Skip to content Skip to footer

الاستشراق والسوسيولوجيا | د. أحمد زايد

تحدث الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع، العميد السابق لكلية الآداب جامعة القاهرة، عضو مجلس الشيوخ، والمدير الحالي لمكتبة الإسكندرية، خلال لقائه الإعلامي ياسين عدنان، عبر برنامج “في الاستشراق”، عن الثنائية الاستشراقية، وتفريق ماكس فيبر بين المجتمع الزراعي البطريركي الاستبدادي من جهة، والمجتمع الصناعي الديمقراطي من جهة أخرى، وهل هذه الثنائية الاستشراقية كلاسيكية؟

الثنائية الاستشراقية وتقسيم المجتمعات

قال الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع، العميد السابق لكلية الآداب جامعة القاهرة، عضو مجلس الشيوخ، والمدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “هي بالتأكيد ثنائية استشراقية؛ لأن فكرة تقسيم المجتمعات إلى نوعَين من المجتمعات في الفكر الغربي العام، هي فكرة أقدم من مركز؛ هي فكرة أقدم من ماكس فيبر، موجودة عند مونتسكييه؛ عندما تحدث عن الاستعباد الشرقي، وعند هيجل أيضاً الذي تبنَّى نفس الفكرة في كتابه عن المجتمعات الشرقية.. لا توجد فيها حرية، لا توجد فيها إلا أشكال من الاستعباد. وعندما كتب ماكس فيبر (ماكس فيبر كان يكتب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين). وطبعاً كان بعيداً إلى حد ما عن مونتسكييه وعن هيجل؛ ولكن ماكس فيبر وغيره من علماء الاجتماع الأوائل كانوا مهمومين بالتعرف على طبيعة المجتمعات الغربية وانتقالها من حالة إلى حالة، يعني بمشروع الحداثة الغربي..”.

وأضاف الدكتور أحمد زايد: “ولذلك ماكس فيبر كان يضع أمامه فكرة العقلانية كمثل أعلى للسلوك وكمثل أعلى لتكوين المجتمعات العقلانية البيروقراطية؛ الرشد والتفكير المنظم والإيمان المفعم بالقدرة على العمل والنجاح، من خلال تفسيراته للديانة البروتستانتية. فكان هذا يمثل عنده نموذجاً مثالياً؛ وهو نفسه صاحب النموذج المثالي، فمن الطبيعي أن تأتي كل المجتمعات؛ سواء أكانت في ماضي المجتمعات الغربية أم في حاضر المجتمعات الأخرى الشرقية، كأنماط متخلفة أو أقل، لم تصل بعد إلى هذا المستوى من العقلانية”.

ماكس فيبر والمجتمعات الإسلامية والقبلية والأبوية

وتابع أستاذ علم الاجتماع، المدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “هو نفسه ماكس فيبر كتب كثيراً عن المجتمعات الإسلامية والمفاهيم التي طورها عن النظام القائم على الرابطة القبلية والأبوية والنظام الأبوي، أيضاً البطريركية طوَّرها من خلال دراساته للإمبراطورية العثمانية، والكتابات التي كتبها هو نفسه عن الإمبراطورية العثمانية، وكان يوجد عالم اجتماع مشهور اسمه (تيرنر)؛ جمع هذه الكتابات، يعني جمع كتابات ماكس فيبر عن الإسلام؛ فكانت المجتمعات الإسلامية في ذهنه وهو يكتب أيضاً هذه الأطروحات، فكأنه وقع في هذا الشراك، ليس فقط في هذه الثنائية؛ وإنما حتى في تفسيراته الدينية للدين، لأنه اعتبر الديانة البروتستانتية هي الديانة المثلى؛ لأنها استطاعت أن تتجاوز فكرة الغيبيات وتقترب من المفاهيم العقلية، التي كان يحبها؛ فنظر إلى الأفكار التي طورها مارتن لوثر، وأنصار  البروتستانتية في أن يطرح هو أن هذه الديانة تختلف عن الكونفوشية في الصين، وتختلف عن الإسلام في المجتمعات الإسلامية، وتختلف أيضاً عن الديانة الهندوسية في الهند، واستمر يقارن بين كل هذه الديانات، ويؤكد أن كل هذه الديانات ليس فيها ما هو موجود في البروتستانتية من الروح العملية والإيمان القائم على التوجه العقلي..”.

المجتمعات الشرقية والسقوط في براثن الثنائية

واستكمل د.أحمد زايد: “حتى علماء الاجتماع الذين جاؤوا بعده، والذين لم يكن في ذهنهم المجتمعات الشرقية بشكل واضح؛ مثل دوركايم، وحتى علماء الاجتماع، وهربرت سبنسر.. وعلماء الاجتماع في أمريكا؛ فكرة الثنائية أصبحت عندهم فكرة محورية في التفكير، ويمكن كان فيه عالم اجتماع اسمه (تالكوت بارسونز)، توفي سنة 1979، يعني يعتبر متقدماً عنهم؛ ولكنه سقط أيضاً في براثن الثنائية عندما حوَّل الثنائية إلى خماسية، وهي خماسية- ثنائية أيضاً، يعني دائماً في زهنهم التفرقة، وعندما بدؤوا يدرسون المجتمعات التي في العالم الثالث بدأت هذه الثنائيات تكون الأسس التي بُنيت عليها ما عُرف في تاريخ علم الاجتماع بـ(نظرية التحديث)، والتي تبناها كثير من الكتاب العرب، وتبناها كثير من الكتاب في العالم الثالث، وصدَّر هؤلاء إلى المجتمعات غير الغربية؛ صدَّروا هذه النظرية التي تُسمى نظرية التحديث”.

مجتمعات تعيش ماضي المجتمعات الغربية

وأضاف أستاذ علم الاجتماع، المدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “نظرية التحديث تقوم على فكرة محورية؛ أنه هذه المجتمعات التي توجد خارج النطاق الغربي، تعيش ماضي المجتمعات الغربية؛ فهي إذن مجتمعات أبوية ومجتمعات قبلية ومجتمعات يجب أن تتغير نحو نفس فكرة ماكس فيبر؛ نفس فكرة فرديناند تونيز، عالم الاجتماع الألماني. فرَّقَ أيضاً ما بين المجتمع الصغير والمجتمع الكبير، وأن المجتمعات لا بد أن تتحول وتبقى تسير في خط التحديث الغربي؛ فيصبح النموذج الغربي هو النموذج المثالي في الديمقراطية”.

الثنائيات والاستبداد الشرقي

وأيَّد د.أحمد زايد، الحديثَ بشأن “الأساس الفكري” (الذي قامت عليه هذه الثنائيات التي تمظهرت في اشتغال علماء الاجتماع هؤلاء؛ فمنهم مَن اشتغل على منطقة بعينها، على لحظة بعينها، على فئة مستهدفة بعينها؛ في مجال جغرافي بعينه، فالثنائيات هي الأساس، الثنائيات التي ربما هي العمق الفكري الذي بدأ من مقولة الاستبداد الشرقي؛ التي ربطت الاستبداد بجغرافيا الشرق، وقدَّمت هذا الاستبداد كخاصية جوهرية حتمية تقريباً لا سبيل إلى الفكاك منها، وكيف أنها قديمة، فأرسطو يرى مثلاً أن الاستبداد كامن في الشرق؛ بسبب أن شعوبه البربرية، تميل بطبيعتها إلى الاستبداد). 

وقال أستاذ علم الاجتماع، المدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “صحيح تطوَّرت أيضاً في الغرب؛ بناء على كثير من الدراسات الأنثروبولوجية، ويجب أن نشير إلى الأنثروبولوجيا؛ لأنها وقعت في نفس شراك الثنائية، بناءً على المقولة التي ظهرت مع كتابات ليفيبرون، وأنه توجد عقلية بدائية؛ وهذه العقلية تتسم بأنها عقلية غير منطقية، يعني الفرق بينها وبين العقلية الحديثة أنها عقلية غير منطقية، وأن هذه العقلية يجب أن تتغير إلى أن تبقى عقلية، وكان الاستعمار عندما غزا هذه الشعوب، كانت الأنثروبولوجيا تدافع عن هذه الفكرة. وحتى الأدب؛ ربما نشير إلى الرواية الشهيرة لجوزيف كونراد، (قلب الظلام)، التي كُتبت عام 1902، وكان بطل الرواية يجلس هناك في لندن ويقارن، وبدأت هذه الأطروحة تشكِّل أُطراً فكرية؛ تم تصديرها وتم تكريسها طبعاً في بعض الناس، كالفكرة البنيوية مثلاً عند كلود ليفي ستروس؛ يعني رفضت فكرة العقلية البدائية، وبدأت تتطور أفكار مختلفة؛ إن التفكير واحد وجوهره واحد، وكده؛ إنما المجتمعات الأخرى، خصوصاً المجتمعات العربية؛ إذ وقعت في شراك هذه الثنائيات، ونستطيع أن نتحدث الآن كيف وقعت في شراكها”.

المجتمعات الشرقية قافلة توابل

وأضاف د.أحمد زايد: “أشير أيضاً قبل أن ننتقل إلى المجتمعات العربية؛ إلى كتابات بعض المستشرقين حتى عن الوطن العربي أو عن البلاد العربية.. أنا أشير إلى اثنين؛ واحد قديم وواحد حديث، الأقدم هو كارلتون كون؛ في الكتاب الأشهر بعنوان (كرفان)، وهو يشبه المجتمعات الشرقية العربية بأنها قافلة، والقافلة تحمل توابل؛ والتوابل فيها أنواع مختلفة، فهي مجتمعات مزاياك فسيفسائية متحركة، وفيها أهل الجبال وأهل الوادي وأهل الساحل وأهل الداخل؛ أهل الغلظة وأهل الفلاحين.. يعني كلها مجتمعات فيها فسيفسائية، ودي فكرة أكدت الثنائية؛ لأنه المجتمعات الأخرى غير فسيفسائية”.

تخلف العقل العربي والوقوع في شراك الثنائية

وتابع أستاذ علم الاجتماع، المدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “وفي العصر الحديث ظهر الكتابُ الأشهر لعالم سياسة مشهور اسمه باطاي، أمريكي، كتب كتاباً مهماً جداً؛ اسمه العقل العربي، وأؤكد لمَّا تقرأ هذا الكتاب وتجد فيه كيف أن العقل العربي خرافي، واحنا عندما بدأ المفكرون العرب يكتبون عن المجتمعات العربية؛ نجد أن هذه الكتابات؛ سواء أكانت عند ماكس فيبر أو عند باطاي، أصبحت فكرة العقل العربي اللي فيه كذا وكذا، ومتخلف، هي المسيطرة؛ فوقعوا في شراك الثنائية”.

الاستشراق كأداة هيمنة

واستطرد د.أحمد زايد: “نستطيع أن نشير إلى كثير من رواد النهضة اللي كان عندهم المقارنة؛ حتى رفاعة الطهطاوي.. يعني يقارن ما بين مجتمعات أصبحت نماذج مثالية؛ ولكن فيه ناس كتير زي بيتر جيران مثلاً؛ اعتبر الاستشراق أداة هيمنة، وله كتاب اسمه (الاستشراق وأداة الهيمنة). طبعاً إدوارد سعيد بدأ يكشف أنه بدأ ينكشف لدينا إنه، من خلال إدوارد سعيد، ومن خلال بيتر جيران، ومن خلال الدراسة المشهورة اللي عملها تومسي ميتشل، عن مصر؛ اسمها استعمار مصر، وهو متأثر جداً بميشيل فوكو.. أنا في نظري أن إسهامات ميشيل فوكو هي التي حوَّلت كل هذا الفكر؛ بما فيه فكر إدوارد سعيد، وبما فيه فكر بيتر جيران، (المعرفة والخطاب والسلطة والجدل الحاصل بين هذه الثلاثية؛ هو الذي فضح كل شيء)، وفتح الطريق نحو فهم مختلف لقضايا الاستشراق”.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع، المدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “هذا الفتح يجب أن يمكننا الآن من إن إحنا ننتقد كل مَن كتب عن العقل العربي.. أنا قد أشير إلى مثلاً كتابات محمد عابد الجابري، رغم أنه أستاذ عظيم؛ فإنه وقع في فكرة شراكية العقل العربي، وأن هذا العقل وصفه بأوصاف معينة.. صحيح أن فيه تحليلات عميقة للتراث العربي وكده (لا يجب أن نستخلص منها ما يعتبر جوهراً)، وأيضاً هشام شرابي في موضوع البطريركية.. أنت عندما تقرأ لهشام شرابي كأنك تقرأ لماكس فيبر”.

شراك المضمون الاستشراقي وتقسيم العالم إلى ثنائيات

قال د.أحمد زايد: “المدينة العربية والمدينة الإسلامية.. هناك الغرب؛ مدينة مفتوحة، مدينة تسكنها البرجوازية التي تؤسس للرأسمالية. اللي هو أصلاً بيدافع عنها ماكس فيبر دفاعاً كبيراً؛ إنما المدينة العربية، المسجد والبزار والسوق والأحياء السكنية المغلقة.. لكل مكان مغلق، وفيه باب، وهي نفسها بتعكس، رغم أنه الحديث هنا عن العمارة؛ ولكنه نستطيع إن إحنا نشم فيه رائحة فكر بندوسكي.. عندما قارن ما بين الشرق المغلق والغرب المنفتح أو المجتمعات اللي فيها يعني حتى في الرجوع للجغرافيا، المجتمعات الباردة والمجتمعات الحارة.. هذه القصة أصبحت مسيطرة على الفكر السوسيولوجي..”.

الغزوة الاستشراقية والمواجهة بالاستغراب

وأضاف أستاذ علم الاجتماع، المدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “علم الاجتماع… سيطرة كبيرة جداً، ولم نستطع إن احنا ننقد نظرية التحديث هذه التي تم تأطيرها من خلال هذا الفكر.. لم نستطع أن ننقدها نقداً كبيراً، ولم نستطع.. حتى المفكرين الفلاسفة، أقصى حاجة كُتبت في مواجهة هذه الغزوة الاستشراقية، فكرة حسن حنفي عن الاستغراب.. إن احنا نواجه الاستشراق بالاستغراب، ندرس الغرب مثلما درسونا، ونحلل الغرب مثلما حللونا، ونكتشف الانكسارات اللي موجودة في المجتمعات الغربية؛ وهي فكرة لم تستطع أن تقدم تجاوزاً..”.

هل أفادت السوسيولوجيا الاستشراق؟

وتحدث د.أحمد زايد؛ كونه سوسيولوجياً محنكاً، وهل السوسيولوجيا أفادت الاستشراق وجددت دماءه؟، قائلاً: “السوسيولوجيون العرب معظمهم تعلموا على الطريقة الغربية؛ فاعتبروا أن ما يتعلمونه في الغرب هو النموذج المثالي للكتابة السوسيولوجية؛ بل إنك قد ترى أن الذي تعلم في ألمانيا أكثر تأثراً بترويج أفكار ماكس فيبر، والفكر الألماني بشكل عام. رغم أنه فيه في الفكر الألماني نفسه حاجات ممكن تستخدم أن هو يخرج من دائرة الاستشراق، من دائرة الثنائية، وتجد الذي تعلم في إنجلترا يأخذ نفس المدرسة الإنجليزية، أريد أن أقول إنه السوسيولوجيا لم تعِد إنتاج الفكرة الثنائية فقط؛ بل أعادتها بشكل كبير جداً من التشوه أو التنوع المشوه”.

نقد علم الاجتماع نفسه

وأضاف أستاذ علم الاجتماع، المدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “إنهم لم تكن لهم أية كلمة؛ سواء حول نقد هذه الأفكار أو إعادة صياغتها بأشكال أخرى، وعندما بدؤوا في تقديم أطروحات، اعتقدوا أنها أطروحات مختلفة، اتجهوا إلى نقد علم الاجتماع نفسه، يعني لم يتجهوا مثلما اتجهت الفلسفة مع محمد عابد الجابري وغيره، إلى نقد المجتمع العربي نفسه، ولكن كان بمقدورهم أن ينتجوا نظرية للحداثة العربية.. كيف تشكَّلت وهذه النظرية يمكن أن تقدم موقفاً من قضايا ثنائية ومن الاستشراق؟ وتبقى رؤية صحيح بكل النظريات السابقة؛ ولكنها رؤية من الداخل”.

وتابع د.أحمد زايد: “هم لم يتجهوا هذا الاتجاه.. فيه عدد قليل من علماء الاجتماع اتجهوا هذا الاتجاه. إنما الاتجاه الأكبر الغالب عليهم كان نقد أنفسهم وجلد أنفسهم. عشان كده طلعت كذا دراسة عن علم الاجتماع العربي، وما هو علم الاجتماع العربي، وأنت عندما تقرأ هذه الكتب؛ يعني أنا شخصياً بتأتيني غصة من كثرة الحديث عن الأزمة، وأنه إحنا في أزمة، وأنا عندي قناعة بأن الذي يثير قضية الأزمة هو نفسه بيعبر عن أزمته الشخصية، وإن الحديث كثيراً عن الأزمة فيه نوع من الخطاب الذي يحقق فائدتَين؛ فائدة إنه أنا باعتبر المجتمع مأزوماً، وأنا كمان أعيد إنتاج بطولتي الشخصية، إن أنا خارج هذه الأزمة.. هم المتأزمون وأنا لست متأزماً (كل مَن ينتقد الأزمة يحسب نفسه خارجها).

نقد علم الاجتماع الغربي وشراك الثنائية

واستكمل زايد: “ولذلك أنا دائماً أعمل مجادلة حول نقد خطاب الأزمة، وأنا ربما أحسب نفسي من ضمن الناس اللي همَّ يعني بدؤوا حياتهم، أنا كتبت رسالة الماجستير في نقد علم الاجتماع الغربي، كان عنوانها كده (نقد المجتمع)؛ أخذت كل نظريات علم الاجتماع وحللتها تحليلاً نظرياً، وكتبت هذه الرسالة في عام 1976 في وقت مبكر جداً، وأنا في ما بعد بدأت أطور بعض الأفكار عن الحداثة العربية.. طبعاً أنا مش عايز أقول إن أنا عملت، بس فيه بعض الناس، فيه بعض الأفكار هنا وهناك.. تجدها عند بعض العلماء العرب، قلائل جداً، يطورون نظريات دون أن يقعوا في هذا الشراك الخاص بالثنائية؛ ولكن هذا الاتجاه ليس غالباً وليس هو الاتجاه المسيطر.. لا تزال الأفكار الثنائية قائمة، ولا تزال الأفكار الغربية هي المسيطرة”.

وتحدث أستاذ علم الاجتماع بشأن أن “الغرب يتطور أحياناً ببراجماتية؛ مثلاً كيف أن علم الاجتماع الغربي يشتبك مع بعض نظريات علم الاجتماع المديني، يضع نصب عينيه الفضاء العربي الإسلامي، الذي يشتغل عليه، وينتج لك مثلاً سوسيولوجيا الإسلام؛ تحس أن هناك نوعاً من الذهاب إلى الموضوع، ويعرفون كيف يؤطرون موضوعاتهم بدقة ويشتغلون عليها”، قائلاً: “في مقابل الهروب من الموضوع في مجتمعاتنا، نحن نهرب من الواقع؛ يعني الذين يكتبون خطاب الأزبد؛ هذا يهرب من الواقع.. كان من الممكن إن إحنا في دراسة هذا الواقع ونكتشف تاريخية هذا الواقع، وكيف تشكَّل هذا الواقع، كيف استقبلنا الحداثة الغربية، وكيف استملكناها، وكيف تجلت هذه الحداثة بين ظهرانينا؟ وما الطبائع المختلفة؟ وكان ممكن نأخذ بعض الأفكار من ابن خلدون، ومن المجتمعات الغربية نفسها؛ لأنه ثمة علماء في المجتمعات الغربية قدموا إسهامات عظيمة جداً، يمكن لعالم الاجتماع في المجتمع العربي أن يستفيد منها”.

الغرب قهرنا بتمركزه حول الذات

وأضاف د.أحمد زايد: “أذكر منهم على سبيل المثال بيلبورديون؛ لم يسقط في قصة الثنائية، ولا نستطيع أن نقول إن هوَّ شخص بيفرق ما بين تطور نظريته من دراسة القبائل، نظرية الممارسة، طورها من دراسات القبائل في الجزائر.. فطبعاً عنده نظريات تقدم لنا إطاراً يمكن أن نشتق منه بعض الأفكار، وندرس المجتمعات بتاعتنا، ونطوِّر ونعدِّل في النظريات، ونخرج بعض النظريات التي يمكن أن تتحول على مدى طويل إلى نظرية، وأنا أشرت إلى بيتر جيران.. إحنا دَعِنَاه في المكتبة (يقصد مكتبة الإسكندرية) من حوالي شهر، وعرض أفكاره حول هذا الكتاب، وهو يقول إن الغربَ صدَّر لنا أفكاراً، ونحن تعلقنا بها، ومن ضمن الأفكار فكرة الثنائية التي تحدثنا عنها، ثم فكرة الهوية.. جعلنا ندور ونلف حول قصة الهوية لأنه خلق لدينا قلق الضآلة (لأن الغرب متمركز حول ذاته، قهرنا بتمركزه حول الذات)؛ فصرنا نبحث، والكلام الذي كتبه فرانز فانون في (معذبون في الأرض)، وكيف إنه جعلنا نكره جلودنا، ونتصور إنه فيه إنسان أبيض في داخلنا، ونحن لدينا لون مختلف عن اللون الأبيض..”.

علم الاجتماع الإفريقي وآثار الاستعمار وتشابكاته

وتابع أستاذ علم الاجتماع، المدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “فهذه كلها من آثار الاستعمار التي يجب أن نتيقظ لها.. وعلى فكرة، في علم الاجتماع الإفريقي، فيه دراسات في إفريقيا بدأت تأخذ، لا نريد إن إحنا نرفع شعاراً ضد الاستعمار بالشكل القومي أو بالشكل.. إنما نقول إن هذه العلاقات خلقت أشكالاً من التشابكات التي يجب إن إحنا ننقدها، ويجب إن إحنا نتعامل معها بأشكال مختلفة وبطرق مختلفة؛ فيه في علم الاجتماع الإفريقي مثلاً محمود ممداني وآرشي مافيجي”.

علم الاجتماع والباحثون والإرهاب والإسلام السياسي

قال د.أحمد زايد: “نعود إلى قضية أخرى؛ وهي الدور السياسي أو الدور الأيديولوجي لعلم الاجتماع، والدور اللي بيلعبه علم الاجتماع في المنظومة الغربية؛ في خدمة المصالح الغربية.. طبعاً حتى علم الاجتماع نفسه توصل إلى أفكار، أن المجتمعات تعيش في حالة خطر، وأن الخبراء هم الذين يديرون المجتمعات، وأن أهمية بيوت الخبرة وأهمية المراكز البحثية، فيرفعون هذه الخطابات، وتبقى في مقابلها كمان خطابات بتصور المجتمعات الأخرى الإسلامية على أنها مجتمعات بتناهض حقوق الإنسان، ولديها مشكلات.. هي تعيد نفس فكرة الثنائية؛ ولكن بأشكال جديدة من الخطاب اللي فيه شكل من أشكال التناقض الكبير جداً بين إنه بيصنع هيمنة اقتصادية كبيرة جداً من خلال العولمة، وهيمنة ثقافية كبيرة جداً من خلال العولمة، ويخلق عالماً هو الذي يسيطر على كل مفاتيحه الاقتصادية والسياسية والثقافية؛ وفي نفس الوقت يصدر أفكاراً.. نحن ندرس هذه المجتمعات من أجل مصلحتها والخبراء وحقوق الإنسان؛ فكأنه يقدم من الناحية الأخرى حاجة أنا أطلق عليها أخلاقيات براءة الذمة، يعني يبرئ ذمته مما يفعله من استعماره الجديد، والأُطر الاستعمارية المختلفة التي تفرضها العولمة“. 

وتابع أستاذ علم الاجتماع: “قد ينتهي حديثنا إلى أن ننتهي إلى قضية أخلاقية، وأن العالم يحتاج إلى مراجعات فكرية حول مفاهيم الأخلاق التي سيطرت على تشكيل العالم؛ والتي شكلت المنظومات الاقتصادية والمنظومات السياسية والمنظومات الأخلاقية في العالم.. الحداثة بدأت كمان من إيطاليا؛ من الفن، بدأت بالموناليزا، بهذه العيون، وهذه الابتسامة المنغزة الساحرة، وبدأت تتطور بكوجيت وإيرجو صام.. أنا أفكر، أنا إذن موجود، وفلسفة التنوير والعقد الاجتماعي.. كلها حاجات تبعث بروح أخلاقية جديدة؛ ولكن المجتمع تطور بعيداً عن هذه الروح”.

واستطرد د.أحمد زايد: “ولذلك أنا في أحد كتبي التي سوف تصدر قريباً؛ كاتب فقرة عن قتل كانط وإحياء ميكافيللي؛ في تاريخ القتلة، الحداثة الغربية والمجتمعات الرأسمالية.. بهذه الصورة المعولمة.. ولذلك أنا انتقلت من السوسيولوجيا، أنا طبعاً موضوع الدين ده موضوع مهم جداً؛ أنا اهتممت شوية بتحليل الحقل الديني، طلعت بعض الأفكار وبعض الحاجات..”. 

تحليل الحقل الديني ومنظومة وأخلاقيات العولمة

واختتم أستاذ علم الاجتماع، المدير الحالي لمكتبة الإسكندرية: “إحنا محتاجين نركز تركيزاً كبيراً على تحليل الحقل الديني، ومحتاجين إن احنا نفهم وضعنا في منظومة العولمة، وإن إحنا نحلل أخلاقيات العولمة؛ ولذلك أنا أكاد أنتهي الآن من كتاب بعنوان (سؤال الأخلاق)؛ يعني أنا سوف أنشره قريباً.. أنا في الفصول الأخيرة منه في المراجعات الأخيرة، ويناقش كثيراً من المنظومات الأخلاقية التي قامت عليها الحداثة، والتناقضات الأخلاقية التي أفرزتها، ودور العلم في تكريس هذه التناقضات. وفي الآخر خالص إنه يصبح العلم أداة أساسية من أدوات الهيمنة؛ خصوصاً العلم الاجتماعي، حتى العلم الطبيعي أيضاً هو أداة من أدوات الهيمنة؛ لأنه يحتكر جزءاً منه، ولا يعطي ولا يفتح المجال.. قراءته ولا معرفته بشكل دقيق، هو يحتكره، فنحن نحتاج إلى أن نحلل هذه المنظومات الكلية للعولمة؛ بما فيها من ثنائيات وتناقضات وتركيبات؛ من أجل أن نفهم أنفسنا؛ أين نحن؟ وأين نكون؟ ومَن نحن؟ وكيف نكون؟ وأن نتأمل ذاتنا بشكل أفضل من أن نجلد ذاتنا، ربما يكون هذا إحدى الوسائل؛ لأنه كلما تعمقنا في المعرفة؛ في معرفة ذواتنا وفي معرفة مجتمعاتنا وفي معرفة تاريخنا، بالتأكيد وجودنا سيكون أفضل. لو عُدنا إلى أن المعرفة تمكننا من تحقيق وجود دائماً أفضل وأرقى”.

Leave a comment

0.0/5