لماذا سطت الرواية التراثية على النص القرآني المقدس؟ وما الأثر المباشر لذلك في تراجع السلوك الأخلاقي وتفكك البنية الأسرية؟ أ. طارق نصر، أحد كبار باحثي الأزهر ومتخصص في التفسير، يطرح رؤيةً نقديةً جريئةً حول التفاسير القديمة، باحثًا عن سر غياب التقوى الحقيقية، وكيفية العودة إلى جوهر القرآن وتشريعاته المحكمة لإصلاح ما أفسده الجهل، في لقائه مع د. باسم الجمل في #بودكاست_مجتمع، على #منصة_مجتمع
لماذا نقدس التفاسير القديمة ونغيب العقل؟
باسم: أهلًا بكم، أنا معكم باسم الجمل في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، في حلقة اليوم نلتقي الأستاذ طارق نصر، باحث ومفكر مصري ومختص، أنت باحث طبعًا في الأزهر ومختص في التفسير، تفسير القرآن طبعًا والعلوم الدينية.
طارق: نعم.
باسم: في الأزهر.
طارق: نعم.
باسم: الأزهر الشريف.
طارق: نعم.
باسم: يعني، أول ما يتبادر للذهن الاختصاص بالتفسير بمعنى التفسير القرآني، وعندنا الكثير من كتب التفاسير.
طارق: صحيح.
باسم: وهذه التفاسير فيها اختلافات، والتفاسير معظمها قديم، وما زلنا نحن نتبع تفاسير الآخرين الذين ممكن يبعدون عنا خمسمئة، ستمئة، سبعمئة إلى ألف سنة، هل هذا صحيح؟ وهل هذا صحي، يعني، لأي قارئ للنص القرآني، هل من الصحة أن أتبع تفسيرًا أو رؤية تفسير الآخر من ألف عام إلى الآن مثلًا؟
طارق: الحمد لله وحده، الصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد، فعندي قانون قرآني عام يقول: “فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ” (الزمر: 17-18).
فهذه التفاسير القديمة أنا أنظر فيها وأختار منها أطيب ما فيها، ولا يمكن أن أقبل بالتفاسير، يعني، التفاسير القديمة المطبوعة حاليًا، النيسابوري وغيره يقول في تفسيره لنون في قوله تعالى: “ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” (القلم: 1)، يقول نون هو الحوت الذي يحمل الأرض، ولا يزال هذا العبث موجودًا ومطبوعًا إلى اليوم، مطبوعًا، فهل يُعقل؟
باسم: طيب، هذا الحوت الذي يحمل الأرض، هو في الأرض أم خارجها؟
طارق: الله أعلم. فطبعًا هناك أشياء في التفسير لا تُقبل لا لغة ولا عقلًا ولا شيئًا، فأنا مطلوب مني أنا حينما أقلب في هذه الكتب أختار، وكذلك كتب الأحاديث أختار أطيبها، لكن الاختيار يكون بماذا؟ بما يوافق اللسان العربي بالدرجة الأولى ويوافق القرآن الكريم ولا يصطدم مع العقل.
باسم: يعني، هذه القاعدة أنا أعتبرها… حسنًا، تبدو منطقية ولكن فضفاضة، ما يطابق مع اللسان، لازم يفهمه اللسان، ويطابق مع العقل، عقل مَن؟
طارق: أنا أقول العقل السليم.
باسم: العقل السليم، ما هو العقل السليم؟ وهل المجموع، طبعًا القرآن نزل للكل.
طارق: نعم.
باسم: ومن حق الكل أن يقرأ القرآن، وبالتالي مطلوب من الناس أن يتدبروا القرآن، هل مستويات التدبر بين الناس هي موحدة؟
طارق: بالتأكيد لا.
باسم: إذن كيف نركن على عقل القارئ، إذا لم نزوده بآلية محددة تُمكّن الجميع أن يقرأ القرآن وفق المستوى المتفق عليه.
طارق: القرآن أيقظ العقل ونبّهه، بل إن الفرض الأول من فرائض الصلاة أن يُحضر المصلي عقله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ” (النساء: 43)، فطالما أنا أخاطب الله لابد أنه بالدرجة الأولى عقلي يكون مستيقظًا، لكن أخاطب الله وعقلي تائه مجرد ترديد، فهذا ما لا يصح.
ودائمًا العقل السليم يتفق مع المنهج القرآني السليم، يعني، مثلًا أعطي حضرتك مثالًا فيما يتعلق بالعقل والنقل، بعض الناس يقولون: إن النقل مقدم على العقل، طيب، كيف؟ يعني، حصل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان هناك جماعة مسافرين، فأمّر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا، وقال لهم: اسمعوا له وأطيعوا، وبعد أن انطلقوا إذا بهذا الأمير يقول لهم: اجمعوا حطبًا، قالوا: سمعًا وطاعة، فجمعوا الحطب، قال: أوقدوا فيه نارًا، فأوقدوا فيه نارًا، قال: ألم يقل لكم رسول الله أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: نعم، قال: فإني آمركم أن تدخلوا هذه النار. هنا يوجد نقل ويوجد عقل، فماذا قال القوم؟ قالوا، أعملوا عقولهم: والله ما اتبعنا رسول الله إلا لنفر من النار، تأتي أنت سعادتك تقول لنا ادخلوا النار؟ لا، لسنا داخلين، يا عم. بعد ذلك حينما عادوا من سفرهم فيستشيرون النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا له: ما رأيك فيما حصل؟ قال: لو دخلوها ما خرجوا منها، لماذا؟ لأنهم يكونون أضاعوا الجوهرة العظيمة التي أعطاهم الله إياها.
يعني، أنا ألاحظ مثلًا مادة “عقل” في القرآن الكريم لا تقل عن تسع وأربعين مرة، طيب، اليوم لما أنظر في كتب الأحاديث لا يوجد باب العقل، لا يوجد باب مثلًا القيام بالقسط، لا يوجد باب العدل، لا، أبواب كثيرة جدًا، في حين أن هذه هي الأساسيات.
كيف يضبط العقل ميزان التفسير والتدبر؟
باسم: طيب، لماذا اتجه العقل… يعني، أنا أكره أن أسمي كلمة العقل على أساس أنه بنية (…) عملية تفسير القرآن…
أخذت هذا المنحى المختلف وما زالت قائمة كما هي سابقًا، والرواية التي أنت ذكرتها إحدى الروايات التي ما زالت عاملة بعقلية الناس، يعني، ألم يأنِ الوقت، ألم يحنِ الوقت أن نبدأ بعملية مراجعة لهذه التفاسير، تصحيحها مثلًا؟
طارق: بالتأكيد، وهذا مهم جدًا، وهذا بفضل الله ما تقومون به في تلك القناة الذي هو تصحيح المفاهيم.
باسم: على أي أساس؟ أنت متخصص في التفاسير، في التفسير.
طارق: حسنًا.
باسم: والتخصص، يعني، أن تقوم بعملية نقض مرات، أو تستحسن.
طارق: بالتأكيد.
باسم: ما هي الأسس التي أنت تستخدمها مثلًا لنقض التفسير؟
طارق: الأسس بالدرجة الأولى أنني حينما أنظر إلى الآية القرآنية في موضوع ما، لابد أن أبحث عن كل آية تحدثت في نفس الموضوع.
باسم: يعني، تقوم بعملية ترتيل للآيات التي تحدثت عن نفس الموضوع؟
طارق: نعم، فتكتمل الصورة في الذهن، لكن الذين جعلوا القرآن “عضين” هم الذين قطعوه ولم يجعلوه موصولًا بعضه ببعض، فحينما يكون المفسر قائمًا على المنهج الذي رسمه القرآن والذي بيّنه النبي عليه الصلاة والسلام، فهنا فيه انتفاع للناس، يعني، مثلًا حينما نزل قوله تعالى: “الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ” (الأنعام: 82)، فالصحابة قالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم يا رسول الله؟ قال: ليس الذي تعنون، وإنما الظلم هنا هو الشرك: “إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ” (لقمان: 13). “إِنَّ الشِّرْكَ…”
باسم: “… لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”.
طارق: فهنا النبي عليه الصلاة والسلام يضع لهم الخط العريض في تفسير القرآن الكريم أنك تحضر الآية…
باسم: الترتيل، “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا” (المزمل: 4).
طارق: نعم هذا هو الترتيل وهو الترتيب…
باسم: الترتيل هو عبارة عن ترتيب الآيات ذات المواضيع الموحدة ضمن نسق خاص، لتسهل دراستها، أو لتسهل عملية تدبرها، ومن ثم استنباط الحكم.
طارق: ولذلك بعض الناس يقول لك: الله! كيف يقول النبي: “لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ” (الأنبياء: 87)، يا خبر، لا، يبقى ظالم، لأن المسألة ليست هكذا، هناك ظلم يعفو الله عنه، وهناك ظلم لا يتركه الله، وهناك ظلم لا يُغفر، فالظلم الذي لا يُغفر الشرك: “إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ” (لقمان: 13).
باسم: نحن متفقان.
طارق: إنما الظلم الذي لا يتركه هو ظلم الإنسان لأخيه الإنسان مهما يكون، لابد من القصاص في هذا كما ورد في الحديث، يسألهم عليه الصلاة والسلام: ما المفلس؟ قالوا: من لا درهم له ولا دينار، قال: لا، المفلس من يأتي من أمتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وحج وكذا وكذا، ويأتي وقد ظلم هذا وأكل مال هذا وشتم هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى لا يبقى له شيء فيُقذف به في النار.
باسم: فالتركيز هنا واضح على السلوك العام للفرد.
طارق: السلوك العام، مهم جدًا.
باسم: يعني، ليس على طريقة عبادته أو ممارسته للطقوس، السلوك الأساس…
طارق: نعم، والدليل على ذلك أيضًا حينما قالوا: يا رسول الله، إن فلانة صوّامة قوّامة، ولكنها تؤذي جيرانها، قال: هي في النار.
باسم: أستاذي، طيب. لماذا هذا الفهم ليس موجودًا عند العامة، لماذا لا نلحظه بسلوك الشارع؟
طارق: لأنه لم يُقدم لهم، أو لم يجدوا سبيلًا إلى ذلك، العامة في حاجة إلى أن يتعلموا.
باسم: هناك شخص يعرف أن أخذ مال الغير من الناس مباح؟ فيه شخص ما يعرف (لا يعرف) أن الكذب مباح، ما هو في حاجة، وطبعًا مما يحزن أنه أنا أجد المحاكم مكتظة بالقضايا في بلاد العرب والمسلمين، في حين أنها ليست كذلك ربما في بلاد الغرب، لأنه كل واحد فاهم الذي عليه، اللهم، الذي عليك، طيب، ما الذي على رأيك، يعني، ما الذي جعله يعمل كذا؟ ربما توهم أنه إن فعل هذا وهو يصليها تبقى للصلاة كفارة، لا، ربما توهم أنه مهما فعل طالما حج فسيعود من حجه كيوم ولدته أمه، متناسيًا أن الحقوق لا تسقط ولا بالتقادم…
باسم: لا بالتقادم ولا حتى… يوم الآخرة سيدفع.
طارق: ولذلك انظر القرآن الكريم عجيب حينما يقول سبحانه وتعالى: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ…”، لماذا يا رب كل الرسل وكل الكتب؟ لأجل حاجة واحدة فقط: “لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ” (الحديد: 25).
طبعًا هنا فرق بين العدل والقسط، العدل هو أن أحكم بالعدل، لكن يقوم الناس بالقسط الذي هو تطبيق هذا العدل.
باسم: تفعيل العدل بين الناس.
طارق: نعم، مثل ما حضرتك تقول، يعني، توجد معلومات جيدة كثيرة عند الناس، لكن لماذا لا يفعلونها؟ فنحن نقول إن القرآن هذا يفهمهم أن يفعلوا هذا الذي تعلموه.
لماذا يغيب السلوك الأخلاقي رغم كثرة العبادات؟
باسم: أنا أريد أسأل سؤالًا، شخص يصلي ويصوم ويحج وإلى آخره. وعنده تجارة ويقوم بغش الناس، وهو يدرك أنه يغش الناس، ويصر على الغش، لكن يصر يذهب للحج لكي يمسح ذنوب الغش. هذا المنطق، كيف كيف هذا المنطق دخل في عقول الناس وفي سلوكهم؟
طارق: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا” (الكهف: 103-105). طيب، هنا هذا يذكرني بموقف أنه كان فيه جماعة ذاهبين ليستوردوا ملابس من اليابان وأشياء مثل هذه، فهم يقولون للتاجر الذي يستضيفهم: هات لنا أكلًا، لكن أهم شيء ألا يكون فيه لحم الخنزير، قال لهم: لماذا؟ قالوا: حرام، قال لهم: طيب، أنتم تطلبون مني أن أغير البطاقة، ما معنى أن أغير البطاقة الخاصة بالملابس ويكون حلالًا وأنتم ترون هذا حق…
باسم: هناك سلوك عام في المجتمعات العربية الإسلامية يتبنى هذا السلوك. أنه لحم الخنزير حرام، لكن نكذب ونغش ونأخذ مال الغير ونأخذ مال أطفال وأيتام، موجود، لكن نفضل أن لا نأكل لحم الخنزير. لكن لا يكون عندنا أي حساسية تجاه مال الآخرين. هذا السلوك عام عندنا في المجتمعات الإسلامية، واضح. سؤالي أنا، كنا متفقين أن هذا السلوك موجود. ما الذي دفع هذه التجمعات البشرية، هذه المجتمعات المسلمة التي تصوم وتصوم وتصوم، وهناك ناس تدفع كل تكاليف، يعني، كل مدخرات العمر، دعنا نحكي، لكي يذهب يحج.
طارق: لا، ويكرر العمرة أكثر من مرة.
باسم: لماذا؟
طارق: والله أنا أقول السبب…
باسم: الخلل أين؟
طارق: الخلل أين؟ الخلل هو الذي نبه إليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: “وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا” (الفرقان: 30)، فبسبب هجرهم للقرآن وفقه القرآن كان سلوكهم بهذا الشكل، يعني، بمعنى أنا حينما أجد كثيرًا من الناس يكرر العمرة أكثر من مرة ويتغاضى عن قول الله عز وجل: “فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا” (البلد: 11-17).
ما هذا؟ شيء عجيب، يعني هو يقدم الخلق الإنساني، أو ما نسميه جبر الخواطر، يقدمه على: “ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالْصَبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ” (البلد: 11-17).
“أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ” (الماعون: 4-7). ما قدر الخُلق الإنساني أو الذي نحن نسميه خُلق الرحمة يكاد يكون مفتقدًا، في حين إن القرآن دعا إليه ونبه إليه في آيات عديدة جدًا، يعني، أنا أذكر مثلًا الناس العوام، واحدة تكلم صاحبتها، تقول لها: لما يأتيك قرشان من المعاش، اجمعيها واذهبي اعملي عمرة. هي سيدة فقيرة أصلًا، أو أقول لك على شيء، أنا أتعجب لما أجد الناس الذين يوزعون الجوائز، أنت تريد جائزة ماذا؟ يقول: الجائزة أن أحج. أو الناس الذين هم معهم أموال يقول لك: أنا سأخرج عشرة يحجون على حسابي، طيب هذا جاهل، أنت تخرج واحدًا لم يجب عليه الحج أصلًا، يا عم، أعطِ الفقير، أعطِ المسكين، أعطِ المحتاج. أو أجد أن واحدًا مثلًا أبوه مات ولم يحج، وهو أبوه أصلًا رافض الحج ولا في دماغه، يقول لك: سأحج عن أبي، طيب، حج عن أبيك للصباح، هي مفاهيم خاطئة.
هل نجح الخطاب الديني في صناعة ثقافة الحياة؟
باسم: يعني، كيف وصلت المجتمعات الإسلامية إلى هذه المفاهيم الخاطئة سلوكيًا وصارت جزءًا من الثقافة، من التثقيف العام؟ تجده في المدارس، تجده في الجامعات، تجده في البيوت، تجده في دروس المؤسسات الدينية، حتى في معاهد الدين والشريعة، كلها تدرس هذا السلوك، لا تحث عليه بالتأكيد، توضحه للناس، لكن وكأن الناس يضعون طينًا في آذانهم، أذهب للحج لكي أمسح كل الآفات أو كل الآثام التي أنا عملتها، من الذي مكن هذا العقل أنه يفهم التدين بهذا الشكل؟
طارق: ربما الخطيب الجاهل أو ما شابه ذلك، بمعنى أنا أجد مثلًا في كثير من المساجد، في الأمام هكذا، واضعين كذا كفن، والكفن موجود للموتى، فأنا قلت لهؤلاء الخطباء: بدلًا من أن تضعوا في المساجد وأمام الناس كفنًا للموتى، ضعوا الإشارة التي هي العاكس الخاصة بالسيارة، لأنه أنا أمشي على الطريق أجد الفلاحين الجالسين يسمعون الخطبة، لا يوجد واحد يضع العاكس في السيارة التي يركبها، فتحدث الكوارث، طيب، ما هنا أنت كخطيب علمهم الأول كيف يحيون، أما الموت فأمره سهل.
باسم: صح صح.
طارق: علمه، علمه كيف يعيش الأول، بدلًا من أن تضع لي كم كفن، ستموتون ستموتون، يا سيدي نحن نعرف أننا سنموت.
باسم: نعرف أننا سنموت.
طارق: فقط علمنا كيف نعيش، ولذلك هناك شخص أيضًا، رجل كان يركب السيارة الخاصة به، وأنا أراهم والله إلى اليوم، أجد مثلًا توك توك يسير والنور الخلفي مقفل، وبالليل، تجد شخصًا فلاحًا… بخمسة جنيهات فقط العاكس، وطبعًا الناس تصطدم في بعض، والناس تموت وتقتل.
“قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ” (طه: 49-50)، أنا لما أجد الدولة تضطر تعمل مثلًا الكاميرات التي هي الخاصة بالرادار والحاجات هذه، طيب، أنت لماذا كدولة لا تكتب لي: “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ” (لقمان: 19)، “إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى”.
فأنا أريد الثقافة هذه تكون موجودة، لكن تجده كاتبًا ماذا؟ نحن في انتظارك يا أبي، طيب، افرض لي السائق هذا لا أب له ولا أم، يعطيها بنزينًا ويضيع ويضيّع الناس معه؟! فإذا أنا عندي الثقافة القرآنية. يعني، لما القرآن يقول لي: “وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ” (لقمان: 19)، طيب، ما رأي سعادتك أنه عندنا في المساجد، صراحة بعض المساجد التي أصلي فيها.
باسم: كأن الحرب قامت.
طارق: أقول لك، هو رجل صوته جهوري جدًا ويشغل ميكروفونات، فأقول له: يا أخي، القرآن الكريم يقول: “وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ”، فلماذا؟ أين الخشوع؟
باسم: “إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ” (لقمان: 19).
طارق: فيقوم واحد من الإدارة يقول لي: أنت هكذا ستطفش الشيخ نريده يأتي وصوته يلعلع هكذا ويبقى عاليًا، طيب، إذا كانت الثقافة هذه موجودة في داخل المسجد!
ما علاقة الفهم الديني المغلوط بفوضى الشارع؟
باسم: كونك أنت مختصًا في التفسير، هل لهذا السلوك، هذه السلوكيات لها علاقة مثلًا بما أخذه الناس من هذه التفاسير؟ أنت ذكرت مثلًا أن أحد التفاسير قال إن “نون” هو الحوت الذي يحمل الأرض مثلًا، وقس على ذلك ابن كثير، لها علاقة مثلًا؟ أم لها علاقة مثلًا أن شيخًا…
طارق: بالتأكيد، هو جمهورك أنت الذي صنعته، بفكرك، ولذلك أنا عندي قانون، “ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الأنفال: 53). لما أجد مثلًا حوادث طرق، وللأسف هذه موجودة كثيرًا، ما نفقده في حوادث الطرق مثل الذين فقدناهم في الحروب، طيب لماذا؟ لأنه ربما هذا السائق يتعاطى، فلماذا، يتوجب عليَّ قبل أن أعطيه الرخصة أكشف على عقله وسلوكه. كذلك أحيانًا كثيرة تكون “السرعة”، هذه السرعة مخالفة للقرآن الكريم بالدرجة الأولى. الناس التي تحدث ضجيجًا، كمن عنده فرح فيحدث قلقًا في الشارع كله، طيب، أين يا عمي: “وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ”؟ ليس عنده فكرة.
باسم: وحقوق الناس الآخرين أيضًا.
طارق: لا هو لا يفكر في الآخرين هو يفكر في ذاته، وماشٍ خطأ، ظنًا منه أن هذا هو الصواب.
باسم: نحن متفقان أن الكثير من السلوكيات في المجتمعات العربية هناك سلوكيات خارجة عن الفطرة السليمة، سلوكيات خارجة حتى عن نصوص القانون المنصوص فيها على حقوق الناس.
كيف دمرت فتاوى “الطلاق الهزلي” الأسرة المسلمة؟
باسم: طيب، كيف بتأثير هذه التفاسير على السلوك العام المجتمعي المسلم، أنت من المتخصصين في قراءة هذا التفسير، وربما نقضها مثلًا أو مراجعاتها، هل هي بحاجة للمراجعة أم بحاجة لتغيير كامل؟
طارق: لا، هي في حاجة إلى المراجعة، المراجعة، يعني، مثلًا في مجتمعنا، أجد الفهم الخاطئ لماذا القرآن الكريم يتسبب في مشاكل تحدث في الأسرة، تحدث في الطلاق، تحدث في المواريث، لماذا؟ لأنه معه النص القرآني، فترك النص القرآني، ترك القرآن واتبع حدثنا فلان عن فلان، يعني، مثلًا في أحد المساجد كنت أتكلم عن الأحكام الخاصة بالطلاق وما إلى ذلك، فهناك شخص قال لي يا أخي هناك حديث: ثلاث هزلهن جِدٌّ وجِدُّهُنَّ جِدٌّ: الزواج، والطلاق، والرجعة، فقلت له: هذا الحديث كما بيّن العلماء حديث لا يصح وهو موضوع، ولا يمكن أن يُطبق في الواقع.
إذا كان ربنا قال: “وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا” (النساء: 21)، كيف الميثاق الغليظ يصبح كلامًا فارغًا؟
يا أخي، أنا قرأت في إحدى الجرائد واحدًا يسأل الشيخ، يقول له: يا مولانا، أنا في المسلسل يأتي المأذون ويكتب كتابي على واحدة، فما رأيك؟ قال له: خلاص، “ثلاث هزلهن جِدٌّ”، هذه لازم تطلقها. ما هذا؟
باسم: في التمثيل؟
طارق: نعم، هزلهن جد.
هل أباح القرآن قتل المرتد أم كفل حرية الاعتقاد؟
باسم: هذا يوصلنا إلى موضوع مهم، أنا في رأيي، يتعلق بكتب التفاسير التي فسرت آيات القرآن اعتمادًا على الرواية، واعتمادًا على قال فلان عن فلان عن فلان، هل يجوز تفسير كلام الله اعتمادًا على رأي شخص أم أن كلام الله يفسر من داخله وفق الميكانيزم والآليات المبثوثة في النص ذاته؟
طارق: الأصل أن يفسر القرآن بالقرآن: “كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ” (هود: 1).
باسم: عليك نور.
طارق: لكن… هو أحيانًا كثيرة أجد أن المفسر يقوم بإحضار حديث ليس له أي علاقة بالآية ويركبهما على بعضهما، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا.
باسم: كيف يمكن ضبط هذه العملية؟ يعني، كيف يمكن ضبط مثلًا، أنه عادة ما، مشهور في المجتمعات الإسلامية أن الشيخ يقف على المنبر ويبدأ يبث بعلمه المتنامي، حسنًا؟ هذا الشخص كيف أنا أسمح له يتدخل في صياغة الرأي العام وهو جاهل مثلًا؟ أو هو غير متمكن على الأقل مما يقول؟ أين الآليات الحاكمة أو الضابطة؟
طارق: أقول لسعادتك، أحيانًا الأزهر مثلًا عندنا يعمل دورات تثقيفية، فعلى سبيل المثال، قالوا لنا: تعالوا الإسكندرية، هناك دورة لتجديد الخطاب الديني، وقلت: جيد.
باسم: الأزهر متبنٍ تجديد الخطاب الديني.
طارق: أنا أقول لسعادتك، فجاؤوا لنا بدكاترة كبار في المقام، وأغلبهم على المعاش، فأحد الدكاترة في المحاضرة لمدة ساعتين كاملتين، المحاضرة أن المرتد يُقتل، -والله كما أقول لك- الله! فأنا أنظر للزملاء الذين معي أن أحدًا (ينكش) الموضوع أو يفتح حوارًا، لا، كلهم صامتون، يُقتل ويُقتل الذي أنجبوه أيضًا، فأنا قلت لو تكلمت في هذا الوسط، سيرجمونني، تكون مشكلة، قلت له: أنا سأكلم الدكتور بيني وبينه، فلما ذهبنا وقت الغداء، أنا مراقب الدكتور، ذهبت أكلمه، قلت له: سعادتك، أنا كنت معك الآن في المحاضرة الخاصة بأن المرتد يقتل، قال: نعم، وما رأيك؟ قلت له: والله يا دكتور، أنا أشعر أنكم أحضرتمونا، لكي تعلمونا لنصبح دواعش، ليس لنصبح علماء، نصبح دواعش، لماذا؟ لماذا المرتد يقتل؟ معنى هذا يا دكتور أنكم لو كنتم تمكنتم من واحد مثل الدكتور مصطفى محمود، كنتم قتلتموه وحرمتمونا من علمه الذي له أثر فعّال في جميع العالم. وفلان وفلان، عددت له أصنافًا، قال: الله، أنت ألم تكن معنا وسمعت الآية الكريمة: “وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ” (البقرة: 217)، قلت له: يا دكتور، هو ربنا يقول فيمت أم فيقتل؟
باسم: صح، “فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ”.
طارق: تتركه لغاية ما يموت، أنت لماذا تقتله، لماذا؟ “وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ فَيَمُتْ…”، يعني، اتركه لغاية ما يموت، أليس هذا نص القرآن؟ أم أنت يا سعادة الدكتور لا تفرق بين الموت والقتل؟
وبعد ذلك، قلت له ماذا؟ هو كل هذا معتمد على حديث “من بدل دينه فاقتلوه”، الخاص بالبخاري، قلت له: طيب يا سيدي، أنا في القرآن الكريم وجدت: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ” (النساء: 137)، طيب، إذا كان آمن وكفر، وأنت قتلته، سيؤمن ثانية كيف؟ القرآن يقول لك: أعطه الفرصة، ذاهب قادم، أعطه الفرصة، جائز يؤمن، يبقى أحسن منك أيضًا في الإيمان.
وبعد ذلك، قلت له: إن الجماعة الذين قالوا: “آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (آل عمران: 72)، فطبعًا لو أنه هو سيؤمن أول النهار ويكفر آخره يقتل، ما كانوا نصحوهم بذلك، وكانوا سيرفضون، يقولون: يا عم، نحن لو كفرنا سيذبحوننا، لا، نحن رفضنا الموضوع هذا، فقلت له: إذن القرآن يعطيك حرية تؤمن أو لا تؤمن، لكن لماذا تقتل الإنسان إذا ارتد؟
والقرآن ذكر الردة صراحة، يعني، الآية القرآنية التي ماذا؟: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ” (المائدة: 54).
وبعد ذلك، قلت له ماذا؟ أنا بعد ما جئت له بعدة آيات قرآنية، قلت له: لكن أنا سأحضر لك، ربما أنت عندك أن السنة -كما يقولون حاكمة على القرآن- أنا سأحضر لك من نفس الكتاب الخاص بك أن المرتد لا يقتل، ألست أنت تحضر من البخاري “من بدل دينه فاقتلوه”؟ قال لي: نعم. قلت له: أولًا “من بدّل دينه فاقتلوه” هذا مبدأ فرعوني وليس مبدأ رسول الله الذي أرسل رحمة للعالمين، فرعون لما قال ماذا؟ قال: “ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ” (غافر: 26).
قلت له هذا مبدأ فرعوني، لماذا نلصقه برسول الله؟ أنا سأحضر لك من البخاري نفسه أن الرجل ارتد وسيدنا النبي لم يفعل له شيئًا، فقال لي: كيف؟ قلت له: الرجل الذي عاهد النبي على الإسلام والإيمان، فلما جاء المدينة، يعني، لم يعجبه الوضع، فقال: يا محمد، أقلني بيعتي، فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام مرة واثنتين وثلاثًا، فالرجل أعرض، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: “المدينة كالكير تنفي خبثها”، واحد خبيث ومشى اتركه يمشي. فلو كان كلامك صحيحًا، كان النبي أخرج جماعة، اقتلوه، لم يحدث. وبعد ذلك، أنت هكذا تبين للناس أن الإسلام عصابة خاصة بمافيا، عصابة خاصة بالمخدرات، الذي سيخرج من المجموعة نقتله.
باسم: نقتله، صح، صح، صح.
طارق: فالمهم، كل هذا أنا أكلمه بيني وبينه، وبعد ذلك قال لي: طيب، المحاضرة القادمة إن شاء الله سنتكلم في الموضوع هذا. أنا سعدت، والله دخل المحاضرة ما أحضر سيرة مطلقًا، طيب يا سيدي، قل فيها قولان، جماعة قالوا نذبحه، وجماعة قالوا لا نذبحه، لكن لا، هو عنده قول واحد.
من الحاكم على الآخر: الرواية أم الآية؟
باسم: كما ذكرت، هؤلاء من الذين يسيدون الرواية على النص.
طارق: نعم.
باسم: ماذا نعمل فيهم هؤلاء الناس؟
طارق: نحاول بقدر الإمكان أن نعلمهم، لكن تقريبًا لن يقبلوا تعليمًا.
باسم: لا، أنا في رأيي صحيح نحاول أن نعلمهم، لكن نحاول نعلمهم كيف؟ نحتاج إلى آلية، نحتاج إلى آلية متفق عليها، وآلية من نفس النص.
طارق: طيب، أنا سأتفق معكم تمامًا، أنه أنت رجل تعلم أنه الأساس هو القرآن ثم السنة، طيب، القرآن أثبت أن هناك ناسًا تكذب على النبي صلى الله عليه وسلم: “وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (النساء: 81-82).
طيب، هنا لما القرآن يحضر لي الناس الكذابين، يقول حواليك يا محمد ناس يكذبون، وبعد ذلك يقول يتدبرون القرآن، إذن القرآن يوضح لي، إذن، ستعرف الكذب كيف؟ لما تتدبر القرآن ستعرف متى كُذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
فأنا أحاكم الرواية للآية وليس العكس، يعني، هكذا العقول منكوسة لما هي تجعل الرواية مسيطرة على الآية.
باسم: هل هذه القناعة متوفرة في المؤسسات الدينية الكبيرة، أنه يدرك أن الحاكمية هي للنص وليس للرواية أم ليس الجميع؟
طارق: والله لا، هو ليس كله طبعًا، هو للأسف فيه ناس تربت على أنه…
باسم: حسنًا، هناك ناس تربت، لكن هناك مناهج تدرس، في هذه المناهج التسويد أو السيادة للنص على الروايات أم العكس، أم فيه مساواة بين الطرفين؟ نأخذ هذه ونأخذ هذه؟
طارق: لا، هو الأصل طبعًا أننا نعتمد على القرآن الكريم، ولكن أنا أجد متخصصين، أقول لك، رئيس قسم الحديث فلان الفلاني قال: حفظ الله البخاري كما حفظ القرآن. والله وهذا صوت وصورة موجود في الفيديوهات، كيف هذا؟ يعني، هذا مستحيل، وبعد ذلك لما الناس العوام يجدوه يقول لك: يا عم، هذا الشخص الدكتور فلان فلاني قال هذا الكلام، أنت أفهم من الدكتور؟ طيب، أنت لماذا لا تشغل عقلك وفكرك وتسأل أكثر من واحد؟
لماذا هُجرت “بسم الله” في الصلاة تمسكًا بالسنة؟
باسم: في البداية تطرقنا إلى أن الرسول قال هذا القرآن مهجور، أن الناس اتخذوا القرآن مهجورًا.
طارق: لو انتبهت سعادتك، “اتخذوا هذا القرآن مهجورًا”، يعني، هو يعرفه ويدركه ومع هذا يهجره، لماذا يهجره؟
باسم: هذا نفس السؤال، ما الذي دفع الناس لهجر القرآن؟
طارق: لأنه هو باسم الحديث، يقول له: اهجر القرآن، بمعنى، يا أخي، أول آية في كتاب الله: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ” (الفاتحة: 1)، ألا تعلم أن مساجدنا في الوقت الحالي لا تكاد تجد إمامًا إذا صلّى يقول: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ”، لماذا؟ اتباعًا للرواية وتركًا للآية. يعني، فقط الجمعة التي مضت هذه، أنا أصلي بمسجد ضخم فخم، والإمام لما صلى: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”، فجئت كلمته بعد الصلاة، قلت له: هي “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ”، تغضبكم في شيء؟ قال لي: السنة، النبي عليه الصلاة والسلام لم يجهر بـ “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ”.
باسم: يعني شطب آية من القرآن؟
طارق: نعم، وألبسها في السنة. قلت له: طيب، أنا عندي أدلة هنا القرآن، ومن الصحيحين أنه كان عليه الصلاة والسلام يقول: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ”، فأقول له ماذا؟ نبدأ بالقرآن، قال لي: لا، هات لي الأحاديث. تعجبت والله تعجبت، شيخ، يعني، أقول لك ماذا؟ ضخم فخم…
باسم: معبئ الدنيا.
طارق: نعم، فأقول له -هذا كلام أيضًا بيني وبينه-: طيب، نبدأ بالقرآن، قال لي: لا، هات لي الأحاديث. أحضرت له الأحاديث، يا سيدي، قلت له: في صحيح البخاري: سُئل أنس عن قراءته، فقال: كانت قراءته مدًّا، يقرأ فيقول: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ”. يقوم يرد علي فيقول ماذا؟ نعم، لكن الرواية ما قالت في الصلاة، قلت له: نعم، إن شاء الله، كان في المآتم إذن، طالما، هو النبي يُحضر القرآن إلا في الصلاة بالدرجة الأولى.
الحاجة الثانية، قلت له: طيب، عندي في صحيح مسلم، حجة من يرى الجهر بالبسملة مع أول الفاتحة ومع أوائل السور، أنه ضحك ذات يوم عليه الصلاة والسلام، قيل: ما يضحكك؟ فقال: نزلت عليّ آنفًا سورة، ثم قرأ فقال: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ” (الكوثر: 1)، فالرجل لم يقتنع ولم يسمع ماذا قال الله في كتابه، وقال لي: لا، انظر، انتظر وأخرج، الشوكاني قال: لا أحد يقول “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ”، طيب، هذا إمام.
باسم: طيب، لماذا لم يشطبوها من المصحف إذا هكذا.
طارق: هذه الحكمة التي ذكرتها حضرتك قالها أحد العلماء لما يحاورونه، قال لهم: امسحوها، ولن أقولها. يعني، يعني يعجزهم، والله لن تقدروا تمسحوها، فإذا كان ولا بد اشطبوها يا عم.
باسم: واضح أن هناك أثرًا سلبيًا سلوكيًا في المجتمعات…
طارق: السلوك واقع.
باسم: نتيجة تسويد الرواية في تفسير النص، واضح.
طارق: طبعًا.
هل الدين يكتمل بالروايات؟
باسم: طيب، أنا في رأيي، لا أعرف لحد الآن ما الذي يدفع هذه الناس التي تعتبر نفسها مؤمنة بشكل أو بآخر، أن تسوّد رواية مرت على أكثر من لسان، مقارنة مع الآية القرآنية، كلام الله، يعني، ما هو المنطق؟ لو كان كتاب الله ناقصًا لاتفقنا…
طارق: هم يقولون هذا، يقولون إنه ناقص بأسلوب آخر، يقول لك السنة تكمل القرآن، معنى تكمل القرآن يكون القرآن ناقصًا، ويتغاضى عن قول الله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” (المائدة: 3). فهو يعتقد هذا، ولا تعجب إذا ما قال إن السنة بالنسبة للدين تمثل ثلاثة أرباع الدين، والقرآن هذا حاجة بسيطة.
باسم: يعني، لما شخص يقول إن السنة تمثل ثلاثة أرباع الدين، يعني، حصة الله في الأرض، ربع؟!
طارق: “إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” (البقرة: 156).
باسم: معقول هذا الكلام يا رجل؟ يعني، من قال هذه المقولة لم يدرك معنى ما يقول؟
طارق: ربما لا أعرف، والله، فلتة لسان، أو لا أدري كيف أفسرها.
باسم: فلتة لسان ربما، لا يمكن شخص عاقل…
طارق: لكن زلة العالم تزل بها الأمم، لا، لا، هذا خطير.
باسم: لهذا السبب الناس… يعني أنا أستغرب أن يقولها شخص.
أين تشريعات “سورة الطلاق” من الواقع؟
باسم: لننتقل أنه طبعًا واضح أنه نحن حكينا أنه في التداعيات السلبية على السلوكيات في المجتمعات نتيجة هذا الفهم بتسويد الرواية، وأنت تخصصك التفسير. وهذا أنا في رأيي معكوس حتى في حياتنا اليومية، طريقة طلاقنا، طريقة، تأدياتنا السلوكية اليومية التي تتعلق بطقوس التدين أيضًا لا علاقة لها بالنص مباشرة.
طارق: صحيح.
باسم: لنقل مثلًا حتى الطلاق، انظر كل المجتمعات الإسلامية تعاني من آفة الطلاق وطريقة التزويج والتطليق -أيضًا أنا في رأيي- لا علاقة لها بما موجود في النص القرآني.
طارق: بالتأكيد، هذا الموضوع الذي حضرتك تطرحه لخطورته، فقد جعل الله سورة كاملة باسمه ألا وهي سورة الطلاق، يكاد يكون في المجتمع الإسلامي لا يوجد واقع لهذه السورة، يعني، مثلًا حينما يقول الله عز وجل: “لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ” (الطلاق: 1)، فتجد أنه هي قبل الطلاق أصلًا تركت البيت ومشت، أو هو أخرجها، مع أنها لم تأت بفاحشة مبينة، طبعًا هنا بعض الناس ممكن يفكر الفاحشة المبينة هي الزنا، لكن لا، الزنا هكذا تخرج لا يوجد فيها كلام، لكن المبينة، الزنا ليست مبينة تكون مستترة، وإنما هو طول اللسان، تسب أمه، تسب أباه، تسب أسرته، تسب عشيرته، فمن مثل هذه…
باسم: هل السب من الفواحش؟
طارق: طبعًا، طبعًا.
باسم: الفواحش مبينة، هل هو ينطبق عليه فحش القول مثلًا؟
طارق: القول هذا السب واللعن وما إلى ذلك، لا شك أن هذا من الفواحش، الذي هو الفحش في القول. فهنا، يعني، أنا ألاحظ مثلًا أن القرآن الكريم في موضوع الطلاق: الأول عالج المشكلة في ما بين الزوجين، يقول لك: أنت ممكن تكره امرأتك، ليس معنى أنك كرهتها تطلقها، لماذا؟ “فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا” (النساء: 19)، ربنا يقول لك حتى لو كرهت امرأتك، يا أخي، فيه خير ثانٍ، جائز هي أمينة، جائز هي تحضر لك ولدًا صالحًا، جائز ستجد أنت أشياء إيجابية جدًّا، لكن المشكلة أنه هو ينظر للشيء السلبي فيها، السلبي فقط، ويتناسى كل الإيجابيات.
وبعد ذلك نجد في قوله تعالى: “هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ” (البقرة: 187)، أنت ستر عليها وهي ستر عليك، لكن يأتي كل واحد يفضح الثاني، أو كما ورد: إن أحدكم يأتي أهله وقد أسدل ستره، ثم يقول حدث بيني وبين زوجتي كذا وكذا، هذا كمثل شيطان لقي شيطانة في السكة ففعل بها والناس ينظرون. فطبعًا هذا يحدث أيضًا خللًا.
هل يتحمل المفتون وزر خراب البيوت؟
باسم: هذه السلوكيات بماذا أثرت على ارتفاع نسبة أو هبوط نسبة الطلاق في المجتمع؟
طارق: والله هو…
باسم: وهي في الواقع مرتفعة حقيقة.
طارق: نعم نعم، أنا أرى أن المشايخ عليهم عبء كبير في كثرة حالات الطلاق في المجتمع.
باسم: كيف؟
طارق: المشايخ الذين هم يفتون بإيقاع الطلاق.
لكن انظر القرآن الكريم لما يلاحظ العوامل المحيطة، يعني، قوله عليه الصلاة والسلام: “لا طلاق في إغلاق”، شخص غضبان، يقوم حتى هذه ضيعوها، قال لك: إغلاق يعني تائه، يعني، لا يفهم أي شيء إطلاقًا، يعني، ذهب عقله بالكلية.
باسم: طيب أين النص القرآني هنا؟ أنت حكيت أن هناك في سورة للطلاق.
طارق: نعم في قوله تعالى…
باسم: لو أردت أن تطبق النص القرآني ما موجود في الطلاق على الحالات التي تقع في المجتمعات.
طارق: نعم.
باسم: ماذا تكتشف؟ أكيد أنت اكتشفت شيئًا مختلفًا.
طارق: ستفرق كثيرًا جدًّا، ستفرق كثيرًا جدًّا.
باسم: كيف؟
طارق: مثلًا حينما أجد قول الله عز وجل: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ” (الطلاق: 1)، ونجد بعد ذلك: “فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ” (الطلاق: 2).
أين هذا الكلام؟ هذا كله لا يطبق، كيف؟ يعني، هنا يقول لي: “إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ”، معنى ذلك أنه ليس في أي وقت أطلق امرأتي، ولذلك العلماء العارفون قالوا ماذا؟ قالوا: لا تُطلق المرأة إلا إذا كانت حاملًا أو حائلًا، حامل: يبقى عارفا أن الذي في بطنها هذا خاص به، حائل: يعني جاءت لها الدورة ولم يأتها، نظيفة.
ولذلك حدث بالفعل أن رجلًا نام مع زوجته، وبعد ذلك حدث موقف، قال لها: افعلي كذا، قالت له: لست متفرغة، قال لها: أنت طالق! قالت له: طيب، لو أنت رجل هات المأذون، قال لها: يا سلام، الموبايل على المأذون، المأذون جاهل، ليس لديه فكرة “فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ”، هات البطاقة، هات البطاقة، وراح كاتبا الطلاق.
باسم: مع السلامة.
طارق: فراحت هي خرجت من البيت لبيت أهلها…
باسم: بينما النص اعتبر البيت بيوتهن، بيتها.
طارق: ولذلك هي تعتد، لا تخرج من هذا البيت في هذه الأثناء، يعني، هي مطلقة ولا تخرج من البيت طالما طلقة أولى أو ثانية، طيب، لماذا يا رب؟ “لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا” (الطلاق: 1)، جائز تعمل له طبخة حلوة ويرجعها مثلًا.
باسم: ويحن.
طارق: مثلًا، هو هذا المطلوب يا سيدي، فصاحبتنا أيضًا لأنها جاهلة والمأذون جاهل.
باسم: والزوج جاهل.
طارق: والزوج جاهل كان نائمًا معها وقام بتطليقها. لأنه لا يعرف “فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ”. فالسيدة هذه كانت الدورة عندها مضطربة، ممكن تظل ثلاث شهور وبعد ذلك تأتي وهكذا يعني، فالمهم فات ثلاثة شهور، ذهبت وكلمت المأذون، قالت له: فاتت العدة ثلاثة شهور، وهناك عريس نريد أن نتزوج، قال لها: هاته وتعالي، وراح كاتبا الزواج. جيد؟ بعد الزواج بشهر تكشف في المعمل، قال لها: أنت حامل في أربعة أشهر.
هناك بعض النساء تحمل ولا تكاد تشعر بشيء، موجود، الصنف هذا موجود، زوجها لما عرف رفع دعوى في المحكمة ضد من؟ ضد المأذون، فالقاضي قال للمأذون: يا رجل يا جاهل، تزوج واحدة وهي حامل من زوجها الذي طلقها؟ فسألت الأخ الذي حضر المحاكمة هذه، قلت له: طيب، والقاضي ماذا فعل؟ قال لي: القاضي أوقفه سنتين، وطبعًا بعد السنتين سيمارس الجهل الخاص به ثانية. طيب، انظر بأي قدر المسألة خطيرة، أنه لا يفهم “لِعِدَّتِهِنَّ”، لا يفهم أن المرأة لا تطلق…
من يحاسب المأذون الجاهل على العبث بأعراض الناس؟
باسم: هذه مسؤولية من، أن تجيز جهلة باسم التدين أو الدين تشرف على أحوال الناس؟ مسؤولية من هذه؟ من سمح لهذا الجاهل الذي وصفته، أن يشرّح ويحرم الزواج بين الناس؟
طارق: هو أحيانًا يأخذها بالوراثة، يعني، كان أبوه مأذونًا فأصبح مأذونًا، أنا كلمت واحدًا متخرجًا في كلية الشريعة واشتغل مأذونًا، فقلت له: الموضوع والعدد، قال لي: يا أستاذ، نحن لا شأن لنا بالأشياء هذه، أنا لي البطاقة وأكتب وخلص، طيب، إذا كان هذا المتعلم؟ ترك ماذا لغير المتعلم؟ شيء عجيب، فهنا…
باسم: طيب، أين دائرة الأحوال أو شؤون الأحوال المدنية؟ أين مؤسسات المجتمع؟ أين مؤسسات التدين؟ باسم: حقيقة أين؟
طارق: أنا عندي توجد قوانين صراحة ممتازة، ولكن…
باسم: ولا شك هناك قانون.
طارق: ولكن الناس لا يعملون بها، لكن هو يعمل بالشيخ الذي يفتيه، يعني، مثلًا عندنا في القانون إنه طلاق الثلاث إنما هو طلقة واحدة، لا، طلقة ثلاثًا، يُسأل الشيخ، يقول له: من طلق ثلاثة تكون ثلاثة، لا ينفع.
باسم: طيب، والقرآن يقول لك: “الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ” (البقرة: 229)، لا يقول طلقة.
طارق: طبعًا، “الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ”، انظر لم يقل الطلاق طلقتان، مرتان، يعني، مرة كاملة الأركان.
باسم: ليس طلقتين يعني.
طارق: يعني لما يقول لك مثلًا…
باسم: مرتان هناك فترة زمنية بينهما أم…؟
طارق: طبعًا، حتى يراجع نفسه وينظر إلى أحواله. زد على ذلك إنه لما يتعلم هذه الآداب، يعني، أنا أقول له مثلًا ماذا؟ كلمة “فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ” بمعنى ألا تُطلَّق وهي حائض، وألا تطلق في طهر جامعها فيه، فحال الحيض هي أمر خارج عن إرادتها، فلا ينفع أن تخرب بيتها في الوقت هذا.
باسم: هذه حالة. بينما لو أراد أن يطلق، الطلاق مرتان، ليس طلقتين، ليس لفظتين يعني.
طارق: حسنًا، لكن نحن نبحث هنا عن الحكمة في قوله “فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ”، فأنا أقول لما يكون عليها الدورة الشهرية، شيء طبيعي يكون الرجل زاهدًا فيها، يعني، هو لا توجد علاقة سريرية بينهما، فمن السهل أنه يخلص، فربنا يقول له: لا، لا ينفع أن تطلق الآن.
باسم: هذا الفهم كيف نريد أن نوصله للمأذون نفسه؟ يعني كيف يكون المأذون فاهمًا هذه الطريقة؟ المشكلة هنا.
طارق: للأسف. هو المأذون معه أوراق ويملأ الأوراق ويسددها دون أن يسأل إطلاقًا الأسئلة التي أقول لسعادتك عليها، مع أنه متحكم في أعراض الناس. فهنا لما أجد قول الله عز وجل: “فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ”، ألا تطلق وهي حامل، ألا تطلق وعليها الدورة، وألا يطلقها في طهر جامعها فيه. لماذا؟ لأنه طبعًا لو جامعها ثم طلقها، انتهى، ستذهب لشخص ثانٍ ويكون الرحم ممتلئًا منه، وهذا ما لا يصلح.
لماذا غيب “الجمهور” شروط العدة والإشهاد؟
طارق: زد على ذلك أمرًا مهمًّا جدًّا لما أجد في قول الله عز وجل: “فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ”، تعرف الجمهور قال ماذا؟ الجمهور قال: ربنا قال أشهدوا، لكن نحن سنمررها من غير “أشهدوا”، والله هذا مذهب الجمهور.
باسم: من هذا الجمهور؟
طارق: كلمة جمهور إذا أطلقت، يراد بها اثنان أو ثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة، فالناس لما تقرأ كلمة جمهور، يعني، جمهور المسلمين.
باسم: وكأنه صار استفتاء.
طارق: لا، وللأسف المذاهب الأربعة، الجمهور، قالوا الطلاق البدعي يقع، الطلاق البدعي يقع، كيف؟ ألم يقُل عليه الصلاة والسلام: كل فعل ليس عليه أمرنا فهو رد. ولذلك في البخاري، وهذا من الأحاديث الصحيحة التي في البخاري، لأنه طبعًا البخاري فيه الصحيح وفيه الخطأ. في البخاري أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسيدنا عمر أحس أن هناك شيئًا خطأً حدث، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، إن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال: مره فليراجعها، ثم ينتظر حتى تحيض فتطهر، ثم تحيض فتطهر، ثم إذا شاء طلق وإذا شاء أمسك، فتلك هي العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
باسم: يعني الرسول طبق النص…
طارق: طبق القرآن.
باسم: يعني لم يقل كلامًا عكس النص.
طارق: لكن خلِّ بالك ماذا حدث؟ سيدنا النبي لما يقول: فتلك هي العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. تعرف لما قال له: مره فليراجعها، الشراح قالوا ماذا؟ لكن وقعت، الطلقة وقعت. ولذلك نحن سنوقع الطلاق البدعي. كيف؟
باسم: يعني كذبوا الرسول، أستغفر الله العظيم، وكذبوا الله سبحانه وتعالى.
طارق: الفهم الغلط، الفهم المغلوط، الفهم بالعكس، قالوا يعني طالما قال له: مره فليراجعها، والرجعة تكون بعد الطلاق، إذا فقد وقعت، وقعت من يا عم؟ لم تقع، ذا سيدنا النبي أفهمه يفعل ماذا.
وبعد ذلك جعله يطيل أيضًا المدة لكي يراجع نفسه، وبعد ذلك لما ربنا يقول لي: “وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ”، هنا، الشهود سيرفعون مشاكل لا حصر لها: تعالَ يا فلان، تعالَ يا فلان، أنا أريدك أن تشهد أنني أريد أن أطلق امرأتي.
أصلها لا تسمع الكلام، طيب يا ابنتي أنتِ اسمعي كلام زوجك، ويقوم الشاهدان يضبطان المسألة، لكن لا، هو يقوم من النوم أين الغداء؟ لا يوجد غداء، اذهبي يا بنت فأنت طالق! ويسأل الشيخ يقول له هي طالق، ما اللعب هذا؟ هؤلاء الذين اتخذوا دين الله هزوا والعياذ بالله.
باسم: وهذه معارضة صريحة لمنصوص الآية.
طارق: هو هجر القرآن، يا سيدي، هو هجر القرآن، وقال الرسول: “يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا”، هجر القرآن لماذا؟ حدثنا فلان ابن فلتكان.
لماذا لا يتم تطبيق النص القرآني؟
باسم: طيب، حسنًا، طرق الطلاق التي تحدثت عنها تتم علانية، صح؟ وتتم بدون شهود؟
طارق: للأسف.
باسم: طيب، هذه معارضة صريحة للنص القرآني.
طارق: طبعًا.
باسم: كيف مؤسسة المجتمع المدني والديني والسياسي والقانوني، كيف تسمح بهذا النوع من المعارضة الصريحة للنصوص؟ وليس فقط أنها معارضة صريحة، هي معارضة للقيم الإنسانية، معارضة لحقوق الناس، كيف مسموح بها؟ سؤال: ألا يوجد رجل رشيد؟
طارق: والله نحن قدر الإمكان ننصح. والله أنا أذكر في يوم من الأيام كنت في أحد المساجد، جالس أتكلم مع الإمام، فجاء واحد يسأل الإمام، يقول له: يا مولانا، أنا طلقت امرأتي، قال له: طلقتها كم مرة؟ قال له: قلت لها أنت طالق تقريبًا مرتين ثلاثًا، قال له: خلاص حرمت عليك. لأنه الطلاق مرتان والثالثة هذه لابد أن تنكح زوجًا غيرك. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث هزلهن جد”، قلت له: ارحمنا يا مولانا، بالراحة قليلًا على الرجل، يا عم، الموضوع كذا كذا كذا، وقلت له: ولا حرج مطلقًا.
أذكر مرة عملت حلقة عن هذا الموضوع، فوجدت شخصًا يتصل بي، يقول لي: والله بعد ما مشيت امرأتي وعيالي بناء على الفتاوى الباطلة، وسمعت الحلقة في التلفزيون، أنا أحضرتهم ورددتهم، وقلت لهم: أنتم حلال ولستم حرامًا كما أفتي…
باسم: يعني، أنت قمت بدور المؤسسة، لكن أنت شخص فرد، أين دور المؤسسات في المجتمع لتحفظ حقوق الناس؟ يعني حقوق ابنتي وابنتك وأمي وأمك وأختي وأختك. النساء التي تطلق هي بنات ناس.
طارق: نعم يا سيدي، المؤسسات حاليًا تبحث، كل يوم والآخر يقول لك قانون الأسرة الجديد، قانون الأسرة الجديد، طيب، قانون الأسرة لن ينصلح إلا بتقوى الله. لأن كل الآيات التي تتكلم عن الزواج والطلاق: اتقوا الله، اتقوا الله، يعني لو تلاحظ سورة الطلاق. فإذا لم تكن هناك تقوى لله…
ولذلك هناك واحدة طلقت، فقالوا لها: هل متعك زوجك؟ يعني أعطاك متعة الطلاق؟ قالت: لا والله، قالوا لها: لماذا؟ قالت: لأن الله حينما ذكر المتعة في كتابه قال: “وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ” (البقرة: 241). وقال في آية أخرى: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ” (البقرة: 236)، وهو كان لا من المحسنين ولا من المتقين، فأنا سآخذ منه ماذا؟ لم يعطني شيئًا.
واليوم أنا أتعجب لما أجد واحدة تضطر ترفع قضية في المحكمة لكي يصرف على أولاده، يا أخي… وتجده يقرأ القرآن، طيب القرآن يقول وهو يتحدث عن ذلك: “وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”، أنت أليس هذا ابنك؟ عليك، ربنا يقول لك عليك كسوته وعليك الإنفاق بالمعروف. فشيء عجيب، أين التطبيق هذا؟ هو لو فهم القرآن، والقرآن هو الذي يقول له، وعنده تعظيم لشعائر الله، كان يمكن ألا يجعلها تضطر تذهب للمحكمة وتطلب أنه ينفق على أولاده.
ما ضريبة هجر القرآن على تماسك المجتمع؟
باسم: إذن الخلل، أنا في رأيي، واضح كالتالي، أنه التداعيات السلبية لفهم التفاسير القديمة للنصوص القرآنية، وقبول المجتمعات بهذه التفاسير القديمة دون نقض لسردياتها، دون نقض لمطابقتها للواقع، دون نقض مطابقتها للنص، هو الذي أدّى إلى هذا الخلل الضخم في المجتمعات، وأدى إلى تفكيك العائلات وتفكيك المجتمع، يعني، المجتمع يتفكك ونحن نتفرج عليه، فقط لأننا جاهلون بكيفية إدارة شؤوننا.
طارق: وهذا الكلام الذي تقوله حضرتك موجود في نفس السورة، أنه أحضر النتيجة، “وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا” (الطلاق: 8-9). هنا لما أجد في القرآن: “وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا”، القرية عبارة عن ماذا؟ مجموعة أسر، طيب هنا لما القرآن يقول: “وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ”، لا توجد تقوى، “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا” (الطلاق: 2)، هو لم يعد هناك مخرج، لماذا لا يوجد فيه مخرج؟ لأنه لا توجد تقوى.
باسم: يعني نتيجة عدم التقوى، عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة أمام منع تفكك الأسر، الأسر تتفكك أمامنا والمجتمع يتفكك ونتعذب بسلوكنا.
طارق: والله أنا أحزن على الأولاد الذين يدفعون فاتورة غباء الوالدين، يعني صراحة الأولاد هم يدفعون الثمن.
باسم: مئة بالمئة.
طارق: اليوم هناك مؤسسات كثيرة في البلد، أجد عمارات فيها الأولاد هؤلاء.
باسم: أستاذ طارق، يعني حتى يتقي الناس الله، نسأل الله أن يساعدهم على الاتقاء. شكرًا لك، استمتعت بالحوار معك والحديث معك، ونأمل أن الله يساعدك في الإيغال في نقد سردية التفاسير.
طارق: إن شاء الله.
باسم: شكرًا لك، شكرًا لكم وإلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج “مجتمع”، إلى اللقاء.