا جنح الاستشراق وسُمي الإسلامولوجيا، لاعتبار أن الإسلام في نهاية الأمر ما هو إلا فرقة من فرق المسيحية ذهبت بعيدًا، أو فرقة من فرق اليهودية ذهبت بعيدًا، أو فرقة من فرق التخليط بين المسيحية واليهودية.

​هناك أيضًا جذر آخر موجود في المخيلة، مخيلة القرون الوسطى الغربية، بأن الإسلام ليس ديانة توحيدية ولكن ديانة وثنية؛ وهذا غريب قليلًا اليوم عندما نعتبر بأن الإسلام هو دين تنزيه إطلاقي في مقابل المسيحية التجسيدية والأيقونات والتشفع بالقديسين وإلى آخره. ولكن في المخيلة الغربية كان هناك دائمًا تصور، طيلة القرون الوسطى، بأن (السراسنة) هم من الوثنيين، يتعبدون للحجر الأسود، إلى آخره. كان هناك تخيلات من هذا القبيل. وهذا يرتبط بأن التصور الذي نتكلم اليوم عن ديانات التوحيد والديانات السماوية، هذا تصور حديث جدًّا مفبرك في القرن التاسع عشر، ليس قبل ذلك؛ فكرة الـ(Monotheism) هذا (نيولوجيزم)، هذا نحت لغوي جديد في القرن التاسع عشر غير موجود قبل ذلك بهذه الطريقة.

هل فهم الغرب الإسلام كدين مستقل؟

نور: ماذا عن اليوم وهذا الجدل؟

وسام: هناك هذا الإرث من سوء الفهم، أو عدم استطاعة الفهم. وهناك في نفس الوقت، في العصر الحديث، هناك تأرجح ما بين الإسلاموفوبيا والإسلاموفيليا الغربية، وبالتالي…

نور: نشرح الكلمة، نوع من الحب، الارتباط العكسي.

وسام: نوع من الانشداد إلى الإسلام، نوع من الاعتبار بأن… هذا نجده في عصر التنوير، في القرن…

نور: في القرن الثامن عشر.

وسام: الثامن عشر، كان موجودًا بشدة التصور بأن الدين الإسلامي هو دين الفطرة، ودين العقل، والدين الطبيعي، ودين قليلة فيه حضور الخوارق والمعجزات. وبالتالي هناك، لا يمكن البحث في العصر الحديث عن الإسلاموفوبيا بدون هذه الإسلاموفيليا بأشكالها المختلفة. يعني في الهند، مثلًا، الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية في الهند، دائمًا كانت تطرح عن نفسها سؤالًا: من هم الأكثر طواعية لهذه الإمبراطورية؟ هل المسلمون أم الهندوس؟ وجرى هناك من تحزّب للمسلمين واعتبرهم بأنهم أكثر قدرة على التواصل معهم، وهناك من رأى العكس.

​وفي شكل عام، في الإمبراطورياتالأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر، كان أكثر المسلمين في العالم جزءًا من هذه الإمبراطوريات الأوروبية. ليس صحيحًا بأنهم كانوا في حالة مجتمعات متفجرة تُخرج الاستعمار عن السيطرة؛ وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حتى النخب الاستقلالية ضمن هذه المجتمعات لم تكن بعد تفكر بشكل جذري على القطيعة مع الإمبراطوريات الموجودة، وإنما أن تعيد تنظيم العلاقة بينها وبين الحاضرة: لندن أو باريس، إلى آخره.

ولكن الإسلاموفوبيا اشتدت أكثر عندما جرى النظر إلى أن المسلمين هم قومكما لو كانوا عرقًا، هنا، جرى، بالتالي، عملية تعريق للإسلام. وهذه عملية التعريق للإسلام موجودة في العصر الكولونيالي، ولكنها وجدت أكثر عندما فيما بعد المرحلة الكولونيالية، وعندما جلت الجيوش الأوروبية عن المستعمرات ذات الأكثرية الإسلامية التي كانت تسيطر عليها. بدأت في المقابل حركات هجرة للمسلمين، جزء من المسلمين إلى الحواضر الأوروبية؛ وهذا نمّى شعورًا بالإسلاموفوبيا عند الأوروبيين، قائمًا على تعريق الإسلام أكثر فأكثر: أن هناك عرقًا بذاته هم المسلمون.

كيف انقلبت “الإسلاموفيليا” إلى كراهية وعنصرية؟

نور: هذا الموضوع يأخذنا لنقطتين. أولًا: انقلاب الإسلاموفيليا إلى عودة إلى إسلاموفوبيا، ربما بالقرن التاسع عشر؛ وهنا أصبحت تُقرأ القراءات الاستشراقية الخاصة بالقرن الثامن عشر بقراءة عكسية على أنها تمهد ربما لما يسمى بعصر الإمبريالية بذلك الوقت. حتى هذه القراءات التي كانت –مثلما أنت ذكرت (تولوهية) عشقية ربما- قُرئت فيما بعد قراءة أخرى…

وسام: هذا أمر حقيقي؛ بمعنى أن العلة نفسها التي يلام عليها الإسلام في لحظة تتحول إلى علة يمتدح عليها الإسلام في اللحظة الثانية، أو العكس. أو مثلًا (غوبينو) في القرن التاسع عشر، الفرنسي، كان يعتبر أن المسلمين يعانون من مشكلة أنهم ليسوا عندهم تعصب؛ كان يعتبر أن هذا التعصب حيوي للحضارات، وكان يعتبر أن ليس عندهم هذا التعصب وأنهم ديانة متسامحة فوق اللزوم.

نور: صحيح.

وسام: وكان يعيب هذا على المسلمين.

نور: خمول وكسل، حتى هذه الكلمات كانت موجودة.

وسام: وكان يعتبر أن هذا (فاتاليزم)، هذا تسليم بالأقدار وخمول وكسل. وكان في القرن التاسع عشر كانت الطفرة… كان هناك ركود ديموغرافي في عدد كبير من المجتمعات الإسلامية، بحيث كان هناك تقدير بأن المشكلة الإسلامية في العالم سوف تذهب مع الوقت حين يتضاءل عدد المسلمين نسبة إلى غير المسلمين في…

كان هذا أمرًا مختلفًا تمامًا عن القرن العشرين. ما حدث في القرن العشرين هو أن هناك أيضًا صدمة ديموغرافية: الركود أصبح ينتاب المجتمعات شمال العالم، سواء الغرب أو الاتحاد السوفيتي وما تلاه؛ وفي حين أن هناك طفرة ديموغرافية إسلامية لم يكن مفكرًا بها في القرن التاسع عشر، وأصبحت طارئة في النصف الثاني من القرن العشرين. وطورت بعض المفاهيمالخنفشارية مثل (مصطلح فرنسي) الاستبدال الكبير: بأن المسلمين قادمون إلى فرنسا وغيرها، وأنهم في مجتمع راكد ديموغرافيًا يستطيعون بطفرتهم الديموغرافية، في جيل أو جيلين أو ثلاثة، أن يتحولوا إلى أكثرية.

كيف يُستغل مصطلح “الإسلاموفوبيا” سياسياً اليوم؟

نور: اليوم نتحدث عن الإسلاموفوبيا. ما المقصود؟ أي إسلام نتحدث عنه في الإعلام، في الخطابات العامة؟ إلى أي إسلام يجب أن يوجّه النظر؟

وسام: المشكلة أن الحركات الإسلامية والإسلاميين، والإمام الخميني تحديدًا، استخدموا فكرة الإسلاموفوبيا بشكل متوسع. بالتالي، إذا كنتِ ضد قيام دولة ثيوقراطية، يعني دولة على أساس الدين، على أساس تحويل الدين إلى مصدر لنظام الملالي، لنظام يتحكم به الإسلاميون بالآخرين؛ هذه إسلاموفوبيا.

​وبالتالي هناك المشكلة ليست في مصطلح الإسلاموفوبيا بحد ذاته، وإنما بالتوسع التوظيفي الأداتي الذي يقوم به الإسلاميون من ناحية، ويقوم به أيضًا اليسار المحابي للإسلاميين من ناحية ثانية -لنعترف- باعتبار أن كل نقد للإسلام السياسي أو الإسلام الحركي، أو كل، ليس فقط كل نقد للإسلام السياسي أو الحركي، كل اعتبار بأن المجتمعات الإسلامية تعاني من فجوة ذهنية معرفية حقيقية لا تُفسر فقط بالاعتبارات الظرفية السياسية، بل تمتد إلى قرون إلى الوراء. بأن هذه الحيلة التي لجأت إليها النخب في هذه المجتمعات والمجتمعات بعامة إلى عدم الاصطدام بأن هناك ثورة علمية، أو مجموعة من الثورات العلمية تخلفت عنها، واعتبار أن كل ما ينبغي فعله هو تأصيل هذه المكتسبات وهذه المنجزات وهذه الابتكارات، والبحث عن ما يوافقها أو نظرية الإعجاز العلمي، إلى آخره. فبالتالي جرى اعتبار بأن كل ما هو ذهاب إلى عمق النقدي في تحليل العقل العربي والعقل الإسلامي هو إسلاموفوبيا.

​وبالتالي هذه مشكلة حقيقية، يعني نفس الشيء في الديانة المسيحية أو في الديانة اليهودية أو في الديانات الأخرى. وبالتالي الأصوليات في كل مكان من العالم، عندما تحاولين أن تتطرقي بشكل نقدي إلى التراث، إلى الفجوات المعرفية والذهنية، تقول لك: لا، هذه (هندوفوبيا)، أو هذه (يهودوفوبيا)، أو هذه إسلاموفوبيا، أو هذه (مسيحوفوبيا). وإن كان الموضوع عند المجتمعات الإسلامية أكثر خطورة.

​وبالتالي التحدي هو كيفية تحرير مشكلة الإسلاموفوبيا من التلاعب: تلاعب الإسلاميين، وتلاعب ما بعد الكولونياليين بهذا.

ما هو النقد المطلوب لتفكيك “الإسلاموفوبيا”؟

نور: صحيح. دعنا ننهي بسؤال: ما نوع النقد الذي نحتاجه نحن اليوم في مقاربة هذه الظاهرة؟ ما نوع الكلام، الخطاب، الذي يمكن أن نوجه لهذه الظاهرة بوصفنا جزءًا منها طبعًا، بوصفنا أيضًا نتحمل جزءًا كبيرًا من هذه الظاهرة؟

​أعتقد بأن كل ما من شأنهتوجيه النقاش بشكل مباشر أو بشكل مضمر إلى أن المسلمين يشكلون عرقًا بيولوجيًّا قائمًا بذاته هو إسلاموفوبيا. أي شكل من أشكال نفي التعددية والتنوعية ضمن المسلمين، وأي حكم يريد أن يطلق اعتبارًا واحدًا على كل المسلمين في العالم أو على أكثريتهم حتى، هو شكل من أشكال الإسلاموفوبيا.

​ولكن في المقابل، الإسلامولوجيا: دراسة الإسلام، ودراسة تاريخية للإسلام، وقدرة على إعمال العقل التاريخي النقدي في هذا التراث، هو مسألة أساسية. وبالتالي لا ينبغي أن يتم ينبغي أن يدافع المعنيون بها عن هذا الحق في ممارسة التأريخ والتفكير التاريخي النقدي، بما في ذلك وصولًا إلى بدايات ظهور هذه الحضارة وهذه الديانة.

​وبالتالي هنا المسألة شائكة، ولكن هذا هو محور النقاش. وأيضًا من ناحية أخرى، اعتبار بأن المجتمعات الإسلامية لها تاريخ، وبأن هذه الفجوة العلمية التكنولوجية وهذه الفجوة الذهنية المعرفية ينبغي النقاش: متى بدأت؟ أو متى أخذت… متى بدأت الأمور تخرج عن السيطرة؟ لأنه ينبغي أن نعترف باعتقاد بأنه في عصر معين كان هناك إمكانية بعدُ للاستلحاق لهذه الفجوة، ولكن في القرن السابع عشر، الثامن عشر، منذ القرن السابع عشر بدأت تخرج الأمور عن السيطرة، وبدل أن يجري ردم هذه الفجوة، أخذت هذه الفجوة تزداد.

48:22

هل نحن شعوب مصابة بـ “القابلية للاستعمار”؟

نور: دكتور وسام، ننتقل كل فترة من سردية إلى أخرى، وربما هذا أمر طبيعي؛ كل شعوب العالم تفعل ذلك. بالسنوات السابقة، فلنقل بالعقود الأخيرة، تمسكنا بشكل صلب بسردية نقد الاستعمار، ومناهضة الاستعمار بصورة أساسية من بين أشياء كثيرة أخرى، والتحرر الوطني، وما إلى ذلك.

​اليوم، ربما بعد هزائم كثيرة، انتقلنا إلى سرديات أخرى؛ ربما هي أكثر جدوى، أصح، وربما كآلية نفسية بعد الهزيمة يتحول الشخص إلى ما يستطيع أن يواجهه. نجد اليوم فيه سرديات جديدة تقول لك مثلًا: لا نحن مشكلات مجتمعاتنا أسبق من الاستعمار؛ وكأنه، مثلًا، هناك حتمية في مجتمعاتنا على أنه نحن دائمًا سنكون متورطين باستبداد بشكل ما. وهناك من يقول: لا، الاستعمار. يعني، انظر، كلمات كثيرًا كبيرة نحاول من خلالها أن نفهم هذا الواقع المعقد جدًّا. لذلك بحلقتنا نريد أن نحكي عن الاستعمار والاستبداد، وكل ما يتعلق بهما.

سؤالي لك من كتاب مالك بن نبي الذي حكى فيه عن فكرة قابلية الاستعمار؛ أي أن الشعوب بعد أن تخضع لفترات طويلة جدًّا لأشكال مختلفة من القمع تصبح قابلة للاستعمار. هل نحن اليوم، بعد كل ما مررنا به، أصبحنا شعوبًا قابلة للاستعمار؟

وسام: يعني، يمكن أن أتقاطع جزئيًّا، ولكن بحذر، مع فكرة ابن نبي: القابلية للاستعمار؛ ولكنها، المشكلة الخاصة بها، أنها فكرة إطلاقية، فكرة لا تاريخية، فكرة أيضًا يمكن من خلالها إذا طبقت على الاستبداد الشرقي مثلًا، أعتقد بأنها لا يمكن أن تُفسر كل تاريخ المجتمعات بشكل نافع. بمعنى أن الاستبداد الشرقي، ما نعتبره استبدادًا شرقيًّا، وبالتالي إمبراطوريات مدافع البارود، كانت إمبراطوريات في عصرها فعالة، وكانت على صعيد ميزان القوى، سواء السياسي والعسكري وأيضًا الحضاري، النتاج الحضاري، كانت تستطيعأن تعبّر عن توازن قوى معين على صعيد الحضارات في العالم.

​هل الاستبداد الشرقي كان حتمًا سوف يقود إلى انغلاق الباب، إلى آخره؟ يعني، هذه أيضًا مسألة لا يمكن النطق بها كما لو أنها بشكل صارم في كل مكان من العالم؛ حين نجد أنه بالعكس، الإمبراطور كان في الحضارة عند مغول الهند أو عند الصفوية كان في أحيان كثيرة هو الملجأ للعلماء والشعراء إلى آخره، في مواجهة رجال الدين.

وبالتالي هذه القابلية للاستعمار هي فكرة يمكن الشخص أن يتقاطع معها في بعض الشيء…

نور: نقاط معينة، بأشياء خاصة، بسياقات معينة.

وسام: يعني أنه في نهاية الأمر الاستبداد الشرقي، حين لم يعد قادرًا على متابعة… في البداية كان الاستبداد الشرقي قادرًا.

نور: ماذا نقصد بالاستبداد الشرقي؟ كي نضيف لمن لا يعرف، ماذا يعني استبداد شرقي؟

وسام: هذا أيضًا اختراع، لكن هو قائم على أن في المخيلة الأوروبية -يعني في فترة مونتسكيو وبرنييه إلى آخره، مرورًا بهيغل وكارل ماركس، وصولًا إلى كارل فيتفوجل في القرن العشرين- اعتبار بأن أنظمة الاستبداد القائمة في الأنظمة الحاكمة القائمة في الشرق، في آسيا، في الصين، وفي الهند، وفي الحضارة الإسلامية، هي أنظمة تتحكم بها الإمبراطوريات القائمة بشكل مطبق، بشكل صارم، وبشكلالطغيان فيها مديد وليس كالحالات التيرانية، حالات الطغيان في اليونان القديمة وفي روما وفي الحضارات الغربية التي هي فترات مؤقتة.

​ الاعتبار بأن الاستبداد يأتي متقطعًا في الغرب، في حين أنه مديد وفي حين أنههو القالب الذي تفسر به كل الأمور. وثم أخذ الغربيون المفكرون، كل واحد يستدل، أو الرحالة حتى برنييه استدل، على أنه في نهاية الأمر الاستبداد الشرقي فكرته الأساسية أنه ليس هناك ملكية شخصية للأرض، وبالتالي ملكية فردية للأرض.

​وهذا ما أخذ عنه كارل ماركس حين ابتدع نظرية نمط الإنتاج الآسيوي؛ حيث غياب الملكية الخاصة للأرض، الوراثية للأرض، هواعتبره الأس التي يقوم عليها الاستبداد الشرقي.

في حين مثلًا كارل فيتفوجل في كتابه (Oriental Despotism) في أيام الحرب الباردة، اعتبر بأن أنظمة الري في بابل، ما بين النهرين، وفي حضارة الإندوس، وفي حضارة النيل، أنظمة الري؛ هذا هو الاستبداد الهيدروليكي، هو الذي… أو في الصين على النهر الأصفر، هو المنشأ، الحاجة إلى تعبئة وتجنيد يد عاملة للقيام بمشاريع ري ضخمة، هو منشأ الاستبداد الشرقي.

وبالتالي هناك تراث كامل من نظرية الاستبداد الشرقي. بالمناسبة، هناك من يعتبر ابن نبي حينما نظر إلى القابلية الاستعمار لم يكن يفكر بالاستبداد الشرقي؛ كان يفكر بالطرق الصوفية، كان يفكر بالدراويش، كان يفكر بهذه المسائل المرتبطة أكثر بمجتمعات شمال أفريقيا. وبالتالي مسألة القابلية للاستعمار، بأن هذه المجتمعات استعمرت لأنها قابلة للاستعمار، هي طرح ميتافيزيقي، بامتياز.

نور: غير دقيق، غير واقعي؟ غير ماذا تقصد؟

وسام: هي طرح ميتافيزيقي له قيمته كطرح ميتافيزيقي يعني: يدعو للتفكير، يدعو للتأمل، يدعو للاحتراز من وضع كل المشكلة في سلة الخصم الحضاري. واعتبار بأنه لا… ولكن أنا ميّال لأمر آخر: إلى أن الفجوة العلمية التكنولوجية المتزايدة قرنًا بعد قرن، ابتداءً من أواخر العصر الوسيطي، وصولًا إلى القرن الثامن عشر، أوجدت القابلية للاستعمار. ​هذا بالنسبة لي لا يمكن أن أفسره فقط بالاستبداد الشرقي.

الاستعمار كمقولة كلية هي مقولة شائكة حمالة أوجه، يعني يمكن استصلاحها، يمكن الاستفادة منها إذا كان المرء أو الباحث تحديدًا قادرًا على فهم أن هناك أشكالًا مختلفة من الاستعمار؛ يعني الاستعمار القاري، مثلا بالحالة الروسية، هو إخضاع شعوب إلى إمبراطورية متصلة جغرافيًّا، غير الاستعمار العابر للبحار مثل الإمبراطوريات الاستعمارية.

هل يفسر ابن خلدون واقعنا المعقد فعلاً؟

نور: دكتور وسام، مع كل تحول ثقافي أو سياسي يحدث في بلداننا، نجد أن هناك عودة إلى مفاهيم ابن خلدون بصورة خاصة، وكأن مفهوم العصبية لديه يصلح لكل مكان وزمان، وكأنه قادر على تفسير كل ما يحصل في بلداننا. دعني أسألك بالبداية: هل تجد هذه العودة مفيدة، دقيقة، صالحة ربما لتفسير الراهن اليوم؟

وسام: يعني في جزء من هذه العودة إلى مفهوم خلدوني كالعصبية تتم على حساب القراءة المتعمقة، المتبحرة بمقدمة ابن خلدون، بمحاولة فهم هذه اللحظة الاستثنائية في تاريخ الفكر الشمال أفريقي والإسلامي. وبالتالي هي غير قادرة على ربط هذا البعد، بعلم العمران كما سماه ابن خلدون. من حيث هو في نهاية الأمر مدخل إلى الجمع ما بين ما نحتاجه في نهاية الأمر: من ربط ما بين التحليل التاريخي، تاريخ الاقتصاد الاجتماعي، وتحليل الثقافة والسياسة. في شروط عصره، استطاع ابن خلدون جمع هذه المسائل بحيث هو اعتبر أن هناك الأمور المرتبطة بالعصبية والتغلب مرتبطة بالبحث عن الغذاء والبحث… والسلاح، وربط ذلك أيضًا بضرورة الوازع، وجود الوازع… وبالتالي ربط هذه المسائل الثلاثة. يعني مفهوم العصبية عنده مرتبط بدينامية شاملة: الغذاء والسلاح والوازع.

بالتالي النظرية الخلدونية أكثر إبداعًا وأكثر راهنية من استحضارها فقط من خلال مفهوم العصبية بحد ذاته. وبالتالي الرهيب في ابن خلدون هو أنه يستخدم كمعجم؛ بمعنى يؤخذ منه الكلمة وتؤخذ منه كلمة أخرى يعني. مفهوم الحضارة أُخذ من ابن خلدون، لكن هو كان يعتبر أن الحضارة هي نهاية العمران وهي بداية الفساد؛ يعني بداية بوار العصبية، يعني التغلب ينقل العصبية إلى حالة الملك، ثم تتلاشى العصبية وتأخذ مكانها عصبية أخرى؛ وبالتالي فكان له هذا التفسير الدائري للحركة من عصبية إلى أخرى.

ولكن أيضًا مفهوم الممانعة، مثلًا، هو مفهوم خلدوني؛ لأن الممانعة والمخاشنة، هاتان الكلمتان مستلتان من… الممانعة تحديدًا من مقدمة ابن خلدون. لأن العصبية تميل إلى أن تمانع على أن تتهذب وتترشق وتتحضرن، أن تعيش حياة الحضر وحياة الحاشية والبلاط، إلى آخره، فتبكي حيويتها.

وبالتالي المفاهيم الخلدونية قيمتها، أعتقد، بإعادة ربطها بسياق مقدمة ابن خلدون. أعتقد لماذا العودة إلى ابن خلدون؟ لأنه ليس حالة منقطعة عن بقية المؤرخين في العصور الإسلامية، ولكنه حالة استثنائية، وحالة مرتبطة بتفكيرين: بتفكير يتعلق بلماذا في هذه المجتمعات، المجتمعات الحضارية المجتمعات المدينية، دائمًا عندها هشاشة وسرعة عطب تجاه المجتمعات البدوية والمجتمعات التي تحيط بها، خاصة في بيئة صحراوية، إلى آخره. ولكن أيضًا هذا يرتبط بفكرة الأفول، مثلًا. نحن كعرب لا نعير -وهذه مشكلة- نعير اهتمامًا بكيفية أن العثمانيين باكرًا ما تنبهوا إلى أنه عند ابن خلدون نظرية عن الأفول؛ يعني كيف تضعف دولة، وبالتالي كيف ينبغي أن تحترس دولة من عناصر أفولها. وهذا نجده مثلًا في التأثير الخلدوني بالنخب العثمانية؛ ولكن نجده في تصور آخر يمكن أن يقارن بالتصور الخلدوني، هو التصور الذي نجده عند الدفتردار والمؤرخ العثماني في أواخر القرن السادس عشر، مصطفى علي. اعتبر بأن أن أي دولة ينبغي أن تتنبه مسبقًا إلى عناصر أفولها. وبالتالي أهمية ابن خلدون في أن له أيضًا فكرة عن التنبه المسبق لعناصر الأفول. وإن كانت بالنسبة له في شروط عصره: كيف أن على العصبية أن تمنع نفسها من أن تأخذها حياة الحضر، وتتفسخ، وأن يذهب بالملك الوهم بأنه يمكن أن يبقى في بلاطه بمعزل عن العصبية التي أتت به.

​ولكن هذا شيء، واستحضار العصبية لاعتبارها أن كل مجموعة لها عصبية بحد ذاتها، هذا نجده في محاولات زج هذا المفهوم لاعتباره هو المفتاح لإقامة علم اجتماع صالح في عصرنا للمجتمعات العربية، يبدأ بعلي الوردي، يبدأ بـ… أعتقد هنا هذا تعسف كبير. هذه المجتمعات، صحيح، حركة البداوة والمجتمعات الرعوية والبدوية فيها أساسية لفهمها، ولكن لا يمكن فهم مفهوم العصبية نفسه بهذا الشكل.

كثيرًا ما كان يستخدم ابن خلدون في كل مرة يجد قالبًا تفسيريًّا آخر حدوده لفهم هذه المجتمعات.

هل انقساماتنا الحالية “عصبية” أم “إثنية”؟

نور: دكتور، دعنا نحول الحديث إلى مستوى آخر، مستوى أكثر عملية. إذا نظرنا إلى مجتمعاتنا اليوم نرى كثيرًا من الانقسامات. يقال إن هذه الانقسامات تنبني على عصبيات. أبرز هذه الانقسامات انقسامات دينية، ودينية سياسية ذات طابع إسلامي سياسي، ذات طابع إثني، ذات طابع ديني، لكنها تتحرك في أفق الإسلام السياسي ومن هم ضده بصورة أساسية. ​فنجد من يقول إن هذه عصبية، عصبية قبلية. لأي درجة فعلًا الانقسامات الواضحة في مجتمعاتنا اليوم، التي تتكرر اليوم في الإعلام ويتم الحديث عنها بأشكال مختلفة، هي انقسامات قائمة على العصبية في علاقتها بالقبيلة؟

وسام: هي انقسامات إثنية إلى حدٍّ كبير، لا شك، ولكن يعني العصبية شيء، والإثنية شيء آخر. العصبية عند ابن خلدون وانطلاقًا منه ترتبط بالتغلب؛ بمعنى أن العصبية هي أولًا داخل القبيلة الواحدة أو داخل الاتحاد القبلي، هناك ضرورة لما يسميه ابن خلدون “الرئاسة”. وبالتالي أنه يفرض تغلبيته داخل القبيلة بالشكل الذي يتيح لهذه القبيلة أن تتغلب على بقية القبائل، هذا هو مفهوم… يعني هناك مضمون، محتوى مزدوج لمفهوم العصبية، لأنها مرتبطة بالتغلب؛ وبالتالي هي مرتبطة بمجتمع قائم فيه الصراع على من يتغلب على من، من يتغلب على من عند البدو، وكيف يتغلب البدو على الحضر، وكيف المتغلب من البدو على الحضر تأخذه السكرة بحياة الحضر، بحيث أنه يقيم ملكه لفترة ثم يذهب؛ لأن نفس الحكاية تتكرر بهذا التصور إلى ما لا نهاية.

​أعتقد بأنه… مع أن هذا منظار مهم، ولكنه لا يمكن أن يفسر الانقسامات المرتبطة بالانقسامات، للإثنيات الدينية. يعني، الطوائف. الإثنيات الدينية هي ما يفرقها عن العصبيات هي أنها جماعات كثيرًا ما تكون من دون عصب، من دون عصب واضح؛ كثيرًا ما تكون كائنات، مثل الكائنات في العالم الأحياء، غير العصبية، أو لنقل غير مستقرة العصب. يعني في أحيان نجدها متلاشية، نجدها مضمحلة، نجدهاتأخذ أشكالًا أخرى، وفي لحظات أخرى هناك سياقات أخرى نجدها في العكس تنشطت، إلى آخره. ولكن البنية العامة لهذه المجتمعات هي بنية انقسامية مجتمعيًّا، بحيث لا تسهل الأمور أمام أي عملية توحيد وطني على طريقة المجتمعات، على طريقة ما حصل في أوروبا، خصوصًا في فرنسا.

​ ولكن فيما يتعلق بالاختلاف المذهبي: الاختلاف المذهبي ليس مسألة معالجة عند ابن خلدون. ابن خلدون يتحدث عن تاريخ العرب والبربر في شمال أفريقيا إلى حدٍّ كبير؛ عنده الدعوة، مثلًا دعوة الموحدين، دعوة المرابطين، إلى آخره، تدخل في هذا الإطار: كيف للعصبية أن تتمسك بدعوة دينية، بدعوة مثل المهدي بن تومرت إلى آخره في تاريخ شمال أفريقيا. ولكن هذا شيء، والانقسام على صعيد الإثنيات الدينية شيء آخر. في نظري، الإثنيات الدينية هي مجموعات غير قادرة تاريخيًّا، لم تكن مؤهلة تاريخيًّا لأن تقوم بما قامت به الملل الدينية العثمانية في البلقان. في الملل الدينية، في حالة الملة، كان اسمها ملة الروم؛ ملة الروم كانت هي الملة الثانية من حيث العدد بعد المسلمين في الإمبراطورية العثمانية. ثم لاحقًا دخل قسم منها في التمرد على السلطنة العثمانية، وهذا القسم انتهى به الأمر إلى التحول إلى أمة جديدة وهي اليونان الحديثة.

في حين أن الطوائف، بما هي إثنيات دينية، ترغب في ذلك؛ ترغب بأن تتحول أيضًا من ملة دينية إلى ملة قومية، ولكن ليس لها الباع نفسه، وليست لها الشروط التاريخية نفسها، وليست لها أيضًا القدرة على إنتاج سردية يمكن أن تؤخذ بجدية إلى الدرجة التي توصلها إلى هذه المنزلة. وبالتالي هي إثنيات دينية تشتهي أن تكون قوميات، ولكنها مقطوعة في نصف الطريق بين ما تشتهيه وبين ما تستطيع أن تنجزه.

هل “التغلب” هو المفتاح لفهم صراعاتنا المعاصرة؟

نور: إذا قلنا إن العصبية لا تكفي وحدها لتفسير الواقع وتفسير الانقسامات، هل هناك ربما، مثلًا، مفهوم آخر يمكن أن يشرح، أن يفسر لنا سبب… لن أقول انقسامات، بل ربما حالة من الرغبة في التماهي داخل الجماعة الواحدة، الجماعات الكبرى، ربما الجماعات الإسلامية السياسية لتكوين ما يتجاوز الجماعة الضيقة والقبيلة، بل توحيد ربما الحالة؟ ما الإطار التفسيري؟ هل لدينا ما نفسر من خلاله هذه الحالة؟

وسام: أنا أرى أنه في مفهوم التغلب عند ابن خلدون راهنية كبرى، وليس مفهوم العصبية؛ أن هذه المجتمعات مهجوسة بالتغلب بين الفئات التي تتكون منها. ولكن هذا التغلب ليته كان يمكن أن يقرأ فقط بمفهوم العصبية وحده. ما يغيب عن البال، أو ما يفرقها عن عصر ابن خلدون، هو المستوى العالي للتهجين الذي خضعت له هذه المجتمعات، والتي تخضع له كل واحدة من هذه الجماعات. بمعنى أن المنظار غير قادر على رؤية هذا المستوى العالي من التهجين، سوف يتخيل مثلًا أن المتحدات القبلية في اليمن، مثل حاشد وبكيل، لديها هذه القوة في مقابل الدولة، في مقابل مخابرات دولة  علي عبد الله صالح، أو في مقابل الحوثيين. في حين أننا نجد أن قدرة المتحدات القبلية في مجتمع قبلي بامتياز مثل اليمن أظهرت عن محدوديتها. لا يعني أن القبيلة تلاشت في اليمن في مقابل أننا أصبحنا في مجتمع من الذرات الفردية، ولكن ما كنا ننتظره من القبائل بالنموذج الخلدوني لم يعد صالحًا؛ أصبحت هذه القبائل موجودة ولكنها كالضرس منزوع العصب إلى حدٍّ كبير. وبالتالي نحن في ظل جماعات مضروبة العصب -لنقل- مضروبة العصب إلى حدٍّ كبير، ولكنها لا تزال تتحرك ضمن فضاء بحث عن التغلب. ولا يزال هذا التغلب، سواء بشكله الواقع أو بشكله المتخيل، يأخذ شكلًا يُحتسب على جماعة. مثلًا في مجتمعنا، هذا التغلب بالنسبة للسُّنة في سوريا يحتسب على أنه تغلب علوي؛ بالنسبة للعلويين يحتسب على أنه تغلب سني. ونفس الأمر في العراق.

​وبالتالي نحن فكرة التغلب هي المفهوم الأهم من مفهوم العصبية عند ابن خلدون، وأصلًا مربوطة العصبية بالتغلب. هو لا يزال موجودًا هذا البحث عن التغلب ضمن هذه المجتمعات، التغلب الفئوي ضمن هذه المجتمعات لا يزال هو محددا تفسيريا أساسيا لهذه المجتمعات، ولكنه لم يعد يرتبط إلا جزئيًّا بمفهوم العصبية. ذلك أن هذه المجتمعات نخرتها، أو لن أقول كلمة سلبية، ولكن يعني عجنتها عجنًا آليات التهجين. أصبحت كل هذه العناصر منتمية إلى مجموعة، هي في نفس الوقت داخل المجموعة وخارج هذه المجموعة. متى يتفاعل الدرزي أو العلوي أو السني أو الماروني كجماعة ومتى يعتبر نفسه بأنه يتحرك كفرد؟ هذه أمور متقلبة جدًّا، ولكن في نفس الوقت الإطار العام هو إطار لا يزال يفسر إلى حدٍّ كبير بالتغلب. ولا يزال هذا التغلب لا يمكن فقط أن نرده إلى المقولات اللاخلدونية. ما هي المقولات اللاخلدونية؟ مثلًا الطبقات الاجتماعية. أنا أعتقد أنه أفضل الاستعانة ببعض، بشيء من ابن خلدون: التغلب على فكر الأمور مثلًا فقط، على أنها عمليات مرتبطة بأفراد يتصارعون، أو بأيديولوجيات تتصارع حديثة، أو بطبقات اجتماعية، أو فقط بصراع بين العلمانيين والإسلاميين.

​هناك في هذه المجتمعات بحث عن التغلب، وهناك صعوبة لا تزال -أتحدث تحديدًا عن مجتمعات المشرق العربي- عن التفكير في أفق ما بعد تغلبي ضمن هذه المجتمعات، في أفق يعيد الوصل مع الفكرة الأخرى، أو الأساس الذي قامت عليه محاولة ابن خلدون، والذي هو مفهوم العمران؛ يعني كيف نعيد تبيئة مفهوم العمران بالنسبة إلى المجتمعات المصابة بعملية نزف شديد، وبعملية تخريب لها والحضاري في هذه البلدان.

 

Leave a comment